Thursday, November 03, 2011

دعوة للقضاء على الفساد الإداري من خلال النيو ميديا

من المؤسف أن يستمر ذكر العراق في صدارة الدول التي تعاني الفساد الإداري سنة تلو الأخرى. ولكن الأمر الأكثـر إيلاماً هو أن ترى مسؤولي الدولة في حالة نكران كامل لهذه القضية المهمة، إن لم تكن الأهم في الوقت الراهن. بل أنهم نادراً ما يتناولون موضوعة الفساد الإداري في إطار الحلول المطروحة أو أن يشرحوا لنا خطتهم في التصدي لتلك الظاهرة الخطيرة.

يتحدث بعض الناس، عند تناولهم موقف الحكومة الرسمي من الفساد الإداري، عن أمور مثل السماح لبعض المسؤولين بتفشي الفساد عمدا بين داوئرهم من اجل التغطية على ممارساتهم الفاسدة هم أنفسهم. بينما يقول آخرون: إن الفساد يخدم بعض الأحزاب المتنفذة لغرض الإبقاء عليها في السلطة من خلال التمويل المنتظم الذي ما كانوا ليحصلوا عليه من طريق آخر.
لكن الظاهر أن هذه الآراء، وإن حملت بعض الأجوبة، لا تستطيع أن تقدم تفسيرا شاملا لاستشراء الفساد الإداري بما يتجاوز المعدل المتعارف عليه في دول فقيرة ومتخلفة قياسا بالعراق. وهي أيضا لا توضح تخاذل الحكومة، المكونة من أحزاب متصارعة دأبت على إظهار مواطن العيب لدى بعضها البعض الآخر.
لهذا فلابد من وجود أسباب أكثر عمقا جعلت من هذه القضية عسيرة على الحل إلى هذه الدرجة. وربما يكون أهم هذه الأسباب هو كون هذه الظاهرة موروثة من النظام السابق، الذي سقط إثر الغزو الأميركي عام 2003. فقد عملت أجهزة ذلك النظام على رعاية الفساد الإداري بشكل ممنهج، بسبب عجز الدولة عن توفير ابسط سبل العيش لموظفيها. فقد كان معدل دخل الموظف العادي الشهري، على سبيل المثال، لا يكفي لسد نفقات نقله إلى دائرته أو مدرسته أو ما سواهما. واذكر أن نائبا في مجلس العموم البريطاني زار العراق إبّان فترة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق، وتحدث في مؤتمر صحفي من مستشفى، مشيدا بالأطباء العراقيين الذين قبلوا أن يعملوا في مستشفياتهم براتب لا يزيد على "ثمن بيضة في اليوم الواحد". ومن الواضح أن مثل هذا الأجر لا يقيم أودا ولا يسد رمقا. ولم يكن لدى الأطباء العراقيين من سبيل سوى العمل في المستشفيات حسب قانون التدرج الطبي، ولكنهم وجدوا موردا آخر للعيش من خلال العيادات الخاصة. أما غيرهم من الموظفين فإنهم قلما أتيح لهم العمل في القطاع الخاص، الذي عانى هو الآخر من مشاكله الخاصة نتيجة الحصار الاقتصادي.
وهكذا لجأ الكثير من الموظفين إلى ممارسات تندرج تحت مسمى الفساد الإداري، وإن لم يعدها جميع الشعب كذلك. مثال ذلك دفع مبالغ مالية، قد لا تكون كبيرة، من اجل تجاوز الدور، أو استحصال موافقات روتينية لغرض تمشية المعاملات التي، ما عدا ذلك، ليس هناك من داع لإيقافها. وتطور الأمر إلى زيادة التعقيدات الإدارية والروتينية لحمل المزيد من الناس على الدفع وتخليص معاملاتهم. وإذا لم يكن هناك ضرر مباشر على المصلحة العامة نتيجة لهذه الممارسات، فان ضررها المتراكم كان اكبر من كل قضايا الفساد المألوفة، مثل الاختلاس والرشوة والمحسوبية. لقد أدى شيوع ثقافة تجاوز الروتين الحكومي عن طريق دفع الأموال للموظفين العموميين إلى شرعنة هذه الممارسة حتى بات من الصعب إقناع كل من طرفي المعاملة، المواطن والموظف، إنها خطيئة كبيرة. فكم مرة سمعت، عزيزي القارئ، عن ممارسات مثل استحصال إجازة قيادة بدون حتى الذهاب إلى دائرة المرور؟ ومثلها لحالات جواز السفر؟ أنا واثق من أن لديكم الكثير من الأمثلة التي تغني عن المزيد من الإيضاح.
إن شيوع هذه الثقافة قد انعكس على النظام الجديد بكامل صورته، وان تغيرت الأحوال. نعم، لم يعد الموظف بحاجة إلى "الإكرامية"، بعد أن تحسنت أحوال معظم الموظفين المالية. ولكن الكثير من الموظفين كانوا في الخدمة قبل التغيير واستمروا بعده. وإذا كان هناك أمر (شرعي) تحت ظرف ما، فسيبقى شرعيا تحت كل الظروف. لان المبدأ الأساس في الأخلاق هو أنها غير نسبية. فالسرقة سرقة سواء أنفقتها على الموبقات أو لغرض إطعام الفقراء. وانه لمن دواعي الأسف الشديد أن معظم الناس يتفقون على أن الرشوة أمر خاطئ وحرام لكن الكثير منهم لا يتوانى عن دفعها من اجل الحصول على غايتهم بشكل ميسر. وهم يتفقون على تحريم السرقة والغصب وأكل مال الغير، ولكنهم لا يجدون أن الرشوة هي فعل يضم هذه الأمور الشنيعة اجمعها.
لذلك إن أردنا أن نتصدى إلى الفساد الإداري يجب علينا أن نبدأ من القاعدة: من صغار الموظفين وعامة الشعب. طبعا نحن ندرك وجود جهات متخصصة بهذا الشأن مثل هيئة النزاهة، ودوائر المفتش العام في الوزارات وديوان الرقابة المالية، وحتى منظمات المجتمع المدني. لكن الممارسات الصغيرة لا تصل في العادة إلى تلك الجهات. وحتى إن وصلت فلربما لا تجد اهتماما كافيا لكون تلك الجهات مشغولة بقضايا فساد اكبر. وبالتالي فان استمرار هذه الممارسة يعني ترسخها واستشراءها أكثر فأكثر.
إن ما ندعو إليه هو حملة منسقة، لا تقودها مؤسسات الحكومة أو البرلمان، بل يقودها المواطنون أنفسهم. تلك الحملة تشرح للناس أن تقديم الإكرامية هي عملية سرقة بشكل أو آخر، وهي غصب لحق شخص آخر، وهي بكل تأكيد أمر شنيع لا يقل عن الفساد في عقود الكهرباء أو النفط أو السلاح. فالأمر الخاطئ لا يكون صحيحا إذا كانت قيمته اقل من دينار أو ألف أو مليون مثلا.
هذه الحملة يجدر أن تروج باستخدام وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف والاذعات والفضائيات، ولكن بشكل أكثر تفاعلا من خلال وسائل (نيو ميديا) وهو تعبير عن وسائل الإعلام الجديدة التي بات الناس العاديون محررين فيها مثل ما هم قراء. ومن الأمثلة على ذلك مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، وكذلك المدونات الشخصية المعروفة بـ(بلوغ). والسبب في اعتقادنا بان مثل هذه الحملة يمكن أن تؤدي في آخر الأمر الى تأخير موقع العراق على قائمة الدول التي تعاني الفساد، وذلك بأن يتحدث الناس فيها بالطريقة التي يشعرون بأنهم جزء منها، أي أنهم سوف يكونون رعاة للحملة أكثر من كونهم مجرد هدف لها. وهكذا فانك تجد من الصعب أن تخالف ما تعظ به، لكنك ربما تجد من المغري أن تخالف الوعظ الذي يلقى عليك.
وسوف أبدأ بان اطلب من كل إنسان شريف أن يقول معي "الإكرامية مثل الرشوة وكلاهما عيب وحرام".

Friday, October 28, 2011

فشل قطاع المقاولات الانشائية.. الاسباب والنتائج

تحدث السيد رئيس الوزراء، نوري المالكي، لدى زيارته الى محافظة بابل مؤخرا، عن تأخر تنفيذ المشاريع التي تقوم بها المحافظة، وحتى توقفها بشكل كامل. وقال انه أُحيط علما بتلك المشاريع وانه على ثقة ان هناك مشاريع اخرى متوقفة، ومع ذلك برأ الحكومة المحلية من أي تقصير وان السبب الاساسي في توقف المشاريع يعود الى التنافس بين المقاولين عند تقديمهم عطاءاتهم، ما ادى الى خفض الاسعار بشكل كبير. وما ان يبدأ المقاول في تنفيذ العمل، بحسب المالكي، حتى يكتشف المقاول الذي تحال بعهدته مقاولة المشروع ان الاسعار التي تقدم بها خاسرة فيعمد الى التقصير في العمل وحتى الهروب من تنفيذ المقاولة الامر الذي يؤدي الى توقف العمل في المشروع تماما.
ان وجهة النظر هذه ليست مقتصرة على شخص السيد رئيس الوزراء، ولكن ربما يصرح بها بين الاونة والاخرى مسؤولون في الدولة على تعدد مستوياتهم، وهي ايضا وجهة النظر الشائعة بين عموم المواطنين الذين لا يرون في عملية تنفيذ المشاريع سوى المقاول. وفي الحقيقة، فانه قليلا ما يجري التطرق الى دور الدوائر المشرفة على المشاريع، والى تقصير بعض هذه الجهات الحكومية في الاشراف والمتابعة، وكذلك اعداد الكشوفات التخمينية المناسبة، والمخططات الهندسية المتكاملة، وتحليل الاسعار التي يتقدم بها المقاولون حتى لا تتم احالة المقاولة باسعار تعتبر عمليا خاسرة. يضاف الى ذلك تعقد سلسلة المراجع الى درجة يصبح من الصعب الوصول الى قرار من شأنه دفع عجلة العمل عند تعرضه الى ظروف تستوجب اجراء تغييرات او احتساب مستحقات للمقاول لم تكن واردة في الكشوفات الاصلية للمقاولة.
لقد اضحى قطاع المقاولات ضحية سهلة لكل اتهام بتقصير او فساد او اختلاس او ما شابه، وعبّر العديد من المقاولين عن سخطهم لهذا الوضع حتى قال احدهم: "هل جفت ارحام العراقيات عن انجاب مقاولين شرفاء، بينما هي خصبة في انجاب سياسيين نجباء؟" وهذا تساؤل اجده حق، لان من العدل عدم اخذ الكل بجريرة البعض. واذا كان وضع قطاع المقاولات الانشائية اليوم يُعد سيئا، فانه ربما شهد عصره الذهبي في فترة السبعينيات من القرن الماضي، على الرغم توجه الدولة آنذاك نحو الاشتراكية والحد من سطوة "الطبقة البرجوازية". فقد نجت هذه الفئة من عمليات المصادرة والتأميم التي شملت المعامل الكبرى للشركات "الاحتكارية" والمزارع المملوكة لكبار "الاقطاعيين" لصالح القطاع العام، حيث يكون للدولة القول الفصل في عمليات الانتاج والتسويق على مختلف مراحلها. وقد يكون السبب في هذا الى عدم قدرة الدولة على حصر رؤوس الاموال المستثمرة في قطاع المقاولات الانشائية، وايضا صعوبة الاستعانة بالقدرات الحكومية الناشئة للحلول محل القطاع الخاص في هذا المجال.
على كل حال، لم يتمتع "المقاول" بالسمعة الحسنة في ذلك الوقت كذلك كونه يمثل خطا معاكسا لتوجهات الدولة في الاستحواذ على كل مقدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، كما استحوذت على شؤونه السياسية من خلال سياسة الحزب الواحد وتمجيد الشخصية ونسبة جميع الانجازات الى شخص "القائد الضرورة".
ورغم تغير السياسات الاقتصادية في العقود التالية واتجاهها نحو الخصخصة وتشجيع دور القطاع الخاص بعد ثبوت فشل القطاع العام لوحده في دفع الاقتصاد الى امام، الا ان وضع "المقاول" لم يتحسن كثيرا. فقد ولج الى هذا القطاع العديد من المغامرين الذين لم يكن لديهم خبرة كافية في هذا المجال، ولم يدفعهم الى الاستثمار في هذا القطاع سوى الرغبة في الحصول على الربح السريع من خلال تنفيذ اعمال بسيطة نسبيا باسعار عالية، وساهم في هذا الامر تفشي ظاهرة الفساد الاداري والمالي في دوائر الدولة، خصوصا في فترة التسيعينيات وما رافقها من حصار اقتصادي اصاب مقتلا لدى فئة الموظفين الحكوميين على وجه الخصوص، ومنهم من يتولى الاشراف على تنفيذ الاعمال الانشائية التي يقوم بها هؤلاء المقاولون. وهكذا اضحى قطاع المقاولات الانشائية ارضا خصبة لفساد واسع النطاق غضت الدولة طرفها عنها فاستفحل حتى صار سمة مرادفة للمقاول، وعانى من ازمة ثقة على المستويين الشعبي والرسمي، وصار من المعتاد التشكيك في نيات المقاول بالربح بغض النظر عن المصلحة العامة او التقيد بالشروط والمواصفات المعتمدة في هذا المجال.
وبعد زوال النظام السابق، وتولي القوات الاميركية زمام الامور في العراق، ظهرت بوادر اعتماد متزايد على المقاولين المحليين في تنفيذ مشاريع الاعمار الكبيرة منها والصغيرة. غير ان قصور فهم القوات الاميركية لطبيعة هذا القطاع وعدم امكانيتهم تمييز المتخصصين في هذا المجال من المُدعين، بالاضافة على التقصير الواضح في ادارة المشاريع والاشراف عليها، ادى كل ذلك على تزايد النقمة على المقاولين بدون تمييز، وحتى التجريح في وطنيتهم بعد هروب الكثير منهم الى الخارج اثر حصولهم على ارباح طائلة في فترة وجيزة.
وهكذا لم يأت تغيير النظام الا بمزيد من الويلات على قطاع المقاولات الانشائية ودفع بالمقاولين الى اتخاذ مواقف حذرة ان لم تكن سلبية من مجمل عملية اعادة الاعمار. وترك العديد من المقاولين ذوي الخبرة العمل في هذا القطاع ليمارسوا نشاطات تجارية او سواها تفاديا للنظرة السلبية تجاههم.
من كل ما تقدم يتبين لنا ان هناك ازمة ثقة تجاه المقاولين الانشائيين انعكست على طبيعة الدور الاشرافي من قبل الجهات الرقابية المناط بها تدقيق الاعمال المنجزة ما حدا بها الى وضع ضوابط صارمة لصالح تنفيذ الاعمال الانشائية بما يتوائم مع متطلبات الشروط والمواصفات الفنية. واتخذت الاجراءات الادارية طابعا روتينيا معقدا بدءا من اجراء الفحوصات المختبرية على المواد الانشائية المستعملة في التنفيذ وتدقيق الاعمال المنجزة او قيد الانجاز، مرورا بمنح التمديدات الزمنية واوامر الغيار، وصولا الى صرف السلف والمستحقات المالية، وليس انتهاءا بعملية الاستلام الاولي والنهائي للمشاريع المنجزة. ويبدو ان ما يدور في خلد الجهات الحكومية ان المقاول لا يدخر جهدا في خداعها للحصول على المزيد من الارباح.
ونظرا لرغبة الجهات الهندسية المشرفة على الاعمال التي يجري تنفيذها في درء التهمة المطروحة سلفا بالتواطؤ مع المقاول، فقد عمدت هذه الجهات الى وضع آليات معقدة من اللجان المتعددة المستويات بحيث تعمل كل منها على التحقق من عمل اللجنة الاقل مستوى من خلال الحلول –عمليا– محلها وليس مجرد تدقيق الاوليات للتأكد من مطابقة الارقام والنتائج لواقع الحال. وخلقت هذه العملية سلسلة طويلة من الاجراءات التي تستغرق وقتا طويلا قبل الوصول الى قرار يصب في مصلحة العمل.
وهكذا فليست هناك وصفة سحرية للنهوض بواقع تنفيذ الاعمال الانشائية من خلال المقاولين المتخصصين يمكن تطبيقها بين ليلة وضحاها. لكن من الممكن رسم خارطة طريق يمكن ان تفضي في نهاية المطاف الى تحسين وضع هذا القطاع المهم وتعزيز دوره في اعادة اعمار البلاد. وبغية وضع مثل هذا المخطط، لابد من التخلي عن النظرة السلبية اتجاه المقاولين، والبدء في النظر الى هذه الشريحة على اساس انها ليست فقط مكملة بل اساسية من اجل عملية اعادة الاعمار، وان المقاولين وان كان غرضهم الربح، شأنهم في ذلك شأن كل فئة عاملة، الا انهم لا يقلون وطنية عن اقرانهم من ابناء الشعب.
وبالمثل، يجب النظر جديا في اجراءات الاشراف الفني على المقاولة ومحاسبة الجهات الهندسية التي يحدث تقصير في تنفيذ المشاريع التي تقوم عليها، على اعتبار ان التقصير في تنفيذ الاعمال ليس مسؤولية المقاول لوحده، وانما هناك دور اساسي للدوائر المشرفة عليه. ومن الممكن ان يصار الى تشكيل لجان تحكيم دائمية تعمل على النظر في المنازعات التي قد تنشأ بين المقاول وبين الجهات المشرفة عليه بشكل عاجل، ويكون لها القول الفصل في حل هذه المنازعات. واذا ثبت ان المقاول او من يشرف عليه قد تعمد الحاق الاذى بالمشروع، فهذه جريمة خيانة عظمى، اذ لا مبرر لان يقوم أي انسان بالاضرار بالمصلحة العامة مهما كانت الاسباب الشخصية. وعلينا ان نتذكر على الدوام انه اذا استمر الوضع الحالي للمقاولين، فلن تصبح لدينا شريحة واعية مسؤولة تتولى تنفيذ المشاريع الهندسية، بل لن يتصدى لمثل هذه الاعمال سوى مغامرين وشذاذ الآفاق الذين لا يأبهون لشيء سوى الحصول على الربح باسرع وسيلة. ويجب على الدولة ان تأخذ دورها بتصحيح المسار، لا ان تعمد الى القاء التهم على المقاولين والدفاع عن كوادرها، بدون ان يتم النظر مليا في الاسباب التي أدت الى فشل المشروع تلو الاخر.

