____ مهندس وكاتب صحفي من العراق ____

Sunday, November 15, 2009

هجوم فورت هود.. عملاً بطولياً أم انتحاراً دعائيا؟

في السادس من تشرين الثاني الجاري فتح الميجر نضال مالك حسن النار من مسدسين آليين على مجموعة من الجنود كانت تستعد لإنهاء معاملات نشرهم في افغانستان، في المركز المعد لهذا الغرض بقاعدة فورت هود، كبرى القواعد العسكرية الاميركية في العالم.
واصل الميجر اطلاق حوالي مئة رصاصة قبل ان تصيبه ضابطة صف متمرسة على القتال وتوقفه عن قتل المزيد. واسفر الهجوم عن مصرع 12 جنديا ومدنيا واحدا واصابة اثنين واربعين آخرين بجروح مختلفة قد تؤدي ببعضهم الى الإعاقة مدى الحياة.
وعلى الفور بدأت التحقيقات حول اسباب هذا الهجوم المفاجى ودوافعه الخفية وما اذا كان الميجر يعمل بمفرده ام انه كان يتقلى توجيهات او فتاوى تحضه على هذا الفعل. وتشير التقارير الاولية الى ان الميجر نضال مالك حسن، الاميركي المولد والفلسطيني الاصل، لم يكن بالشخص العنيف او المتطرف، رغم ما ذكره زملاؤه في الخدمة من ادانته الحروب في افغانستان والعراق. كما ان جيرانه والاشخاص العاملين معه اصيبوا بالصدمة لما بدر منه، حيث كان ذلك آخر ما يتوقعوا ان يفعله.
وقال ابن عم له، يعيش في القدس، في مقابلة تلفزيونية انه كان يعاني التفرقة العنصرية داخل الجيش لكونه مسلماً، على الرغم من تدرجه في سلم الرتب العسكرية ليصل الى رتبة ميجر (وهي تعادل رتبة رائد). وقياسا الى عمره البالغ 39 عاما، وتاريخ انتمائه الى الجيش الاميركي في عام 1997،لايبدو انه قد تأخر كثيرا في نيل هذه الرتبة، وهي علامة واضحة على عدم وقوعه ضحية لتفرقة بسبب الدين او العرق.
وتجري التحقيقات حاليا في علاقته المزعومة مع رجل الدين المتشدد اليمني الاصل انور العولقي، وهو المرشد الروحي لاثنين من المشاركين في هجمات 11/9، هما خالد المحضار ونواف الحازمي. حيث تشير التحريات الى انه اتصل برجل الدين هذا، الذي كان إمام جامع دار الهجرة الواقع بالقرب من العاصمة الاميركية، واشنطن، في اواخر عام 2008.
غير ان عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي يقولون انهم لم يأبهوا لهذه الاتصالات كون المجير كان يجري تحقيقات لصالح الجيش في ذلك الوقت، واعتبر من الطبيعي ان يقوم بمثل هذه الاتصالات. يذكر ان التدرج في الرتب العسكرية في القوات المسلحة الاميركية يتطلب الحصول على الموافقات الامنية بين الفينة والاخرى، وقد حصل الميجر نضال على درجة (سري)، أي انه لم يبعد سوى خطوة واحدة عن اعلى درجات الموافقات الامنية وهي (سري للغاية)، وهو ما يؤهله الحصول على معلومات سرية وحساسة.
وبناء على ما تقدم لا يبدو ان الميجر نضال كان مرتبطا بشكل مباشر مع خلية متطرفة تعمل على التخطيط لهجمات ارهابية في الولايات المتحدة. ولو كان الامر كذلك فلربما كان سيكون اكثر فائدة لتلك الخلايا من خلال المعلومات السرية التي يمكن ان يقدمها لهم، ولفترات طويلة قبل ان يفتضح امره. فالمكان الذي جرى فيه الهجوم لم يكن مغلقا على العامة، وبالتالي كان بإمكان الكثيرين القيام بما قام به دون الحاجة الى أن يكون برتبة ما في الجيش مثلا.
أما قدرته على حمل السلاح وادخاله الى القاعدة العسكرية فهو ليس بالامر المعجز كذلك، حيث ان تلك القواعد، التي يقطنها عدد كبير من الناس المدنيين والعسكريين على السواء، لا تخضع الداخلين اليها الى اجراءات تفتيش صارمة. يذكر ان قاعدة فورت هود تضم بين جنباتها اكثر من خمسين الف شخص بين مدني وعسكري.
وقال احد الجرحى انه سمع المهاجم يهتف (الله اكبر) باللغة العربية قبيل مباشرته بإطلاق النار على الجنود، وهو ما يدل عادة على هجوم انتحاري. غير ان تلك الشهادة لم تتأكد من شهود آخرين. كما ان هذا الهتاف لا يعني بالضرورة ان تلك العملية كانت (ارهابية). بل ان المسلمين يهتفون (الله اكبر) في مواقف ومناسبات شتى، وليس من العجب ان يقولها شخص يوشك على انهاء حياته، ظنا منه انه بهذا الفعل سوف ينال رضا الباري عزّ وجل. نعم، كان الميجر نضال على وشك ان يُرسل الى افغانستان، وهو ما كان يرفضه علنا. لكنه قام بالفعل بتوكيل محامٍ لغرض إخراجه من الخدمة العسكرية، أي انه اتبع الطرق القانونية للحيلولة دون ارساله للخدمة في حرب يرفضها.
بيد انه كان طبيبا نفسيا في قاعدة فورت هود، وكان يتعامل مع حالات الصدمة التي يعانيها الجنود العائدون من الخدمة في مناطق الحرب. وفي رأيي انه تأثر كثيرا بقصص هؤلاء الجنود عن فظائع الحرب. وكونه اعزبا ويعيش وحيدا ربما اثر في نفسيته وجعلته يعاني الكآبة التي تدفع الى الانتحار في بعض الاحيان. وفي اللحظة التي قرر إنهاء حياته، ربما كان يريد ان يكون هذا الانتحار امرا عاما.
يضاف الى ذلك انه ربما تأثر بالدعاية المتطرفة التي تجيز قتل الاميركيين والغربيين في أي زمان ومكان باعتبارهم كفارا، فعزم على فعل هذا الامر الذي سوف يجعله من (الشهداء) فينال المرتبة اللائقة في الحياة الآخرة، وينهي في نفس الوقت حياته التي بات يشعر بأنها تعيسة من دون ان يتعرض الى العقاب الالهي لارتكابه جرم الانتحار.
واذا قيل ان هناك تناقضا حول زعمي انه لم يكن يقوم بعمل ارهابي، ومع ذلك فقد ارتكب فعلا يندرج ضمنه، فإني أجيب بأن ليس هناك من تناقض. فالفعل الارهابي انما يكون باعتناق الفكرة المتطرفة اولا ومن ثم التخطيط للهجوم وتنفيذه. وفي حال نضال مالك حسن، ليست هناك من بوادر الى انه اعتنق الفكرة بدءا، وأرى ان هدفه كان انهاء حياته، لكنه كان مثقلا بالشعور بالذنب ان نفذه بالطرق التقليدية. ومن ثم عمل على ايجاد العذر المناسب من خلال ادبيات التطرف التي وفرت له طريقا سهلا للانتحار من دون الشعور بارتكابه إثماً.
ولا يخلو التاريخ الاميركي الحديث من اناس ارادوا الموت بهذه الطريقة، ونذكر منهم مهاجم الرئيس رونالد ريغان مطلع الثمانينيات، والذي انما اراد ان يكون موته حديثا لوسائل الإعلام وعامة الشعب ويصبح بذلك من المشهورين، بدل ان يلف الحبل حول رقبته في حمام منزله. ان من شأن هذه الحادثة ان تؤثر على وضع المسلمين في الولايات المتحدة كما هو متوقع.
وقال احد كبار جنرالات الجيش الاميركي انه ستجري مراجعة شاملة لكل الحالات المشابهة لحالة الميجر نضال، وان لم يحدد المسلمين على وجه الخصوص. واتكهن ان يصبح من الصعب على العرب والمسلمين ان يتدرجوا في المناصب الحكومية والعسكرية الاميركية، وربما في البلدان الغربية الاخرى نتيجة لهذه الواقعة. ان هذا الهجوم قد يلحق اذى كبيرا بين اوساط الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة التي تكافح من اجل الاندماج مع مجتمع الدولة المضيفة، خصوصا بعد أحداث 11/9، التي لم يكد الشعب الاميركي ينساها. ففي كل مرة يحدث مثل هذا الهجوم تسعى تلك الجالية، في معظمها، الى استنكار ما حدث والبراءة منه، شعورا منها بأن أصابع الاتهام قد توجه اليها. ولسخرية الاقدار، كان الميجر نضال من بين من دانوا هجمات منهاتن.
واذا كان لي ان اقترح أمراً فإني أدعو الى مراجعة النظريات المتطرفة التي تمجد الانتحار من اجل القضية، كائنة ما تكون، والتي تقدم تبريرات غير مستندة الى منطق او تأويل صحيح عن قتل الآخرين والاستهانة بحيواتهم. على رجال الدين من الطوائف كافة ان يدينوا عمل الانتحار مهما كان الدافع. ان السماح والدعوة إلى قتل الذات من اجل القضية التي تعد –عرفا– مشروعان قد يؤديان إلى شرعنة كل القضايا الاخرى، ويسبب ضبابية في فهم المشروعية بحد ذاتها، ويخضعها لتفسيرات ذاتية قد تساعد الشخصية المضطربة على التحلل من قواعد الأخلاق الصارمة.

Saturday, October 17, 2009

جائزة نوبل لأوباما.. هل يصنع الكلام السلام؟

منحت لجنة جائزة نوبل التابعة للاكاديمية السويدية جائزة السلام لهذا العام الى الرئيس الاميركي باراك اوباما، "لجهوده في إحلال السلم العالمي، وخفض مخزون العالم من أسلحة الدمار الشامل"، حسبما جاء في بيان الاكاديمية. يذكر ان اسم الرئيس الاميركي لم يكن مطروحا من بين المرشحين، وان المرشحة الاقرب الى الفوز كانت السيناتورة الكولومبية بيداد كوردوبا، التي عملت على مدى نصف قرن من أجل ايجاد حل بالتفاوض للنزاع الجاري في بلادها.
ربما لم يكن الرئيس بحاجة الى هذه الجائزة بالقدر الذي كانت تحتاجه تلك السيناتورة المتعبة. فهو لا يمتلك تاريخا طويلا من النضال، ولم يقدم شيئا ملموسا، فيما عدا الخطب الرنانة، لكي يعد من بين القادة الذين يشار لهم بالبنان، وبالتالي من الذين ينالهم التكريم والتقدير لجهودهم الجبارة.لكن هذا هو عصر اوباما.
هذا هو الزمن الذي يتخلى فيه الناس عن التفكير المنطقي العقلاني سعيا وراء آمال اقرب الى السراب. لقد جاء الرئيس الى سدة الحكم على انه البديل الوحيد للادارة الاميركية السابقة التي وصفت بانها الاقل شعبية بين مواطنيها. واكتسح منافسيه بسهولة لا تصدق، رغم شعبيتهم الواسعة وخبرتهم السياسية العريضة. جاء بشعار التغيير الذي لا يمكن تصديقه بأي حال. لكن الناخبين صدقوه، وصوتوا له. وكان اول قرار له بعد ان ادى اليمين القانونية اغلاق معسكر غوانتانامو خلال عام. ويبدو انه لم يستشر موظفيه المعنيين بهذا الشأن، او انه تجاهل نصيحتهم. فحتى بعد مرور اكثر من ثمانية اشهر على ذلك القرار، لا يبدو انه سيطبق بسبب الصعوبات اللوجستية والمادية وقضايا حقوق الانسان بشأن المعتقلين المزمع اعادتهم الى بلدانهم.
حينما يكون المرء في المعارضة، يسهل عليه نقد اداء الحكومة، ولكن حينما يصبح في الحكومة يكتشف ان (التغيير) لا يتم بتوقيع قرار في احتفال مهيب. اما اذا تجاهل مثل هذا السياسي تلك الحقيقة البسيطة، فانه قد يحصل على جائزة نوبل تقديرا لجهوده في جرّ القلم. نعم، برّ اوباما، حتى الآن، بوعوده الانتخابية بسحب القوات القتالية من العراق.
لكن يجدر التذكر بان هذا الانسحاب يتم بموجب الاتفاقية الامنية مع العراق، والتي ابرمها سلفه جورج دبليو بوش. فهل يُعد هذا انجازا له؟ لدينا مثل عامي في العراق يقول (يجي خلاف ويركب على الاكتاف). لقد كان الانسحاب من العراق امرا لاميحص عنه، سواء تم بسنتين او بثلاث، وما كان لأي احد ان يطيل من عمر الاحتلال، شاء اوباما بذلك ام ابى. وحينما اراد الرئيس اوباما ان يتحدث الى العالم الاسلامي فانه اختار اولا الدولة العلمانية تركيا، ومن ثم مصر، التي يحكمها نظام علماني هي الاخرى. وهو تجنب بذكاء ان يذكر كلمة (ارهاب) ومشتقاتها في خطبه للمسلمين، لكي ينحي جانبا الافكار التي تربط بين الاسلام والارهاب.
بيد اني ارى انه بفعله هذا أكد ان هناك نوعا من الربط، والا لماذا يتجنب وصف فعل ادى الى مقتل الابرياء بالارهاب، رغم ان الغالبية العظمى من المسلمين وصفته بهذا المسمى. ماذا يقول الشهداء في العراق وافغانستان والسعودية ومصر ولبنان والاردن والجزائر واليمن وباكستان والصومال واندونيسيا والفلبين والهند، وبلدان اخرى كثيرة، عن وقوعهم ضحية لهجمات مسلحة تحت اسم (الجهاد)؟ ماذا نقول لعوائل ضحايا هجمات منهاتن ومدريد ولندن؟ هل كان المنفذون اناسا عاديين، ام انهم ببساطة ارهابيون عاثوا في الارض فسادا، وجلبوا لاهلهم وبلدانهم حروبا ومآسي اكثر مما خدموا قضيتهم، ان كانوا يعملون على قضية ما؟ ان حقيقة كون هؤلاء الارهابيين مسلمين لا تعني ان المسلمين كلهم ارهابيون. لكن ماذا يحصل ان تجاوزت هذه الحقيقة؟ ربما تحصل على جائزة نوبل للسلام.
بل انك قد تحصل على الجائزة وان كنت تعمل على رفع المجهود الحربي في بلد تحتله. كتبت كبريات الصحف الاميركية واصفة الحرب في افغانستان بانها (حرب اوباما). ومن سخرية الاقدار ان الحرب في العراق وصفت من قبل بـ(حرب بوش). فما المبرر في زيادة القوات؟ انه القضاء على الارهاب. ان كان ذلك حقا، فأين هو مصطلح الارهاب في قاموس اوباما؟
ومن نافلة القول ان جهود نزع التسلح والحد من الاسلحة النووية لم تأت من بنات أفكار اوباما، بل انها سياسة متعبة منذ السبيعينيات. وهي ليست وليدة رغبة الولايات المتحدة في السلام، بل حاجة فرضتها الحرب الباردة التي كانت تهدد بالاشتعال في أي وقت والتحول الى حرب كونية لاهبة قد تقود الى فناء الجنس البشري، وربما كل اشكال الحياة على الارض. كيف إذاً يكون هذا هو احد مبررات الاكاديمية السويدية لمنح الجائزة لمرشح اللحظة الاخيرة؟ بان يكون هذا المرشح هو باراك اوباما.
غير انه من الانصاف القول بان اللجنة قالت ايضا في بيانها: "قليلون هم من حازوا انتباه العالم مثلما فعل أوباما، لقد أعطى العالم أملاً بالتغيير والمستقبل الأفضل.. ودبلوماسيته قامت على مبدأ أن من يقود العالم عليه أن يكون مثالا يُحتذى في القيم والمبادئ." واتفق مع هذا القول تماما، الا اني لا ارى ان في ذلك سببا كافيا لتقديمه على كل المرشحين الآخرين، الذي عملوا بجد على مدى عقود من الزمن من اجل تحقيق هذه المبادئ.ان عمر الرئيس اوباما في المنصب لايزال صغيرا، ولا يصلح الحكم على ادائه في تلك الفترة القصيرة، لا سلبا ولا ايجابا. ومن الواضح ان لجنة منح جائزة نوبل وقعت تحت تأثير شخصيته الكارزمية الطاغية، التي سحرت الولايات المتحدة والغرب عموما، ومن ثم بدأت في الانتشار في شتى انحاء المعمورة.
فما هو السر في هذه الشعبية التي قلّ نظيرها في التاريخ؟ انها الماكنة الدعائية الاميركية. تلك البروباغاندا التي روجت ضد النازنية ومن بعدها الشيوعية وصولا الى الحرب على الارهاب، تروج اليوم لرئيسها وتهلل له. لقد ادركت الولايات المتحدة، ربما عن غير وعي، ان عصرها أشرف على الزوال بعد كل تلك الحروب والازمات، بغض النظر عن المسببات والنتائج، فكان التحرك بالاتجاه المعاكس. كما ان تغيير الادارة ليس مهما بقدر تغيير الشخصية. لقد ارادت اميركا ان تثبت للعالم انها امة ريادية حتى مع تعرضها الى ازمات سياسية واقتصادية خانقة. وكان الخروج من النفق من خلال شعار التغيير: تغيير العرق اولا، ومن ثم تغيير اللهجة الخطابية، واخيرا تغيير الثوابت السابقة. فهل ستتمكن الولايات المتحدة الاميركية من تحقيق هذا التغيير المنشود؟ ربما، ولكن يجب على الاخرين ان يتغيروا ايضا. فما الفائدة من مد اليد الى ايران –مثلا– اذا كانت تسعى الى امتلاك اسلحة نووية قد تشعل سباقا للتسلح النووي في المنطقة لا تحمد عقباه، واذا كانت تعامل شعبها بالنار والحديد؟ ومن المفارقة ان الاميركيين انتقدوا اداء اوباما الضعيف اثناء الانتفاضة الايرانية، وطالبوه ان يظهر "قليلا من قوة بوش." ونحن نعلم ان مثل هذا التغيير في الانظمة الديكتاتورية ليس بالامر الهين، ان لم نقل انه مستحيل عمليا.
لقد جاء منح جائزة نوبل للسلام الى الرئيس اوباما متعجلا، وكان على اللجنة ان تتريث عاما او اثنين قبل ان تقرر صلاحيته لنيل تلك الجائزة ذات الصبغة العالمية. وان كان القصد من منح الجائزة وضع اوباما امام مسؤولية تحويل الاقوال الى افعال، فتلك مقامرة غير محسوبة. فان استطاع الرئيس اوباما ان يحدث تغييرا، فلن يكون الا ذلك بجهد اناس آخرين. وان لم يستطع فعل الكثير، فان سمعة جائزة نوبل ومصداقيتها سوف تكون على المحك.

