Monday, December 27, 2004

صلاحية النظرية التأمرية.. الايمان اول اثبات

هل تستطيع نظرية واحدة اثبات كل شيء؟ هل يمكن تفسير الكون بقانون فيزيائي واحد؟ تلك مسائل شغلت الفلسفة والعلم قرونا، وعمل عليها العديد من العباقرة عبر قرون التطور الفكري البشري. ولا تزال الاجابة غامضة، وغير كاملة، وغير مفهومة. ولا تزال هذه الاسئلة محل بحث.
اذاً كيف يمكن ترتيب النظريات، باعتبارها تفسيرات لظواهر معينة، بحيث تتساوق منطقيا؟ وهل يمكن استبعاد اية نظرية فقط لاننا لا نحبها؟ بالمقابل هل يجب اعتماد النظريات التي تعجبنا كاولوية اولى؟ بالطبع توقع النتائج هو ما يرجح نظرية على اخرى.
غير ان النظرية الشاملة، او التي تقترب من الشمولية، تستطيع في كل الاحوال توقع نتائج محددة. فلن يكون العرّاف محط اعجاب كثير اذا توقع ان تكون نصف المواليد للفترة القادمة من الذكور. لكنه سينال الكثير من التكريم اذا توقع ان يرزق الملك وريثا للعرش. فهل تقطع رقبته اذا جاء الخبر بانثى؟ سيجد تفسيرا، ولن ينال تكريما.
والتفسير لظاهرة ما ليس تكهنا، او رجما بالغيب. لكنه دائما يبدأ بهاجس. فما الذي يحمل على توقع نتيجة معينة غير الشعور، غير المفسر، بان هناك تسلسلا للاحداث يفضي في عقل الباحث الى مثل هذه النتيجة. ان العقل البشري يتفوق على نفسه في تجليات للعبقرية عبر مراحل زمنية متفاوتة. هذا التفوق ليس في نمط التفكير، وانما في توجيه التفكير نفسه. ان اعتبار ان للضوء وزنا، هو امر مفرط في الخيال بدرجة لا تحتمل التصديق.
هل يستطيع جميع البشر استيعاب فكرة ما؟ لا معنى للسؤال، فالاستيعاب، امر لا يعني الجميع. لنعد صياغة السؤال، هل يستطيع جميع البشر تقبل فكرة ما؟ ليس لديهم الخيار في ذلك. اما لانهم لا يستطيعون اثبات العكس، او لانهم، مرة اخرى، غير معنيين. النتائج وحدها هي التي تعني معظم بني الانسان.. فهل علينا ان نفهم النظرية النسبية لنرى تأثير القنبلة الذرية؟ الجميع يعتقد انها صحيحة بالقدر الكافي، فقط لانها ذات نتائج ملموسة.
لست هنا بصدد البحث في الفيزياء النظرية. ولكن العلم ممتد وحصين بدرجة تجعله مؤهلا لتفسير حتى امكانية تآمر العرّاف ليعلن جنس المولود. وهذا المدخل يقودني الى فرضية صلاحية تفسير النتائج، او الاحداث على انها نتائج، باستخدام نظرية موضوعة مسبقا كعنوان، وليس مطلوبا منها ان تتوقع او ان تتنبأ بتلك النتائج، على عكس المنهج العلمي.
المؤامرة، فكرة اقترنت مع نمط التفكير الشرقي عموما، وهي اول تفسير لحدث ما.. ليس لغياب التفسيرات الاخرى، ولكن لملائمتها، بطبيعتها الطوباوية، مع النهج الخيالي في مجتمعاتنا، العربية والاسلامية. ذلك النهج الذي اعتبره مسؤولا، الى حد كبير، في منع الاستنارة الفكرية من غزو الشارع. وليس الذنب في ذلك دائما واقعا على عاتق رجل الشارع، بل الى الدعاية المنسقة والمنظمة التي لا تعبأ بالحقائق، والتي تشوه تلك الحقائق، لخدمة مصلحة جهة متنفذة، في السلطة او خارجها.
ان اهم ميزة في المجتمع الشرقي هي الروحانية، وهي قوة مقابلة لقوة العقل، لا تنفيه ولكن تبادله الادوار احيانا. وعند وضع الايمان مقابل العقل، لا يمكن تحديد الجهة التي سيميل اليها الميزان. ان نفس المنهج العلمي، كما اسلفت، يعتمد هاجسا في عقل الباحث يدفعه للبحث في اتجاه معين.. هذا الهاجس هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الايمان. ان قوة العقل حاسمة، ولكن المسائل ليست كذلك. وتعدد المؤثرات في قضية ما يجبر الباحث على الاختيار.