Saturday, September 17, 2011

الثورات العربية وهاجس المد الديني

صدرت في الاونة الاخيرة تحليلات سياسية عن بعض المحللين الغربيين تعبر عن القلق من ان تؤدي الحركات الشعبية المطالبة بالحريات في منطقة الشرق الاوسط الى ظهور تيار ديني ووصوله الى سدة الحكم في بلدان المنطقة، وهو ما قد يقود الى انظمة سلفية متشددة ربما تغذي الحركات المتطرفة التي تسعى الى تقويض الانظمة الغربية وفرض رؤيتها الضيقة عليها.

وربما يُعد وصول حركة طالبان الى الحكم في نهاية القرن المنصرم مثالا على الطريقة التي تستطيع بها حركات ذات نزعة شمولية ان تستحوذ على تأييد واسع بين مواطنيها مشكلة تيارا سياسيا واسع النفوذ على الرغم ضيق افكار هذه الفئة وعدم نضجها سياسيا لقيادة البلاد باسرها.

لكن سقوط حركة طالبان السريع عقب احداث الحادي عشر من ايلول، نتيجة ايوائها تنظيم القاعدة ودعمها له، وافتقارها الى منهج سياسي-دبلوماسي للتعامل مع الدول الاخرى، لهو اوضح مثال على عدم اهلية التيارات الدينية المتشددة في التصدي للقيادة السياسية، بدءا من التنظير الى التنظيم وحتى التطبيق، بسبب ابتعادها النسبي عن هموم الشعب اليومية وترفـّعها عن الخوض في مسائل حياتية مثل توفير العيش الآمن والمرفه لمواطنيها، وتوجهها الكامل الى منطق الحروب المصيرية وفرض افكارها على شعبها اولا ومن ثم بقية الشعوب.

ولا شك ان هناك مدا دينيا يقف وراء بعض الحركات الشعبية في العالم العربي، ومنطقة الشرق الاوسط ككل، ربما يكون قد تكوّن كرد فعل عن فشل العلمانية المعتدلة في تحقيق طموحات الشعوب، او نتيجة لتفشي الفساد في مفاصل دول المنطقة، وانتشار البطالة والمحسوبية وضعف ادارة الموارد الطبيعية والبشرية لصالح تحقيق تنمية حقيقة في تلك البلاد. هذا المد الديني وجد في العودة الى الاصول اجابة مبسطة تدعو الى تطبيق المباديء الاساسية للدين المتمثلة بالعدالة والمساواة والاخاء والتسامح. وعلى الرغم من الحركات العلمانية تؤمن بمثل هذه المباديء السامية، الا انها لا تبدو، بنظر المواطن العادي، مقيدة بقانون الهي يمنعها من تجاوزها على العكس من الحركات ذات الايديولوجية القائمة على اساس تشريعية سماوية مقدسة.

ففي مصر، على سبيل المثال، طالما خرجت المظاهرات والاعتصامات لفترة طويلة سابقة لما اصطلح على تسميته بالربيع العربي. ونادت هذه الحركات ذات الطابع العلماني بمحاربة الفساد واطلاق الحريات والاصلاح السياسي. وقد واجهت السلطات المصرية مثل هذه الحركات الشعبية بطرق لا تختلف كثيرا عن تلك التي استخدمتها في مواجهة الاحداث الاخيرة. وهي قد نجحت في قمع الحركات التحررية كلها باستثناء ثورة يناير التي أدت في آخر الامر الى الاطاحة بالنظام الحاكم. فما الذي حدث هذه المرة، ولماذا لم تنجح السلطة في قمع المظاهرات المناوئة لها، وهو امر خبرته على مدى عقود من الزمن؟

المفتاح للاجابة على هذا السؤال تكمن في الطريقة التي تطورت بها الحركات الدينية، ممثلة بحركة الاخوان المسلمين، التي كانت محظورة بشكل رسمي وان كانت حاضرة في المشهد السياسي المصري في كل الاوقات. فتلك الحركة وجدت لنفسها سبيلا للمصالحة غير المعلنة مع السلطة من خلال اعلانها نبذ العنف وادانتها لكل العمليات الارهابية التي شهدتها مصر في السنوات الاخيرة، وهو ما حسّن من صورتها ورفعها الى مستوى الحزب السياسي المنفتح ايديولوجيا، بدلا من الحركة المتطرفة ذات الافق الضيق. وقد ساهم هذا الامر، بالاضافة الى ايلائها بعض الاهتمام لما يشغل بال مواطنيها، في توسيع قاعدتها الوطنية وتحولها الى مؤسسة ذات بعد وطني وشعبي متجذر.

ومع ذلك، فان حركة الاخوان المسلمين فضلت البقاء في الظل طوال فترة المظاهرات التي طالبت باسقاط النظام المصري برئاسة حسني مبارك، وانضوت تحت العلم المصري الموحد، رافضة استخدام اعلامها وشعاراتها في تلك الحركة الشعبية. ومن الواضح ان سياسة الاخوان تلك قد ساهمت في التخفيف من المخاوف الغربية حول احتمال وصول حركات دينية متطرفة الى سدة الحكم في مصر إثر الحركة الشعبية التي انطلقت في يناير/كانون الثاني من هذا العام، ومن ثم اصبح من الممكن استحصال الدعم الغربي لتغيير النظام. لقد كانت النتيجة نصرا ساحقا ومفاجئا لحركة الاخوان المسلمين، الذين لم يكن يرتاب احد في حضورهم ضمن الحركة الشعبية المناوئة للنظام المصري السابق، ان لم يكونوا على رأس هذه الحركة.

واذا كان الاخوان قد قدموا لانفسهم بمثل هذه الطريقة لضمان عدم اثارة المخاوف الغربية، او حتى الاقليمية، فانهم ان استطاعوا الوصول الى السلطة بطريق الاقتراع والوسائل الديمقراطية سوف يكونون اكثر حرصا على تهدئة الهواجس المرافقة لحركتهم. ويجدر بنا تذكر ان الكثير من عناصر القاعدة قد نشأ بين احضان حركة الاخوان المسلمين وتغذى من افكارها، قبل ان تتخلى هذه الحركة عن تنظيرها السابق. وبالمثل، فقد ظهر من بينهم العديد من المتطرفين الذين نفذوا عمليات صنفت على انها ارهابية سواء في مصر او خارجها. لذلك فان مجرد اعلان نبذ العنف قد لا يكون كافيا لتحسين صورتها عالميا. وهكذا فانهم بعد ان تتاح لهم فرصة تسنم السلطة في مصر سوف يبذلون كل ما في وسعهم لاثبات اعتدالهم، لانهم يدركون انهم بدون هذه السياسية لن يكون لهم بقاء طويل الاجل، وانهم سوف يخاطرون بفقدان الدعم الشعبي ان هم قادوا البلاد الى طريق يفضي الى العزلة الدولية.

وفي اليمن تختلط الايديولوجيات بحيث لا يمكن فرز تيار سلفي او ديني متشدد او معتدل من بين الحركات التي تقف وراء تحريك الشارع اليمني ضد النظام الحاكم. لكن يبدو ان القول الفصل في ادارة تلك الحركات يكمن لدى الزعماء القبليين، وهم ليسوا بالضرورة قادة دينيين، ناهيك عن كونهم متشددين. نعم هناك حضور قوي للقاعدة في اليمن، لكن لا يبدو ان هناك دعم واسع لتلك الحركة الارهابية، وانها انما تعمل على استغلال الظرف السياسي المضطرب، وضعف الدولة المزمن، من اجل ايجاد ملاذ آمن لها هناك.
ومثل هذا الامر ينطبق على ليبيا التي حكمها معمر القذافي بالنار والحديد على مدى اربعة عقود، ولكن اركان نظامه لم يتورعوا عن التهديد بالتحالف مع الحركات الدينية المتشددة في مواجهة الثورة الليبية التي انطلقت في شهر فبراير/شباط الماضي ونجحت في تحرير معظم انحاء ليبيا من براثن الطغيان، وهي على الطريق للتحرير الكامل خلال وقت قصير. وحتى هذا الوقت لم يظهر دليل على ضلوع المتطرفين في الحركة الشعبية لتحرير البلاد وان كانت هناك توجهات ذات مسحة دينية بين الثوار.

اما في سوريا، فان الحركات الشعبية لا تخفي اصطباغها بالصبغة الدينية، كما يظهر ذلك من انطلاقها من الجوامع والمساجد واتخاذها من بعض رجال الدين رموزا لها. لكن الصبغة الدينية لا تعني بالضرورة لجوءها الى ايديولوجية متطرفة، بل قد تكون هي السبب في استمرارها رغم القمع الوحشي الذي مارسه النظام ضدها على مدى الشهور الخمسة الماضية. اذ ان الاحساس بالمهانة وفقدان الكرامة الوطنية الذي اثار الانتفاضة الشعبية قد رافقه شعور بالقيمة العليا للشهادة من اجل المباديء السامية، وان كان على الطريقة الدينية. أي ان استرخاص الارواح بداعي الشهادة قد غذى هذه الحركات اكثر مما لو كانت مجرد حركات ناجمة عن القهر والحرمان وما سواها.

وعلى هذا، فاني لا اجد مبررا كافيا للخوف من تولي متطرفين اسلاميين مقاليد السلطة في سوريا ان نجحت الثورة في الاطاحة بالنظام الحاكم. ولابد من الاشارة الى ان النظام السوري طالما دعم الحركات الارهابية المسلحة في العراق. وقد عملت السلطات السورية على فتح الحدود العراقية-السورية امام حركة السلاح والتمويل والافراد المتوجهة الى الارهابيين الذين كانوا يرومون تنفيذ عملياتهم في العراق. كما ان هذا النظام قد آوى كبار قادة الجماعات المسلحة العاملة في العراق بالاضافة الى رموز النظام العراقي السابق المطلوبين للعدالة. لذلك فان النظام السوري ليس في حالة حرب مع حركات متشددة، بل انه على النقيض من ذلك قد قدم لها الدعم المالي واللوجستي اللازمين للابقاء عليها سواء في العراق او في دول اخرى في المنطقة. وبالمقابل، فانه ليس هناك من دليل على وجود متشددين ضمن الحركة الشعبية المناوئة للنظام في سوريا، لا على المستوى الشعبي ولا على المستوى القيادي كما يتمثل ذلك في رموز المعارضة في داخل وخارج سوريا.