Friday, September 04, 2009

لمحة عن الازمة الاقتصادية.. الأسباب والنتائج

اعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي اواخر الشهر الماضي انتهاء حالة الركود الاقتصادي Recession التي عصفت بالولايات المتحدة، واجزاء اخرى من العالم، خلال العام المنصرم، رسميا على الاقل. واعتبر بعض المحللين هذا الاعلان مجرد وسيلة للاستهلاك المحلي بعد ان طال امد الازمة التي أثرت في مفاصل الحياة الاميركية بشكل لم يسبق له مثيل منذ الكساد العظيم Depression الذي حدث في ثلاثينيات القرن العشرين.
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد اعلن دخول اقتصاد البلاد حالة الركود اواسط العام الماضي كتحصيل حاصل، حيث انهارت كبريات المصارف الاميركية، وسرح الآلاف من الموظفين الذين كانوا يعملون في مختلف الشركات الخاصة، وحتى من الخدمة الحكومية، بسبب عجز الموازنات المالية لتلك الهيئات، وضربت نسب البطالة ارقاما قياسية مقارنة بعقود سابقة.
ويحسن بهذه المناسبة إلقاء نظرة على اسباب هذه الازمة الاقتصادية الكبرى، ومحاولة استقراء اثرها عالميا ومحليا، وتأثيراتها المحتملة على العراق والشرق الاوسط عموما. لكن من المفيد اولا التعرف على بعض مظاهر الاقتصاد الاميركي، حيث يكمن جزء كبير من المشكلة في اصل النظام ونمط الحياة الاميركية.
ثقافة الاستهلاك
من المعروف ان النظام الرأسمالي يشجع على الاستهلاك كوسيلة لإدامة عجلة الاقتصاد، ويحارب نزعة التوفير من خلال اشعار المواطن بنوع من الامن الاقتصادي المستند الى اقتصاد متين قادر على تجاوز الازمات المالية. والحق ان اقبال الناس على الشراء وصرف الاموال والمدخرات ليس بالامر السيىء طالما ادى ذلك الى ضخ تلك الاموال في السوق المفتوحة، وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل في المصانع والمتاجر واسواق البورصة، واتاحة المزيد من فرص الاستثمار واجتذاب رؤوس الاموال محليا وعالميا.
بيد ان الاسراف في الصرف ليس محمودا. ومن الحكمة دائما ان يضع المرء بعضا من مدخراته تحت السجادة تحسباً لأمر طارىء او لازمة غير محسوبة. لكن المجتمع الاميركي اعتاد على نمط حياة قائم على الاستهلاك المفرط. فعلى سبيل المثال تجد بعض الناس يتحدثون عن عدم قدرتهم على زيارة جزر البهامس لقضاء اجازتهم الصيفية هذا العام بسبب الازمة الاقتصادية، على الرغم من ان الكثيرين فقدوا اعمالهم وباتوا يعتاشون على المساعدات الضئيلة التي تقدمها الدولة للعاطلين عن العمل. فحياة الرفاهية امنية صعبة التحقيق، واصعب من ذلك التخلي عنها.
خط الائتمان
يقوم الاقتصاد الاميركي على فكرة خط الائتمان Line of Credit وهو نظام دقيق يتمثل بوضع تاريخ لكل فرد يقوم على طريقة استخدامه للقروض التي تقدمها المصارف، وحتى في استخدامه بطاقة الصراف الآلي المعروفة ببطاقة الائتمان Credit Card. ولتوضيح ذلك، فان كل مواطن بمكانه ان يحصل على بطاقة الائتمان من احد المصارف او المتاجر الكبرى، وما عليه سوى ان يتسوق باستخدام تلك البطاقة وميزة التحويل الالكتروني لقيم البضائع المشتراة. وبعد مضي فترة، تبلغ شهرا في العادة، يقوم المصرف بإصدار بيان العميل ويطلب من تسديد المبالغ المترتبة بذمته. فاذا تخلف العميل عن الدفع يرسل المصرف اشعاراًلا الى هيأة الائتمان Credit Bureau يخبره بهذه الواقعة، ومن ثم يتم حسم نقاط من العميل.
فإن اراد هذا الشخص ان يقترض مالا لشراء سيارة او منزل مثلا، فإن عليه ان يقدم تاريخه الائتماني Credit History الذي يبين كيفية تعامله مع القروض واستخدامه لبطاقة الائتمان. وكلما كان عدد نقاطه اعلى انخفضت قيمة الفائدة التي يفرضها المقرضون، والعكس بالعكس. وفي بعض الاحيان لا يحصل العميل الذي يضم تاريخه الائتماني تخلفا عن الدفع لمرات عديدة على القرض مهما كانت الفائدة.
والحسنة في هذا النظام انه يجبر الفرد على مراقبة صرفياته وفقاً لدخله، لكنه يوفر في نفس الوقت اغراءات بالشراء او الاقتراض على امل الحصول على دخل اكبر، او حتى الاستمرار في الوظيفة التي يعمل بها المواطن. وليس هناك من ضمان على ذلك. فالناس يطردون من اعمالهم طوال الوقت، وحينها تنشب ازمة فردية، قد تؤدي الى ضياع آمال الانسان، وتخليه عن اعز ما يملك وهو يسعى الى سداد ديونه المتراكمة.
جشع الرأسماليين
لعل ابرز مظاهر النظام الرأسمالي هو رغبة اصحاب رؤوس الاموال في زيادة اموالهم بأية وسيلة. غير ان النظام المدرك لهذه الحقيقة يسمح بها ويغفر لها. والسبب في ذلك ان النزعة الطبيعية للإثراء هي ما يدفع الناس الى العمل والاجتهاد، ووجود اناس عصاميون تسلقوا هرم الثروة يجعلهم امثولة لغيرهم، يحثونهم على الكد والعمل آملين في تحقيق ما حققته تلك الثلة.
ويقود هذا الجشع الى تركز الثروة والى الاحتكار، وهما امران سلبيان الى حد كبير، بحيث ان النظام الرأسمالي نفسه ينطوي على آليات لمحاربتهما، وان لم تكن تلك الآليات بالمستوى المرجو منها. وهكذا فلا محيص عن تباعد الفجوة بين الاغنياء والفقراء في مثل هذا النظام، ويتزايد فيه الشعور بعدم الرضا الناتج عن فشل الناس العاديين في الاغتناء السريع، مقابل توافر امثلة تدل على امكانية ذلك. والحل يأتي في اغلب الاحيان من خلال محاكاة حياة الرفاهية التي يحلم بها المواطن، والمتمثلة بالبيوت الواسعة والسيارات الفارهة وما الى ذلك. كل ذلك من خلال القروض التي تقدمها المصارف.
النظام الضريبي
لا تملك الدولة الرأسمالية موارد خاصة بها، فجميع القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية وجميع الاستثمارات التجارية وحتى الموارد الطبيعية مملوكة للقطاع الخاص. ويقوم دخل الدولة على جباية الضرائب والرسوم من ارباب المصالح مقابل تفويضهم بالعمل والانتاج. ويعني هذا الامر ان التقصير في دفع الضرائب المستحقة، سواء للعجر عن الدفع او لعدم وجود مورد الدفع مثل تعرض المصالح الى الخسائر، يجبر الدولة على التقليل من نفقاتها. ومن اشكال تقليل النفقات ايقاف المشاريع الكبرى، والاستغناء عن خدمات الموظفين الحكوميين، وكلا الامرين يؤثر سلبا على مجمل الاقتصاد. فالدولة تبقى محركا اساسيا لحركة الاقتصاد حتى في نظام يقوم على نشاط الافراد بشكل اساس.
ومع ذلك تسعى الدول الرأسمالية الى الاحتفاظ بخزين مالي احتياطي تحسبا للازمات. الا ان استخدام هذا الخزين الاحتياطي يؤثر في قدرة الدولة على معالجة الازمات التالية. وبالتالي فإن الاستمرار في الاعتماد عليه لا يقود بالضرورة الى تحسين الوضع الاقتصادي، بل قد يزيد الطين بلة. انه وضع دقيق يصلح لحلحلة اقتصاد متعثر، ولكنه قد يفشل في مواجهة ازمة متفاقمة.
التضخم
يقال ان قيمة الدولار الاميركي قبل ثلاثين سنة كانت تبلغ عشرة اضعاف قيمته الحالية، وهذا هو احد معايير التضخم. انه التقلص التدريجي في قيمة العملة مع الزمن، او تضاؤل عدد البضائع التي يمكن شراؤها باستعمال نفس العملة النقدية مقارنة باوقات سابقة. وهو امر حتمي في اقتصاد استهلاكي، فالمزيد من الاموال في السوق تعني تقليل قيمتها، وزيادة الطلب على البضائع تقود الى رفع اسعارها.
وليس التضخم امرا سيئا بالضرورة. فمن النافع في بعض الاحيان ان يشعر الناس بان قيمة اموالهم المخبأة تقل مع الزمن، وبالتالي فمن الافضل ان يستثمروها في شراء البضائع، او المواد العينية ذات القيمة الثابتة نسبيا، او حتى سندات البورصة.
غير انه قد يصبح وبالا اذا تجاوز الحد الطبيعي، او اذا كانت اسعار المعروضات تزداد بشكل لا يوازي انخفاض العملة. ففي هذه الحالة تصبح قيمة المعروضات وهمية ومبنية على طلب محلي مبالغ فيه، وقد تتعرض الى الهبوط الفجائي للعودة الى المستوى المفترض. ويؤدي مثل هذا النزول الى ازمة اقتصادية تتراوح شدتها حسب حجم التعاملات بالمواد المعروضة.
ما الذي حدث في اميركا؟
في البدء كان الناس يشترون منازلهم بعد ان يكونوا قد وفروا ما يكفي لشرائها. ثم جاء النظام الائتماني ليساعدهم على الاقتراض لشراء تلك المنازل بالتقسيط. ويبلغ سعر الدار التي تباع بهذه الطريقة اكثر من ضعف السعر المقدر في معظم الاحوال، حيث يتاح للمقترض ان يسدد قرض المنزل خلال فترات تترواح بين خمسة عشر الى ثلاثين عاما.
غير ان اسعار المنازل ارتفعت خلال السنوات الاخيرة لتبلغ ضعفي او ثلاثة اضعاف سعرها في العقد الماضي. وهذه الزيادة ليست الا نتيجة لارتفاع الطلب المحلي، ولا تعود الى التضخم المالي بشكل مباشر. ودفع هذا الامر بعض الناس في الولايات المتحدة الى الاقتراض مجددا برهن بيوتهم التي باتت اكثر قيمة مقارنة بوقت شرائهم لها. كما قام الكثير من المواطنين بشراء منازل ذات قيم سوقية عالية دون التفكير في امكانية سداد اقساط القرض العقاري اذا فقدوا مصدر عيشهم لأي سبب من الاسباب.
وفي الحقيقة فإن شروط منح القروض العقارية قد تم تخفيفها وقت حكم ادارة الرئيس كلينتون، على الرغم من أن الكثيرين يشيرون بأصابع الاتهام الى ادارة الرئيس بوش في حدوث الازمة العقارية بادىء الامر. وكان الغرض من تخفيف الشروط هو منح عدد اكبر من المواطنين فرصة الحصول على منزل، دون الالتفات الى ما سيؤول اليه الامر ان عجز هؤلاء عن السداد. واغلب الظن ان المشرعين اعتقدوا ان ما يمكن ان يحصل هو حالات افلاس فردية لن تؤثر على مجمل الاقتصاد الاميركي، الذي بدا بأقوى صوره حينذاك.
ومن جهة ثانية، استغلت المصارف والجهات الدائنة جهل الكثير من المقترضين ورغبتهم الشديدة في الحصول على القرض، ففرضت شروطها الخاصة. ومن هذه الشروط مثلا ان المقترض يسدد اولا الفوائد المترتبة على القرض قبل أي شيء آخر. وهذا يعني ان المقترض قد يمضي خمس سنوات في عقار، يسدد اقساط القرض العقاري بانتظام، ثم يفشل في التسديد لبضعة اشهر، فيقوم المقرض بوضع اليد على العقار وبيعه في المزاد، وبما ان المقترض كان يدفع الفائدة اولا، فمن المحتمل ان لا يحصل على شيء. والواقع انه قد يكون قد سدد جزءا كبيرا من القرض خلال تلك المدة. انه الجشع الذي يتخفى في عقد القرض الموقع بين الطرفين، والذي لايذكر هذا الشرط الا في زاوية صغير وبحجم خط صغير او ما يعرف بالـ Fine Print.
لكن الجشع الرأسمالي يتجاوز خداع المتعاملين بعقود صعبة القراءة الى بيع ديونهم الى جهات اخرى. فعادة ما كان الدائنون يقومون ببيع كل مجموعة من الديون الى شركات اخرى. وفي كثير من الاحيان تكون تلك الشركات غير اميركية، كأن تكون صينية او اوروبية او حتى من البلدان النامية. وهذا يعني ان المدين يدفع اقساطه الشهرية الى شركة او مجموعة ربما لم يسمع بها من قبل. حتى تحولت العملية المالية المعقدة الى اشبه ببركة ماء فهناك من يصب فيها الماء وهناك من يغرف منها. ولم يعد تمييز من يدين من ومن يسدد لمن امر سهلا على الاطلاق، خصوصا حينما ينضب الماء الوارد، او تسديد الديون، عندها يصعب الاغتراف حتى لمالكي الديون الاصليين.
يشبّه الكثير من الاختصاصيين طريقة عمل النظام الائتماني بقطع الدومنيو المرتبة الواحد قرب الآخر. فحينما يسقط اولها يجبر جميع الاحجار التالية على السقوط. وهذا ما حدث بالضبط. عجز المدينون عن الايفاء بديونهم، وبلغ عددهم حدا يتجاوز قدرة الشركات الوسيطة على احتمال التسديد عنهم، وبما ان اغلبها اجنبية لم يكن هناك من فائدة في اشهار افلاسها، بل اختفت بكل بساطة من الساحة تاركة الشركات الكبرى في مواجهة الازمة المتفاقمة. حدث هذا الامر بطيئا اول الامر، واستغرق عاما كاملا دون ان يسبب في الواقع ازمة اقتصادية هائلة، لكن الانهيار حدث سريعا بعد ذلك. اذ اعلنت كبريات المصارف المختصة بالقروض العقارية، مثل AIG كبرى شركات الاقراض، افلاسها وانهارت بين يوم وليلة. سببت هذه الانهيارات المصرفية زلزالا اقتصاديا غير مسبوق، وادى الى أحجام المواطنين عن الانفاق تخوفا من استمرار الازمة لمدة طويلة. ومع انخفاض الطلب على السلع بدأت المتاجر والمصانع في مواجهة واقع غير مألوف، وهو عدم القدرة على تسويق البضائع، ومن ثم بدأت في تسريح موظفيها ما ادى الى اضافة اعباء اقتصادية جديدة. لقد بدأت عجلة الاقتصاد في التباطؤ.
عوامل اخرى
يلقي بعض المحللين باللائمة في هذه الازمة، جزئيا على الاقل، على ادارة الرئيس الاميركي السابق، كونه دفع بالبلاد الى حربين باهظتي التكلفة: افغانستان والعراق. غير ان هناك من بين المختصين من يرد بالقول ان عملية تخصيص ميزانية للدفاع لا تعتمد بشكل مباشر على الحرب. نعم هناك زيادة في النفقات نتيجة الاعمال الحربية، لكن النفقات الاصلية مستحصلة اصلا قبل الخوض في الحرب الفعلية. وهي ترصد لأعمال تطوير الاسلحة والتدريب وما شاكل ذلك. كما ان جزءا كبيرا من تلك الاسلحة يباع في الاسواق العالمية ويشكل واردا مهما للدولة. ومن المفارقات التاريخية ان الولايات المتحدة لم تنجح في تخطي آثار الكساد العظيم في الثلاثينيات الا بعد ان اشتركت فعليا في الحرب العالمية الثانية. أي ان الحرب ادت الى تطوير الاقتصاد الاميركي بدلا من التأثير سلبا عليه، كما حدث لباقي الدول المشاركة في تلك الحرب. ويصر بعض المحللين على ان الحال نفسه تكرر في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة لاحقا. لكن من الانصاف القول ان حرب العراق تحديدا كانت تسبب ضغطا هائلا على الاقتصاد الاميركي، فقد بلغت الكلفة التقديرية حوالي ترليون دولار. ولا شك في ان تلك التكاليف هي من بين العوامل التي تمنع الاقتصاد من تجاوز الازمة، ان لم تتسبب بها.
لكن هناك مشكلة ربما تكون قد اثرت بشكل اكبر وساهمت في حدوث الانهيار الاقتصادي، وهي عدم قدرة الصناعة الاميركية على المنافسة امام العملاق الصيني ودول جنوب شرق آسيا واليابان. فقد غزت البضائع القادمة من الشرق الاسواق الاميركية. حتى ان كبريات شركات التسويق الاميركية انشأت مصانعها الخاصة في الصين ودول اخرى للاستفادة من رخص الايدي العاملة والتسهيلات التي تمنحها الدول المضيفة للاستثمارات الاجنبية. وكانت هذه المنتجات تشحن خصيصا الى الاسواق الاميركية ما اكسبها ثقة المستهلك. ولم يعد بإمكان الصناعة المحلية المكلفة ان تصمد امام هذا المد المتصاعد.
ومن بين اوضح الامثلة على ذلك تعثر صناعة السيارات الاميركية الذي دام عقودا من الزمن. فعلى الرغم من انخفاض الطلب العالمي على السيارات الاميركية الا ان سمعتها المحلية كانت لابأس بها. وما حدث في الآونة الاخيرة ان المواطنين الاميركيين لم يعودوا يفضلون السيارات الاميركية، بعد ان ازدادت ثقتهم بالسيارات المستوردة الارخص ثمنا والتي تضاهيها جودة، ان لم تفقها.
ويبزر من بين العوامل الاخرى ارتفاع اسعار الوقود عالميا ليصل مستويات قياسية بين منتصف عام 2008 وأوائل عام 2009، اثرت في قدرة المستهلك على الانفاق واجبرته على ترشيد الاستهلاك. ومعنى هذا الترشيد، كما اسلفنا، ان عجلة الاقتصاد سوف تستمر في التباطؤ.
إجراءات الحكومة الاميركية
حينما حدث انهيار المصارف الكبرى، وجدت ادارة الرئيس بوش نفسها امام معضلة لم تخبرها من قبل. وبما ان عليها الاستفادة من التجارب السابقة، فقد نظرت اول الامر فيما حدث في الازمات السابقة، وبالخصوص في فترة الكساد العظيم. فقد رفضت الحكومة حينذاك ان تتدخل لحماية المصارف الغارمة، والتي وقعت تحت ضغط كبير من المودعين الذين توافدوا لسحب اموالهم. وكان رد الحكومة حينذاك ان النظام الرأسمالي سوف يصلح نفسه. وقد ثبت خطأ هذه الفكرة، وان عدم تدخل الدولة في ذلك الوقت ادى الى تفاقم الازمة بشكل خطير، دام سنوات عديدة. ثم فاز الرئيس روزفلت في الانتخابات بوعود انهاء الازمة، وقام بإطلاق مشاريع كبرى من اجل حلحلة الوضع الاقتصادي، ونجح في ذلك الى حد كبير. كما ان ادارته وضعت الاسس للنظام الاقتصادي والاجتماعي الحديث في الولايات المتحدة من خلال انشاء مجلس الاحيتاطي الفيدرالي ونظام الامن الاجتماعي لحماية العاجزين من كبار السن والمرضى والاطفال. ثم ساهمت الصناعة الحربية في وضع حد للتدهور الاقتصادي ليبدأ عصر من الازدهار في كل الميادين وضع الولايات المتحدة في قمة الدول الصناعية واتاح لها ان تتحول الى قوة عظمى.
والدرس الذي وعته ادارة بوش من هذا ان على الدولة ان تتدخل لحماية المستثمرين في اسواق الاسهم، طالما ان اغلبهم مواطنون عاديون. وقامت بالفعل برصد اموال طائلة لشراء اسهم الشركات المفلسة من اجل اعادتها للعمل من جديد، وفتحت حسابات باسم دافعي الضرائب لتتم اعادة الاموال المصروفة لحماية الشركات الغارمة من خلالها. ولكن لم يظهر اثر فوري لهذه الاجراءات، فالعملية المالية معقدة جدا. حتى ان شركة GM لصناعة السيارات، والتي حصلت على اموال كبيرة من اجل حمايتها من الافلاس، لم تستطع المقاومة وانهارت اخيرا. وسبب هذا الانهيار نوعا من زعزعة الثقة بين المواطنين الذين كانوا ينظرون الى عملاق صناعة السيارات كرمز وطني.
ومع ذلك بدأت بوادر التدخل الحكومي تظهر على الساحة، من خلال مشاريع فيدرالية منحت للولايات المختلفة، وان لم يخل الامر من تعقيدات سياسية وحزبية. ويرى بعض المحللين ان تلك الاجراءات ان لم تفلح في انهاء الازمة على الفور، فإنها ادت في الاقل الى ايقاف التدهور، وبالتالي امكانية اصلاح الوضع مع مرور الوقت.
تأثير الازمة عالمياً
على الرغم من كون الازمة الاقتصادية الاميركية محلية بالدرجة الاساس الا انها انعكست سلبا على مجمل الاقتصاد العالمي بسبب الوضع الفريد للاقتصاد الاميركي واكتسابه موقع الريادة عالميا. وقد ظهر هذا التأثير جليا في اسواق المال العالمية، في اوروبا واليابان ودول جنوب شرق آسيا. فقد انخفضت مؤشرات اسواق الاسهم بشكل حاد وسبب ذلك تباطؤا اقتصاديا كان من شأنه ان يهدد استقرار اسواق المال في انحاء المعمورة.
غير ان الحكومات الغربية، بالاضافة الى اليابان والصين ودول اخرى، اتخذت اجراءات سريعة لمنع التدهور. وتقوم هذه الاجراءات اساسا على نفس المبدأ الذي اقامت عليه الحكومة الاميركية اجراءاتها. اذ سعت تلك الحكومات الى شراء الديون ومساندة الشركات ذات الاداء الضعيف لوقف التدهور ولمنع الاسواق من الدخول في حالة من الركود الشامل.
وفي منطقة الشرق الاوسط، التي رغم اهميتها كمورد اساس للنفط الخام، لم يتعد تأثير الازمة الاقتصادية على الاسواق المالية هزات خفيفة. ويعود ذلك الى ضعف تلك الاسواق وحداثة نشأتها، كما انها محلية بدرجة كبيرة، ولا تتأثر بالازمات العالمية بنفس المقدار الذي تتأثر به الاسواق الاكثر عراقة في لندن واليابان وسواهما.
الا ان اكبر تأثير على الدول النفطية، ومن بينها العراق، كان في الانخفاض الحاد لاسعار النفط. وكان هذا الامر يمثل تهديدا حقيقيا لاقتصاد هذه الدول، وربما كان كارثة بالنسبة للعراق على وجه الخصوص. فقد اقام العراق، الذي تمثل صادرات النفط اكثر من تسعين بالمئة من ميزانيته، اقام تلك الميزانية على اسعار نفط مرتفعة نسبيا. وادى انخفاض اسعار النفط العالمي الى اجبار الدولة على التخلي عن العديد من المشاريع الاستثمارية الكبرى التي كانت تأمل من خلالها انعاش الاقتصاد وتوفير فرص العمل في بلد يعاني نسب بطالة عالية مقارنة بدول الجوار.
ما العمل؟
ربما يسأل سائل عن جدوى النظام الرأسمالي اذا كان يمكن ان يتعرض الى مثل هذه الازمات الكبرى. والحقيقة ان أي نظام اقتصادي معرض الى الازمات التي قد تبلغ حد الانهيار. غير ان الرأسمالية تطرح في العادة افكاراً عن السوق الحرة وعن التنافس الفردي وعن الحد من سلطة الدولة في الشؤون المالية، يصعب معها تصور ان الحل الذي يقترحه هذا النظام يقوم على عكس هذه الافكار. لكن ما يشفع لهذا النظام ان الناس الذين يعيشون في ظله لا يفكرون، ولا يقبلون في العادة، ان يتم التخلي عن نظامهم لصالح نظام اشتراكي. وهم حاربوا في البداية فكرة تدخل الدولة بشكل مباشر في شراء الاسهم والديون السيئة، ولم تلق هذه الفكرة قبولا الا بعد ان تم توضيح مبدأ فتح حساب دافعي الضرائب المصرفي لعموم الشعب.
والدرس المستفاد من تلك الازمة الاقتصادية ان الازمات تحدث على حين غرة، وان على الناس ان يؤمنوا بانها احدى حقائق الحياة. كما ان على الدول ان تتخذ احتياطاتها لمثل هذه الازمات وترصد بوادرها وتتعامل معها بأسرع وقت.
بالنسبة للعراق، فان انعكاسات الازمة المالية الاميركية كانت شديدة ومباشرة. وربما يتوجب اعادة التفكير، الان اكثر من أي وقت مضى، في بناء الاقتصاد على سلعة واحدة هي النفط. ويجب ايجاد البدائل التي من شأنها ان تقلل الاعتماد على النفط، وان كانت قائمة عليه. مثال ذلك منح تراخيص وعقود نفطية مقابل استثمارات طويلة الاجل، سواء اكانت تلك الاستثمارات صناعية او زراعية او تجارية او حتى سياحية بما يضمن دخل اضافي للدولة والفرد يحميهما من تقلبات السوق العالمية غير المتوقعة.