وهكذا فان الايمان بان حدث ما يجب ان يكون وراءه جهة ما، سرعان ما سينضج نظرية تأمرية تلقى قبولا واسعا. ان هذا الايمان يستبدل جزءا من التفكير المنطقي لصالح النتيجة المرجوة. وحتى المشككون لن يستطيعوا الصمود طويلا، لان النقاط المجردة عن المعنى، يمكن ان تتجمع لتشكل صورة لها معنى حقيقي.
ولكن رسم تلك الصورة انما يتم باستخدام العقل، موجها بالنتيجة المرتقبة. فاذا كان الحدث سابقا للتوقع، فلان الصورة قد تتغير في بعض التفاصيل، الا انها تبقى تحمل نفس السمات. الايمان يستطيع ان يستخدم العقل، ولذلك لا يعمل على الغائه. والعقل يتيه بين الخيارات، فلا مناص من اعتماد الايمان منطلقا للتفسير. والجدلية تتجسد دائما في الرغبة للتوصل الى حلول. ورجل الشارع، عماد تلك الجدلية، غير مستعد للتقييم، بل للتفاعل.
قبل احداث سبتمبر بفترة بسيطة كانت هناك حادثة اخرى، كان يمكن ان تفسر بالشكل الصحيح كمقدمة لتلك الاحداث. ذلك ان طائرة مصرية سقطت في المحيط الاطلسي بعد فترة وجيزة من اقلاعها من احد المطارات الامريكية. واوضحت التحقيقات ان مساعد الطيار وهو مصري الجنسية، عمد الى اسقاط تلك الطائرة لسبب غامض. وانتشرت في ذلك الوقت نظريات مؤامرة تنسب اسقاط تلك الطائرة الى الموساد، او المخابرات الامريكية، دون ان يتم اثبات ذلك، او نفيه. ولو حللت تلك الحادثة بالشكل العملي، لكانت النتيجة البسيطة ان هناك عملية تجنيد لطيارين انتحاريين، وهو ما شكّل احداث سبتمبر الدامية.
ان نظرية المؤامرة تبقى قادرة على التفسير، طالما كان العقل مشتتا بكثرة الخيارات. ولمحاولة كسر الاطار، فان اول من ينبغي فعله هو تقليل تلك الخيارات امام العقل. بمعنى ان يتم تبني منهجا علميا في التفسير، يعتمد تسلسل الاحداث، ويستخدم الهاجس الذاتي بفاعلية منطقية، ويحدد الحكم المسبق المبني على افتراضات، تحولت بسبب طول التداول الى بديهيات او مسلمات. وتلك مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتتأكد بالدعم الحكومي. فهل آن الاوان للحكومات العربية ان تتقدم خطوة للامام، وان تشرع في الاصلاح؟ لنأمل ان تلك الحكومات قد وعت ان نظرية المؤامرة تشملها ايضا، وتسبب لها المزيد من الكوارث حتى على المستوى الداخلي، لطرحها وقائع دولية واقليمية، مشروعا وطنيا ومحليا.

Tuesday, December 14, 2004

الجهاد كنظرية اممية

لا يشك أي مسلم في مكانة (الجهاد) كأحد اصول الدين الإسلامي، وضرورته عبر مراحل ظهور وانتشار هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها. كما وتتضافر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة على الحض على الجهاد ووصف مكانة الشهيد كنتيجة لفعل الجهاد، في الدنيا والآخرة. ولعل اكثر الأمنيات قربا للقلب لدى الكثرة الغالبة من المسلمين هي الموت استشهادا، في سوح الجهاد المقدس.
والجهاد، كما هو معروف، هو أي فعل يقدم عليه الإنسان المسلم من اجل الدفاع عن دينه في وجه الهجوم او الاعتداء الخارجي الذي يستهدف انهاء او تحديد او تهميش الدين الإسلامي وهو ما يسمى بجهاد الدفع. كما يعني ايضا المبادرة الى الحرب والسعي لفتح الأراضي والبلدان (الكافرة) من اجل هديها الى نور الدين الإسلامي الحنيف وهو ما يصطلح عليه بجهاد الطلب. وهذا يعني ان لدينا نوعين من الجهاد حسب التعريف الفقهي، نوع للدفاع ونوع للمبادرة. هذا ما كان في بداية ظهور وانتشار الدين الإسلامي، والذي مازال يصلح في نظر البعض الى هذا الوقت، بل وهو صالح الى يوم الدين كما يؤكد السلفيون.