لقد نجمت الحركات الشعبية العربية عن عقود من الكبت والاذلال واستئثار السلطة لدى فئة محدودة عملت على استنزاف مقدرات الشعوب وتركها تعاني من الفقر والجهل والحرمان. وعلى الرغم من حضور الفكر الديني في ادبيات هذه الحركات، الا ان من المرجح انها ليست حركات دينية متطرفة، بل هي على العكس من ذلك تماما حركات معتدلة تجنح نحو العلمانية اكثر من جنوحها نحو التشدد الديني. واذا تمكنت التخلص من طغاتها فانها ستعمل على الاغلب على تحسين صورة الاسلام السياسي وفرض منطق الاعتدال الذي نادى به الدين الاسلامي الحنيف، وستعمل على استئصال شأفة التطرف والتشدد الذي عاد على منطقة الشرق الاوسط بمزيد من الحروب والمآسي والعزلة الدولية.

Friday, August 12, 2011

الصمت الذي يقتل السوريين يقتل الحرية في العالم العربي

اخيرا خرج مجلس التعاون الخليجي عن صمته ازاء المذابح التي تجري يوميا في سوريا على يد النظام المتجبر الرافض لاصوات الاصلاح والتغيير. وجاء البيان الخليجي مدينا لعنف السلطة المفرط ضد الشعب السوري بعد مضي قرابة خمسة اشهر من بدء الاحتجاجات السلمية للشعب السوري الذي الهمه ربيع الثورات العربي فهب مطالبا بالحق الاول: الحرية.

وبالمثل، فان البيان الخليجي انتظر بيانا امميا صادرا عن مجلس الامن يدين لجوء السطلة السورية الى العنف لاسكات الاصوات المطالبة بالحرية والاصلاح، لكي لا يُعد محرضا للدول الغربية للتدخل في الشأن السوري كما حدث في حالة ليبيا حينما بادرت بعض الدول الخليجية الى تبني موقف المعارضة الليبية مما سهل صدور قرار مجلس الامن الذي سمح لدول الناتو في القيام بضربات جوية "لحماية المدنيين" من بطش قوات القذافي.

لكن بطء التحرك الخليجي اتجاه الاحداث في سوريا ليس وحده ما يثير العجب، بل عدم وجود أي تحرك يذكر من قبل دول اخرى خرجت للتو من نير الدكتاتورية، مثل مصر وتونس، ودولة كان ينبغي ان تكون مثالا للديمقراطية الناشئة في الشرق الاوسط، الا وهي العراق. واكثر غرابة من ذلك ان تتخذ دولة تجذرت فيها الاعراف الديمقراطية منذ زمن طويل موقفا يناهض كل المباديء الاساسية للحرية والديمقراطية. فمن العجب ان تنآى لبنان العضو في مجلس الامن بدورته الحالية عن البيان الذي يدين النظام السوري، باعتبار ان هذا البيان يشكل تدخل في الشؤون الداخلية ولن يؤدي الى حل أي مشكلة في سوريا. الا يعد كل بيان يصدره مجلس الامن بخصوص احداث تقع في أي دولة عضو في الامم المتحدة تدخلا في شؤون تلك الدولة؟ اليس مبدأ "مجلس الامن الدولي" هو التدخل من اجل احلال الامن في أي مكان في العالم والتحرك الفاعل لمنع الصراعات التي من شأنها ان توقع خسائر في ارواح المدنيين وتهدد السلم والامن العالميين؟ لكن حكومة لبنان الحالية تأبى الا ان تبرهن عن ما يتهمه بها معارضوها: انها تابعة للنظام السوري واذنابه في المنطقة بكل بساطة.

ويقال ان دول الخليج انما اختارت الصمت عن احداث سوريا مقابل الصمت عن الاحداث في البحرين. واذا كان ذلك صحيحا، فلابد ان السياسيون العرب مازالوا يعيشون في القرن الماضي. فلم يعد بالامكان ان يتم تقايض الحريات في البلاد العربية، او في الشرق الاوسط عامة، بين السطات على طريقة "شيلني واشيلك" بعد ان قررت الشعوب ان تنتظم بطريقة ما كانت لتخطر على بال قبل سنوات قليلة مضت. فهاهي الشعوب تلجأ الى وسائل الاتصال العصرية لكي تطرح رؤيتها على الملأ وتناقشها وتتوصل بطريقة جميعة الى نقل احتجاجاتها الى الشوارع، وهي اللغة التي تفهمها الانظمة الاستبدادية التي لا تريد مشاركة او اعتراضا اوصلاحا بعد ظنت انها "ضرورية للمرحلة الراهنة" وانها "تخوض الحرب المصرية" وغير ذلك من الشعارات التي تسترت بها لتمجيد رموزها وبقاءهم على سدة الحكم الى اجل غير مسمى.

لماذا لا تخرج مظاهرة في مصر او تونس او العراق تندد بعنف السطات في سوريا ضد شعبها الاعزل؟ هل لان هذه الشعوب مستغرقة كليا في مشاكلها الداخلية بما يمنعها من الالتفات الى الشعوب الشقيقة في محيطها الاقليمي ومواساتها في محنتها؟ لطالما اشتكى العراقيون من التجاهل العربي لمشاكله بعد الغزو الاميركي عام 2003، وتباطؤ الدول العربية في الاعتراف بالنظام الجديد فيه. اذا، لماذا لا تبادر السلطات العراقية الى اتخذا موقف حازم اتجاه السطات السورية، موقفا ينبع من التجربة العراقية الطويلة تحت الاستبداد والقمع والقتل والتشريد وكافة وسائل الاضطهاد التي شهدها العراقيون على مدى عقود طويلة من الزمن؟

لقد كانت الاحداث في كل من مصر وتونس من صنع شعوبها بلا شك، لكن النظام في كل منهما كان هو المستفيد منها. فان كان هناك من تغيير، فهو انما حدث في رأس السلطة فيهما، وربما امتد الى بعض الرموز فيها. اما طبيعة النظام فلم تتغير جذريا. وهكذا فان موقف الانظمة فيهما قد لا يكون بالضرورة مناهضا لاستخدام العنف ضد المتظاهرين في المدن والقرى السورية، او حتى مؤيدا لمطالب هذه الفعاليات الشعبية. وليس هناك من جواب سهل على موقف هذه الدول بخصوص الاحداث في سوريا.

لكن قد يكون هناك جواب سهل على موقف العراق من الاحداث في سوريا، بسهولة تحليل موقف لبنان من سوريا، وهو التأثير الايراني على كل من هذه الدول الثلاث. فايران لا تريد ان ترى حليفا قويا في المنطقة العربية يسقط ويتحول الى نظام تعددي حر. وايران مازالت لم تفق من كابوس الديمقراطية في العراق، الذي عملت بلا كلل وملل من اجل التقليل من شأنه واعاقته بكل صورة ممكنة. كما ان النظام الايراني عانى هو الاخر من انتفاضة شعبه قبل عامين والتي خرجت داعية للاصلاح. وهي لاتريد بكل تأكيد ان ترى نظاما منفتحا في سوريا يمثل الهاما آخر لشعبها للخروج مرة ثانية الى الشوارع والمطالبة بالحرية والتعددية.

بيد ان هناك امورا اخرى، ليست فقط على المستوى الحكومي بل على المستوى الشعبي ايضا. فقد يكون هناك قلق في العراق من تحول سوريا الى دولة سلفية تكون حليفا للسنة في العراق مقابل تحالف الشيعة مع ايران، وبالتالي فان الصراع التالي قد يكون مضنيا وصعبا وغير مضمون، خصوصا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان باقي الدول في غرب العراق كلها ذات اغلبية سنية. قد لا يصرح احد بذلك خوفا من ان يوصم بالطائفية، لكن غض النظر قد لا يكون امرا حكيما حينما يراد منك ان تفتح ناظريك على كل ما يجري حولك.

لقد حدثت الانتفاضات العربية في زمن وجيز، يقل كثيرا عن قدرة الشعوب وحكامها على فهمها والتعامل معها. ولهذا فان ردات الفعل ربما تتأخر، وربما لا تأتي ابدا. ولا اتصور ان يخرج وزير الخارجية العراقي، مثلا، ببيان يدين قمع السطات السورية لشعبها. فاذا نجحت السلطات السورية في اسكات شعبها آخر الامر، فان على العراق التعامل مع حكومة جارة عدوة، اما اذا نجحت الانتفاضة السورية فانها ستكون بحاجة ماسة الى الدعم من دول الجوار الاقليمي ولن تعمل على تقييم المواقف السابقة، وبالتالي فان هذا الصمت سوف لن يكون له عواقب، ليس سوى مقتل بضعة مئات او الاف او اكثر من ذلك او اقل من ابناء الشعب السوري. واذا كان قتل الشعوب ليس مبررا كافيا للتدخل فهل يعقل ان نطالب بالتدخل لحماية الحرية؟ ليس ان كنا لا نؤمن بها حقا، والحقيقة البسيطة، ان حكومة العراق ليست اكبر دعاة الحريات في العالم العربي والشرق الاوسط، وليست مثالا للديمقراطية في المنطقة. ومن سخرية الاقدار ان حكومة العراق ربما تود ان ينتصر الطغيان في سوريا وان كانت عانت من مثيله في العراق.

Monday, July 25, 2011

دور التنمية الاقتصادية فـي الدعم السياسي طويل الأجل

لعل ابرز ما كان متوقعا للاقتصاد العراقي بعد تحرره من نير الطغيان هو التحولات الجذرية نحو اقتصاد مفتوح غير خاضع لسيطرة الدولة. اقتصاد تكون فيه المنافسة الحرة والعادلة هي العنصر الدافع للإنتاج، وتتغلب فيه الحاجة الى تلبية الطلب المحلي على المنتجات بطريق الاكتفاء الذاتي على الرغبة في اللجوء إلى الأسواق العالمية، حيث تصعب السيطرة على النوعية بالاضافة الى التأثيرات الوخيمة لزيادة الاعتماد على الاستيراد على حساب المنتج المحلي.
غير أن أوضاع العراق الشاذة منذ الغزو الاميركي في نيسان 2003، بدءا من التداعيات الامنية لذلك الغزو، مرورا بالقرارات السياسية المتعجلة في ما يتعلق بالاقتصاد المحلي وطريقة توزيع واردات الدولة الهائلة، وليس انتهاء بالحزبية الضيقة التي يتميز بها وقتنا الراهن والتي أصبحت العامل المحرك لكل فعاليات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بسبب هيمنتها على تلك الفعاليات بدون منازع، كل هذا قاد الى عكس مسيرة النمو الاقتصادي وتراجع أداء الاسواق في ما يتعلق بالميزان التجاري الوطني.

التركة الثقيلة
لنلق نظرة على وضع اقتصاد العراق قبل عام 2003، حينما كان القرار يصنع في دائرة ضيقة جدا، وبأمر مباشر من "القائد الضرورة". كان العراق يرزح تحت وطأة العقوبات الدولية، التي لم تكن تعني شيئا بالنسبة للنظام أكثر من تفويض السيطرة على مقدرات البلاد النفطية الى الامم المتحدة في ما يعرف ببرنامج "النفط مقابل الغذاء". أي ان هذه العقوبات في الواقع كانت سياسية، الغرض منها منع حاكم العراق وزمرته من استثمار ثروات العراق في اعادة بناء برنامجه العسكري سيىء الصيت. لكن النظام لم يحوّل واردات النفط تلك الى ما يخدم مصلحة الشعب إلا بالنزر اليسير، ما انعكس سلبا على الوضع المعيشي لعموم الشعب، وتسبب في معاناة دائمة من نقص الخدمات الاساسية، وتدهور الوضع الاقتصادي بشكل خطير. هذه هي، بطبيعة الحال، البيئة التي يزدهر فيها الفساد ويرسخ أسسه في جسد الدولة ومفاصلها، ويجد له مبررات اجتماعية تجمل وجه أدعيائه على الرغم من قبح الفعل الذي يقدمون عليه.

توطن الفساد
وهكذا فما آن تغير النظام حتى وجدت عصابات الفساد الإداري والمالي نفسها أمام احتمالية الكشف والمحاكمة او الهروب والنفي. فبدأت هذه الزمر، التي كانت ما تزال تمسك بزمام الدولة من مواقع متوسطة او متدنية، في تعطيل عجلة الإصلاح التي كان يمكن ان تسحقها في غضون سنوات قليلة، لو توافرت النية المخلصة للقضاء عليها. ومما ساعد على بقاء هذه الطبقة الفاسدة في مواقعها غياب ثقافة مكافحة الفساد على المستوى الاجتماعي، بالاضافة الى انشغال الدولة بالامور السياسية والامنية الى حد إهمال متابعة هذا الشأن الخطير، الذي كان تأثيره في نهاية الامر اكبر من كل التبعات الامنية التي مر بها العراق خلال السنوات الثماني الماضية. و أوضح دليل على ذلك اليوم تردي وضع الخدمات الاساسية من ماء وكهرباء وطرق وصرف صحي وخدمات بلدية، يضاف اليها فشل النظام التربوي، وتخلف النظام الصحي، وتضخم نسب البطالة وشيوع المحسوبية وشراء الوظائف الحكومية، وغير ذلك من المظاهر الفتاكة لتردي وضع الاقتصاد في بلد لا تعوزه الثروات المادية والبشرية لكي يكون في مصاف الدول المتقدمة، او على الاقل ان يكون بمستوى اقل الدول تمدناً في محيطه الإقليمي.
كما ادى نقص الخدمات الاساسية الى تعطيل الصناعة المحلية على بساطتها، وتهالك القطاع الزراعي مقابل ازدهار وقتي للقطاع التجاري الذي كان مجرد بوصلة تشير الى اتجاه واحد: الاستيراد من خارج العراق دون ان يعبأ القائمون على التخطيط الاقتصادي بتعديل الميزان التجاري ولو بنسبة بسيطة، من خلال تشجيع التصدير وتقديم حوافز وإغراءات للمستثمرين في هذا القطاع، مع وضع ضوابط جمركية على حركة الاستيراد لحماية الصناعة المحلية والمستهلك على حد سواء. ومن ناحية اخرى، فان المصالح الحزبية قد وجدت سبيلها الى دوائر الدولة من خلال التعيينات المستندة الى الانتماء السياسي وغير المبنية على الكفاءة، ما ادى الى عرقلة الحركة الطبيعية للتطور واستبدال العناصر السيئة بأخرى جيدة من خلال الفرز والتمحيص على اساس الاداء وليس الانتماء.