Friday, March 06, 2009

حول الكاريكاتير والتعبير بالايحاء

دأبت (المدى) وصحف عراقية وعربية وعالمية اخرى على تقديم رسومات كاريكاتيرية ساخرة او ناقدة لوضع معين او لتصرف او لحالة شاذة وغير ذلك. وارى ان ذلك امر جيد يهدف الى النقد البناء والوصول الى المواطن البسيط والجهة المعنية على حد سواء.
ولعل السر في جاذبية الكاريكاتير هو سهولة قراءة اللوحة الفنية المعبرة عن حالة معينة بدون الحاجة الى قراءة تعليق طويل او شرح مسهب، وبالتالي تتوضح الفكرة من خلال تأمل بسيط لمفردات اللوحة الكاريكاتيرية، وتطلق العنان لبسمة او ضحكة تدخل البهجة –ولو مؤقتا– الى النفس بان تلك الحالة السلبية قد وضعت امام انظار الجهة المعنية، وربما سيأتي الحل قريبا.
لكني وددت ان اشير الى نقطتين مهمتين في هذا الشأن. الاولى تتعلق بنوعية العمل الفني الذي ينشر على انه لوحة كاريكاتيرية، والثانية في مدى السلبية التي يمكن ان تعرض من خلال هذا العمل بحيث يكون مؤثرا لا مقززا او باعثا على التشاؤم.
ولعل العراق قد حظي بزمرة من رسامي الكاريكاتير المبدعين الذي يمكن اعتبار اعمالهم مساوية ان لم نقل متفوقة على اعمال الفن التشكيلي لمعاصريهم ومواطنيهم، ومنهم علي المندلاوي وخضير الحميري ومؤيد نعمة وعبد الرحيم ياسر وبسام فرج ومحمد علي بربن وغيرهم كثيرون. وقد احتمل هؤلاء المبدعين وزرا ثقيلا في تجسيد هموم ومعاناة شعبهم وشرحها بطريقة سهلة ومفهومة ومؤثرة، حتى مع تعرضهم الى اخطار جسيمة في وقت من الاوقات حينما اصبحوا هدفا مشروعا للفكر المنحرف.
حينما تتأمل في اعمال كبار الفنانين، تلتفت الى انهم لجأوا في تعبيرهم عن فكرة ما الى اعتماد اسلوب الايحاء اكثر من الافصاح، وذلك في الواقع هو ما يجعل اعمالهم متميزة. اذ ان أي عمل فني لابد ان ينطوي على نوع من التشاطر بين المبدع والمتلقي، يهدف الى ايجاد اصرة تربط بينهما وتفتح سبيلا لمزيد من التواصل. فعلى سبيل المثال، لا يختلف اثنان على جمالية وجاذبية (نصب الامة) للفنان الراحل جواد سليم، وان اختلفوا في تفسير مفردات هذا العمل الفني الرائع. كما تجبرك اعمال الفنان (مؤيد محسن) على النظر اليها بامعان بحثا عن سر القصة التي تخفيها اللوحة كما لو كانت مخططا لكنز دفين.
غير ان العمل السوريالي قد لا يكون دائما بهذه الجاذبية. ويعرف الفنانون المحترفون انهم باتباعهم هذه المدرسة قد لا يصلون الى الشعبية التي يأملون فيها. فعامة الناس لا تحبذ الوقوف طويلا امام اللوحة للتأمل فيها وفك رموزها.
واذا كان لي ان اضع العمل الكاريكاتيري في تصنيف معين، لما ترددت ان اضعه ضمن مدرسة سوريالية-تجريدية-انطباعية مجتمعة. قد يكون هذا تناقض وهدم لفكرة اختلاف هذه المدارس الفنية في الاصول والفروع. لكن هناك شيئا مشتركا –على كل حال– بينها، وهو انها ليست (واقعية)، بمعنى انها لا تهتم للتفاصيل الدقيقة التي تعبر عن الشخصية او الحدث او المكان.
وهكذا فان طبيعة الرسم الكاريكاتيري قد تكون خليطا من هذه المدارس، او احدها ان شئت، ولكنها لا يجب ان تكون لوحة بورتوريت او تجسيدا حيا لموقع او حدث معينين. فان اخترت ان تكون لوحة سوريالية، لابأس ان تجعل الشخصية ذات اجنحة مثلا، او بعينين تتصلان بنابضين يقفزان الى الخارج تعبيرا عن التعجب والذهول. وان كانت تجريدية انطقت الكرسي بكلمات لم يجرؤ على قولها من يجلس عليه. وان كانت اللوحة انطباعية رسمت كل شيء كما يبدو لك بعين غير مدققة مع اضافات نقدية او ملاحظات ساخرة. وفي كل من هذه النماذج يمكن لك ان تضع تعبيرا او اقتباسات كلامية للشخوص، كما تـُحبب المبالغة بشكل خاص لانها تضفي جاذبية وتلفت الانظار الى اللوحة، مما يزيد من تأثيرها على المتلقي.
لكن السؤال ما مقدار الاقتباسات الكلامية التي يستطيع الفنان ان يضعها في لوحته دون ان يقلل من اهمية العمل الفني. لا شك ان اكثر انواع الكاريكاتير اثارة للمخيلة هو من يدرج تحته عنوان (بلا تعليق)، في اشارة الى ان اللوحة تعبر عن نفسها. وكثيرا ما يقال (اللوحة خير من الف كلمة). وان كان هذا صحيحا، فما هو الداعي في ان يغرق بعض الفنانين لوحاتهم بالتعليقات والاشارات والاستعارات اللفظية، لتوضح الشخصية وما يصدر عنها من قول وتصرف؟ الا يندرج هذا في باب الطرفة المرسومة اكثر مما هو عمل فني ايحائي يقوم على التواصل بين الفنان وجمهوره؟
نشرت (المدى) في عددها 1450 الصادر في 7 آذار 2009، وفي الصفحة الخامسة (في الشأن المحلي) رسما كاريكاتيريا يحمل توقيع (قاسم09). موضوع اللوحة يقوم على ان مياه الشرب التي تصل الى بيوت الناس في محافظة بابل تكون ممزوجة بالماء الخابط ومياه المجاري. وقد رسم الفنان ثلاثة انابيب تلتقي عند حنفية ماء واحدة وقد وقف مواطن مذهول امامها. اضطر الفنان الى ان يكتب على كل من الانابيب اسم الخدمة التي يقدمها، فكتب (ماء اسالة) على احدها و(ماء خابط) على الاخر و(مياه مجاري) على الثالث. كما ان طريقته في شرح ان هذا الامر يحدث في محافظة بابل لم تتعد الاشارة الكتابية للشخصية بان كتب فوقها (المواطن البابلي). ثم رسم علامة الاستفهام على الحنفية دون ان يكون لها معنى محدد.
لعل الفكرة قد وصلت اسرع مما ينبغي، وبالتالي فان التأثير المنشود كان اقل مما يرتجى. اذ كان بامكان الفنان ان يعمد الى رسم الانابيب بصورة تشير الى طبيعتها بدلا من شرح عملها كتابيا. فالمعروف ان انابيب المجاري كبيرة نسبيا، وان انابيب الماء الخابط اصغر قطرا ولكنها بالتأكيد اكبر من مياه الاسالة. كما كان يمكن للفنان ان يصور المواطن مرتديا قميصا يحمل رسم اسد بابل مثلا، وهو ما كان سيشير الى سكنه بطريقة اكثر ايحائية. نعم في مثل هذه اللوحة التي اقترح سوف يكون من الضروري وضع تعليق معين لتسهيل قراءتها، وكنت ساقترح تعبيرا مثل: نحو تكامل في خدمات المياه...
غير ان هذه اللوحة بالذات تحمل معنى غير محبب الى النفس. فمجرد تصور ان مياه الشرب تتلوث في طريقها الى البيوت سوف يكون كافيا للتعبير عن الفكرة، اكثر من تصور الاختلاط الكامل بين الماء المخصص للشرب، ومياه المجاري القذرة. وهو ما يطرح السؤال الاخر عن كمية السلبية التي يمكن ان يقترحها العمل الكاريكاتيري بحيث لا يتجاوز الذوق العام، ولا يفقد تأثيره في كل من المواطن الذي هو محور الفكرة، والمسؤول الذي يستهدف بها.
يجب الاقرار ان العمل الكاريكاتيري يقوم على السخرية والمبالغة في السلبيات التي يعيشها المواطن. لكن المبالغات الزائدة عن الحد تفقد العمل رونقه وجاذبيته وقدرته الى التأثير المحكم. اذكر، في هذا الصدد، عملا للفنان الراحل محمد علي بربن في اوائل الثمانينيات، يجسد (طبقة بيض) تحلق في السماء، يتطلع اليها رجل على الارض ويقول لصاحبه، مشيرا اليها: "طبقة الاوزون"، في اشارة ذكية الى ارتفاع اسعار البيض في الوقت الذي كانت اخبار فتحة الاوزون المكتشفة حديثا تتواتر كل يوم. ولازالت تلك اللوحة تجلب لي البسمة كلما تذكرتها، رغم ان اسعار البيض لم تنخفض، ورغم ان الناس تناست فتحة الاوزون.
وهكذا فان اللوحة الكاريكاتيرية يجب ان تنطوي على توازن دقيق بين الافصاح الساذج والغموض المشوق، وبين المبالغة الطريفة والافراط في السلبية. يجب ان لا تتحول اللوحة الى محض تعبيرات كلامية، لكنها لا ينبغي ان تكون رموزا هيروغليفية يصعب فكها. فالتوازن عنصر ضروري في العمل الفني عامة، ولا يستثنى من ذلك الرسم الكاريكاتيري.

Sunday, November 30, 2008

القاعدة تصاب بالذعر

حدثان وقعا في زمانين ومكانين مختلفين لكنهما –على الارجح– مرتبطان. الاول، سلسلة الهجمات المنسقة في مومباي الاربعاء الماضي، والثاني التفجير الانتحاري في المسيب الجمعة الماضية. كيف يمكن لهذين الحدثين ان يتعلق احدهما بالاخر، او ان يكون بينهما اية علاقة؟ الجواب: القاعدة. فرغم ان السلطات الهندية لم تلق اللوم على القاعدة، بل على المخابرات الباكستانية، وبرغم اعلان منظمة مجهولة تسمي نفسها «مجاهدو ديكان» المسؤولية عن الهجوم، الا ان بصمات القاعدة واضحة. فقط نشرت مواقع للمدونات على الانترنت شهادات افاد بها اشخاص من داخل الفنادق التي تعرضت الى الهجمات بان المسلحين طالبوا بسجلات النزلاء وبحثوا تحديدا عن الاميركيين المقيمين في الفنادق.