ولست هنا بصدد البحث في صلاحية مبدأ الجهاد الدفعي او الطلبي.. او حتى من اجل اثبات صحة او خطأ ايا منهما. اذ ان من الثابت ان الجهاد في سبيل الله كان هو المبدأ الأساسي وراء الفتوح الكبرى في عصر صدر الإسلام والتي ادت الى انتشاره في بقاع شتى من المعمورة، وبالتالي تغيير الخارطة السياسية والديموغرافية التي استمرت لقرون طوال قبل ظهور الإسلام. ولان مبادئ الدين الإسلامي وروح التسامح التي اتسم بها رافقت المجاهدين في غزواتهم، لم يلق ناشرو الدين الأوائل عنتا شديدا في اقناع الناس المفتوحة اراضيهم في اعتناق الدين الجديد، بل والمحاربة في صفوفه. لقد انتشر الدين برغبة المجاهدين الجامحة للاستشهاد، وبقوة الفكر وسحر المنطق القرآني، وبالمبادئ السامية التي حملوها الى الأمم في اقطار الأرض.
وبينما توقف الفتح الحربي، وانحسرت حتى بعض البقاع المفتوحة كالأندلس، استمر الفتح الفكري، واستمرت امم تدلف الى حضرة الدين الإسلامي طواعية ودون اكراه، اقتناعا بفكر رجاله، او تمثلا بأعمالهم الجليلة. وخلال قرون من الزمن، تكونت خارطة ديموغرافية جديدة، وارتسمت خطوط معينة وحدود فاصلة، كانت الأديان عنصرا فيها وان كان عنصرها الأول القوميات. لم تكن الحروب الصليبية في حقيقتها الا حروبا سياسية استخدمت فيها الشعارات الدينية لخداع شعوب اوربا وتوحيدهم حول قضية ما، ثم جرّت عليهم بسبب ذلك الكثير من الويلات، والمزيد من الفرقة. وهكذا بعد اكثر من خمسمائة عام من ظهور الدين الإسلامي، بدأت اولى المواجهات بين الدينين العظيمين، الإسلامي والمسيحي.. بدأت تحت اهداف سياسية معروفة، وانتهت بإشعار كل من الفريقين مدى قوة الآخر، والاهم من ذلك، حدوده المقدسة.
وهكذا لم يعد هناك من ينادي بجهاد (الطلب) اليوم، فليس هناك من يفكر حتى في خوض حرب لجعل فرنسا مثلا تصبح بلدا مسلما. وانتهى على هذا الأساس مبدأ الجهاد بالطلب، او بالمبادرة. ولكن بقي النوع الثاني، الجهاد للدفع. ولاشك ان الدفاع عن النفس والعرض والأرض والمال والوطن ضد الاعتداء الغاشم، هي مبادئ سامية وحقوق مقدسة في كل اقطار الأرض، وتحث عليها جميع الأديان والشرائع السماوية والأرضية. ولكن مورد استخدام هذا الحق، مقيد بقانون ومحدد بنطاق. فأما القانون فهو العجز عن استحصال الحق او دفع الضرر الا بالقتال، وأما النطاق فهو مدى شمولية الاعتداء. فليس من الحكمة افناء النفس في الدفع منفردا ما يمكن دفعه بدون تضحيات، او بتضحيات اقل، اذا اجتمع عليه.
ورغم وضوح النيات السياسية دائما وراء الشعارات الدينية، الا ان العامة عادة ما تنخدع بها المرة تلو الأخرى.. تارة لأنها لا تفهم الا لغة الوعد الديني، وطورا لأنها اخذت تقطف بعض ثمار هذا الوعد، دنيويا على الأقل. وهذا امر عام، استخدمه البابوات في حملاتهم الصليبية، وهناك من يستخدمه في رد ما يدعي انه حملات صليبية.. وصدّام مثال حاضر في الأذهان.