قرارات متعجلة
من بين القرارات التي اتخذتها الدولة دون نظر كاف في العواقب قرار زيادة رواتب الموظفين بشكل كبير. فعلى الرغم من كون شريحة الموظفين هي من الشرائح الكبيرة في المجتمع الا انها ليست الشريحة الوحيدة او الاوسع. وقد عمد النظام السابق، في الفترات السابقة للحصار الاقتصادي، الى منح زيادات في الرواتب بين الحين والآخر ظهرت آثارها واضحة في إحداث تضخم اقتصادي كبير عجزت الدولة عن تخفيضه لاحقا والقي بظلاله الى الوضع المعيشي العام. لذلك توقفت الدولة عن الاستمرار في زيادة الرواتب على الرغم من تيقنها بان مثل هذا الامر كان سيحقق لها نوعا من الدعم السياسي في اوساط المنتفعين، لان النقمة المتولدة بين المحرومين كانت ستكون اكبر واشد تأثيرا على النظام وأمنه وديمومته.
ولكن الحكومات التالية للنظام السابق لم تقرأ هذه التجربة كما ينبغي، فعمدت الى تقديم رواتب ضخمة لموظفين لم يكن للكثير منهم من عمل اكثر من التوقيع على سجلات الحضور والانصراف. ولم نشهد زيادة في إنتاجية معامل القطاع العام او حتى توفرها في الاسواق المحلية بعد تلك الزيادات لكي تكون مبررا لها، او لتغطي ولو قليلا من مصاريف دوائر الدولة الباهظة. وقد تحدثت بعض التقارير عن تخصيص اكثر من ثلثي ميزانية الدولة للرواتب على مدى السنوات القليلة الماضية، وهو امر يتحدى العقل السليم، ويخرج عن منطق التخطيط العلمي للاقتصاد. فكيف للدولة ان تبني المشاريع العملاقة، وتصلح البنى التحتية، وتتصدى للدفاع عن حياض الوطن اذا كان كل ما تبقى من ميزانيتها السنوية هو مبلغ العجز المتوقع في حالة هبوط اسعار النفط العالمية؟
والأدهى من ذلك ان زيادة الرواتب قد تسببت في إحداث تضخم هائل بأسعار السلع في الاسواق المحلية ما زاد من معاناة الافراد والعوائل التي ليس لها مردود شهري ثابت، ومن قبل ذلك فشل نظام البطاقة التموينية في تحقيق القدر الادنى من المساواة بين افراد الشعب نتيجة تناقص المفردات التي توزع بموجبها شهرا بعد شهر، فادى ذلك كله الى ان يصبح الفقراء اكثر فقرا، رغم تضاعف ثروات البلاد بشكل عام.
ان تمييز شريحة الموظفين بهذا الشكل قد ادى الى تهافت جميع فئات المجتمع للحصول على وظيفة حكومية مضمومة الراتب. ولم يستطع القطاع الخاص المنهك أساسا من استقطاب الايدي العاملة او الخبرات للعمل لديه لعدم قدرته على مجاراة هبات الدولة للعاملين لديها. فكان من شأن هذا ان يحط من قدر القطاع الخاص أكثر فأكثر الى درجة نزوح رؤوس الاموال الى الخارج وخلو الساحة الداخلية من المنتجين، او تحولهم الى وسطاء تجاريين يغرقون الاسواق المحلية بالمزيد من البضائع الرديئة، طاردة الإنتاج المحلي على قلته خارج السوق، عملا بالمبدأ المعروف: العملة الردئية تطرد العملة الجيدة الى خارج السوق. أما القرار الآخر الذي تبنته الدولة وكان له تأثير لا يقل سوءا عما سبق فهو دعم الدينار العراقي مقابل الدولار الاميركي بطريق مباشر، من خلال عمليات البيع المسطير عليها التي يقوم بها البنك المركزي العراقي. وهذا يعني ان الاقتصاد المحلي لن يعمل على توفير فرص عادلة في سوق تنافسية، بل يكون خاضعا لسيطرة الدولة ومستنزفا لمقدراتها في عملية ذات تأثير دعائي قصير المدى، لكن بعواقب وخيمة على المدى البعيد. فماذا يحصل إن هبطت اسعار النفط حتى لم يعد بإمكان الدولة دعم الدينار؟ إن هبوط سعر الدينار المفاجىء سيوف يقود الى تفاعل متسلسل من التضخم والمزيد من الهبوط في القيمة قد لا تتوقف عند حد في فترة وجيزة. كما ان استمرار الدولة في تقنين الدينار هو مجرد استمرار لفعاليات كان يمارسها النظام السابق ويقع على خط التضاد مع أفكار السوق الحرة التي من شأنها ان ترفع من قدر الاقتصاد وتحقق التنمية المستدامة على المديين المتوسط والطويل.

الإصلاح
وعلى هذا فاني اخلص الى ان على الدولة، إن أرادت أن تحدث إصلاحا حقيقيا، أن تتخذ قرارا شجاعا بوقف دعم الدينار، وان يكون ذلك على مراحل مدروسة بعناية لتجنب التسبب بتضخم مفاجىء يؤثر على الاقتصاد المحلي بشكل حاد ضمن مدى زمني قصير. ويجب ان يتزامن مع هذا الإجراء توفير أجواء صحية للقطاع الخاص ووضع آليات محكمة للقضاء على الفساد الإداري والمالي وتقليصه الى الحد الادنى. وبالمثل يتوجب إعادة النظر في سلم رواتب الموظفين بما يحقق العدالة في توزيع واردات الدولة بين كافة شرائح المجتمع، وليس بين العاملين لديها فحسب. وتشمل هذه العملية دراسة إمكانية تحويل بعض المعامل والمنشآت الحكومية الى القطاع الخاص من اجل إعادة تأهيلها وتشغيلها والاستفادة من قدراتها المادية والبشرية. ويمكن تحويل الفائض النقدي من هاتين الخطوتين الى صناديق لدعم الصناعة والزراعة بشكل قروض ميسرة، وبشروط تضمن توفير فرص العمل لشرائح أكثر من المجتمع. وهنا يجب التنويه الى ضرورة إصلاح القطاع المصرفي وجعله أكثر دينامية في مواكبة حركة السوق الحرة التي نتوخى الوصول إليها.
إن التفكير الضيق في المصلحة الحزبية لا يؤدي الى اكثر من دعم شعبي محدود ولفترة زمنية وجيزة. لذلك اذا كان للاحزاب السياسية ان تطمح في التربع على عرش السلطة لمدة طويلة، فان عليها ان تلجأ الى الوسائل ذات المردود طويل الامل وان تصمد امام العواقب والعراقيل المرحلية. إن أفقك في السلطة هو ليس إلا انعكاس لمنهجك في الحصول عليها. وكلما كانت نظرية السلطة لديك اكثر شمولا، كان التقبل الشعبي لك أوسع، وبالتالي كانت عوامل البقاء السياسي تميل لصالحك بشكل اكبر. وقد أثبتت تجارب التاريخ إن أكثر الحكومات استقرارا تلك التي تولي جلّ اهتمامها للتنمية والتطوير الاقتصادي، على العكس من الحكومات التي انشغلت بالتطاحن الحزبي واستدراج الأنصار بالمنافع المباشرة على حساب المصلحة العامة، حيث لم يكتب لها البقاء لمدة طويلة في عمر الزمن.

Saturday, July 09, 2011

حضور النموذج العراقي في الربيع العريي

قال احد المشاركين في برنامج حواري بث على احد القنوات الفضائية العربية ان شرارة "الربيع العربي" انطلقت من العراق، فقاطعه المذيع بالقول "ان شرارة الربيع العربي انطلقت من تونس، من حادثة ابو عزيزي وما تلاها من احداث في الشارع التونسي". فخطر لي سؤال: لماذا لم تنطلق شرارة الربيع العربي من العراق؟

والحقيقة ان لا احد تقريبا يشير الى تجربة العراق المريرة في عام 1991، عندما انتفض الشعب العراقي من شماله الى جنوبه ضد حكم الطغيان الصدامي الذي اذاقه الامرين من حروب طاحنة ومغامرات غير محسوبة ادت الى فقدان مئات الالاف من الارواح البريئة، اضافة الى تفرد "القائد الضرورة" بالسطة واسكاته لكل معارضة بطرق وحشية، ليس اقلها الحرمان من بركات النظام، وليس اكثرها الترحيل والسجن والتغييب والاعدام، مرورا باساليب التحقيق المروعة في زنزانات اجهزة الامن التابعة للنظام.
خرج الشعب في ثورة غير مسبوقة في العالم العربي على حاكم جائر بعد ان ادت مغامرته في الكويت الى تحطيم البلاد ماديا ومعنويا نتيجة الهزيمة المذلة التي وضعها فيها النظام، وما رافقها من بوادر للعزلة الدولية التي سوف تستمر الى حين سقوط النظام بعد اثنتي عشرة سنة من تلك الثورة الشعبية.

ثورة بدأها جندي في البصرة بان صوب ماسورة دبابته في وضح النهار الى صورة كبيرة لـ"القائد الرمز" ودمرها بقذيفة ربما تكون آخر ما بقي لديه من ذخيرة، وهو ما لم يجرؤ عليه من قبل أي مواطن عراقي. وفجأة تحطم حاجز الخوف، وسرعان ما تهاوت اركان النظام في معظم انحاء العراق، من الشمال الى الجنوب، مرورا بضواحي بغداد، وباتت البلاد تعيش اجواء الثورة.

لم تكن تلك الثورة سببا لانهيار النظام الصدامي، ولم تصبح مثالا لشعوب المنطقة العربية التي ترزح تحت انظمة شمويلة مماثلة. بل ان تلك الانتفاضة ربما ادت في الواقع الى تأخير الربيع العربي عشرين عاما اخرى. حينما رأت الشعوب العربية مقدار القمع الذي مارسه النظام على الشعب الذي تجرأ على رفع صوته في وجهه. ربما تكون الشعوب العربية قد وضعت في حساباتها ان انظمتها الحاكمة سوف لن تكون افضل في تعاملها مع مثل هذه الحركات من النظام الصدامي.

لكن سقوط النظام في العراق عام 2003 على ايدي قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وما تلاه من تحرر نسبي للعراقيين على مستويات عدة، بدءا من حرية التعبير عن الرأي، الى المشاركة في صنع القرار عن طريق الانتخابات البرلمانية والمحلية، كل هذا لم يكن هو الاخر سببا مباشرا في تحريك الشارع العربي للمطالبة بالمزيد من الحريات وتحسين اوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومرة اخرى يطرح السؤال نفسه، لماذا لم يصبح العراق مثالا للشعوب العربية؟

قد يكون الجواب على ذلك سهلا، نظرا لان العراق مرّ بفترات مظلمة بعد الغزو الاميركي وعانى من تفشي الارهاب وتدني مستوى الامن وسيطرة بعض العصابات على مقدرات الدولة وحتى التمكن من الوصول الى هرم السلطة والتأثير على عملية صنع القرار. كذلك شهد العراق شيوع الفساد الاداري في كافة مفاصل الدولة حتى صار امثولة في التقارير الدولية، التي لاشك ان المثقفين العرب، وحتى رجل الشارع، قد اطلعوا عليها وربطوها برد فعل انعكاسي بالتحرر والتخلص من نظام الاستبداد الشمولي. وربما ساورت الشعوب العربية المضطهدة الشكوك بانها قد لا تكون افضل حالا ان ازاحت جلاديها عن سدة الحكم.

ومرة اخرى، قد تكون الاحداث في العراق بعد 2003 قد امدت من عمر حكام العرب المتسلطين على رقاب شعوبهم. لم يصبح العراق مثالا لهم لانه لم يكن يعط صورة المثال المطلوبة من بين الفوضى العارمة التي اعترته، رغم ان التغيير في العراق قد احدث نقلة هائلة في حياة الشعب العراق، من الناحيتين السياسية والاقتصادية على الاقل. لكن الفشل في كبح جماح الفتن على المستوى الاجتماعي، والذي اثارته المطاحنات السياسية، قد افضى الى تصوير العراق على انه بلد لا يمكن ان تحكمه الا دكتاتورية قادرة على التعالي على الخلافات الطائفية والعرقية، شأنه في ذلك شأن بقية شعوب المنطقة.

على كل حال، فان الانتفاضات العربية قد لا تكون "ثورات" مجيدة بكل معنى الكلمة، ولكنها بكل تأكيد حركات بوجه الطغيان استقت مدها بعيدا عن تجربة العراق، وان كانت تسعى حقيقة الى ان تصبح مثله في اقل تقدير. ربما تكون اركان الحكومة قد سهلت عملية ازاحة زين العابدين بن علي عن السلطة في تونس، وقد يكون دور الجيش المصري اكبر من يبدو في دعم انتفاضة ساحة التحرير واجبار حسني مبارك على التنحي. لكن ذلك لا يقلل من شأن الرجال والنساء الذين تجرءوا على التجمع والتظاهر ومقارعة اجهزة هذه النظم القمعية التي لا تعرف الرحمة في تعاملها مع مثل هذا الوضع.

وفي اليمن لا يزال مئات الالاف من المتظاهرين يملأون الشوارع والساحات مطالبين بتنحي علي عبد الله صالح عن الحكم، والتحول الى نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على حرية التعبير والتعددية ويحارب الفساد ويوفر الخدمات لشعبه ويعمر مدنه ويقوده الى الرخاء والازدهار. لا اشك ان الثورة في اليمن سوف تنجح في نيل مسعاها على الرغم من تمسك الرئيس ببراثن السلطة الى آخر يوم، ولجوءه الى اساليب اصبحت بالية في زمن التواصل الفوري الذي نعيشه الان.

وانتفاضة البحرين اكثر خجلا ولكنها وضعت نفسها على خارطة الثورات واجبرت الحكام على الاستماع اليها وتقديم تنازلات لم تكن في مجال التصور قبل فترة وجيزة. ومن الممكن ان يفضي الحوار بين حكومة البحرين ومعارضتها الى تحسين الحريات وتقسيم اكثر عدلا للسلطات في هذا البلد الصغير بحجمه، ولكن الكبير بموارده.
اما سوريا، فهي اشبه ما تكون عراقا عام 1991. المنتفضون في الشوارع يطالبون باسقاط النظام الشمولي، والجيش يهيل عليهم سيل الرصاص والقذائف المدفعية. بشار الاسد يقف في محفله مبجلا من زبانيته وهو يعلن ان الجيش يقوم بعمليات تطهير المدن من "الخارجين عن القانون"، الذين اعلن انهم عشرات الالاف. يعلم العراقيون ذلك، فقد خبروه. اذا تجرأت على الوقوف بوجه الطاغية فانت مجرم ومخرب وارهابي وسيكون الموت لك ولعائلتك ولجيرتك ولكل مدينتك.