كما ان من بين الاهداف الاخرى مركزاً يهودياًَ في مومباي، وكل هذه اهداف «مشروعة» للقاعدة.
اما في العراق، وفي بلدة المسيب تحديدا، فان الهجوم الانتحاري الذي وقع اثناء صلاة الجمعة في حسينية تابعة للتيار الصدري، والذي يقال ان افغانيا نفذه، فهو بلا ادنى شك من تصميم وتنفيذ تنظيم القاعدة في العراق، الذي هو ليس الا امتدادا للتنظيم الارهابي الاوسع، الذي يتخذ من جبال تورا بورا على الحدود الافغانية–الباكستانية مقراً له.
ومن المعروف ان البرلمان العراقي صادق على الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة برغم معارضة نواب التيار الصدري. هذه الاتفاقية يصطلح عليها احيانا اتفاقية سحب القوات، غير اني اقترح تسمية مناسبة اكثر، وهو «اتفاقية الجلاء». فتعبير «سحب القوات» مناظر لـ»استدعاء القوات»، بمعنى ان الانسحاب يأتي بعد الاستدعاء. ولكن طالما ان القوات الاميركية لم تأت بدعوة من العراق، وهي حسب القانون الدولي «قوات احتلال»، فان رحيلها هو «جلاء» عن ارض الوطن، وهي الكلمة المناظرة لكلمة «احتلال». لذلك ساشير اليها بهذا الاسم في هذا المقال.
اقول ان اتفاقية الجلاء حددت مواعيد ثابتة لرحيل القوات الاميركية، ليس للرئيس الاميركي المنتخب، باراك اوباما، أي قول فيها. نعم، يستطيع ان يعجّل من الانسحاب، او يطلب تغيير المواعيد، او يطلب تغيير بعض من بنود الاتفاقية، او يطلب الغاءها بالكامل، ولكن ايا من ذلك لن يتم الا بعد تقديم اشعار الى الحكومة العراقية قبل مدة لا تقل عن سنة. لذلك، لن تحدث تغييرات ملموسة، فعليا، قبل مضي وقت طويل.
من ناحية اخرى، طالما اعلن الرئيس المنتخب عن رغبته في ارسال المزيد من القوات الى افغانستان التي تعاني نقصاً واضحاً في القوات القتالية، حسبما اعلنت مراراً وزارة الدفاع الاميركية، وقائد القوات الاميركية في افغانستان. وبحساب بسيط، فان أي قوات تنسحب من العراق، انما ستتوجه مباشرة الى افغانستان.
لاشك ان هذه الحقيقة تثير ذعر القاعدة. سيما وان القوات التي ستأتي لمواجهتها قد اصبحت تملك خبرة اكبر في مواجهة تكتيكات القاعدة، وحرب العصابات. وربما يكون الجيش الاميركي قد طور اسلحة ووسائل حربية تتلاءم مع ظروف الحرب الجديدة، تختلف كليا عن تلك التكتيكات والاسحلة التي استخدمت عام 2001 حينما شنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حربها على حركة طالبان إثر هجمات 11 أيلول.
ربما تكون القاعدة قد اصيبت بالذعر ايضا من حقيقة تفرغ الولايات المتحدة لمقاتلتها وهزيمتها. ومن المعلوم ان الحرب في افغانستان تحظى بدعم دولي واسع، على العكس من الحرب في العراق. الان، سوف تكتسب الولايات المتحدة المزيد من المصداقية والتأييد، وهو ضغط آخر على الدول التي ربما تفكر في مساعدة القاعدة باي شكل من الاشكال.
في تسجيل جديد نشر على مواقع مؤيدة للقاعدة، تحدث الرجل الثاني في القاعدة، ايمن الظواهري، والذي اصبح الرجل الاول اعلاميا، تحدث عن استعداد القاعدة لملاقاة الجيش الاميركي وهزيمته. وقال في طريقة تهكمية تذكر بالقرون الوسطى: «إن كلاب أفغانستان لم تشبع بعد من لحوم الأمريكان..”، ولم نسمع ان جنديا او مدنيا اميركيا واحدا قد تـُرك لتأكله الكلاب في افغانسان. لكن هذه احدى إمارات العجز: التمني. فالظواهري يريد ان يرعب القوات الاميركية بالعبارات المجازية القوية، التي لم يعد لها اي وقع في النفوس، لا بين المؤالفين ولا المخالفين.
وفي نفس التسجيل، يتحدث الظواهري عن «خيانة» النظام السعودي على مدى السنين للقضايا المصيرية، قائلا: «الدور التاريخي التخريبي الذي يلعبه آل سعود في إفساد قضايا أمة المسلمين، بدءاً من إفساد ثورة 1936 في فلسطين وتخريب الجهاد الأفغاني والمبادرة العربية واتفاق مكة بين حماس والسلطة الفلسطينية.» متناسيا دعم السعودية لعقدين من الزمن لمنظمته الارهابية. ولكنه بات يرى ان السعودية لن تكون معه في يوم من الايام، ولن تعود الى سابق عهدها معه ابدا، مهما اشتدت عليه وطأة الحرب، او الهزيمة.
يبقى ان نربط حلقات السلسلة. القاعدة اصيبت بالذعر لقرب تعرضها الى هجوم كاسح لن تقوى عليه على الاغلب. تحاول القاعدة ان تصرف الانتباه نحو الجنوب، وتستغل العلاقات دائمة التوتر مع الهند، لتشن هجمات ضارية، تهدف الى خلخلة الوضع السياسي في الباكستان، واجبارها على الخوض في سجالات مع الهند وتشتت تركيزها على القاعدة فيما لو حاولت الولايات المتحدة ان تخطب ود الباكستان لمساعدتها في العمليات المرتقبة.
وفي نفس السياق، تريد القاعدة جر التيار الصدري في العراق الى ميدان المواجهة، لاثبات عجز القوات الامنية العراقية عن التصدي للمواجهات الطائفية اذا ما اشتعل اوارها بعد انسحاب القوات الامريكية الى الثكنات منتصف العام المقبل.
اي ان تكتيك القاعدة –ببساطة– انما يهدف الى ابقاء القوات الاميركية في العراق، في الاقل في المرحلة الراهنة، اي فترة تولي الرئيس الاميركي الجديد مقاليد السلطة في بلاده، ومحاولة استكناه نواياه الحقيقية بعيدا عن الشعارات الانتخابية التي جاءت به الى هذا الموقع.
وليس من شك في ان انشغال الولايات المتحدة في العراق قد اتاح المجال واسعا امام القاعدة لتعيد تنظيم صفوفها بعد الهزيمة المرّة التي تعرضت لها عام 2001. ومن مصلحة القاعدة ان تبقى الولايات المتحدة منشغلة عنها لاطول فترة ممكنة. لذلك فهي تسعى الان الى خلق الاوضاع التي تقود الى الاستنتاج بان جلاء القوات الاميركية عن العراق ليس خيارا صائبا.
وربما يتوجب على الرئيس المنتخب اوباما ان يتبع سياسة اكثر انفتاحا اتجاه كل من الهند وباكستان، من اجل حل الخلافات المزمنة بينهما. فجزء كبير من جهود الحرب على الارهاب يتعلق بالدول التي توظف الارهاب، باي طريقة كانت، للنيل من اعدائها، بغض النظر عن مساهتمهم فيه.
اخيرا، اتمنى ان لا تتسبب محاولات تنظيم القاعدة في العراق المستمرة لاحداث فتنة طائفية في وقوعها بالفعل. لقد عانى العراقيون على مدى عامين في الاقل ويلات هذه الفتنة، التي كادت تؤدي الى حرب طائفية لا يعلم الا الله ما كانت ستؤول اليه. هذه الامنية انما تتعلق بسواعد القوات الامنية، وبجهود الاحزاب السياسية، وببصيرة الحكومة الوطنية. واذا تحقق كل ذلك، فلن تستطيع القاعدة ان تنشر شرها بين مواطني هذا البلد العزيز، وسوف يكون عليها ان تعض ذيلها وهي تجري بحثا عن ملاذ آمن جديد

Wednesday, October 08, 2008

الجدل التاريخي بشأن التوقيت الصيفي حول العالم

في بداية ثمانينيات القرن الماضي قررت الحكومة العراقية العمل بما يسمى بالتوقيت الصيفي بتقديم التوقيت ساعة واحدة اعتبارا من الاول من نيسان من كل عام واعادتها الى وضعها السابق في الاول من تشرين الاول من نفس عام. أي على ان يتم اضافة ساعة الى نهار كل يوم من اشهر الصيف الطويلة في العراق مما يسمح باستفادة اكبر من ضوء الشمس في الصباح والاقتصاد في صرفيات الطاقة، اسوة بالكثير من البلدان في المنطقة والعالم. وقد لقي هذا القرار عند بداية تطبيقه الكثير من المعارضة، باعتبار انه يغير ايضا من اوقات الصلاة ويسبب اضطرابا في مواعيد النوم عند اول تطبيقه، وكونه جاء خلافا لما اعتاد الناس عليه طيلة حياتهم السابقة. لكن السلطة الحاكمة لم تكن تعبأ بايضاح منافع تغيير التوقيت للعامة، واعتبرت معارضة تغيير الوقت بمثابة معارضة لسياسيات النظام ككل. وهكذا تقبل الشعب الامر على مضض ثم اعتاد عليه وبدأ يدرك منافعه، دون ان ينسى كونه مفروضاً عليه بالدرجة الاساس.

وبعد زوال النظام السابق، استمرت الحكومات التالية في السير على نفس النهج، على ان يتم تقديم الساعة وتأخيرها في موعد لا يتعارض مع ايام العمل، أي يتم في اول جمعة من الشهر المعني تقديما او تأخيرا. ولم يحتج احد ولم يعارض احد. فقد مضى ربع قرن على تطبيق هذا الاجراء واصبح الناس معتادين بشكل كامل عليه.
لكن الحكومة العراقية الحالية قررت بشكل مفاجيء ايقاف العمل به في عام 2008 برغم انها اقرته في السنة السابقة لحكمها. ولم يرد ايضاح بشأن ذلك برغم ما اثاره القرار من جدل بين مؤيد ومعارض. وربما احتاج الناس الى ان يخوضوا هذا النقاش لانه لم يتح لهم ان يخوضوا فيه قبلا.
وقد بدأت بعض البلدان في هذا الشهر بالعمل بالتوقيت الشتوي، أي باعادة التوقيت ساعة الى الوراء، او الاصح اعادته الى وضعه السابق قبل العمل بالتوقيت الصيفي. وبهذه المناسبة، اردنا ان نلقي بعض الضوء على تاريخ التوقيت الصيفي، ومنافعه، وجدوى العمل به، والجدل حوله في ارجاء العالم. املا في ان يتم اعادة النظر في تطبيقه في عام القادم، على اساس من الفهم الصحيح وليس الفرض، سواء بالتطبيق او المنع.
نبذة تاريخية
انتبه الاقدمون الى قضية اختلاف طول النهار بين الصيف والشتاء وضرورة الاستفادة من ضوء النهار، فعمدوا الى اجراءات معينة لضمان ذلك. فالرومان، الذين قسموا النهار الى اثنتي عشرة ساعة، اعتمدوا الساعة المائية في توقيتهم، لكن تدريجاتها كانت مختلفة بين شهر واخر. وهكذا فان الساعة في الشتاء كانت تعادل اربعاً واربعين دقيقة مقابل خمس وسبعين دقيقة طول الساعة في الصيف. وما زالت بعض المناطق في العالم تستخدم نظام الساعات غير المتساوية الطول، كما هو الحال في مقاطعة مونت اثلوس في اليونان. لكن اختراع الساعات الميكانيكية، التي تعطي الوقت بشكل متساو ومنتظم اوقف العمل بنظام الساعات غير المتساوية.
وفي عام 1784 نشر بنجامين فرانكلين، الذي كان سفيرا للولايات المتحدة في فرنسا، مقالا بدون توقيع يحث الفرنسيين على الاقتصاد في استعمال الشموع عن طريق الاستيقاظ مبكرا. ويؤثر عنه قوله: «الذهاب باكرا الى الفراش، والاستقياظ مبكرا، يجعلان من الرجل صحيحا وغنيا وحكيما». واقترح فرانكلينفي مقاله ان يتم قرع اجراس الكنائس وحرق القوارب في ساعات الصباح الاولى لايقاظ الفرنسيين. وبرغم انه لم يقترح فكرة التوقيت الصيفي (او ما يصطلح عليه احيانا بتوقيت الاقتصاد في ضوء النهارDaylight Saving Time ) الا انه اصبح ينسب اليه، حتى يقال توقيت فرانكلين (كما قيل توقيت كامل الدباغ عند اول تطبيق للتوقيت في العراق لا لشيء الا لانه تحدث عنه في برنامجه الشهير العلم للجميع).
ثم انتبه احد البنائين المعروفين في انكلترا، ويدعى وليم ويليت، في عام 1905 ان الناس يبقون نائمين في افضل ساعات النهار طوال الصيف، وذلك اثناء جولاته الصباحية قبل الافطار. كما ان ويليت كان لاعب غولف متحمساً ولم يكن يرغب في ان ينتهي وقت اللعب بسرعة عند الغسق ايام الشتاء. فقام باقتراح فكرة تقديم الوقت ساعة كاملة عند بدء موسم الصيف، في مقال نشره في عام 1907. وقد بقي يدعو لفكرته حتى وفاته بعد ثمانية أعوام من دون ان يلقى نجاحا.
وكانت المانيا ودول المحور المتحالفة معها في الحرب العالمية الاولى والدول الواقعة تحت حكمها اول من يطبق فكرة ويليت وذلك في 30 نيسان من عام 1916، تبعتها بعد ذلك بقليل كل من بريطانيا وحلفائها والكثير من الدول المحايدة. وفي عام التالي اقرت الفكرة في روسيا وبعض البلدان الاخرى، فيما تأخرت الولايات المتحدة حتى عام 1918 للعمل بالتوقيت الجديد. ومنذ ذلك الحين شهد العالم الكثير من التعديلات والتطويرات لهذا النظام الجديد في التوقيت.
التوقيت الصيفي حول العالم
تعمل جميع دول الاتحاد الاوروبي بهذا النظام في الفترة الواقعة بين آخر أحد من آذار واخر أحد من ايلول. وفي روسيا تم العمل به مرة واحدة عام 1917 ثم توقف الى ان تم اعادة العمل به عام 1981، واستمر حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وفي آخر تعديل لنظام التوقيت عام 2007 اصبحت فترة التوقيت الصيفي في الولايات المتحدة تمتد من ثاني أحد من آذار الى اول أحد من تشرين الثاني، ووافقتها كندا في هذا الاجراء، غير ان المكسيك التي بدأت العمل به في عام 1996 لم تمدد فترة التوقيت الصيفي لتتوافق مع الولايات المتحدة.
ومن الدول العربية التي تعمل بالتوقيت الصيفي الاردن ولبنان في مواعيد ثابتة بين اول آذار وآخر تشرين الاول. اما مصر فانها تقوم بتقديم الوقت ساعة كاملة منتصف ليل آخر خميس من شهر نيسان وتعيده ساعة كاملة في منتصف ليل آخر خميس من شهر ايلول، وان قامت ببعض التعديلات لمناسبة تزامن تغيير الوقت مع حلول شهر رمضان المبارك. وبدأت تونس، ضمن الجهود الرامية الى الاقتصاد بالطاقة، بالعمل بالتوقيت الصيفي في 1 آيار 2005، متتبعة خطى الاتحاد الاوروبي. فيما قررت المغرب استئناف العمل بالتوقيت الصيفي اعتبارا من 1 حزيران 2008 بعد توقف دام عشرين عاما. اما سوريا فقد طبقت هذا النظام منذ عام 2006.
وفي ايران كان هذا النظام معمولا به قبل حدوث الثورة عام 1979، حيث تم الغاؤه. لكن الحكومة الايرانية اعادت العمل به عام 1989، وظل نافذا حتى ابطله الرئيس الايراني احمدي نجاد عام 2006، غير ان مجلس الشورى مرر قانونا يقضي باعادة العمل به اعتبارا من عام 2008، برغم معارضة الرئيس.
الا ان معظم الدول الاسيوية الكبرى تعد خارج دائرة التوقيت الصيفي. فالصين طبقته اعتبارا من عام 1986 لكنها توقفت عن ذلك في عام 1992، كما انها اعتبرت البلاد بأسرها منطقة زمنية واحدة (8 ساعات قبل التوقيت العالمي، او توقيت غرنتش). كما عملت اليابان به بين عامي 1948 و1951 تحت الاحتلال الاميركي، لكنها اوقفت العمل به حال الحصول على استقلالها عام 1952، وان تزايدت الدعوات لاعادة العمل بالتوقيت الصيفي منذ عام 1990. وطبق النظام في كوريا الجنوبية على فترات متقطعة منذ عام 1948 الا انه توقف في عام 1988. اما الهند واندونيسيا وماليزيا وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ، اضافة الى دول الخليج العربي، فانها لم تعمل به مطلقا.
وتم العمل بالتوقيت الصيفي في استراليا اول مرة اثناء الحرب العالمية الاولى، غير ان قرار الاستمرار به ترك الى الولايات. وفي العاصمة يطبق التوقيت بين اول أحد من تشرين الثاني واول أحد من نيسان في عام التالي. ورفضت مقاطعة غرب استراليا العمل به في ثلاثة استفتاءات شعبية في الاعوام 1975 و1984 و1992، الا ان برلمانها قرر العمل به بشكل تجريبي لمدة ثلاث سنوات تبدأ في 2006 ثم يتبعها استفتاء شعبي يقرر بشكل نهائي الاستمرار به او التوقف عنه. كذلك رفضه الشعب في استفتاء 1992 في مقاطعتي شمال استراليا وكوينزلاند.
وفي النصف الجنوبي من الكرة الارضية، تنقلب فترة اشهر التوقيت الصيفي بانقلاب الفصول. فقد طبقت بعض الولايات في البرازيل التوقيت الصيفي منذ عام 1931، وقررت ريو دي جانيرو وولايات اخرى في هذا عام (2008) ان تطبقه اعتبارا من 19 تشرين الثاني الى 15 شباط. وطبقته كولمبيا مرة واحدة بين عامي 1992 و1993 ثم توقفت عن ذلك.فيما قررت الارجنتين تطبيق التوقيت اول مرة عام 2007، بين 30 كانون الاول و16 آذار. كما بدأت دول اميركا اللاتينية حديثا بالعمل به ومن بينها تشيلي والاكوادور والاورغواي والبرغواي. الا ان بيرو وفنزويلا وغويانا لم تعمل به مطلقا. تجدر الاشارة ان التوقيت الصيفي ليس بذي تاثير يذكر في خطوط العرض الدنيا.
الجدل حول التوقيت الصيفي
كان اقتراح ويليت اصلا ينص على ان تطبيق التوقيت الصيفي يجعل الناس يقضون وقتا اكثر خارج منازلهم، وبالتالي يتم الاقتصاد في صرفيات الضوء الصناعي لانهم سوف يضطرون الى النوم ابكر عندما يعودون الى منازلهم في المساء، وهو الوقت الذي تستعمل فيه الانارة الصناعية (الشموع او المصابيح الخ). ومن الواضح ان هذا الاجراء لا يغير من طول النهار، بل يعمل على تحويل ساعة من الليل الى النهار، لكي لا تضيع هباءا.
الا انه برغم ان الاقتصاد في الطاقة كان هو السبب الرئيس في العمل بالتوقيت الصيفي فان الدراسات الحديثة لا تتفق دائما مع هذا الرأي، لا سيما مع اخذ عوامل اخرى بنظر الاعتبار مثل التغييرات المناخية واستعمال اجهزة التكييف وغيرها.
ففي عام 1975 توصلت دراسة اعدتها وزارة المواصلات الاميركية الى ان التوقيت الصيفي يوفر ما مقداره 1% من صرفيات الطاقة بين شهري آذار ونيسان. لكن في عام التالي توصلت دراسة اخرى اعدها المكتب الوطني (الاميركي) للمقاييس الى انه ليس هناك تغير ملحوظ في استهلاك الطاقة نتيجة التوقيت الصيفي.
وبالمثل توصلت دراسات في استراليا اجريت عام 2000 الى ان تطبيق التوقيت الصيفي قلل من استخدام الانارة ليلا الا انه زاد من استخدام اجهزة التكييف صباحا. وفي عام 2005 اقرت دراسة في اليابان الى انه تم التقليل من استهلاك الطاقة نتيجة استخدام الانارة بمقدار 0,02% مقابل زيادة مقدراها 0,13% في تبريد الهواء. واخيرا بينت دراسة في ولاية انديانا الاميركية ان استهلاك الطاقة زاد بمقدار 1-4% بعد تطبيق التوقيت الصيفي، استهلكت في الغالب لتكييف الهواء.
بيد ان التأثيرات الاقتصادية للتوقيت الصيفي تتجاوز الاقتصاد في استهلاك الطاقة. ففي الولايات المتحدة تحث المحلات الكبرى على قضاء وقت خارج المنزل، طالما كان ذلك متاحا. وقد قدرت مجلة فورتشن الاميركية عام 1984 ان محلات سفن الفن الاميركية الشهيرة قد حصلت على ارباح اضافية تقدر بـ30 مليون دولار نتيجة زيادة فترة تطبيق التوقيت الصفي لسبعة اسابيع، بينما زادت ارباح منشآت الغولف بمقدار 200-300 مليون دولار لنفس الفترة. كما قدرت دراسة اجريت عام 1999 ان ارباح قطاع الترويح ازدادت 3% نتيجة التوقيت الصيفي.
على الجانب الاخر، فان التوقيت الصيفي يؤثر على المزارعين الذين لا يتعلق عملهم بساعة معينة. على سبيل المثال يتوجب حصد المحاصيل الحقلية عندما يتبخر الندى، أي ان الوصول باكرا لا يجدي نفعا. ومن القطاعات الاخرى التي يؤثر فيها التوقيت بشكل مباشر قطاع التلفزيون الذي يعتمد في ترويج الاعلان في فترة (الوقت الذهبي) التي يؤدي اختلافها بين الصيف والشتاء الى خسائر كبيرة.
ولا يعد قطاع الاستثمار اوفر حظا، فقد شهد يوم تغيير التوقيت في عام 2000 خسائر اجمالية تعادل 31 مليار دولار في اسواق الاسهم الاميركية. ويتوسع الامر ليشمل كلف تغيير برامج الحواسيب وجداول الاعمال وما اليه، حيث بلغت هذه الكلف الاضافية مبلغا يقدر بين 500 مليون الى مليار دولار في عام 2007.
على كل حال ربما يكون التأثر الايجابي الابرز للتوقيت الصيفي كامنا في نواح ٍ اخرى غير الاقتصاد. فقد قدرت دراسة وزارة النقل الاميركية عام 1975 ان معدل الوفيات نتيجة حوادث الطرق قد انخفض بمقدار 0,7% في اثناء التوقيت الصيفي، وقدرت ان النسبة الحقيقة ربما تصل الى 2%، برغم ان مراجعة محطة ان بي سي التلفزيونية لهذه الدراسة اشارت الى انه ليس هناك تغيير ملحوظ في معدل وفيات حوادث الطرق. يؤكد ذلك دراسة معهد سلامة الطرق السريعة عام 1995 التي بينت ان نسبة الانخفاض تصل الى 1,2%، من بينها 5% من حوادث السير التي يقع ضحيتها المشاة. وفي بريطانيا، اقرت دراسة ان اعتماد التوقيت المزدوج (تقديم الوقت ساعة واحدة في الشتاء وساعتين في الصيف) قد يؤدي الى تخفيض حوادث الطرق بمقدار 3-4%.
من ناحية اخرى توصلت دراسة اعدتها ادارة فرض القانون الى ان معدل الجرائم تناقص بمقدار 10-13% خلال التوقيت الصيفي في العاصمة الاميركية واشنطن. لكن منتقدي الدراسة يقولون انها شملت مدينتين فقط كما انها اقتصرت على انواع معينة من الجرائم.
وتقوم بعض البلدان باستغلال تغيير التوقيت لتذكير مواطنيها بتفقد متحسسات الحرائق قبل موسم الشتاء حيث تزداد الحرائق المنزلية نتيجة استخدام المواقد واجهزة التكييف، وكذلك تفقد مصابيح الانارة والانذار في حالات الضباب، وغيرها من المعدات الاخرى. لكن ذلك ليس متعلقا بالتوقيت الصيفي باي حال.
اما التأثيرات الصحية فهي اقل وضوحا واكثر استعصاءا على الدراسة. غير ان التوقيت الصيفي يتيح وقتا اكثر لارتياد محلات اللياقة البدنية، ويسمح بتعرض اكثر الى اشعة الشمس ما يسمح بزيادة انتاج فيتامين دي في الجلد، لكن هناك من يقول ان التعرض الزائد الى اشعة الشمس قد يؤدي الى سرطان الجلد. وبرغم ان هناك شبه اجماع على ان النهوض باكرا من النوم يقلل من الاكتئاب، غير انه من المعروف ان بدء تطبيق التوقيت يسبب ازعاجا ويقلل من فاعلية النوم في الايام الاولى، وان التعود على التوقيت الجديد قد يستمر لمدة اسبوع. وقد ادعت الحكومة الكاخازستانية ان تطبيق التوقيت الصيفي قد أدى الى مضاعفات صحية لدى مواطنيها مما حدا بها الى ايقاف العمل بهذا النظام.
يذكر ان هناك الكثير من المضاعفات الاخرى، منها ضرورة تغيير الساعات المنزلية وساعات اليد لتطابق التوقيت الجديد، والتعقيد الناتج عن استخدام بعض البلدان للتوقيت الصيفي وعدم استخدامه من قبل بلدان اخرى ما يسبب الاضطراب في حالات السفر والاجتماعات المجدولة، يضاف الى ذلك ضرورة اقفال اجهزة الحواسيب الخادمة Servers طيلة الساعة المضافة حتى لا تضطر الى قراءة الساعة نفسها مرتين او القفز ساعة للامام، والخسائر الناجمة عن هذا التوقف. ومن المضاعفات الممكنة ما يترتب على استخدام الاجهزة الطبية المعتمدة على التوقيت واحتمال تشوش معطياتها نتيجة تغيير التوقيت.
وعلى الصعيد السياسي تسبب التوقيت الصيفي في اثارة الجدل منذ ان تم اقتراحه اول مرة. ويؤثر عن وينستون تشرتشل قوله « ان فرص الصحة والسعادة تزداد كلما ابكرنا في الخلود الى النوم والنهوض من الفراش». لكن روبرتسون ديفز يرى ان «ايدي المتطهرين (طائفة مسيحية متشددة) الزرقاء متحمسة الى دفع الناس الى النوم باكرا والنهوض اصحاء واغنياء وحكماء برغم انفهم»، واطلق على التوقيت الصيفي اسم العبودي Slaving في جناس لكلمة Saving التي تعني الاقتصاد.
وبرغم ان الفكرة اجتذبت الكثير من الساسة، مثل تشرتشل ولويد جورج وماكدونالدز وادوارد السابع، الا ان البرلمان البريطاني رفض المقترح بانتظام طيلة الفترة من 1909 حتى اقراره عام 1916. وكان مجلس النواب الاميركي اكثر تشككا، فقد قدم اندرو بيتر مقترح قانون التوقيت الصيفي عام 1909 لكنه ضاع في متاهات اللجان ولم ير النور حتى عام 1918. لكن حدوث الحرب العالمية الاولى غير من المواقف المعارضة للتوقيت الصيفي، طالما انه يقع ضمن المجهود الحربي في الاقتصاد في الطاقة والحماية من الغارات الجوية وغير ذلك، فاضطرت الدول الحليفة الى تتبع مسار المانيا والعمل به فورا.
وحالما انتهت الحرب عادل الجدل من جديد. فقامت بعض البلدان بالغاء العمل به، الا ان بريطاينا احتفظت به وان قامت ببعض التعديلات بين آونة وأخرى. اما الكونغرس الاميركي فقد الغى العمل به بعد عام 1919، واعترض الرئيس وودرو ويلسون على قرار الالغاء مرتين قبل ان يتمكن الكونغرس من جمع الاصوات الكافية لتخطي اعتراض الرئيس. لكن بعض المدن الاميركية احتفظت بنظام التوقيت الصيفي محليا على البرغم من ذلك. وحينما تولى الرئاسة وارن هاردنغ اظهر معارضة لهذا النظام وامر موظفي العاصمة في عام 1922 ببدء الدوام الرسمي في الساعة الثامنة صباحا بدلا من التاسعة كبديل لتغيير التوقيت، وحذت حذوه بعض المدن الاميركية، لكن هذا الاجراء لم يستمر بعده.
ودفع الجدل السياسي حول التوقيت الصيفي المجموعات الاستثمارية الكبرى الى القيام بحملات للدفاع عنه وحتى تمديد فترة العمل به. فقد مولت مجموعة محلات سفن الفن الحملة التي ادت الى اقرار قانون تمديد فترة العمل بالتوقيت الصيفي عام 1987، كما دافع كل من شيخي ولاية ايداهو عنه عام 2005، وهي الولاية المشهورة بصناعة رقائق البطاطا المجهزة لخدمة المأكولات السريعة. وبالمثل قامت مجموعات اميركية كبرى بالدعوة الى قانون تمديد فترة التوقيت الذي اقر عام 2007.
وفي استراليا اصبحت قضية التوقيت الصيفي عام 2007 ضمن برامج السياسيين الذين تأرجح موقفهم حول الاستمرار في العمل به مجاراة لاهواء الرأي عام، بينما تزداد مطالبة قطاع الاستجمام والترويح في بريطانيا في العمل بنظام التوقيت المزدوج.
جدوى التوقيت الصيفي
في العراق
برغم ان الجدل العالمي الذي اوردناه يوفر ارضية لا بأس بها لمعارضي تطبيق التوقيت الصيفي، الا انه من غير المؤكد ان له مضارا جسيمة. فالشركات الكبرى تعمل على تضخيم الخسائر الناجمة عنه بقدر ما يعمل منافسوها على المبالغة في منافع الشركات منه. والحق اني لا ارى سوى بضعة ايام من اضطراب النوم هي كل ما يسببه التوقيت من مساويء.
اما المنافع فهي اكبر بكثير. فالشمس تشرق في العراق حوالي الساعة الخامسة في اشهر الصيف، أي قبل ما يزيد عن ثلاث ساعات من موعد الدوام الرسمي. ومن المؤكد ان الكثير من العراقيين ينهضون لصلاة الفجر قبل الشروق، ما يعني ان انهم يبقون غير منتجين او مستجمين فترة طويلة. لذلك قد يكون من الاجدى ان تستقطع ساعة من الصباح لتضاف الى المساء، ما يعطي العراقيين فترة اطول للاستجمام في المساء ويحتفظ بقدراتهم في العمل صباحا.
اما تأثير التوقيت على الفلاحين العراقيين فليس مماثلا لنظرائهم الاوربيين، الذي يعملون بنظام مختلف كليا. فالفلاح العراقي يستيقظ باكرا ويؤدي عمله بغض النظر عن التوقيت. كما ان حصاد المحاصيل في العراق لا تواجهه صعوبة حقيقة، مثل تكون الندى، الذي نادرا ما يحدث في اشهر الحصاد.
ان غياب المعطيات الرسمية الصحيحة لحوادث الطرق، والتأثيرات الصحية، والاقتصادية، وغيرها نتيجة لتغيير التوقيت في العراق، يجعل من الصعب الحكم على جدواه في العراق. لكن ذلك انما يدعو الى التطبيق والمراقبة والدراسة، لا الى الرفض. فكما بينـّا انفا، ليس للتوقيت مضرة حقيقة، بل منافع متوقعة. لذلك نأمل ان يصار الى اعادة العمل به في الاعوام القادمة مع مراقبة التأثيرات الجانبية ومحاولة دراستها بعمق حتى يمكن اطلاق حكم يستند الى ارضية صلبة فيما اذا كان مفيدا وغير مفيد.