فلو تصورنا ان متطرفين مسيحيين، على الشاكلة التي كانوا عليها في القرون الوسطى، من الذين نظروا الى الدين الإسلامي على انه دين (الكفر والإلحاد)، وان بيت المقدس مدنسة بيد هؤلاء (الزنادقة) وما الى ذلك من النظريات والشعارات التي استخدموها في شن الحروب الصليبية، لو تصورنا طائفة متنفذة من هؤلاء تدعو اليوم الى ابادة المسلمين كما كان يفعل اسلافهم، فماذا يمكن ان يكون عليه الحال؟ لو كانت هناك حركات تكفيرية مسيحية كما تظهر لدى المسلمين اليوم مثل تلك الحركات، فكيف سيكون شكل الجهاد، وتعرفيه لدى كل فرقة؟ اذا كانت غاية المرء المسلم، حسب نظريات التكفير المعاصرة، ان يموت شهيدا في عملية (انتحارية) ضد (كافر) ما، فماذا ستكون غاية المسيحي الورع الذي عليه ابادة (الكفرة) بأية وسيلة؟
لقد ارتكبت الحكومات الغربية، خلال تاريخها الطويل الكثير من الفضائع، التي لا ينسبها احد اليوم على الدين المسيحي.. كما ارتكب بعض الحكام المسلمين مثل تلك الفضائع دون ان تعتبر تشويها للدين الإسلامي. فالدين والسياسة سارا عبر التاريخ في خطين متوازيين، وشكلت نقاط التقاطع منعطفات كبرى غير مسار التاريخ. ويجب مع زيادة استنارة العقل البشري، العمل على الحد من التقاطع، الذي لن ينجم عليه وفق توازن القوى الراهن الا انتكاسة عظيمة لا يعلم الا الله مدى خطرها.

رهان التوقيتات ومأزق الانتخابات العراقية

لعل ابرز احداث الساحة العراقية منذ انهيار صنم العبودية، في التاسع من نيسان 2003، هو انتظار الانتخابات، والنظر اليها على اساس انها الحل السحري لكل مشاكل العراق، الموروثة منها والمستجدة. واكرر ان (الحدث) الذي اشير اليه هو (ترقب) الانتخابات، وليست الانتخابات ذاتها. ذلك ان حدث الانتخابات لن يكون امرا معجزا، او حاملا للحلول النهائية للمعضلات التي استعصت على حكومة الاحتلال، ومجلس الحكم، ومن ثم على الحكومة المؤقتة.
ان هذا الترقب والانتظار ربما كان نتيجة حتمية لرغبة المواطن العادي للفرار من الواقع المزري الذي آلت اليه الامور في العراق، والذي فرض ظله على عقلية وتفكير المواطن العراقي، الذي لا يجد معنى حقيقيا لكل ما يحصل، من انتشار للفساد الاداري والسياسي، وتقصير فاضح في اداء الخدمات العامة، والاهم من ذلك، تردي الوضع الامني بشكل لا سابق له. تلك الرغبة التي عزفت عليها القوى السياسية لتنشد اغنية الانتخابات ذات الايقاع الجماعي، رغم جهل الكورس باللحن والكلمات.
في البداية ترقبنا تشكيل مجلس الحكم ليمنح الحاكم الاداري الامريكي المشورة ويمنعه من ارتكاب المزيد من الحماقات، وتعزز الامل بتشكيل الوزارات.. ثم خبا املنا بعد ان وجدنا الاحزاب الممثلة في مجلس الحكم تهيمن على تلك الوزارات وتتخذها منابر اعلامية لها. ومع افلاسها الداخلي ونضوب شعبيتها، لم تأبه تلك الاحزاب للنقد الذي اخذ يرتفع صوته رويدا رويدا، حتى اصمّ الاذان احيانا. فتدهور اداء الدوائر الحكومية، بل وزاد احيانا في فساده عن حاله تحت الحكم البائد، الذي تصورنا ساذجين انه ضرب الرقم القياسي في الفساد والافساد.
وارتسمت اولى مراحل العملية السياسية مع اصدار مجلس الحكم السابق، متآزرا مع سلطة التحالف المؤقتة، اتفاق 15 تشرين الثاني 2003، والذي حدد توقيتات لانشاء مجلس وطني، واصدار قانون اساسي للفترة الانتقالية (دستور مؤقت)، ومن ثم تشكيل حكومة مؤقتة. وبما ان مجلس الحكم لم يستطع ان يكون جماهيريا بالقدر الكافي، فانه لم يكن قادرا بالمثل على (تمرير) قراره هذا بيسر. فقد احتجت قوى بالغة التأثير، متمثلة بالمرجعيات الدينية الشيعية، على طريقة تشكيل المجلس الوطني المؤقت، وطالبت بالانتخابات. وكانت تلك اولى الدعوات المباشرة التي تطرح مقابل خطة مجلس الحكم. وكرد فعل تلقائي، رفض رجال الدين من السنة اجراء انتخابات في مثل الظروف الحالية. وكانت لكل من الطرفين حجته المقنعة. اذ ان الانتخابات هي الطريقة الوحيدة لاختيار حكومة شرعية، تمثيلية، وذات مصداقية. ومن جهة اخرى فان على تلك الانتخابات لكي تحقق تلك الصفات ان تكون شاملة ونزيهة وعادلة، وهو امر غير مؤكد.