غير ان سوريا 2011 غير العراق 1991. فلم يكن هناك من فيسبوك، ولا هواتف نقالة، كما لم تكن هناك قنوات فضائية. ولم تكن الاحداث في العراق عندها سوى خبرا في الاذاعات عن تحركات المنتفضين الذين لم يعلن لهم صوت ولا صورة، ولم يعلم احد لهم شكل ولا لون. كانوا اناسا من العامة لم يستطيعوا ان يوصولوا صوتهم الى العالم الا مشوها بدعايات مغرضة من اجهزة النظام الحاكم رغم تزعزع اركانه، وبتدخل سمج غير مرحب به من دول اقليمية ارادت الحصول على حصة في كعكة العراق التي بدت دسمة آنذاك.

وحينما ذبحت اجهزة النظام القمعية مئات الالاف من الابرياء واودعتهم مقابر جماعية يندى لها جبين التاريخ، لم يعلم بذلك سوى قلة من الناس خارج العراق، ولم يتحرك احد لفرض عقوبات على شخوص نظام صدام كما يحدث اليوم في سوريا وليبيا. لقد ادى التحول التقني في الاتصالات الى حقن دماء عزيزة في سوريا، كانت سوف تهدر بكل برود لو كان مايحدث الان قد حدث قبل عشرين عاما.

سوف تنتصر ارادة الشعب السوري آخر الامر. سوف تتعالى الحشود على جلاديها ومن يحصد ارواح ابنائها بالرصاص الحي الموجه الى صدورهم العزل. قد يحدث ذلك بتدخل دولي، ولكنه سيكون على ايادي الرجال الساعين الى التحرر من الفكر الشوفيني الذي لا يرى صوابا في غير افعاله ولا يقبل نقدا لها.

على اني ارى ان الحركة الليبية المسلحة هي خير مثال لما كان ينبغي ان يحدث في العراق عام 1991. فما ان تحرك الشعب وثار على مغتصبي حقوقه حتى اجتمع شمله تحت قيادة موحدة، وأمنت لها موطيء قدم في مدينة بنغازي الشرقية. استطاعوا ان ينشئوا لهم قناة فضائية تنطق باسمهم وعملوا على التواصل مع العالم الخارجي. حتى انهم باتوا قادرين على استحصال بعض التمويل من تصدير النفط ومن المساعات السخية التي تقدمت بها بعض الدول العربية والغربية.

لقد استطاعت المعارضة الليبية المسلحة ان توصل صوتها للعالم، وان تضع قضيتها على طاولة مجلس الامن، واستحصلت الدعم الحربي واللوجستي من دول حلف الناتو، مستفيدة من تخبط حاكم بلدها المخبول معمر القذافي. ويبدو ان الوضع العسكري قد تحول اخيرا لصالحهم بفضل تحسن ادائهم واستمرار ضربات حلف الناتو لقوات القذافي.

كان يمكن لانتفاضة العراق عام 1991 ان تحصل على مثل هذه المكاسب لو كان لها صوت في الخارج، ليس من خلال وسائل الاتصال التي ما كان لها من وجود في ذلك الوقت، بل من خلال رموز المعارضة الذين اتخذوا من عواصم الغرب ملجأ لهم. لو انهم تواصلوا مع الشعب الثائر بشكل كافٍ، ولو انهم عملوا على طرح مسألة وطنهم المصيرية امام المحافل الدولية ومارسوا ضغوطا من اجل ايجاد حلول لها، ربما كان الوضع قد تغير، لكن الساعة لا تعود الى الوراء.

اليوم يلفظ معمر القذافي انفاسه بعد ان ظن انه مخلد في موقعه مع اولاده. وهو اتخذ من شنق شقيقه في الطغيان صدام حسين مثالا على ان بقية الحكام العرب سائرين في نفس الطريق، كما قال لهم ذلك في مؤتمر قمة دمشق. استمعوا له وضحكوا، لانهم اطمأنوا الى ان النار لن تحرقهم يوما، بعد ان شهدت شعوبها ما حدث في العراق بعد سقوط طاغيته. ولكنهم لم يتعضوا ولم يسعوا الى تخفيف قبضتهم الحديدية على السلطة، وافساح المجال لاصلاحات سياسية حقيقية.

اما بشار الاسد فقد يبقى لفترة اطول قليلا، ولكنه لن يكون اوفر حظا آخر الامر. سوف يرحل عن سوريا او ربما سيعتقل ويحاكم، وسوف يتذكر كلمات معمر، ويتمنى لو انه "اخذ الشور من راس الثور" كما يقول المثل العراقي. وسيتراءى له مشهد الحبل الملفوف على رقبة صدام وهو يسأل نفسه: هل كان يجب علي ان اتخذ من العراق مثلا؟

اذا لم يكن العراق مثالا لانتفاضات الربيع العربي فهو موجود فيها بشكل اوبآخر. واذا لم يود احد الحديث عن ديمقراطية العراق، على الرغم من كل اخفاقاتها وسلبياتها، على انها انموذج لنظام حكم يخلف الطاغية الذي يسعون لاسقاطه، فان الخيارات تصبح اضيق بعيدا عنه. وفي آخر الامر، سوف تكون نسخة منقحة من ديمقراطية العراق هي ما يسود المنطقة. سوف يتعظ الجميع من الاخطاء التي وقعت في العراق في طريقهم نحو الحرية والعدالة والمساواة، دون ان يذكروا ذلك. فالعراق كان وسيبقى المثال الصامت لثورات العرب الصدّاحة.

Saturday, May 07, 2011

حول اتفاقية الانسحاب..هل من ضرورة لتمديد بقاء القوات الأميركية؟

مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأميركية النهائي من العراق بموجب الاتفاقية الأمنية التي وقعت بين البلدين أواخر عام 2008، والتي تنص على مغادرة آخر جندي أميركي الأراضي العراقية بحلول نهاية عام 2011، فان الشكوك بدأت تحوم في إمكانية تطبيق هذا الأمر في واقع الحال. وعبّر العديد من السياسيين والمثقفين فضلا عن شريحة واسعة من أفراد الشعب العراقي عن قلقهم من لجوء الحكومة العراقية إلى طلب تمديد بقاء عدد محدود من القوات الأميركية لحماية الأمن الوطني.

هذه القضية تأتي في سياق متوافق مع مسيرة كل المشاريع في العراق الجديد. وأعني بذلك مواجهة أصحاب القرار للمسائل الحيوية كأنها حدثت للتو، أو أنها لم تكن موجودة وظهرت للعيان بين ليلة وضحاها. فالكل يعلم بمشاكل العراق المختلفة، بدأ من نقص الخدمات الأساسية، مرورا بتلكؤ مشاريع الإعمار وتفاقم مشاكل البطالة، وليس انتهاءً بعدم جاهزية القوات المسلحة لحماية حدود العراق من الاعتداء الخارجي.
لكن هذا التباطؤ في اتخاذ التدابير اللازمة للوقوف بوجه التحديات التي يمر بها العراق، على المستويين السياسي والأمني، ليس مشكلة الحكومة وحدها. فالتركيبة المعقدة لهيكل الحكومة ربما فرضت عليها نوعا من العجز عن القيام بالأمور العاجلة والاستجابة الفورية للطوارئ، بالإضافة إلى عدم القدرة على وضع الخطط المتأنية للمدى القريب والمتوسط والطويل.
على كل حال، وصلنا اليوم إلى النقطة التي لم نكن نتمناها، وهي خيار طلب التمديد، مع كل الانعكاسات السلبية لمثل هذا الخيار على الوضع الأمني الداخلي، بعد تصاعد التهديدات من القوى المحلية بالعودة إلى المقاومة المسلحة إن تقرر إبقاء قوات أميركية في العراق في ما بعد 2011.
فهل أن لهذا الخيار ما يبرره أساسا، أو أن اعتماده سيقود إلى النتائج المتوخاة منه؟ إذا كان الإبقاء على قوات أميركية في العراق أمرا ملحا لمنع اعتداء خارجي، فان ذلك يعني بالضرورة أن بقاء هذه القوات سيمتد إلى اجل غير مسمى، خصوصا مع أن ذلك يتماشى مع المصالح الأميركية التي تريد البقاء قريبا من مصادر التهديد لأمنها ومصالحها الاقتصادية. وبما أن إيران هي في الوقت الراهن اكبر تهديد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فان العراق هو خير موقع لمنع إيران من توسيع نفوذها غربا، وبالتالي اكتسابها المزيد من الزخم لتحدي القوة العظمى الأولى في العالم.
إذاً، بقاء القوات الأميركية قد يمنع إيران من التدخل العسكري في العراق، لكنه لن يمنعها من السعي لتوطيد نفوذها في هذا البلد. وقد أضحى العراق، منذ الاحتلال الأميركي عام2003، مجالا حيويا للجمهورية الإسلامية، بعد أن حاصرتها القوات الأميركية من الشرق في افغانسان ومن الغرب في العراق.
لذلك فان التواجد العسكري الأميركي في العراق قد يدفع إيران إلى استئناف دعمها الجماعات المسلحة في أجزاء عديدة من العراق لتقويض الجهود الأميركية في مساعدة الحكومة العراقية، ولإحداث خسائر كبيرة بين صفوفها، الأمر الذي سيجبر الولايات المتحدة على الانسحاب النهائي من العراق. فقبل كل شيء، جاء قبول أميركا بجدولة انسحابها من العراق بعد تصاعد الغضب الشعبي داخل الولايات المتحدة على الحرب في العراق، بعد تفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية الأميركية، حتى بات الرأي العام الأميركي يعتبر هذه الحرب غير ضرورية ولا مبررة. وإذا كانت القيادات الأميركية قد طلبت من العراق تحديد موقفه من رحيلها أو تجديد الاتفاقية الأمنية، فإنها إنما تنظر إلى الأحداث الراهنة، حيث لم تعد تعاني خسائر فادحة في الأرواح والنفقات. لكن مراجعة سريعة للأحداث في السنوات القليلة الماضية تكشف عن الكابوس المرعب الذي كان على الجنود والقادة الأميركيين التعامل معه كل يوم.
على أن التهديد الأمني الإيراني للعراق قد يكون أمرا مبالغا فيه. فمثل ما تؤكد المقولة المأثورة: "ليست هناك صداقات دائمة أو عداوات دائمة بين الدول، بل مصالح دائمة"، فان مصلحة إيران الدائمة هي في تجنب النزاع مع العراق، وهي مصلحة دائمة للعراق أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، فان الإمكانات العسكرية العراقية المتاحة حاليا قد تكون كافية للتعامل مع حالات التحرش على الحدود، كما أثبتت ذلك في العديد من المناسبات السابقة. وإذا كان السؤال عن تحدٍ امني اكبر من ذلك، مثل الغزو أو الاجتياح، فالجواب ليس في إبقاء القوات الأميركية، بل العمل جديا على تجهيز القوات المسلحة الرادعة لمثل هذا التهديد، في غياب القوات الأميركية. نعم سوف يستغرق هذا الأمر سنين عدة من التجهيز والإعداد والتدريب، لكنه سوف يسير بخطىً ثابتة وبمراحل محكومة بأولويات المخاطر المحيطة، وسوف يقلل من أخطار التهديدات الخارجية في كل مرحلة من هذه المراحل وصولا إلى حالة الاستقرار الأمني التام.
بطبيعة الحال، ليست إيران وحدها ما يمثل تهديدا كامنا لأمن العراق، بل ربما تكون جميع الدول المجاورة تهديدا محتملا، خصوصا الجارة التركية التي طالما أرسلت قواتها داخل الحدود العراقية بذريعة تعقب معارضيها. ويصح هنا ما أسلفنا من ضرورة التصدي لهذا التهديد بالتجهيز المتعدد المراحل لجيش العراق وتمكينه من الوقوف بوجه هذه التهديدات بالصورة المناسبة.
أما التهديد الأمني الداخلي، فمن الواضح أن القوات الأمنية العراقية قد أصبحت العنصر الأساسي في التعامل معه، ولم يعد للقوات الأميركية سوى دور محدود فيه. لقد تزايدت الثقة الشعبية بأداء القوات الأمنية منذ نجاحها في إخماد الفتن الطائفية قبل أعوام قليلة، وارتفعت معنويات هذه القوى الأمنية ومستوى تدريبها وتسليحها بحيث لم تعد هناك حاجة أساسية لمعونة خارجية.
كما أن من المستبعد حدوث سيناريو متشائم، بعودة العنف إلى بعض مناطق العراق التي ما زالت تعاني تواجد فلول القاعدة بين ظهرانيها، أو تعرضه إلى اعتداء غاشم من الدول المجاورة، بسبب تغير الظروف الجيو-سياسية في منطقة الشرق الأوسط، وخروج الشعوب العربية بالخصوص بوجه أنظمتها المتعسفة للمطالبة بالمزيد من الحريات. فإن تحققت مطالب هذه الحركات الثورية سيكون ذلك بمثابة تطمين مضاف للهواجس من انتكاس الوضع الأمني في العراق، طالما أن الأنظمة الجديدة ستكون اقل دكتاتورية إن لم تكن أكثر ديموقراطية. ومن المعلوم أن الأنظمة المنفتحة تميل إلى نبذ العنف أو مساندته في علاقاتها مع الدول الأخرى وتفضل تشجيع حركة التبادل الاقتصادي في ما بينها، والتي تعود بنفع اكبر على الشعوب من المغامرات غير المحسوبة للحكومات المتسلطة.
وعلى هذا أخلص إلى القول انه ليست هناك من حاجة ملحة لتمديد بقاء القوات الأميركية في العراق، سواء حافظا على الأمن الداخلي أو الدفاع عن حياضه أمام تهديد خارجي. وقد آن الأوان لان يكون العراق، مرة أخرى، بلدا مستقلا معتمدا على ذاته في تحقيق أمنه ورفاهية شعبه، وان تتحمل حكومته وشعبه مسؤوليتهما في هذا الشأن بدون تأثير سياسي أو عسكري قادم من الخارج، حتى وان كان ذلك من أصدقاء ساهموا في تحرير العراق من الطغيان ووضعه على جادة الحرية والديمقراطية.