Wednesday, May 21, 2008

مشروع قانون تنصيب نقابة الصحفيين

-- قراءة في قانون حماية الصحفيين المعروض على مجلس النواب --


نشر مؤخرا نص "قانون حماية الصحفيين" الذي احاله ديوان رئاسة الوزراء الى مجلس النواب لاقراره. ورغم بحثي المكثف لم اجد نسخة على موقع مجلس الوزراء او مجلس النواب. لذلك اعتمدت النسخة المنشورة في بعض المواقع الالكترونية. واعتذر عن اي خطأ قد وقع نتيجة لذلك.
مما لاشك فيه ان هناك ضرورة لاتخاذ اجراءات لحماية الصحفيين من الاعتداء الذي يقع عليهم نتيجة عملهم الصحفي، لاسيما مع تزايد الاخطار التي يشكلها العمل الصحفي على مزاوليه في العراق، كما تثبت ذلك الارقام المرعبة لشهداء الصحافة خلال السنوات الخمس الماضية. لكن هذه الضرورة لا تبرر اصدار تشريعات متعجلة ومبتسرة واحادية الرؤية، تشريعات تحكمها مرحلة انتقالية قد تكون فوضوية في بعض الاحيان، لكنها ليست هي الظرف الواقعي طويل الامد لسن تشريعات قد تسري لاجيال تالية.
والحقيقة ان السؤال الاساس هل ان حماية الصحفي مختلفة نوعا عن حماية بقية المهن الاحترافية، مثل المهندس والطبيب والحقوقي، بل والتاجر ورجل الاعمال وسواهم. لقد كان الجميع خلال الفترة التالية لسقوط النظام السابق اهدافا منهجية للهجمات الارهابية. حدث ذلك للقضاة، والاطباء على وجه الخصوص، والارقام التي تقرر هذه الحقيقة تفوق واقعا الارقام التي تتحدث عن ضحايا الصحافة. قد يكون التركيز على الصحفي فيه استثناء مبرر نوعا ما يعود الى طبيعة العمل الذي يجعله مستهدفا في بعض الاحيان بسبب موقف "سياسي" تجاه الصحفي ذاته او وسيلته الاعلامية. وهو ما يجعله في مرتبة واحدة، حسب راي بعضهم، مع منتسبي القوات الامنية، الذين اضحوا هدفا للجماعات المسلحة بسبب وظيفتهم بالدرجة الاولى.
ذلك يعني ان الاجابة عن التساؤل الانف قد تكون بالايجاب، على الاقل في الوقت الراهن، مع الاشارة الى من شأن اي قانون للصحافة، حتى وان شرع لغرض حمايتها لابد وان يتحول بشكل او بآخر الى قيد على الصحافة اكثر منه حماية له. في الانظمة الديقراطية الصحيحة، لايوجد قانون تسنه الدولة يختص بالصحافة تحت هذا المسمى. بل ان المؤسسات الصحفية الكبرى تسن لنفسها قواعد سلوك مهنية وتجعلها معيارا لمصداقيتها. ولهذا يعدّ اي تدخل للدولة في شؤون الاعلام الحر مخاطرة كبيرة على اصل النظام الديمقراطي.
فاذا وجدنا مبررا كافيا لسن هذا القانون فلابد ان نقرر في صيغة القانون ذاته انه ذو طبيعة مؤقتة مرهونة بالظروف الحالية ويجب ان ينتهي مفعوله بانتهاء هذه المرحلة وان يعاد النظر فيه بشكل دوري للتأكد من الحاجة اليه. لقد كان العمل الصحفي اذبان العهد البائد حكرا على شريحة بسيطة، لمنع تكون اية بذرة لاعلام حر ذي رسالة يهدد بقاء النظام.
لكننا نرى ان مشروع القانون موضع البحث لايشكل تعبيرا واضحا عن استقلالية الصحافة عن السلطات الثلاث، بل يدعو الى الانضواء تحت ظل الحكومة التنفيذية في اول مادة من مواده المقترحة والتي تنص: "يعتبر اي اعتداء على الصحفي اثناء تأديه مهامه الصحفية بمثابة اعتداء على موظف حكومي اثناء تأديه واجباته الرسمية ويعاقب المعتدي بالعقوبة المقررة قانوناً على الموظف الحكومي". ذلك مؤسف حقا، فكيف يمكن ان نقرن اداء عمل حر باداء موظف حكومي؟ الا يعد ذلك معادلا للقول بان الاعتداء على الصحفي اثناء عمله الصحفي اعتداء على سلطة تنفيذية؟ اذن كيف يكون شكل السلطة الرابعة؟ وكيف لنا ان نضمن عدم استغلال الصحفي نفسه لهذه "الميزة" في اغراض شخصية؟ الا يكفي اننا نجد امثلة لاحصر لها لاستغلال الموظف الحكومي لحصانته القانونية لاغراض شخصية؟
لقد كانت هذه النقطة من الاهمية بالنسبة لنقابة الصحفيين، التي تولت اعداد مسودة القانون وعرضه على الحكومة، بحيث جعلتها في مقدمة القانون المقترح، بل حتى قبل تعريف لفظ الصحفي، الذي لايرد الا في المادة السادسة عشر: "الصحفي هو الذي يعمل في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية ومنتمي (هكذا في الاصل والصحيح منتم ٍ) الى نقابة الصحفيين العراقيين". وهنا يتبادر الى الذهن تساؤل مشروع: لماذا يتوجب على الصحفي ان ينتمي الى نقابة الصحفيين ليحصل على حقوقه "القانونية" طالما كان يزاول في واقع الامر المهنة الاحترافية للصحافة؟ الا يعطي ذلك سلطة للنقابة في تقرير من سيكون مشمولا بمهنة المتاعب ومحميا قانونا، وتمييزه بمن لا يريد العمل النقابي او الانضواء تحت اتحاد مهني لاي سبب كان؟ فهل ان المهندس الذي لا ينتمي الى نقابة المهندسين مجرد مدّع؟ وهل يجب عدم الالتفات الى النساء "المضطهدات" اللائي لاينتمين الى اتحادات النسوة؟ ان النقابة هي مجرد مؤسسة مجتمع مدني تشتمل على نشطاء يعملون لقضية عامة بغض النظر عمن يسجل فيها ويحمل بطاقاتها التعريفية. والاكثر من ذلك ان النقابة التي تدعي الوصاية على الصحفيين رفضت منح العضوية (او جعلته امر في غاية الصعوبة) للكثير ممن استشهدوا او اصيبوا في عملهم الصحفي بينما هي تتبجح الان بالمخاطر التي يتعرض لها الصحفيين، وان لم تعترف باحترافيتهم اصلا.
بيد ان النقابة تمضي الى اخذ المسالة على عاتقها الى ابعد من ذلك حيث يقتضي مشروع القانون في مادته الثانية ان: "لايعتقل الصحفي او يلقى القبض عليه بسبب عمله الصحفي الاعن طريق القضاء وبعد اعلام نقابة الصحفيين العراقيين وحضور ممثلها في التحقيق". ومرة اخرى تقرر النقابة من يشمله القانون وكيفية تطبيقه.
على كل حال، لا اجد المواد الثالثة والرابعة والخامسة مخالفة لعرف العمل الصحفي، وهي تتعلق بمنح الصحفي "حق الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الدوائر الحكومية والهيئات العامة لنقلها الى الجمهور"، وتعترف بحق الصحفي في "عدم الافصاح عن مصادر معلوماته"، كما انها تطالب بان لايتم "مصادرة ادوات عمل الصحفي الا باذن من المحكمة". غير ان المخالفة ترد فيما يلي في المادة السادسة التي تنص: "تتكفل الدولة بانشاء قوة فعالة لحماية الصحفيين ووسائل الاعلام"، حيث لا ارى كيف يعمل الصحفي مع وجود قوة حكومية مرافقة له. في الواقع فان مثل هذا الاجراء سوف يقيد الصحفي بالقوة التي تحميه وليس العكس. كما ان مثل هذه القوة كفيلة بان تمّكن السلطة التنفيذية من فرض سيطرة حقيقة على اداء الصحفي والوسيلة الاعلامية. تصور منع القوة المرافقة من الخروج في جولة ما ينوي الصحفي ان يقوم بها لاجراء تحقيق صحفي عن فساد دائرة ما، او لشبهة حول مسؤول حكومي، او غير ذلك من الامثلة التي ستقيد عمل الصحفي وتمنعه من الوصول الى اذيال الحقيقة وان توافر لديه بعض الامن (وهو غير مضمون قطعا).
ويؤكد ذلك نص المادة السابعة التي تطلب السماح "للصحفيين باداء عملهم دون تدخل من قبل القوات الامنية"، لكنها تستدرك بان هذا السماح مشروط بـ" مالم يكن هناك مسوغ شرعي". ولن تعدم القوات الامنية سببا لايجاد هذا المسوغ الشرعي. لقد تعرضت شخصيا ومجموعة من الصحفيين الاخرين الى اطلاق نار من قبل الشرطة (التي تعرفت علينا ودققت هوياتنا قبل ذلك) حينما هممنا ان ندخل موقعا لتفجير انتحاري في مدينة الحلة. وقد استوجب الامر تدخلا من مسؤولين حكوميين للسماح لنا بتصوير الانفجار المروع، فيما يبدو انه يصب في مصلحتهم لكشف افعال القاعدة في البلاد، اكثر من الرغبة في اتاحة الفرصة للاعلام الحر لنقل الحقيقة للعامة.
وطبعا فان المادة السابعة التي تقرر انه "على الاجهزة الامنية اجراء تحقيقات فورية في حالة تعرض اي صحفي لاي نوع من التهديد او الاذى وان تبذل الجهود لمعاقبة الجناة" هي من نافلة القول، لان هذا هو بالضبط عمل الاجهزة الامنية فيما يخص جميع المواطنين على السواء بغض النظر عن مهنتهم او انتمائهم الحرفي.
واكاد اتفق مع نصوص المواد التاسعة والعاشرة والحادية عشر التي تفرض على الدولة ان تكفل "رعاية عوائل شهداء الصحافة"، و"تخصيص راتب للصحفيين الذين يتعرضون الى الاعاقة" و"الرعاية الصحية للصحفيين وتتكفل بعلاجهم على نفقتها داخل وخارج البلاد اذا كانت الاصابة او الاعاقة بسبب العمل الصحفي" بشرط ان يكون ذلك توجها عاما للدولة فيما يخص ضحايا الاعمال الارهابية، وليس على سبيل التأمين المسبق لشريحة معينة بغية كسب ودها.
لكنني اختلف بشدة مع المادتين الثانية عشر والثالثة عشر واللتين تمنحان النقابة، من جديد، سلطة تنفيذية فيما يخص العقود مع المؤسسات الاعلامية المحلية والاجنبية العاملة في العراق وعمل الصحفي ضمن مؤسسته الاعلامية. ومصدر الاختلاف ليس نابعا من اعتراض على دور للنقابة في كل ذلك، لكن على حصر هذا الدور بها. فمن حق الصحفيين ان ينتسبوا الى اتحاد آخر غير النقابة الحالية وتبقى لهم حقوقهم القانونية المترتبة على العمل مع الوسيلة الاعلامية وحالات التعرض الى الفصل التعسفي وغيره. وذلك يجب ان ينظم بقانون اشمل للعمل وليس اخص بمهنة واحدة. غير انني ابدي اعجابا برغبة النقابة في منع الحيف عن الوقوع على الصحفي، لكنني اشعر انها غير قادرة فعلا على ذلك بسبب عدم تمكين اغلب الصحفيين، الذين يمارسون المهنة في الوقت الراهن، من الانتماء الى النقابة (او الحصول على مرتبة العضوية فيها). سيكون مدهشا حقا ان تجادل النقابة وسيلة اعلامية حول قرارها فصل محررين مثلا قاما بتغطية لم ترض المؤسسة، لكنها في الواقع ستجادل عن المنتمي لها حسب هذا القانون وتترك الاخر (الذي ربما ينظر قرار ادراجه في سجل العضوية سنوات عديدة).
واخيرا فان المادة الخامسة عشر قد وضعت النقاط على الحروف بالقول: "الصحفيون لاسلطات عليهم في اداء عملهم لغير القانون"، لكن هذا القانون ذاته وضع سلطة النقابة فوق جميع السلطات، وبذلك يمكن قراءة النص بالشكل التالي: "ان لم تكن عضوا في نقابة الصحفيين فلست صحفيا، وان كنت عضوا فيها فانت تحت رحمتنا".