ثم عمد مجلس الحكم الى مناورة سياسية تمثلت باصدار قانون ادارة الدولة، الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية بنهاية كانون الثاني 2005 كحد اقصى، وهو موعد يسبق بشهرين فقط موعد تلك الانتخابات حسب اتفاق 15 تشرين الثاني! ومع ذلك فانه لم يشر الى الوسيلة التي ستسلم بها السلطة. وظل الامر قيد الترقب حتى فترة وجيزة قبل موعد الثلاثين من حزيران، ليصدر مجلس الحكم (ملحقا) بقانون ادارة الدولة يحدد الكيفية التي ينشأ بها المجلس الوطني المؤقت.. وهي لا تختلف من حيث الجوهر عن الالية الاولى، بل لعلها كانت اقل شمولية، واقل تمثيلية للقوى السياسية العراقية. ويذكر العراقيون انتظارهم لتاريخ 30 حزيران وكأنه تاريخ التحول الاكبر، ذلك الذي سيعمل على تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة حديثة التشكيل.. ثم يتذكرون كيف اصابتهم خيبة الامل من اداء الحكومة الجديدة، التي واصل شخوص مجلس الحكم السابق التأثير فيها لكونهم نواة تلك الحكومة.
ولان مجلس الحكم السابق لم يضع في اولوياته المواطن العادي، فانه عمل على رسم شكل السلطة القادمة بالطريقة التي تضمن بقاؤه فيها. تجلى ذلك في فرض اعضاءه السابقين اعضاءً في المجلس الوطني المؤقت، لكي يبقوا في موقع الصدارة ويعملوا على منع الجهات غير المرغوب فيها من احتلال المناصب الرفيعة، وينأوا بانفسهم عن الاقصاء نتيجة افعالهم، كما هو شأن النظام الديمقراطي.
ولما كان كل شيء مؤقتا، او هكذا تم تصويره، فان مثل هذه الخدع والألاعيب السياسية لم تواجه بمعارضة شديدة، خصوصا مع احتواء المعارضة حينا، واغفالها احيانا اخرى. نعم، لم يكن مجلس الحكم جلادا ادخل الشعب العراقي زنزانات التعذيب، ولكنه لم يكن بالمقابل يهمه تضور الآلاف من مواطنيه جوعا، ولم يشعر بآلامهم ولم يتفهم قلقهم
وقبيل حل سلطة التحالف المؤقتة ومجلس الحكم، اصدرا قرارات تتعلق بتأسيس المفوضية العليا للانتخابات، والقانون الانتخابي، وتنظيم الاحزاب. ولم يطرح ايا من هذه القرارات على النقاش العلني، ولم يستشر فيه ايا من الخبراء سواء على الصعيد الوطني او الدولي. ذلك ان تلك التشريعات هدفت بالدرجة الاولى الى توجيه الانظار على الاحزاب اكثر من الشخصيات، وبالتالي تلافي السقوط السياسي المحتمل. فجاء النظام الانتخابي بطريقة القوائم ذات التمثيل النسبي، وهو امر لابأس به لولا اعتماد العراق منطقة انتخابية واحدة. اذ يمكن في هذه الحالة تجاهل اية مناطق عازفة عن الاشتراك في الانتخابات دون ان يظهر لذلك تأثير مباشر في نتائجها. كما يمكن اختيار العناصر (الموالية) ضمن القائمة دون النظر في الكفاءة والمقدرة الشخصية. فلا نجد الاحزاب، حين تطرح قوائمها للانتخابات، مهتمة كثيرا بالبرامج الانتخابية التي يفترض ان تقدمها للناخب.. فكل ما يهمها هو كيفية تشكيل تحالفات تحظى بالقدر الاكبر من الاصوات، على اساس تحزبي، او عشائري، او حتى طائفي.