Wednesday, July 14, 2010

قول في الازمة السياسية العراقية: العود احمد

بعد ان تقرر، بطريقة غير واضحة تماما، تأجيل جلسة البرلمان لمدة اسبوعين، وهي الجلسة التي أبقيت مفتوحة على مدى شهر كامل بدون سند قانوني، بعد كل ذلك دخلت البلاد في حالة من الفراغ الدستوري والفوضى السياسية المتمثلة بالتأويل العشوائي للدستور والقاء التفسيرات القاطعة لفقراته من قبل كل من هبّ ودبّ، وبات المواطن في حالة من عدم اليقين حتى بدأ يتساءل عن جدوى العملية السياسية اذا كانت في نهاية الامر تصب في مصلحة الفئات السياسية المتنازعة بدلا من خدمة الشعب الذي هو الاساس الشرعي للسلطات كافة حسب المفهوم المبسط للديمقراطية.
لاشك ان نتائج الانتخابات كانت غير حاسمة واعطت لكل من الفرق الفائزة فيها بارقة امل في الاستيلاء على السلطة، او ان يكون لها –في الاقل– القول الفصل في تشكيل الحكومة، وان اقتصرت النقاشات منذ ان بدأت النتائج الاولية بالظهور ولحد الان على اختيار شخص رئيس مجلس الوزراء من بين القوائم الفائزة. تلك هي العقدة التي تقف عندها كل المفاوضات بين كافة الاطراف السياسية، وهي التي تحدد بالتالي الكيفية التي سوف توزع فيها بقية المناصب الرئاسية والوزارية.
ولعل الدستور العراقي قد ساهم في تعميق الجدل من خلال الافتقار الى النص الحاسم وعدم وضوح الصيغ اللغوية-القانونية بما لا يدع مجالا للشك. لكن قبل القاء اللوم على فقرات الدستور علينا العمل بعرف قانوني معروف يتمثل في محاولة استكناه روح التشريع والقصد منه بدلا من الاستغراق في تفسير كلمات بعينها ضمن نص واحد.
فقد اولى الدستور في فصله الثاني موادا مفصلة كثيرة (المواد 63-72) تحدد طريقة انتخاب رئيس الجمهورية ونوابه وصلاحياته وامتيازاته ومدة ولايته والاجراءات المتبعة عند خلو المنصب. كما انه ينص على وجوب "ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ اول انعقاد له (اي البرلمان)." (المادة 69-ب) ونحن نعلم انه تم تجاوز هذا الاستحقاق الدستوري بمرور المدة القانونية دون تحريك ساكن في هذا الاتجاه، كما تم التغاضي عن انتخاب رئيس مجلس النواب في اول جلسة يعقدها البرلمان كما نص الدستور (المادة 53)، بدعوى الجلسة المفتوحة!
وارى ان هذا الالتفاف على الدستور ليس الا مخالفة لايمكن تبريرها بطريقة مكيافيلية تنظر الى الغايات وتغض النظر عن الوسائل. ووجه الخطر في هذا الامر يتجاوز تأخير تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب بين الفرقاء السياسيين الى الاحتكام الى الارتجال في التفسير والاستعلاء على الدستور بدعوى الضرورات المرحلية. ولاشك عندي في ان هناك ضرورات وتحديات مرحلية سوف تستجد في اي وقت في المستقبل يمكن تستدعي تأويلات قسرية واعتباطية للدستور متمثلة بالسوابق التي يضعها سياسيونا اليوم.
يمكن تتبع القصد التشريعي من خلال النظر الى الطريقة التي صممها المشرع لاختيار المناصب الرئاسية: اولا رئيس مجلس النواب في اول جلسة، ثم رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوما، ثم تنص المادة 73 اولا على: "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية." لا يبدو لي ان هناك نية تشريعية لوضع المناصب الرئاسية الثلاثة في سلة واحدة وهو ما يريد ان يقوم به سياسيونا اليوم. والانكى انهم جميعا ساهموا بشكل او بآخر في كتابة هذا الدستور وتمريره، فلماذا لم يضعوا مثل هذا الشرط عندذاك لكي تأخذ هذه القضية شكلا قانونيا لا غبار عليه؟ لعل الجواب على ذلك يكمن في الحرج الذي كانوا سيقعون فيه، لان انتخاب الرئاسات في سلة واحدة هو اشارة واضحة للمحاصصة الطائفية التي ارادوا ان ينأوا بانفسهم عنها تشريعيا وان مارسوها في واقع الحال.
أي ان التشريع الدستوري اتجه لرفض التوزيع الطائفي والعرقي للمناصب من اجل الحفاظ على وحدة مكونات الشعب المختلفة تحت راية وطنية واحدة. اذا كيف يمكن تفسير الالتفاف على التشريع بطريقة تلغي الهدف منه من الاساس؟ ويبدو لي ان المشرع اراد ان يضع مواقيت محددة لتجنب الوقوع في هذا الشرك. والان نحن واقعون فيه فكيف الخروج؟
لا احد يدعي ان هناك وصفة سحرية يمكن ان تضع حد للازمة السياسية الحالية. ولكن عندما تستعصي الامور لابأس في العودة الى الاصول. واذا كان النزاع الحالي في شخص رئيس الحكومة المقبل فلنناقش ما ارادنا الدستور ان نفعله قبل ذلك: انتخاب رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية. لابد ان المشرع اعتقد ان هذين المنصبين لا يقلان اهمية عن منصب رئيس مجلس الوزراء طالما كان هذا الاخير مسؤولا امامهما. ولو تم استيفاء هذين المنصبين حقهما في الدورة البرلمانية السابقة لما كنا امام ازمة سياسية اليوم. فمنصب رئيس الوزراء، الذي حظي بصلاحيات واسعة مقابل حصانة شبه تامة من المسائلة في المرحلة السابقة، بات اكثر اهمية بما لايدع مجالا للمقارنة. وهكذا اصبح هناك شعور عام بين الفرقاء السياسيين بان فقدان هذا المنصب يعني عمليا عدم الحصول على شيء، الامر الذي لا يعبر عن روح الديمقراطية والحكم الجماعي ودولة المؤسسات.
وان حدثت في قادم الايام حلحلة للموقف السياسي وتم الاتفاق على ما يبدو مستحيلا اليوم فسوف يكون ذلك على حساب تقديم تنازلات بين الاطراف المختلفة مقابل الحصول على امتيازات. أي ان تشكيل الحكومة سوف لن يكون بدواعي خدمة المصلحة الوطنية العليا، وانما حسبما تقتضي مصالح الاطراف السياسية المشاركة فيها.
ومن جهة اخرى، فان مثل هذه الحكومة، التي سوف تسمى حكومة الوحدة الوطنية، ستكون بعيدة عن المسائلة امام البرلمان بسبب طريقة تشكيلها، التي توزع المناصب بين الفرقاء السياسيين على اساس الحصص والنقاط وتكبل بالتالي قدرة البرلمان على توجيه النقد لرئيس مجلس الوزراء مثلا، فضلا عن سحب الثقة عن حكومته باكملها. وقد كان هذا الامر سببا رئيسا في فشل الحكومة المنصرفة في تلبية احتياجات الشعب والخروج بمنجزات واضحة للعيان.
على اني ادرك انه من غير الممكن استدراك هذا الامر الان. ولا يمكن العودة الى ما قبل شهر وتنفيذ فقرات الدستور كما اقرت. بل انه لابد من المضي في الرهانات السياسية الى خواتيمها. فبعد تأجيل جلسة البرلمان مدة اسبوعين، لا يبدو ان هناك مشروع لاتفاق من أي نوع. سوف تلجأ الكتل السياسية الى ايجاد عذر آخر للتأجيل لكسب الوقت من اجل المزيد من المزايدات السياسية على امل استسلام احد الاطرف امام الضغط الشعبي او النفسي.
غير ان من الممكن عكس الازمة وايجاد حل عادل ربما يرضي جميع الاطرف. وربما يكون هذا الحل في اساسه مثاليا اكثر من اللازم، ولكن من الممكن ان يكون لدى كل من الاطراف المتنازعة نوعا من المثالية تتيح لبعض الحلول التي تبدو غير واقعية فرصة للتحقق. ومن عادة الناس نسيان الاصول التي بدأوا بها، ولكنهم عادة ما يثيبون اليها اذا ما ذكروا بها.
ان جميع المرشحين لمنصب رئيس الوزراء كانوا شخصيات وطنية خاضت غمار المعارضة لاعتى نظم الحكم الدكتاتوري في العراق، وهم ضحوا بالغالي والنفيس خدمة لهذا الوطن الذي لا اشك انهم احبوه ولم يتوانوا في تقديم انفسهم فداءا على مذبحه.
واقتراحي يتلخص بان يقوم كل من هؤلاء المرشحين بسحب ترشيحه للمنصب متيحا المجال لشخصيات سياسية جديدة ان تأخذ دورها في قيادة البلد. وان قيل ان المرشح انما يمثل حزبا او كتلة برلمانية تشعر ان المنصب من حقها، فاني اجيب بان ذلك سوف يكون امرا تجب مناقشته تحت قبة البرلمان بحضور كافة اعضاءه، الذين لا يعدون اليوم الا ارقاما للتصويت، وليسوا اصواتا للشعب.
ان مبادرة وطنية مثل هذه سوف تحسب لجميع المرشحين على السواء، كما انها يمكن ان تعيد الثقة بالعملية السياسية برمتها، وتدفع بعجلة الديمقراطية اشواطا طويلة للامام. وليتذكر الجميع ان ركيزة الديمقراطية الاساسية تقبع عند مستوى الناخب، وان واجب المرشح الاول هو الاستماع له. واريد ان اشدد هنا على ان الناخب غير راض عن المسيرة السياسية العرجاء. واذا ارادت الاطراف المتنازعة الان البقاء في مواقع المسؤولية فمن الحكمة ان تغير الطريقة التي تعمل بها، وان تبدأ في الاستماع الى من اوصلها الى تلك المواقع في الاصل.