Saturday, April 26, 2008

مسؤولية الناخب بين القائمة الانتخابية المفتوحة والمغلقة

مع الاقتراب من موعد الانتخابات المحلية المقررة في الاول من تشرين الاول المقبل، يتزايد الجدل حول اي النظم الانتخابية هو الاصلح للمرحلة القادمة. ومن المعروف انه قد تم اعتماد نظام القائمة المغلقة في الانتخابات التي اجريت عام 2005 كلتيهما، مع اختلاف واحد: فقد كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة في انتخابات كانون الثاني، بينما اصبحت كل محافظة دائرة انتخابية مستقلة في الانتخابات التي اعقبتها في كانون الاول 2005. ويرى الكثيرون، ان لم نقل اغلبية الناخبين، ان نظام القائمة المغلقة قد ادى الى ايصال عناصر "غير كفوءة" الى مجلس النواب، وبالتالي فقد تعالت الصيحات مطالبة باعتماد نظام القائمة المفتوحة. والحق ان نظام الانتخابات بحد ذاته ليس سببا كافيا لتبرير العجز عن انتخاب المرشحين الاكثر كفاءة. وساحاول فيما يلي ان اثبت ان المسؤولية الفردية هي العامل الاساس في اختيار المرشحين، بغض النظر عن طبيعة القانون الانتخابي.
ورغم ان النظام الانتخابي عموما اما ان يكون نظاما للتمثيل بالاغلبية او للتمثيل النسبي، الا ان هناك نظما انتخابية تعتمد مزيجا بين الاثنين. وللتوضيح، فان نظام الاغلبية يعتمد على دوائر اقتراع يتنافس فيها مرشحون عدة للفوز بمقعد واحد بطريقة الفائز يأخذ كل شيء والخاسر يخسر كل شيء. اوضح مثال على ذلك الانتخابات الامريكية. اما في التمثيل النسبي فان المرشحين يخوضون الانتخابات ضمن قوائم تمثل حزبهم، او كتلتهم، او ائتلاف منهما، وتحصل على مقاعد يماثل نسبة الاصوات التي حصلت عليها. وهذا النظام اكثر شيوعا في العديد من دول العالم الديمقراطية، وتم تطبيقه في انتخابات 2005 في العراق. وهو اكثر عدالة من نظام الاغلبية، لا سيما مع وجود الكثير من الاحزاب والتنظيمات التي تروم الحصول على تمثيل برلماني.
لكن قرار استبعاد نظام الاغلبية من الانتخابات في العراق قد تم اتخاذه لسبب آخر. فقد كان القائمون على العملية الانتخابية يخشون ان تسيطر الشخصيات الدينية والعشائرية على نتائج الانتخابات نظرا لموقعها المحترم بين المواطنين. والحجة في ذلك ان الناخب العادي سوف يجد صعوبة جمة في التصويت لصالح مرشح ما، مهما تكن كفاءته وحنكته السياسية، اذا كان يوجد في نفس الدائرة الانتخابية رجل دين مثلا. فالعالم الديني يمثل قداسة وهيبة وقناعة قبلية لدى الناخب تفوق –في بعض الحيان – قدرته على الاختيار الحر. ولذلك ارتأى الحاكم المدني السابق (بول بريمر) عندما اصدر اول قانون للانتخابات في العراق بعد سقوط النظام السابق ان يصار الى التمثيل النسبي املا في منح المرشحين من الاحزاب العلمانية والدينية والمستقلين فرصا متساوية قدر الامكان.
فهل كان ذلك القرار صائبا؟ لقد تمخضت الانتخابات الاولى، وبشكل اكبر الثانية، عن اظهار استقطاب طائفي وقومي، والالتفاف حول عباءة المفتي او الحزب القومي املا في الحصول على اكبر قدر من المكاسب السياسية من خلال التمثيل البرلماني، حتى ولو كان المرشحون غير مؤهلين عمليا لخوض هذا الغمار. بيد انني لا اجد السبب في ذلك يعود الى نظام الانتخابات الذي اعد من قبل سلطة الاحتلال. فحتى مع تسليم السلطة واجراء تغييرات على النظام الانتخابي، بقي النظام الاساس في الانتخابات هو التمثيل النسبي، او القائمة. ولعلنا نتذكر ان النقد تركز حينذاك على اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة، مما يعني ان الاصوات يتم احتسابها في جميع انحاء البلاد لصالح قائمة ما. وهذا النظام مفيد بالخصوص للاقليات التي لا تسطيع ان تجمع "حد العتبة" وهو اقل عدد اصوات ممكن للفوز بمقعد واحد، اذا خاضت الانتخابات على المستوى المحلي. ومرة اخرى لا اجد ذلك سيئا بالمرة، لكن مقاطعة الانتخابات من قبل بعض الاحزاب والتنظيمات صوّر النتائج وكأنها نتيجة لهذا النظام. كما ان الناخب سعى الى التصويت للقائمة التي "اوصته" بها مرجعيته الدينية او السياسية دون النظر والتدقيق في برامج القوائم او معرفة مرشحيها بصورة كافية.
على كل حال، فقد تم تغيير نظام الدائرة الواحدة الى الدوائر المتعددة، بحيث تكون كل محافظة دائرة انتخابية في الانتخابات الثانية، الا انه لم يحدث فرق جوهري في نتائج الانتخابات. بل على العكس تعمق الاستقطاب الطائفي والقومي وتراجع المرشحون الليبراليون ليحتلوا موقعا صغيرا في البنية السياسية يكاد يكون غير ذي تأثير بالمرة. وفي الحقيقة فان ذلك لا يختلف كثيرا عن نظام الاغلبية آنف الذكر. فقد فازت الاحزاب الدينية بمعظم او كل المقاعد المخصصة للمحافظة في مجلس النواب، كل حسب موقعه الجغرافي وتوزيعه الديموغرافي. وهكذا باءت محاولات بريمر في منع الاغلبية من الحصول على كل شيء بالفشل.
اليوم يدور النقاش حول تغيير النظام الانتخابي بحيث يتم اعتماد القائمة المفتوحة. ولا ادري ما المقصود من ذلك تحديدا. فكلما سألت احدا يتقدم بمثل هذا الاقتراح عن الآلية التي يقترحا اجد جوابا واحدا: ان يسمح للناخب بان يختار من القائمة (او القوائم) المرشحين الذين يعتقد انهم الافضل والاجدر بتولي المسؤولية. وليس لدي اعتراض من ناحية المبدأ على مثل هذا الطرح. لكن الاعتراض انما يتأتى من التطبيق العملي من النواحي التالية:
1. كم يبلغ عدد القوائم وعدد المرشحين فيها؟ في الانتخابات السابقة شاركت المئات من القوائم في المحافظات المختلفة (بعض القوائم كانت في اكثر من محافظة، لكن مرشحيها اختلفوا من محافظة الى اخرى). اذا افترضنا ان عدد القوائم المتنافسة في محافظة ما 50 قائمة (تخمين متواضع)، تحتوي على 40 مرشحا (وهو عدد افتراضي لاعضاء مجالس المحافظات، وهو متغير يعتمد على عدد السكان)، فان ذلك يعني ان عدد المرشحين قد يزيد على الفي مرشح في دائرة انتخابية واحدة. فكيف يتأتى للناخب ان يتعرف على جميع او معظم او حتى العدد الكافي من المرشحين لكي يصوت لهم؟
2. ولو افترضنا ان المرشحين الالفين ارادوا ان يخوضوا الانتخابات بشكل فردي (وهو حقيقة معنى القائمة المفتوحة) الا يتوجب عليهم ان يعقدوا الندوات واللقاءات وان يديروا الحملة الانتخابية كل على عاتقه، وان تلقى مساعدة من حزبه؟ فما هو دور القائمة في هذه الحالة؟ هل تقدم مرشحيها كفريق واحد في الحملة الانتخابية؟ اذا كيف سيتعرف الناخب على الافراد الذين سيصوت لهم اذا لم يتصل بهم بشكل او باخر؟ اي ان خوض مثل هذه الانتخابات سوف يكون عملية عسيرة على المرشح والناخب على حد سواء بسبب العدد الكبير من المرشحين، والذين يتعذر على الناخب الاحاطة بهم. وبالنتيجة سوف يلجأ الناخب الى التصويت حسب القائمة لعجزه عن التعرف الى العدد الكافي من المرشحين الذين يعتقد بأهليتهم.
3. غير ان المشكلة الاكبر تمكن في الناحية اللوجستية للانتخابات. سوف يتوجب طبع جميع الاسماء للمرشحين، مما يجعل قسيمة الاقتراع بالغة الكبر ومعقدة جدا. اذ انها يجب ان تحتوي على القوائم وافرادها جميعا. سوف يكون من الصعب جدا ايجاد المرشحين ضمن قسيمة الاقتراع، خصوصا مع حملات انتخابية غير كافية للمرشحين (آخذين بنظر الاعتبار قصر المدة الزمنية)، وتوعية انتخابية ضعيفة او حتى معدومة. كما ان عدّ الاصوات سيكون شبه مستحيل في وقت قصير. سوف يتطلب الامر عدة اشهر لفرز الاصوات والتحقق منها قبل اعلان النتائج. كما ان التحقيق في الطعون سوف يستغرق وقتا طويلا. يضاف الى ذلك عدم توافر وسائل تقنية متطورة كالحاسوب والانترنت لتسهيل عملية التصويت والفرز، مما يجعل الامر كله منوطا بالاداء البشري المحدود باي حال. والكل يتذكر كم استغرق فرز الاصوات والتحقيق في الطعون في الانتخابات الماضية، قبل اعلان النتائج النهائية وتوزيع المقاعد بين الفائزين.
وعلى هذا فليست القائمة المفتوحة هي الخيار الامثل لانتخاب ممثلي الشعب الذين سيقع على عاتقهم اخراج البلاد من محنة الطائفية وشرك التعصب الى فضاء الوطنية والانتماء الاوسع للتاريخ والحضارة المشتركة. والحق انه ليس هناك نظام انتخابي قادر على فعل ذلك بشكل آلي. يتوجب على الناخب ان يتخذ قراره اعتمادا على نفسه بالدرجة الاولى، دون الخضوع الى ضغوط دينية او اجتماعية او عرقية او غيرها.
وقد ارى في الواقع سبب التشديد في الطلب على القوائم المفتوحة كاساس للنظام الانتخابي. فقد خضع الناخب للعبة الاحزاب المتصارعة عن طريق استخدام الرموز الدينية، وظنَّ انه لم يكن في مقدوره فعل شيء ازاء ذلك. والذين يروجون للقوائم المفتوحة يرومون تشتيت التركيز على القائمة بحيث لايكون هناك معنى لان تحظى قائمة ما بدعم مرجعية دينية او غيرها، طالما ان الناخب حر في اختيار مرشحيه بين القوائم. اما اذا كان النظام الانتخابي يجبر الناخب على الاختيار من قائمة واحدة فلن يكون هناك فرق جوهري عن القوائم المغلقة.
والادهى من ذلك ان تعمد الاحزاب الى نشر قوائم باسماء "مدعومة" توزع او تفرض على الناخبين بنفس الطريقة التي فرضت فيها القوائم في الانتخابات السابقة. وفي هذه الحالة لن تكون هناك فرصة حقيقية للناخبين للادلاء باصواتهم بشكل حر وديمقراطي.
والخلاصة ان لا فائدة من تغيير النظام الانتخابي اذا لم يتغير الوعي الانتخابي ولم تتغير اولويات المواطن العادي من العشيرة والطائفة والعرق الى الوطن الاعم. لا يمكن ان يتم انتاج نظام انتخابي يرفع المسؤولية عن كاهل الناخب، او يجعل التلاعب به من قبل الاحزاب السياسية غير ممكن. واذا وعى المواطن مسؤوليته الحقة، فكل نظام انتخابي صالح، وكل ما ينتج عنها مفيد. اما اذا استمر تغييب المواطن كناخب، وتخلى هو نفسه عن المسؤولية الذاتية في التصويت، فلن يكون لتغيير النظام الانتخابي اي أثر.

Sunday, March 16, 2008

مجمع الأطباء في المدينة التأريخية (بابل): ركام من ماضٍ عليل يبحث عن الشفاء والعافية

ليس بعيدا عن مبنى العيادة الشعبية، الذي شهد اعنف هجوم دموي في مدينة الحلة، وقبل ان تصل محطة تعبئة الوقود القديمة التي يتدافع فيها الناس للحصول على قنينة غاز، وعلى ضفاف شط الحلة حيث ينتصب جسر حديدي ذو اتجاه واحد، بينما تتكدس النفايات وينمو البردي بين جانبيه، يقع مجمع الاطباء.. مجموعة من البنايات ذات الطابق الواحد او الطابقين او الثلاثة طوابق، التي بنيت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحجز خلفها بيوتا خربة تعود الى قرن مضى تحولت الى مشاف، ولكن تنتصب بينها بناية واحدة حديثة جرى انشاؤها في السنوات الاخيرة. بنايات ليس بينها اي تناسق معماري، كما تخلو من اية اشارة الى طبيعة المكان سوى لافتات عشوائية للاطباء والصيادلة والمختبرات الطبية، وما سواها.