واليوم تتصاعد الدعوات لتأجيل الانتخابات، ومرة اخرى لفترة محددة.. لينتقل (الترقب) من تاريخ 30 كانون القاني المقبل إلى تاريخ لاحق، ربما يمتد لستة اشهر بعده. فهل سيكون التأجيل بحد ذاته حلا لهذه الاشكالات؟ لا اعتقد. ربما سيكون المناخ بعد تلك فترة افضل من ناحية امنية، بناء على ما استطاعت تحقيقه الحكومة من تقدم في هذا المجال. ولكن علينا ان نتذكر ان الظروف الامنية كانت افضل قبل توليها السلطة، ولست بصدد تحميل الحكومة مسؤولية التردي الامني، حيث نعلم جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها مقارنة بقصر الفترة الزمنية التي اتيحت لها. غير ان العبرة المستفادة من المسيرة غير السارة لمجلس الحكم، وللحكومة الانتقالية التي خلفته، ان الشخوص السياسية الممسكة بخيوط الاحداث، لم تكن بمستوى الوطنية المطلوب للعهد الجديد.. ليس لانها لا تمتلك تاريخا نضاليا، او انها تفتـقر إلى الكفاءة السياسية، بل لانها قدمت المصلحة الحزبية الضيقة على المصلحة العامة.
ان الرهان على الزمن لم يكن في صالح الشعب فيما سبق، فهل يمكن ان يكون في صالحه هذه المرة؟ ذلك ممكن، اذا لم يكن رهانا على التوقيت فحسب. فاذا اردنا الاصلاح ودفع عجلة الديمقراطية إلى امام، فلن يكون ذلك بتأجيل الانتخابات، ولكن باعادة النظر في النظام الانتخابي، وهو ليس من ضمن مواد قانون ادارة الدولة، أي يمكن تعديله عن طريق مجلس الوزراء وبموافقة مجلس الرئاسة والمجلس الوطني المؤقت. والتعديل المقترح هو اما بجعل كل محافظة دائرة انتخابية، بحيث تضمن كل محافظة عددا محددا من المقاعد الانتخابية يتناسب وتعداد نفوسها، او باشتراط جعل المرشحين في كل قائمة موزعين على جميع المحافظات وبنسبة السكان ايضا. ان الاقتراح الثاني قد يبدو غير عملي بالنسبة للاحزاب المحلية، او القوائم التي تشمل محافظة واحدة او مجموعة محافظات. ولكن ذلك يمكن حله باتباع طريقة حسابية تفرض على القائمة ان لا يتجاوز عدد مرشحيها المقدار المسموح لكل محافظة ممثلة فيها. فعلى سبيل المثال، لنقل ان عدد ممثلي محافظة بابل 15، والنجف 12، وكربلاء 13. فاذا تضمنت القائمة اسماء من هذه المحافظات الثلاثة فقط، فيكون اكثر عدد مسموح لها هو 40 مرشحا، وهو مجموع ممثلي هذه المحافظات. وبالطبع يمكن فرض تسلسل تسجيل المرشحين ضمن القائمة ليحقق عدالة التوزيع في حالة فوز القائمة (كما هو متوقع) باقل من النسب الكاملة. اما اذا اخذ بالاقتراح الاول، فسيكون الامر غاية في السهولة، حيث تصوت كل محافظة ضمن رقعتها الجغرافية على قوائمها الخاصة وترسل ممثليها إلى الجمعية الوطنية حسب نسبة سكانها.
ربما يقال ان الوقت غير كاف لاجراء تغييرات مثل تلك التي اقترحها، وهذا رهان اخر للتوقيتات علينا ان نواجهه بحذر. ولكن اذا تقرر اجراء التغيير لصالح دفع كل اطياف الشعب العراقي للاشتراك بالانتخابات، فلا بأس بالتأجيل عندها.. فليس التوقيت هو ما يهم في نهاية الامر، انما جدوى العملية برمتها. وعلينا التذكير ان مقدار نجاح الانتخابات هو مقياس شرعية الحكومة المشكلة بموجبها. وعلامة النجاح ليست في حضور عدد معين من الناخبين إلى الاقتراع، بل في مشاركة الجميع سواء على مستوى الطوائف او الاحزاب او المحافظات.. وهو ما يضمن قبول النتائج، والانخراط في العملية الديمقراطية الاهم: كتابة الدستور الدائم.