Sunday, February 07, 2010

تنظيم القاعدة بين عشوائية الفكر واعتلال المنهج

السادس من تشرين الثاني، 2009. الميجر نضال مالك حسن، المواطن الاميركي من اصل فلسطيني، يفتح النار في قاعدة فورت هود، بولاية تكساس، على زملائه من الجنود الذين يستعدون لنشرهم في افغانستان فيقتل ويصيب حوالي خمسين منهم قبل ان تنال منه الاطلاقات الدفاعية، وان لم تؤد الى قتله.
الخامس والعشرين من كانون الثاني، 2006. يوم عيد الميلاد. المهندس الشاب عمر فاروق عبد المطلب، المواطن النيجيري الذي حصل على درجته الجامعية من بريطانيا، يحاول ان يفجر طائرة نورويست قبيل هبوطها في مطار ديترويت، لولا تدخل ركاب الطائرة ونجاحهم في منعه من اشعال صاعق القنبلة التي كان يحملها في ملابسه الداخلية.
الثلاثين من كانون الثاني، 2009. الطبيب هشام البلوي، المواطن الاردني المقيم في افغانستان يفجر نفسه وسط حشد من ضباط السي آي ايه فيقتل سبعة منهم بالاضافة الى ضابط مخابرات اردني من العائلة المالكة.
ثلاثة احداث وقعت خلال شهرين في ثلاث مناطق مختلفة، لكن يربطها جميعا رابط واحد: تنظيم القاعدة. وكما هو متوقع فان اسم القاعدة يرتبط بالتفجيرات والعنف والتحريض عليه، وباستحلال سفك الدماء تحت مبررات عديدة، بعضها مجرد استغراق في الاستعمال الى حد الاستهلاك.
غير ان من المؤكد ان لدى القاعدة اهدافا تتجاوز مبررات افعالها التي يقشعر لها البدن، ويندى لها الجبين. فماهي هذه الاهداف، وما هي الغاية التي تسعى القاعدة لتحقيقها بلا كلل ولاملل؟ هل هي لتحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي؟ ام من اجل تحرير العراق وافغانسان من الاحتلال الاميركي؟ هل تهدف القاعدة لتحرير المستضعفين من الظلم والعدوان، ام لاقامة كلمة الله على الارض؟ هل تريد القاعدة ان تحيي الدين الذي تؤمن به، ام انها تخلق دينا جديدا تفرضه على البشر اجمعين؟
بدءا، لا يمكن فهم فكر تنظيم القاعدة على نسق الاصول التقليدية للفكر الانساني. فاي محاولة لتطبيق الجدل المنطقي على ادبيات القاعدة، بالاضافة الى نشاطاتها العنيفة غالبا، لابد ان تبوء بالفشل، بسبب ابتعاد تلك الادبيات والنشاطات عن العرف السائد في طرح الفكرة ومناقشتها. فهذا التنظيم لا يلجأ الى طرح الحجج المنطقية واستخدوم اساليب الاقناع المتعارفة، بل يتمترس بقداسة النصوص السماوية، معتبرا الخوض فيها خروجا عن اصول الدين، وبالتالي يتوجب الاذعان بدون مناقشة او محاججة. وهو غالبا ما يعمم المخصص عند تناوله للنص المقدس. كما ان القاعدة كفكر كثيرا ما تخرج في ادبياتها من مقدمات هزيلة بنتائج يقينية، بدون الحاجة الى الفحص والبرهان. وهي لا تحض على التفكر والتأمل، بل على الثأر والانتقام.
لنعد الى الاحداث التي اشرت اليها في صدر هذا المقال، حيث ذكرت ان الرابط فيها هو تنظيم القاعدة. لكن ما يدعو الى التأمل هو قدرة القاعدة على تجنيد نخبة الناس من اجل تحقيق مكاسب آنية، تتمثل في ضرب اهداف عشوائية لا تخرج منها باكثر من تهليل اعلامي بين انصارها، بغض النظر عن الاستنكار الواسع النطاق لهذه الافعال بين ابناء دينها وقوميتها العربية في الاصل.
بل ان ما يدعو للعجب اكثر من ذلك عدم سعي القاعدة لاستثمار تلك النخبة من اجل اهداف ابعد مدى، تعود عليها بفائدة اكثر ديمومة. لكن قادة القاعدة لا يرومون، فيما يبدو، ان يحققوا غاية ما. فهم لايريدون ان يقيموا دولة تدعو لمفاهيمهم ومبادئهم. وهم فشلوا في الاحتفاظ بتلك الدولة حينما استطاعوا فعلا ان يقيموها في افغانستان. هذا الفشل لم يكن بسبب العدوان الاميركي-الاطلسي عليهم، بل بسبب تعديهم على هذا الحلف الذي لا يشق له غبار في سوح الحرب الكبرى. ربما نجحوا في قض مضاجع الاميركيين والغربيين في العراق وافغانستان والصومال واليمن، لكنهم لم يستطيعوا ابدا ان يغيروا مجرى الاحداث بما يحقق امانيهم، او ان يحولوا مسار التاريخ لتمجيدهم.
كنت قد كتبت مقالا بعد هجوم الميجر نضال في قاعدة فورت هود، نشر على صفحات (المدى)، حاولت فيه ان استكنه سبب الهجوم ودوافعه. وقد خرجت بنتيجة ان الهجوم لم يكن من تدبير القاعدة، وان كان بوحي منها. واستندت في ذلك الى انه لو كانت القاعدة جندت الضابط الاميركي لخدمتها، ما كانت لتتخلى عنه من اجل ضربة خاطفة، مهما تكن موجعة. فذلك الطبيب الاميركي كان سيرسل قريبا الى افغانسان، وبالتالي فسوف يكون مصدرا مهما للمعلومات بالنسبة للقاعدة، يغذيها بما يجنبها الضرر، وما يعود عليها بالنفع. لكني كنت حتى ذلك الوقت ارى ان لابد للقاعدة من فكر تنظيري، وان عسر على الفهم.
واليوم بت اعتقد انها خلو من مثل هذا المنهج الفكري. وانها لا تعدو ان تكون عودة بالدين الاسلامي الى عهد الجاهلية، الى الغزوات البدوية التي لا يبررها سوى الرغبة في التسلط والتسيد بقوة السلاح. يستقي هذا التنظيم افكاره المشتتة من احداث بعينها، ليبني عليها نظرية اصولية متطرفة، بل عنصرية شوفينية مقيتة لا ترى صلاحا في الاخر، تحل قتله بلا وازع من ضمير، او رادع من دين.
في اوائل فترة الغزو الاميركي للعراق، وقعت وثيقة موقعة من ابي مصعب الزرقاوي، قائد هذا التنظيم في فرعه بالعراق، بايدي المخابرات الاميركية. تحث هذه الوثيقة على قتل ابناء الطوائف العراقية من اجل خلق الفتنة بينهم، وجرهم الى حرب اهلية. ولو كان الهدف من ذلك الوصول بقادة القاعدة الى سدة الحكم في العراق لهان الامر. لكن تلك الوثيقة لم تدعُ الى ذلك مطلقا، كان كل ما ارادوا هو ان يقلقوا الاميركيين في العراق، قبل ان تتولى حكومة عراقية مقاليد الامر في بلادها، فيصبح من العسير القيام بهذا الامر بعد ذلك. لقد خاب ظن الزرقاوي في كلا الامرين، وان نجح في زرع فتنة عصفت بالعراقيين عامين مريرين.
جندت القاعدة في العراق شيوخ قبائل واطراف القوم، ولو كان لها فكر لبيب لاحتفظت بهم. انقلبوا عليها بعد ان رأوا ظلمها ووحشيتها وتجردها من الانسانية، فضلا عن خلوها من الهدف والغاية التي تحرك افعالها. لا اعتقد ان مجالس الصحوة في غربي العراق ومناطق اخرى هي من شطحات افكار القادة الاميركيين، بل اكاد اجزم انها وليدة انقلاب حقيقي على الربيب الذي صار سيدا لا ينازع في ارضهم وبلدهم. هُزمت القاعدة في غرب العراق لانها لم تسعَ للنصر، بالحكمة القيادية والحنكة السياسية، بل بالتسلط والتزمت واستغلال الموارد المتاحة بنفس الطريقة التي كان الاستعمار يفعلها في غابر الزمان. تحرر غرب العراق من استعمار القاعدة بثورة شعبية، بعد ان خاب الظن بالمحتل، الذي تجسد له بصورة المخلـّص.
الطبيب الاردني حمل معلومات قيمة للاستخبارات الاميركية والاردنية، على زعم ضباطهما. لاشك انه خدم القاعدة التي جندته من قبل اكثر من ذلك، من خلال صلاته بالاميركيين في افغانستان. لكن ذلك لم يمنع القاعدة من الاستمرار في العمل معه وتجنيده لعملية محدودة الاثر، وان كانت ذات تأثير نفسي ومعنوي كبيرين، وصدى اعلامي واسع النطاق.
يصف زملاء عمر فاروق، الشاب الذي همّ بتفجير طائرة عيد الميلاد، بانه لمّاح ذكي. وهو يتحدر من اسرة ثرية وشغل ابوه مناصب مرموقة في بلده. اذا، لماذا لا تحاول القاعدة ان تستثمر هذه الامكانيات لخلق جديد من قادتها؟ لماذا لا يظهر دم جديد لقيادة القاعدة، قوامه اطباء ومهندسين وحملة شهادات جامعية، يمكن التنظيم من مواجهة تحديات العصر؟ لان قادتها لا يتخلون عن قيادتها حتى يقضي الله امرا كان مفعولا. انهم منشغلون في التخطيط للعملية تلو الاخرى بدون ان يكون لهم هدف من ذلك سوى رغبتهم الذاتية وشعورهم الآني بالعظمة. قد يفطن القاريء الى ان هذا هو بالضبط نهج الدكتاتورية، سوى ان تلك تهدف الى الابقاء على شخص الحاكم في سدة الحكم. وارى ان قادة القاعدة ينسبون لانفسهم وضعا حاكميا على اتباعهم في ارجاء المعمورة. هؤلاء الاتباع ليسوا شعبا، ولا يقطنون وطنا. انهم مريدون لفكرة تمخض عنها وضعهم البائس، عصفت بهم الازمات، والمت بهم المصائب، فلجأوا الى عصبة التطرف وظلمة الانغلاق. انهم اناس عاديون حولتهم العولمة، والثورة المعلوماتية الى جهابذة الفكر. بات حصولهم على ظاهر العلم سهلا يسيرا، فتخلوا عن اصولية المدرسة وتهذيب المعلم، حتى صاروا معلمين انفسهم.
لا تفتأ القاعدة ومريدوها من دعوات القتل والسفك الجماعي للدماء، مهما كانت الضحية. ان كان قتلى خوست ضباط مخابرات من الاعداء، واذا كان جنود فورت هود محاربين محتملين، فمن هم ركاب طائرة الايرباص فوق ديترويت؟ ماذا جلب قتل ضباط المخابرات والجنود في المعسكر لعناصر القاعدة؟ المزيد من القوات. المزيد من القتال المنهك، الذي يأكل ضحايا من المدنيين الابرياء العزل اضعاف ما يفقده طرفي النزاع.
ليس للقاعدة من غاية. قادتها يئسوا من كرسي الحكم، فتسيدوا على رقاب آخرين جرفهم موج عارم الى ضفتهم فصاروا ثلة من الاتباع الذين "ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا." اوجدوا ملة تدعو للقتل على الشبهة، قبل ان تدعو للهداية. ذلك انهم لا منار لهم يهتدي به الناس. عصبة إئتلفت على البغضاء والحقد على الغير، لا على المودة والتراحم بينهم. حينما تخرج امرأة للتسوق في بغداد، او يدلف عابد الى مسجده في بيشاور، يسألون انفسهم أي الطرقات يسلكون حتى لا يتحولوا الى اشلاء في تفجير انتحاري تفخر القاعدة بحمله اليهم. كيف لهم ان يصبحوا انصارها ومواليها؟ ولمن تبث القاعدة رسالتها؟
لكن دعوتها في اتساع، واتباعها في ازدياد. انصار القاعدة ليسوا اناسا آمنوا بفكرها، بل هم افرادا مغرر بهم، بهرهم منهجها وبريق دعوتها في الخلاص عن طريق الموت استشهادا. قتل النفس المحرم في كل الشرائع السماوية اضحى اصلا في الدعوة السقيمة لهذا التنظم، ولجأ اليه من ضاقت به الارض وتقطعت به السبل. هؤلاء الاتباع اصبحوا امة تميز نفسها بالايمان وتصم ما سواها بالكفر والضلالة. عصبة القاعدة التفت في عصبية الجاهلية، تجمعها نزعة عنصرية ترى في نفسها تفوقا على الغير يؤهلها لسلب الحياة وتخريب الحرث والنسل.
القاعدة حركة عنصرية. ليست عنصرية في دينها، او عرقها، او قوميتها. انها عنصرية في اعتقادها بان لا قيمة لكل من يخالفها، وعدم اكتراثها حتى لحاضنتها. ولهذا يجب ان يحظر فكر القاعدة عالميا، وان تمنع من استخدام الوسائل التقنية والاتصالات الحديثة في ايصال رسالتها الظلامية. يجب ان يُعد كل من يسوق لنهجها ويطبل لافكارها خارجا عن القانون.
قد تبدو دعوتي هذه ساذجة. لكني انما ادعو الى ضم الصفوف والمطالبة بموقف عالمي، عن طريق الامم المتحدة، اتجاه هذا التنظيم حتى يبين الخيط الابيض من الخيط الاسود. وان حدث يوما وصنفت القاعدة على انها ليست فقط تنظيم ارهابي، بل على انها حركة عنصرية، فعسى ان يكون ذلك رادعا لمن يدعو لها، ويجردها من ادعاء الشرعية كونها حامي حمى الدين الاسلامي. وحبذا لو تبنت البلدان العربية والاسلامية مثل هذه الدعوة، ليكون لها الصدارة في التصدي لتلك العصبة الفاسدة، ومحاربة نهج التسقيط والتكفير الذي تدعو اليه.