ان لم يسعفك الحظ في الحصول على موقف لسيارتك في المرآئب القريبة، يتوجب عليك البحث بين الازقة والشوارع القريبة عن موقف، ومع ذلك فستضطر لدفع الاجرة عن ذلك الموقف. لقد تحولت جميع الشوارع والازقة في هذا المكان الضيق الى مواقف للسيارت مقابل ثمن. فهنا تنتهي الطرق بحواجز كونكريتية كئيبة، ونقاط تفتيش تبعث بعض الثقة بعدم تكرار الهجمات في تلك المنطقة التي تعج بالباعة المتجولين والمراجعين من المرضى وذويهم، الذين يحثون الخطى بحثا عن الحكيم الذي يشفي عللهم وسط مطاعم (الكص) و(بسطيات) الفاكهة التي تحتل الارصفة. تتزاحم الاكتاف بينما تجول العيون بين اللافتات المتدلية عسى ان تجد ضالتها من دون ان تضطر للسؤال. واخيرا، حينما يسقط بيديك لاتجد مفرا من استعلام البوابين الذين اتخذوا من بوابات العمارات الضيقة مقعدا يستشرف المارين وهم ينادون، كما في سوق الخضراوات: الدكتور فلان جلدية، والدكتورة فلانة نسائية.. اطفال.. مختبر فوري.. الخ. يبادرك البواب بالجواب عن سؤالك الخجول، الطبيب الذي تبحث عنه في العمارة المجاورة. تدلف الى العمارة المظلمة حتى في وضح النهار، لتجد بوابا يبيعك التذكرة ويخبرك متى ينبغي عليك المجيء. اذا كنت من سكنة المدينة فربما تفضل العودة بعد ساعات، وان لم تكن فعليك الانتظار في عيادة الطبيب.
حينما تدخل عيادة لطبيب ما، فقد لا تفاجئك الارائك التي يبدو انها جاءت منحة مجانية من مقهى قديم، ولا الستائر البالية التي لم تغسل منذ ان علقت اول مرة. لن تفاجأ بالاسلاك المتدلية على الجدران تتمايل مع لحن: الوطنية.. المولدة.. الخط الثاني. المفاجأة ربما ستكون في عدم وجود موضع لجلوسك وسط الزحام، وعنصر المفاجأة ان تسلسل تذكرتك قد يكون ثلاثون او اربعون ولكن المقاعد لا تزيد على عشرة! لكنك بعد ان تقف برهة من الزمن سوف تحصل على مقعد لمريضك وان كنت محظوظا جلست انت ايضا بعد مرور الدقائق الثقال. لن تجد محيصا عن ان تجول بناظريك في المكان بينما يعتاد أنفك على الروائح المختلفة التي تنذر بالمرض. في عيادة نموذجية تجد في احد الاركان مبردة هواء كبيرة تدوّر الهواء داخل غرفة الانتظار فتجعله اكثر رطوبة، هذا ان كانت تعمل على اية حال. وترى بعض الملصقات الطبية الحزينة التي تتحدث عن فوائد النظافة مثلا، بينما يشكو الجدار خلفها من غبار تجمع على مدى السنين حتى عاد لوناً آخر. وحينما تصل بك عيناك جهة باب غرفة الكشف، لن تخطئ طبعات الحناء حولها وعليها، أكفاً رُسمت بلون بني قاتم وقد استطالت الاصابع او تكورت، فتتذكر فيلم رعب ويتراءى لك شخصا يترنح وهو يمسح بالحائط الدم التي تضرج به، سوى ان الدم المقزز، مع ذلك، الطف لونا. لن تجد عادة موضعا للمرافق الصحية، فهذا ترف لا يليق بالمرضى. وان كنت مضطرا لقضاء الحاجة فتلك مشكلتك.
في غمرة تأملاتك، تنتبه لصوت الممرض ينادي الناس بأرقامهم، تتطلع الى تذكرتك، انه رقمي، تهب واقفا، تسمعه يقول لك "هل كنت نائما؟"، تعجب من القول، فهل هذه غرفة فندق خمس نجوم يحلو للمرء ان ينام فيها، لكنك تفضل ان لا تدخل في مجادلة لن تكسبها في اية حال.
تدخل غرفة الطبيب، تتغاضى عن الستارة الرثة، والكرسي الابيض الذي صار رماديا، ومنظر الغرفة العام الكئيب، لانك ما جئت الا لألم انهك جسدك، تشكوه للحكيم، عسى ان تجد على يديه شفاء عاجلا. يدعوك للجلوس بينما تسترسل في وصف حالتك، يطلب منك ان تسلم جسدك للسرير، تروح سماعته الطبية تجول في انحاء صدرك مداعبة وموادعة بينما تحدثك نفسك ان هذا اول الغيث. تعود للجلوس بينما تلمح قلم الطبيب مسرعا على الوصفة. تشكره وتنصرف.
ان كنت محظوظا فلن يطلب منك الطبيب تحليلا مختبريا، او اشعة، او سوناراً. وان لم تكن فسوف تعود لنفس المشاهد تمتع بها ناظريك من جديد. على كل حال، لا تخلو الوصفة من حقنة، وعليك ان تعود لزرقها لدى الممرض الذي وصفك بالنائم. يضعك خلف الستارة غير الساترة، ويخلع عنك بنطالك، ويغزو عليك حرمتك، وانت ساكت وراض، فليس اشد على الاحتمال من الالم المضني.
تخرج من المكان مسرعا قاصدا سيارتك، راجيا ان يكون ذلك اخر العهد به. هيهات. سوف تعود، وسوف تنفق هنا مالك ذليلا، تحت وطأة المرض الذي لن ينفك يعاود زيارتك، والذي يجبرك والالاف غيرك على الذهاب هناك حيث لن يرضى احد ان يذهب طوعا.

Tuesday, February 12, 2008

قراءة في قانون المساءلة والعدالة: اجتثاث البعث ام بعث الاجتثاث

اصدر مجلس الرئاسة قبل فترة وجيزة قانون المساءلة والعدالة الذي حل بذلك محل قانون اجتثاث البعث الذي اصدره الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر. وهكذا انتهت فترة من الجدل السياسي المرير حول هذا القانون الذي كثيرا ما اعتبر، بالاضافة الى تشريعات اخرى، مقياسا لتقدم العملية السياسية في العراق.
والواقع ان هذا القانون لا يعدو ان يكون تأخرا في العملية السياسية اكثر من كونه دافعا لها. فالبيان الذي اعلن صدور القرار نص على انه: "بناءً على ما اقره مجلس النواب... ولمضي المدة القانونية المنصوص عليها في الفقرة (خامساً/أ) من المادة مائة وثمانية وثلاثين من الدستور صدر القانون الأتي رقم (10) لسنة 2008". والمعلوم ان نائب الرئيس طارق الهاشمي رفض التوقيع على القانون، وهو ما يقودنا الى جدل قانوني. فالمادة 138/رابعا من الدستور تنص على انه: "يتخذ مجلس الرئاسة قراراته بالاجماع، ويجوز لأي عضو ان ينيب احد العضوين الآخرين مكانه". لكن اصدار هذا القانون قيد النقاش تم استنادا الى الفقرة خامسا، حسب بيان مكتب الرئاسة، التي تنص على: "أ- ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب، الى مجلس الرئاسة، لغرض الموافقة عليها بالاجماع، واصدارها خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه... ب- في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات الى مجلس النواب لاعادة النظر في النواحي المعترض عليها، والتصويت عليها بالاغلبية، وترسل ثانيةً الى مجلس الرئاسة للموافقة عليها. ج- في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانيةً، خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه، تعاد الى مجلس النواب، الذي له ان يقرها بأغلبية ثلاثة اخماس عدد اعضائه، غير قابلةٍ للاعتراض، وتُعد مصادقاً عليها." اي انه في هذه الحالة اعتبر مرور الفترة الزمنية المحددة في الفقرة (أ) كافيا لاعتبار القانون مصادقا عليه، بغض النظر عن الاجراءات التي اوردتها الفقرات (ب) و(ج) اللاحقتين. والواضح من نص القرة (أ) انه لابد من حصول الموافقة بالاجماع.
ان هذه المناورة هي سابقة في التشريع، ولن يتمكن مجلس الرئاسة في الواقع من فعل اي شيء حيالها في المستقبل. لقد كانت الفكرة من اصدار القرارات الرئاسية (او بالاحرى الموافقة على التشريع البرلماني) بالاجماع هو ضمان عدم انفراد كتلة حزبية او مكون ما من اطياف الشعب العراقي في اتخاذ القرارات دون مراعاة الكتل او الاطياف الاخرى. وعلى هذا، فان اعتراض الهاشمي ليس اعتراض الحزب الاسلامي او الطائفة السنية، انه اعتراض شريك في العملية السياسية، كما ان قانون المساءلة والعدالة ليس قانونا كرديا او شيعيا ولكنه قانونا يفترض ان يكون وطنيا يصب في مصلحا الشعب العراقي ككل.
تجدر الاشارة الى ان مجلس النواب يمتلك صلاحية حل (الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث) كما ورد في الفقرة ثانيا من المادة 135 من الدستور، لكن من غير الواضح فيما اذا كان يمكن دستوريا احلال هيئة محل اخرى. بيد ان الظاهر ان كلا من الهيئة المنحلة والتي تحل محلها تمارسان نفس الاختصاص فلا يبدو ان هناك تجاوزا خطيرا على الدستور. على كل حال، لقد تم تجاوز الدستور باكثر من ذلك في نصوص القانون الجديد كما سنوضح لاحقا.
على ان القانون الذي غير من تسمية الهيئة السابقة عاد واكد طبيعة عملها في مادتها الاولى/الفقرة رابعا التي تعرف الاجتثاث بانه: "الإجراءات التي تتخذها الهيئة وفقا لأحكام هذا القانون بهدف تفكيك منظومة حزب البعث في المجتمع العراقي ومؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني فكرياً وإدارياً وسياسيا وثقافياً واقتصادياً." اي ان تغيير التسمية لم تؤدِ الى نضج حقيقي في التعامل مع قضية الاجتثاث المثيرة للجدل، والتي عُدت من افدح اخطاء الحكم الامريكي في العراق، ليس من ناحية اقصاء حزب البعث عن الحياة السياسية ولكن من جهة اعتبار ان اعضاء الحزب المنحل مذنبون حتى تثبت براءتهم. ولست اقول انهم كانوا حمامة سلام، ولكن لا يمكن ان نتهم ملايين العراقيين على اساس انتماء لم يكونوا في الواقع يملكون الكثير من الخيارات سواه. والقلة المجرمة يجب ان تقدم للمحاكمة على ما ارتكبته ايديهم، اما سواهم فيجب ان تتاح لهم الفرصة لكي يعاد دمجهم ضمن مكونات الشعب العراقي وطي صفحة الماضي الرهيب في انتظار المستقبل المزهر.
والاسوأ من ذلك، ان نفس المادة الاولى قد عرفت العضو بانه: "كل شخص انتمى لحزب البعث وادى يمين الولاء له" (الفقرة سادسا) ثم تعود فتقرر ان اعوان النظام هم: "الأشخاص من المنتمين إلى حزب البعث، أو المنتسبين إلى الأجهزة القمعية، و المتعاونين معهم..." (الفقرة تاسعا). ومن الواضح ان تفسير هذه التعاريف سوف يخضع للكثير من الجدل والتسويف. وارى انه في نهاية الامر سوف يقع مليوني شخص في اقل تقدير تحت طائلة هذا القانون. واشير هنا الى مخالفة دستورية واضحة، حيث نصت الفقرة خامساً من المادة 135 على ان "مجرد العضوية في حزب البعث المنحل لا تعد اساساً كافياً للإحالة الى المحاكم، ويتمتع العضو بالمساواة امام القانون والحماية، ما لم يكن مشمولاً بأحكام اجتثاث البعث...". فان قيل انه لم ترد في هذا القانون احالة الاعضاء على المحاكم لمجرد الانتماء، قلت ان التعريف مهد السبيل لذلك، حيث ان قسم يمين الولاء الذي يجعل المرء بعثيا، يجعله في الوقت ذاته من اعوان النظام، وفي نظري فان هولاء هم من اعتى المجرمين واغلظهم.
وبينما تقر المادة الثالثة بان احد اهداف الهيئة هو: "تطهير مؤسسات القطاع الحكومي، والقطاع المختلط، ومؤسسات المجتمع المدني، والمجتمع العراقي، من منظومة حزب البعث تحت أيّ شكل من الأشكال." (الفقرة ثانياً) فان الاجراءات المتبعة في مجمل القانون تقنعنا ان الهدف الحقيقي هو تطهير هذه المؤسسات من الاشخاص الذين انتسبوا الى حزب البعث في الماضي، اكثر مما هو تطهير لها من الحزب نفسه.
ولست اجد في مواد هذا القانون ما يؤكد محاربة الفكر البعثي، ولا المنهج البعثي، المستأصل -للاسف- في دوائرنا الحكومية. فالفساد الاداري كان سلاح النظام السابق في اضعاف الاجهزة الحكومية بغية اخضاعها لسلطته المباشرة. وقل مثل ذلك عن المحسوبية، وتردي الخدمات الاساسية، واستخدام العائدات الوطنية للمصلحة الشخصية، واثارة النعرات الطائفية، وغير ذلك مما شهدناه في عهد النظام السابق، ولازال شاخصا اليوم امام اعيينا.
كما انني اجد مبررا، في الواقع، الى ايجاد نص قانوني يقرر "إحالة عناصر حزب البعث المنحل والأجهزة القمعية الذين يثبت التحقيق إدانتهم بأفعال جرمية بحق أبناء الشعب إلى المحاكم المختصة لينالوا جزاءهم العادل." (الفقرة ثالثا)، الا يعد ذلك من نافلة القول؟ اليس حريا بالمحاكم ان تستمع او تقبل شكاوى المواطنين ضد المجرمين سواء كانوا اعضاء في حزل البعث او لم يكونوا، وسواء ارتكبوا هذه الجرائم في ظل النظام السابق او قبله او بعده؟
لقد كنا نتصور ان من شأن القانون الجديد ان يرأب الصدع ويطوي الصفحة المخضبة بالدماء، لكننا وجدنا انه ما ان ينكيء جرحا حتى يقدح آخر. ولا اجد تفسيرا لنشر اسماء الاشخاص المشمولين باجراءات الاجتثاث، كما تدعو الفقرة خامسا من المادة الرابعة، سوى التشهير والتحريض، اذ تنص على: "استكمال تعريف أولئك الأفراد المشمولين بإجراءات الاجتثاث خلال مدة عمل الهيئة ونشر قائمة بإجراءات الاجتثاث المقررة في هذا القانون بحيث تجمع قائمة بأسماء جميع الأفراد الذين خضعوا لهذه الإجراءات موضحة درجة كل فرد وتاريخ صدور أمر اجتثاث البعث ذات الصلة". فاذا كان المقصود بـ(اجراءات الاجتثاث) هو تعريف العناصر المنتمية لحزب البعث، فان نشر هذه القوائم بدون توجيه تهم جنائية يعد تحريضا ضد هؤلاء الاشخاص وانتهاكا لحقوقهم الدستورية. ويجب ان لا ننسى ان المادة 19 من الدستور/الفقرة ثانياً نصت على انه: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا عقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة، ولا يجوز تطبيق عقوبة اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة".
غير ان القانون الجديد يحدد في فصله الرابع اجراءات محددة ضد اعضاء حزب البعث لمجرد الانتماء. فالفقرة اولا من المادة السادسة تنص على: "إنهاء خدمات جميع الموظفين ممن كان بدرجة عضو شعبة وإحالتهم على التقاعد" بنما تنص الفقرة ثانيا على: "إحالة جميع الموظفين الذين يشغلون إحدى الدرجات الخاصة... ممن كانوا بدرجة عضو فرقه في صفوف حزب البعث على التقاعد"، ثم تسمح الفقرة سادسا "لجميع الموظفين غير ذوي الدرجات الخاصة ممن كانوا بدرجة عضو فرقة فما دون في صفوف حزب البعث بالعودة إلى دوائرهم أو الاستمرار بوظائفهم." لكن الفقرة سادسا عادت فمنعتهم من الخدمة في "الهيئات الرئاسية الثلاث ومجلس القضاء والوزارات والأجهزة الأمنية ووزارتي الخارجية والمالية." وليس في هذا فرق جوهري عن قانون بريمر رقم واحد الذي عرف لاحقا بـ(قانون اجتثاث البعث). وفي كلتا الحالتين تم التعامل مع الحزب على اساس افراده، ولم يوجه نحو الفاعلين منهم والذي تورطوا في جرائم ساعدت النظام السابق على الاستمرار واضطهاد الشعب.
واغرب ما في القانون الجديد ما نصت عليه المادة الحادية عشرة: "يحاكم حزب البعث المنحل كحزب ونظام لارتكابه الجرائم ضد الشعب العراقي." ولا ادري كيف ستتم مثل هذه المحاكمة ومن سيقبع في قفص الاتهام ومن الذي سيتولى اصدار الحكم ناهيك عن تنفيذه. واتصور ان هذه المادة حشرت حشرا لاثبات ان المقصود هو الحزب لا اعضاءه. فان كان الامر كذلك، فما هي الحاجة لهذا لقانون اصلا.
والملاحظ ان هذا القانون اتخذ شكلا تفصيليا وعرض اجراءات وهيكليات ونظم محددة لعمل هيئة المساءلة والعدالة بما يزيد عن الحاجة الفعلية. فالتشريع يؤطر عادة الهدف منه باجراءات عامة، ثم تقوم الوزارات او الهيئات الحكومية بوضع التعليمات اللازمة لتنفيذه. اما هذا القانون فقد استغرق في التفاصيل الى درجة انه حدد مسؤوليات حتى الموظفين المساعدين في الهيئة: "مكتب رئيس الهيئة :ويديره موظف بعنوان مدير ويتولى تنظيم مراسلات رئيس الهيئة ومواعيده ومقابلاته وأية مهام يكلفه رئيس الهيئة بها" (المادة الثامنة عشرة/ الفقرة اولا/1). وهذه المادة شرحت بالتفصيل هيكلية جميع دوائر الهيئة ومكاتبها وموظفيها ومؤهلاتهم وواجباتهم.
واخيرا، فقد ورد في الاسباب الموجبة للتشريع: "وللأخذ بعين الاعتبار وجود حالات انتماء صوري لبعض الفئات من الشعب إلى صفوف الحزب المنحل مع عدم إيمانها بأفكار البعث الدكتاتورية وممارساته القمعية". وهو ما لم نلمسه في هذا التشريع بتاتا. بل على العكس، اعتبر القانون ان جميع من انتموا الى حزب البعث مذنبون حتى يثبت العكس. وقد فشلت اجراءات بريمر بحق البعثيين، التي تبدو اكثر رأفة من التي وردت في هذا القانون، في الحد من نفوذهم في المجتمع ، خصوصا في المحافظات التي احتضنت نسبة كبيرة منهم. واذا كنا نريد مصالحة وطنية حقيقة، علينا ان ننتبه الى مثل هذه الحقائق، لا ان نسعى خلف شعارات براقة وخادعة في آن. فالجميع يعلم ان المجرمين الحقيقين فروا خارج البلاد ساعة احتلاله، وانهم يقودون التمرد الوحشي ضد الحكومة لانهم ليس لديهم ما يخسروه. ولست ادعوا الى الصفح عن اولئك القتلة، ولكن ارجو ان لا نعمل على دفع من لم يشأ ان يجاريهم في افعالهم الدنئية، الى الالتحاق بركبهم. لقد ندم بريمر بعد فترة وجيزة من اصداره قانون اجتثاث البعث، واطلق بدلا عنه مبادرة المصالحة الوطنية. وكان ينبغى ان يقبر ذلك القانون مع زوال سلطة الاحتلال. لكننا نجد ان قانون المساءلة والعدالة قد عمل على بعثه، وبذلك حق القول انه قانون بعث الاجتثاث.