Sunday, November 15, 2009

هجوم فورت هود.. عملاً بطولياً أم انتحاراً دعائيا؟

في السادس من تشرين الثاني الجاري فتح الميجر نضال مالك حسن النار من مسدسين آليين على مجموعة من الجنود كانت تستعد لإنهاء معاملات نشرهم في افغانستان، في المركز المعد لهذا الغرض بقاعدة فورت هود، كبرى القواعد العسكرية الاميركية في العالم.
واصل الميجر اطلاق حوالي مئة رصاصة قبل ان تصيبه ضابطة صف متمرسة على القتال وتوقفه عن قتل المزيد. واسفر الهجوم عن مصرع 12 جنديا ومدنيا واحدا واصابة اثنين واربعين آخرين بجروح مختلفة قد تؤدي ببعضهم الى الإعاقة مدى الحياة.
وعلى الفور بدأت التحقيقات حول اسباب هذا الهجوم المفاجى ودوافعه الخفية وما اذا كان الميجر يعمل بمفرده ام انه كان يتقلى توجيهات او فتاوى تحضه على هذا الفعل. وتشير التقارير الاولية الى ان الميجر نضال مالك حسن، الاميركي المولد والفلسطيني الاصل، لم يكن بالشخص العنيف او المتطرف، رغم ما ذكره زملاؤه في الخدمة من ادانته الحروب في افغانستان والعراق. كما ان جيرانه والاشخاص العاملين معه اصيبوا بالصدمة لما بدر منه، حيث كان ذلك آخر ما يتوقعوا ان يفعله.
وقال ابن عم له، يعيش في القدس، في مقابلة تلفزيونية انه كان يعاني التفرقة العنصرية داخل الجيش لكونه مسلماً، على الرغم من تدرجه في سلم الرتب العسكرية ليصل الى رتبة ميجر (وهي تعادل رتبة رائد). وقياسا الى عمره البالغ 39 عاما، وتاريخ انتمائه الى الجيش الاميركي في عام 1997،لايبدو انه قد تأخر كثيرا في نيل هذه الرتبة، وهي علامة واضحة على عدم وقوعه ضحية لتفرقة بسبب الدين او العرق.
وتجري التحقيقات حاليا في علاقته المزعومة مع رجل الدين المتشدد اليمني الاصل انور العولقي، وهو المرشد الروحي لاثنين من المشاركين في هجمات 11/9، هما خالد المحضار ونواف الحازمي. حيث تشير التحريات الى انه اتصل برجل الدين هذا، الذي كان إمام جامع دار الهجرة الواقع بالقرب من العاصمة الاميركية، واشنطن، في اواخر عام 2008.
غير ان عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي يقولون انهم لم يأبهوا لهذه الاتصالات كون المجير كان يجري تحقيقات لصالح الجيش في ذلك الوقت، واعتبر من الطبيعي ان يقوم بمثل هذه الاتصالات. يذكر ان التدرج في الرتب العسكرية في القوات المسلحة الاميركية يتطلب الحصول على الموافقات الامنية بين الفينة والاخرى، وقد حصل الميجر نضال على درجة (سري)، أي انه لم يبعد سوى خطوة واحدة عن اعلى درجات الموافقات الامنية وهي (سري للغاية)، وهو ما يؤهله الحصول على معلومات سرية وحساسة.
وبناء على ما تقدم لا يبدو ان الميجر نضال كان مرتبطا بشكل مباشر مع خلية متطرفة تعمل على التخطيط لهجمات ارهابية في الولايات المتحدة. ولو كان الامر كذلك فلربما كان سيكون اكثر فائدة لتلك الخلايا من خلال المعلومات السرية التي يمكن ان يقدمها لهم، ولفترات طويلة قبل ان يفتضح امره. فالمكان الذي جرى فيه الهجوم لم يكن مغلقا على العامة، وبالتالي كان بإمكان الكثيرين القيام بما قام به دون الحاجة الى أن يكون برتبة ما في الجيش مثلا.
أما قدرته على حمل السلاح وادخاله الى القاعدة العسكرية فهو ليس بالامر المعجز كذلك، حيث ان تلك القواعد، التي يقطنها عدد كبير من الناس المدنيين والعسكريين على السواء، لا تخضع الداخلين اليها الى اجراءات تفتيش صارمة. يذكر ان قاعدة فورت هود تضم بين جنباتها اكثر من خمسين الف شخص بين مدني وعسكري.
وقال احد الجرحى انه سمع المهاجم يهتف (الله اكبر) باللغة العربية قبيل مباشرته بإطلاق النار على الجنود، وهو ما يدل عادة على هجوم انتحاري. غير ان تلك الشهادة لم تتأكد من شهود آخرين. كما ان هذا الهتاف لا يعني بالضرورة ان تلك العملية كانت (ارهابية). بل ان المسلمين يهتفون (الله اكبر) في مواقف ومناسبات شتى، وليس من العجب ان يقولها شخص يوشك على انهاء حياته، ظنا منه انه بهذا الفعل سوف ينال رضا الباري عزّ وجل. نعم، كان الميجر نضال على وشك ان يُرسل الى افغانستان، وهو ما كان يرفضه علنا. لكنه قام بالفعل بتوكيل محامٍ لغرض إخراجه من الخدمة العسكرية، أي انه اتبع الطرق القانونية للحيلولة دون ارساله للخدمة في حرب يرفضها.
بيد انه كان طبيبا نفسيا في قاعدة فورت هود، وكان يتعامل مع حالات الصدمة التي يعانيها الجنود العائدون من الخدمة في مناطق الحرب. وفي رأيي انه تأثر كثيرا بقصص هؤلاء الجنود عن فظائع الحرب. وكونه اعزبا ويعيش وحيدا ربما اثر في نفسيته وجعلته يعاني الكآبة التي تدفع الى الانتحار في بعض الاحيان. وفي اللحظة التي قرر إنهاء حياته، ربما كان يريد ان يكون هذا الانتحار امرا عاما.
يضاف الى ذلك انه ربما تأثر بالدعاية المتطرفة التي تجيز قتل الاميركيين والغربيين في أي زمان ومكان باعتبارهم كفارا، فعزم على فعل هذا الامر الذي سوف يجعله من (الشهداء) فينال المرتبة اللائقة في الحياة الآخرة، وينهي في نفس الوقت حياته التي بات يشعر بأنها تعيسة من دون ان يتعرض الى العقاب الالهي لارتكابه جرم الانتحار.
واذا قيل ان هناك تناقضا حول زعمي انه لم يكن يقوم بعمل ارهابي، ومع ذلك فقد ارتكب فعلا يندرج ضمنه، فإني أجيب بأن ليس هناك من تناقض. فالفعل الارهابي انما يكون باعتناق الفكرة المتطرفة اولا ومن ثم التخطيط للهجوم وتنفيذه. وفي حال نضال مالك حسن، ليست هناك من بوادر الى انه اعتنق الفكرة بدءا، وأرى ان هدفه كان انهاء حياته، لكنه كان مثقلا بالشعور بالذنب ان نفذه بالطرق التقليدية. ومن ثم عمل على ايجاد العذر المناسب من خلال ادبيات التطرف التي وفرت له طريقا سهلا للانتحار من دون الشعور بارتكابه إثماً.
ولا يخلو التاريخ الاميركي الحديث من اناس ارادوا الموت بهذه الطريقة، ونذكر منهم مهاجم الرئيس رونالد ريغان مطلع الثمانينيات، والذي انما اراد ان يكون موته حديثا لوسائل الإعلام وعامة الشعب ويصبح بذلك من المشهورين، بدل ان يلف الحبل حول رقبته في حمام منزله. ان من شأن هذه الحادثة ان تؤثر على وضع المسلمين في الولايات المتحدة كما هو متوقع.
وقال احد كبار جنرالات الجيش الاميركي انه ستجري مراجعة شاملة لكل الحالات المشابهة لحالة الميجر نضال، وان لم يحدد المسلمين على وجه الخصوص. واتكهن ان يصبح من الصعب على العرب والمسلمين ان يتدرجوا في المناصب الحكومية والعسكرية الاميركية، وربما في البلدان الغربية الاخرى نتيجة لهذه الواقعة. ان هذا الهجوم قد يلحق اذى كبيرا بين اوساط الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة التي تكافح من اجل الاندماج مع مجتمع الدولة المضيفة، خصوصا بعد أحداث 11/9، التي لم يكد الشعب الاميركي ينساها. ففي كل مرة يحدث مثل هذا الهجوم تسعى تلك الجالية، في معظمها، الى استنكار ما حدث والبراءة منه، شعورا منها بأن أصابع الاتهام قد توجه اليها. ولسخرية الاقدار، كان الميجر نضال من بين من دانوا هجمات منهاتن.
واذا كان لي ان اقترح أمراً فإني أدعو الى مراجعة النظريات المتطرفة التي تمجد الانتحار من اجل القضية، كائنة ما تكون، والتي تقدم تبريرات غير مستندة الى منطق او تأويل صحيح عن قتل الآخرين والاستهانة بحيواتهم. على رجال الدين من الطوائف كافة ان يدينوا عمل الانتحار مهما كان الدافع. ان السماح والدعوة إلى قتل الذات من اجل القضية التي تعد –عرفا– مشروعان قد يؤديان إلى شرعنة كل القضايا الاخرى، ويسبب ضبابية في فهم المشروعية بحد ذاتها، ويخضعها لتفسيرات ذاتية قد تساعد الشخصية المضطربة على التحلل من قواعد الأخلاق الصارمة.

Saturday, October 17, 2009

جائزة نوبل لأوباما.. هل يصنع الكلام السلام؟

منحت لجنة جائزة نوبل التابعة للاكاديمية السويدية جائزة السلام لهذا العام الى الرئيس الاميركي باراك اوباما، "لجهوده في إحلال السلم العالمي، وخفض مخزون العالم من أسلحة الدمار الشامل"، حسبما جاء في بيان الاكاديمية. يذكر ان اسم الرئيس الاميركي لم يكن مطروحا من بين المرشحين، وان المرشحة الاقرب الى الفوز كانت السيناتورة الكولومبية بيداد كوردوبا، التي عملت على مدى نصف قرن من أجل ايجاد حل بالتفاوض للنزاع الجاري في بلادها.
ربما لم يكن الرئيس بحاجة الى هذه الجائزة بالقدر الذي كانت تحتاجه تلك السيناتورة المتعبة. فهو لا يمتلك تاريخا طويلا من النضال، ولم يقدم شيئا ملموسا، فيما عدا الخطب الرنانة، لكي يعد من بين القادة الذين يشار لهم بالبنان، وبالتالي من الذين ينالهم التكريم والتقدير لجهودهم الجبارة.لكن هذا هو عصر اوباما.
هذا هو الزمن الذي يتخلى فيه الناس عن التفكير المنطقي العقلاني سعيا وراء آمال اقرب الى السراب. لقد جاء الرئيس الى سدة الحكم على انه البديل الوحيد للادارة الاميركية السابقة التي وصفت بانها الاقل شعبية بين مواطنيها. واكتسح منافسيه بسهولة لا تصدق، رغم شعبيتهم الواسعة وخبرتهم السياسية العريضة. جاء بشعار التغيير الذي لا يمكن تصديقه بأي حال. لكن الناخبين صدقوه، وصوتوا له. وكان اول قرار له بعد ان ادى اليمين القانونية اغلاق معسكر غوانتانامو خلال عام. ويبدو انه لم يستشر موظفيه المعنيين بهذا الشأن، او انه تجاهل نصيحتهم. فحتى بعد مرور اكثر من ثمانية اشهر على ذلك القرار، لا يبدو انه سيطبق بسبب الصعوبات اللوجستية والمادية وقضايا حقوق الانسان بشأن المعتقلين المزمع اعادتهم الى بلدانهم.
حينما يكون المرء في المعارضة، يسهل عليه نقد اداء الحكومة، ولكن حينما يصبح في الحكومة يكتشف ان (التغيير) لا يتم بتوقيع قرار في احتفال مهيب. اما اذا تجاهل مثل هذا السياسي تلك الحقيقة البسيطة، فانه قد يحصل على جائزة نوبل تقديرا لجهوده في جرّ القلم. نعم، برّ اوباما، حتى الآن، بوعوده الانتخابية بسحب القوات القتالية من العراق.
لكن يجدر التذكر بان هذا الانسحاب يتم بموجب الاتفاقية الامنية مع العراق، والتي ابرمها سلفه جورج دبليو بوش. فهل يُعد هذا انجازا له؟ لدينا مثل عامي في العراق يقول (يجي خلاف ويركب على الاكتاف). لقد كان الانسحاب من العراق امرا لاميحص عنه، سواء تم بسنتين او بثلاث، وما كان لأي احد ان يطيل من عمر الاحتلال، شاء اوباما بذلك ام ابى. وحينما اراد الرئيس اوباما ان يتحدث الى العالم الاسلامي فانه اختار اولا الدولة العلمانية تركيا، ومن ثم مصر، التي يحكمها نظام علماني هي الاخرى. وهو تجنب بذكاء ان يذكر كلمة (ارهاب) ومشتقاتها في خطبه للمسلمين، لكي ينحي جانبا الافكار التي تربط بين الاسلام والارهاب.
بيد اني ارى انه بفعله هذا أكد ان هناك نوعا من الربط، والا لماذا يتجنب وصف فعل ادى الى مقتل الابرياء بالارهاب، رغم ان الغالبية العظمى من المسلمين وصفته بهذا المسمى. ماذا يقول الشهداء في العراق وافغانستان والسعودية ومصر ولبنان والاردن والجزائر واليمن وباكستان والصومال واندونيسيا والفلبين والهند، وبلدان اخرى كثيرة، عن وقوعهم ضحية لهجمات مسلحة تحت اسم (الجهاد)؟ ماذا نقول لعوائل ضحايا هجمات منهاتن ومدريد ولندن؟ هل كان المنفذون اناسا عاديين، ام انهم ببساطة ارهابيون عاثوا في الارض فسادا، وجلبوا لاهلهم وبلدانهم حروبا ومآسي اكثر مما خدموا قضيتهم، ان كانوا يعملون على قضية ما؟ ان حقيقة كون هؤلاء الارهابيين مسلمين لا تعني ان المسلمين كلهم ارهابيون. لكن ماذا يحصل ان تجاوزت هذه الحقيقة؟ ربما تحصل على جائزة نوبل للسلام.
بل انك قد تحصل على الجائزة وان كنت تعمل على رفع المجهود الحربي في بلد تحتله. كتبت كبريات الصحف الاميركية واصفة الحرب في افغانستان بانها (حرب اوباما). ومن سخرية الاقدار ان الحرب في العراق وصفت من قبل بـ(حرب بوش). فما المبرر في زيادة القوات؟ انه القضاء على الارهاب. ان كان ذلك حقا، فأين هو مصطلح الارهاب في قاموس اوباما؟
ومن نافلة القول ان جهود نزع التسلح والحد من الاسلحة النووية لم تأت من بنات أفكار اوباما، بل انها سياسة متعبة منذ السبيعينيات. وهي ليست وليدة رغبة الولايات المتحدة في السلام، بل حاجة فرضتها الحرب الباردة التي كانت تهدد بالاشتعال في أي وقت والتحول الى حرب كونية لاهبة قد تقود الى فناء الجنس البشري، وربما كل اشكال الحياة على الارض. كيف إذاً يكون هذا هو احد مبررات الاكاديمية السويدية لمنح الجائزة لمرشح اللحظة الاخيرة؟ بان يكون هذا المرشح هو باراك اوباما.
غير انه من الانصاف القول بان اللجنة قالت ايضا في بيانها: "قليلون هم من حازوا انتباه العالم مثلما فعل أوباما، لقد أعطى العالم أملاً بالتغيير والمستقبل الأفضل.. ودبلوماسيته قامت على مبدأ أن من يقود العالم عليه أن يكون مثالا يُحتذى في القيم والمبادئ." واتفق مع هذا القول تماما، الا اني لا ارى ان في ذلك سببا كافيا لتقديمه على كل المرشحين الآخرين، الذي عملوا بجد على مدى عقود من الزمن من اجل تحقيق هذه المبادئ.ان عمر الرئيس اوباما في المنصب لايزال صغيرا، ولا يصلح الحكم على ادائه في تلك الفترة القصيرة، لا سلبا ولا ايجابا. ومن الواضح ان لجنة منح جائزة نوبل وقعت تحت تأثير شخصيته الكارزمية الطاغية، التي سحرت الولايات المتحدة والغرب عموما، ومن ثم بدأت في الانتشار في شتى انحاء المعمورة.
فما هو السر في هذه الشعبية التي قلّ نظيرها في التاريخ؟ انها الماكنة الدعائية الاميركية. تلك البروباغاندا التي روجت ضد النازنية ومن بعدها الشيوعية وصولا الى الحرب على الارهاب، تروج اليوم لرئيسها وتهلل له. لقد ادركت الولايات المتحدة، ربما عن غير وعي، ان عصرها أشرف على الزوال بعد كل تلك الحروب والازمات، بغض النظر عن المسببات والنتائج، فكان التحرك بالاتجاه المعاكس. كما ان تغيير الادارة ليس مهما بقدر تغيير الشخصية. لقد ارادت اميركا ان تثبت للعالم انها امة ريادية حتى مع تعرضها الى ازمات سياسية واقتصادية خانقة. وكان الخروج من النفق من خلال شعار التغيير: تغيير العرق اولا، ومن ثم تغيير اللهجة الخطابية، واخيرا تغيير الثوابت السابقة. فهل ستتمكن الولايات المتحدة الاميركية من تحقيق هذا التغيير المنشود؟ ربما، ولكن يجب على الاخرين ان يتغيروا ايضا. فما الفائدة من مد اليد الى ايران –مثلا– اذا كانت تسعى الى امتلاك اسلحة نووية قد تشعل سباقا للتسلح النووي في المنطقة لا تحمد عقباه، واذا كانت تعامل شعبها بالنار والحديد؟ ومن المفارقة ان الاميركيين انتقدوا اداء اوباما الضعيف اثناء الانتفاضة الايرانية، وطالبوه ان يظهر "قليلا من قوة بوش." ونحن نعلم ان مثل هذا التغيير في الانظمة الديكتاتورية ليس بالامر الهين، ان لم نقل انه مستحيل عمليا.
لقد جاء منح جائزة نوبل للسلام الى الرئيس اوباما متعجلا، وكان على اللجنة ان تتريث عاما او اثنين قبل ان تقرر صلاحيته لنيل تلك الجائزة ذات الصبغة العالمية. وان كان القصد من منح الجائزة وضع اوباما امام مسؤولية تحويل الاقوال الى افعال، فتلك مقامرة غير محسوبة. فان استطاع الرئيس اوباما ان يحدث تغييرا، فلن يكون الا ذلك بجهد اناس آخرين. وان لم يستطع فعل الكثير، فان سمعة جائزة نوبل ومصداقيتها سوف تكون على المحك.