Monday, January 14, 2008

اصلاح التقويم اليولياني ومراحل التحول نحو التقويم الغريغوري

يعتبر التقويم الغريغوري اكثر التقاويم استعمالا في العالم اليوم. وهو عبارة عن اصلاح للتقويم القديم الذي وضعه يوليوس قيصر. وكان اول من اقترحه الطبيب والفيلسوف والفلكي والمؤرخ الويسيوس ليليوس من كالابريا في جنوب ايطاليا، ثم اصدر البابا غريغوري الثامن امرا بابويا بتطبيقه في 24 شباط 1582. يحتوي التقويم الغريغوري على نفس نظام ترقيم الاشهر والسنوات لسلفه التقويم اليولياني، وبالمثل فانه يعتمد في حساب السنين على مولد المسيح. وبسبب ان السنة اليوليانية اطول قليلا من الواقع، فان موعد الانقلاب الربيعي خصوصا كان يتأخر مع مرور السنين مسببا تأخير موعد الاحتفال بعيد الفصح لدى المسيحيين. وقد اصلح التقويم الغريغوري هذا الخطأ باسقاط 10 ايام من التقويم السابق حتى يتواءم مع التوقيت الحقيقي للفصول،

كما تم اعتماد القاعدة التالية في حساب السنوات الكبيسة: تكون السنوات التي تقبل القسمة على 4 سنوات كبيسة ما عدا التي تقبل القسمة على 100 تكون سنوات عادية، غير ان السنوات التي تقبل القسمة على 400 تبقى كبيسة. وعلى هذا فان السنوات 1700، 1800، 1900 لم تكن كبيسة بينما كانت سنة 2000 كبيسة. والتغيير هنا هو انه حسب التقويم اليولياني فان كل سنة تقبل القسمة على 4 هي سنة كبيسة من دون استثناء.
يعتمد النظام الغريغوري على احتساب كل 146,097 يوماً مساويا لمدة 400 سنة (وهو ايضا مساوٍ لفترة 20,871 اسبوع بالتمام)، وهذا يعني انه يجب اعتماد 303 سنوات اعتيادية (ذات 365 يوما) مقابل 97 سنة كبيسة (ذات 366 يوما) في كل 400 سنة. ومن المعلوم انه في السنة الكبيسة يتم اضافة يوم واحد الى شهر شباط ليكون 29 يوما بينما يكون طوله 28 يوما في السنوات الاعتيادية.
الدافع لاصلاح التقويم
يعود السبب في اجراء الاصلاح الى رغبة الكنيسة الكاثوليكية الى الاحتفال بعيد الفصح (او عيد القيامة) في نفس الوقت الذي اقرّه المجمع الكنسي الاول، والذي عقد في نكايا التركية برعاية الامبراطور قسطنطين الاول عام 325 للميلاد. وكانت الكنيسة في الاسكندرية تحتفل بعيد الفصح في اول يوم أحد بعد اليوم الرابع عشر للقمر على ان يكون بعد الانقلاب الربيعي الذي اعتبروه موافقا لـ 21 آذار. اما كنيسة روما فقد كانت تعتبر 25 آذار هو يوم الانقلاب الربيعي حتى عام 342. وحسب كنيسة الاسكندرية فان عيد الفصح قد يقع بين 22 آذار و25 نيسان. لكن كنيسة روما منعت الاحتفال بعيد الفصح بعد 21 نيسان لانه يوم الاحتفال بعيد تأسيس روما وعيد الرعاة وهي مهرجانات وثنية. وعلى هذا يكون عيد الفصح لدى كنيسة روما بين 20 آذار و19 نيسان. وعلى الرغم من الاختلاف بين الكنيستين، فقد كانت هناك دائما طرق لتوحيد يوم الاحتفال. وبحلول القرن العاشر الميلادي فان جميع الكنائس اعتمدت طريقة الاسكندرية في الاحتفال بالعيد باستثناء المناطق الشرقية في الامبراطورية البيزنطية.
اضافة الى ذلك فان احتساب الشهر القمري كان مثبتا حسب التقويم اليولياني بدورة من 19 سنة. اي ان كل 19 سنة شمسية تعادل 235 شهرا قمريا، بهامش خطأ يبلغ ساعتين عن الطول الحقيقي، او يوم واحد كل 310 سنوات. وهكذا، فقد بلغ الفرق بحلول القرن السادس عشر اربعة ايام كاملة.
نتيجة لذلك قرر المجمع الكنسي المنعقد في ترنت عام 1563 تصحيح الخطأ في التقويم لاعادة يوم الانقلاب الربيعي الى ما كان عليه حين انعقد المجمع الكنسي الاول عام 325. وتوجب اجراء التصحيح على مرحلتين، الاولى ايجاد الطول الحقيقي للسنة الشمسية، وقد تم تحديد القيمة بـ 365.2425 يوما (وهي اكثر قليلا من القيمة الحقيقية البالغة 365.24219 يوما، الامر الذي دعى العالم البريطاني السير جون هيرشل في القرن التاسع عشر الى اقتراح ان يتم اسقاط سنة كبيسة اخرى كل 4000 سنة لتعويض الفرق – اي ان يكون العام 4000 سنة اعتيادية رغم انها تقبل القسسمة على 400).
اما المرحلة الثانية فقد تمثلت بانشاء نظام تقويم جديد بسيط نسبيا. وقد اقترح العالم ليليوس اسقاط عشرة ايام من التقويم واحتساب 97 سنة كبيسة كل 400 سنة (بدلا من 100 سنة كبيسة حسب التقويم القديم، كما تقدم آنفا). كما تم تعديل دورة الـ19 سنة الشمسية المقابلة للاشهر القمرية باضافة يوم واحد كل 300 او 400 سنة (ثماني مرات في مدة 2500 عام) الى جانب التصحيحات التي ستجري على الاعوام 1700، 1800، 1900، 2100، الخ، وهي التي اعتبرت سنوات غير كبيسة. وقد اقترح ليليوس ان يتم اعتبار جميع السنوات العشر الكبيسة التالية (في مدة اربعين عاما) سنوات اعتيادية لغرض تطبيق التصحيح، غير ان البابا غريغوري اراد ان يكون التصحيح دفعة واحدة وليس بالتدريج. وهكذا، فقد تم اصدار امر بابوي باعتبار يوم الجمعة 5 تشرين الاول 1582 حسب التقويم اليولياني القديم هو يوم 15 تشرين الاول 1582 حسب التقويم الجديد.
مراحل تطبيق التقويم الغريغوري
برغم ان اصلاحات غريغوري للتقويم قد اتخذت شكل امر باوبوي الا ان تنفيذها كان بحاجة الى اوامر من السلطات المدنية في كل بلد ليصبح لها تأثير قانوني. وهي وان اصبحت قانونا في الكنيسة الكاثوليكية، لم تعرها الكنائس البروتستانتية او الكنائس الارثوذكسية او الكنائس الاخرى اهتماما يذكر. نتج عن ذلك ان الاحتفال بعيد الفصح كان يجري في ايام مختلفة باختلاف الكنائس المسيحية.
في البدء تم تطبيق التقويم الغريغوري في اربعة بلدان كاثوليكية هي اسبانيا والبرتغال واتحاد بولندا – ليتوانيا بالاضافة الى ايطاليا. تبع ذلك مستعمرات كل من اسبانيا والبرتغال بسبب بطئ حركة المواصلات عندذاك. ثم تحولت فرنسا الى التقويم الجديد باعتبار يوم الاثنين 20 كانون الاول 1582 لاحقا ليوم الاحد 9 كانون الاول 1582. كما تحولت ولايتين فقط من ولايات الاراضي المنخفضة السبعة هما هولندا وزيلندا الى التقويم الغريغوري في كانون الاول من ذلك العام برغم انها اقطارا بروتستانتية.
بيد ان معظم البلدان غير الكاثوليكية عارضت مبدئيا تطبيق فكرة ذات مصدر كاثوليكي، خصوصا في فترة (الاصلاحات المقابلة) التي كان البابا غريغوري من اشد المتحمسين لها. وقد خشي بعض البروتستانتيين ان يكون التقويم الجديد مجرد وسيلة لاعادتهم الى حضيرة الكنيسة الكاثوليكية. كما عارضت التشيك تطبيق التقويم الجديد لكونه مفروض من قبل عائلة هابسبورغ المالكة. كذلك الحال في ايرلندا الكاثوليكية التي كان نبلاؤها يخوضون حرب الاعوام التسعة ضد الحكومة الايرلندية المعينة من قبل الملكة اليزابيث، ملكة بريطانيا البروتستانتية. وقد طلبوا اذنا خاصا من البابا بتعليق تطبيق التقويم الجديد حتى لا يظهروا بمظهر العاصي في عين البابا.
وفي مطلع عام 1700 اعتمدت كل من الدنمارك والنرويج والولايات الالمانية البروتستانتية التقويم الجديد، لكنهم لم يأخذوا باصلاحات الاشهر القمرية. ولغرض المحافظة على تحديد عيد الفصح فانهم قرروا ان يعتمدوا على جداول العالم الفلكي كبلر التي اصدرها عام 1627. غير انهم عادوا وتبنوا الجزء المتعلق بالاشهر القمرية من الاصلاحات عام 1776. كما اعتمدت الولايات المتبقية من جمهورية الاراضي المنخفضة التقويم الجديد عام 1700.
اما السويد فقد اتخذت طريقة ثانية في تطبيق التقويم عام 1700. حيث قررت اغفال السنوات الكبيسة جميعا بين عامي 1700 و1740 (لان الفرق اصبح 11 يوما عندئذ). نتج عن ذلك ان التقويم السويدي اصبح غير متوافق مع كل من التقويم اليولياني والتقويم الغريغوري على مدى 40 عاما، مسببا الكثير من الفوضى في تأريخ الاحداث خلال هذه السنوات. ومما زاد الطين بلة ان النظام طبق بشكل سيء حيث لم يتم اغفال السنوات الكبيسة بين عامي 1704 و1708. وعليه فقد قرر الملك جارلس الثاني عشر التخلي عن التطبيق التدريجي للتقويم، لكنه اعاد العمل بالتقويم اليولياني بدلا من التقدم باتجاه التقويم الغريغوري. ولغرض التوافق مع التقويم القديم فقد تقرر ان يكون شباط من عام 1712 ذا 30 يوما لاضافة اليومين التي الغيت سابقا. غير ان السويد طبقت النظام الغريغوري اخيرا عام 1753، ولحقت بها في كل ذلك فنلندا حيث انها كانت تحت الحكم السويدي.
اما بريطانيا والامبراطورية البريطانية (بضمنها المستعمرات الغربية التي اصبحت الولايات المتحدة الامريكية) فقد تبنت التقويم الجديد عام 1752 بالغاء 11 يوما من تقويمها، ليكون يوم الخميس 14 ايلول 1752 لاحقا ليوم الابعاء 2 ايلول. وتم تطبيق التغيير في الاسكا عام 1867 بعد ان اشترت الولايات المتحدة هذه المقاطعة من روسيا. وفي روسيا ذاتها تأخر تطبيق التقويم الغريغوري حتى عام 1918، بعد عام واحد من ثورة اكتوبر. وكانت اليونان اخر بلدان اوربا الشرقية الارثوذكسية في تطبيق التقويم الجديد في عام 1923.
وفي اسيا، كانت اليابان اول من طبقه عام 1873، تلتها كوريا عام 1896، ثم الصين عام 1912، لكن امراء الحرب المختلفين فيها اتخذوا تقاويم مختلفة. وبعد توحيد الصين تحت قيادة الحزب الوطني الصيني فقد اتخذت الحكومة قرارها بوضع التقويم الغريغوري موضع التنفيذ اعتبارا من الاول من كانون الثاني 1929.
عيد الميلاد بين الكنائس الغربية والشرقية
وبالرغم من توالي تطبيق التقويم الغريغوري في البلدان المختلفة، رفضت الكنائس الارثوذكسية الاعتراف به. بدلا من ذلك قررت ان تعتمد تقويما يوليانيا معدلا، باسقاط 13 يوم من عام 1923. ثم وضعت طريقة ثانية لاحتساب السنوات الكبيسة من شأنها ان تبقى متوافقة مع التقويم الغريغوري حتى عام 2800. وقد اختارت البطرياركيات في القسطنيطينة والاسكندرية وانطاكيا واليونان وقبرص ورومانيا وبولندا وبلغاريا ان تتحول الى التقويم المعدل بينما رفضته بطرياركيات القدس وروسيا وصربيا وجورجيا.
وهكذا فان هذه الكنائس تحتفل بيوم مولد المسيح الموافق 25 كانون الاول حسب التقويم اليولياني وهو ما يقابل 7 كانون الثاني في التقويم الغريغوري. بينما استمرت جميع الكنائس الشرقية الارثوذكسية الاخرى (القبطية، والاثيوبية، والاريتيرية، والسريانية، والارمنية) بالاضافة الى الكنيسة الاشورية في الاحتفال بمناسباتها في مواقيت ثابتة حسب التقويم اليولياني. هناك استثناء واحد بين الكنائس الشرقية الارثوذكسية وهي الكنيسة الفنلندية، حيث اعتمدت التقويم الغريغوري رسميا، مما جعلها عرضة للانتقاد بين باقي الكنائس الشرقية.
تبعة تغيير التقويم في العراق والبلدان العربية والاسلامية
تحولت تركيا الى التقويم الغريغوري عام 1925، بعد ان كانت تعتمد التقويم الهجري القمري، ضمن سياسيات مصطفى كمال اتاتورك العلمانية. اما باقي البلدان العربية والاسلامية فقد احتفظت بتقويمها الهجري الى ان تغيرت انظمتها السياسية في اواسط ونهايات القرن العشرين، حيث تم اعتماد التقويم الغريغوري بشكل آلي. ومن هنا نشأ المصطلح المعروف بـ(كانون العرب، او شباط العرب، او آب العرب، الخ) في العراق.
فقد كان التقويم الميلادي ثانويا في العراق اثناء الاحتلال العثماني شأنه في ذلك شأن باقي الدول الاسلامية، ومنها تركيا. ولكن التقويم الميلادي مفيد من ناحية ضبط مواقيت الزراعة والحصاد، بالاضافة الى توقعات الفصول والانواء الجوية، اذ ان التقويم الهجري يعتمد على الاشهر القمرية في الاساس وهي لا تتوافق مع حركة الارض حول الشمس، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الامور.
وقد اكتسب الشعب العراقي خبرة في تحديد مواعيد التغيرات بدقة متناهية، بل واعطى تسميات معينة لهذه التغيرات مثل (جويريد، المربعانية، برد العجوز، غرور المعيدي، وغيرها) بالاضافة الى تقسيم شهر آب المذهل الى ثلاثة اقسام (العشرة الاولى: حار جدا، والعشرة الثانية: حار صباحا معتدل مساءا، والعشرة الثالثة: تفتح للشتاء بابا). هذه المواسم عينت على مدى قرون حسب التقويم اليولياني الذي كان ثانويا في الدولة العثمانية ومستعمراتها. ومع قدوم الاستعمار البريطاني وتحول التقويم الثانوي الى الغريغوري، نشأ اختلاف في التوقيتات مقداره 13 يوم، هي مقدار تأخر التقويم اليولياني عن الغريغوري. لذلك حين تسأل كيف يكون الطقس حارا رغم اننا في شهر ايلول، غالبا ما يقال لك ان ايلول العرب لم يأت بعد، وانه يأتي متأخرا عشرة او احد عشر يوما عن ايلول الغرب. كما ان الكنائس في العراق، وهي التي كانت تضبط السنة الميلادية، لم تتحول الى التقويم الغريغوري كما مر آنفا، ولذلك لم يلتفت العراقيون الى حدوث مثل هذا التغيير الا بعد الاحتلال البريطاني. ومن الممكن انهم لم يسعوا الى تغيير التوقيتات تبعا للتقويم الجديد كجزء من عملية المقاومة للاحتلال.

Monday, January 07, 2008

اشكالية الاعلام الحر في مواجهة اعلام الدولة

عطفا على مقال الاستاذ عبد الزهرة زكي المنشور في المدى (العدد 1119 الصادر في 29 كانون الاول 2007) والموسوم "الاستقطاب والخلافات الحادة تعيق استقلال الاعلام"، اود الاشارة الى قضيتين تمثلان عقبة كأداء في تطور الاعلام كصناعة وتقضيان على امال استقلالية السلطة الرابعة، حتى بعد ان تتحرر البلاد من نير الارهاب والعصابات الاجرامية.

القضية الاولى: اعلام الحكومة
لقد كان تشكيل شبكة الاعلام العراقي نقطة تحول في ايجاد نظام اعلامي غير خاضع لسلطة الدولة وان كان يتلقى تمويله منها، متخذا هيئة الاذاعة البريطانية مثالا يحتذى في هذا المضمار. لكن ظروف توفير التمويل والنزاعات حول تعيين قياداتها متمثلة في رؤوساء مؤسساتها الاعلامية أنحت جانبا الهدف المرجو منها والمتمثل في اعلام مستقل يعمل على اصلاح شؤون الدولة كموسسة شبه دستورية محمية بمفهوم حرية التعبير، لتحدد اهدافا مرحلية طغت عليها الظروف الخاصة والحرب الشرسة ضد الارهاب.
وقد سعت الشبكة فيما يلي الى استقطاب وسائل الاعلام المطبوعة المحلية التي نشأت بعد تغيير النظام والتي كانت بأمس الحاجة الى الاعانات للاستمرار نظرا لغياب التمويل الذاتي من الاعلانات (كما اوضح الاستاذ عبد الزهرة في مقاله). وبما ان القسم الاعظم من صحفيي قبل التغيير كانوا موظفين في وزارة الاعلام المنحلة، وانهم فقدوا مورد عيشهم نتيجة هذا الاجراء، فقد كان تعيينهم على كادر الشبكة يمثل بديلا مناسبا. غير ان ذلك ادى الى عواقب غير حميدة. فقد بدأت الصحف والاذاعات المحلية تفقد خصوصيتها بالتدريج عبر تحولها الى منفذ لسياسة شبكة الاعلام العراقي، بل انها حولت حتى وارادتها المتواضعة الى الشبكة لكي تغطي جزءا من تكاليفها.
ان المطالع لواقع المؤسسات الاعلامية اليوم يستطيع ببساطة ان يستنتج ان تلفزيون العراقية، واذاعة جمهورية العراق، وجريدة الصباح، وقسما كبيرا من صحف المحافظات انما تمثل وجهة النظر الحكومية الرسمية. ويظهر ذلك جليا في تبني القضايا المختلفة في سياق بروباغاندي تعبوي، يبتعد عن النقد البناء والرقابة الدستورية على الاداء الحكومي، ليقترب من لغة التلميع والتبرير والخطاب الموجه الفاقد لاسس التعليم الاجتماعي لمصلحة التغييب الجمعي خلف تهديدات الحفاظ على الكيان والمنجزات.

القضية الثانية: اعلام الطوائف
ربما كان تحول شبكة الاعلام العراقي عن غايتها المرجوة قد دفع اقطاب المعارضة، سواء المعترف بها كأحزاب برلمانية او خارج البرلمان ام تلك التي تبنت العنف وسيلة لتحقيق مآربها غير المعلنة في اكثر الاحيان، دفعها الى تأسيس وسائلها الاعلامية بنفس الهيكيلة تقريبا. فالمتتبعون اليوم يعرفون تبعية كل جريدة او اذاعة او تلفزيون، ويستطيعون ان يحللوا موادها الاعلامية استنادا الى ذلك، رغم انها في الغالب لا تفصح عن هويتها وانتماءها الحزبي او الطائفي. ولعل السبب في اخفاء الهوية لا يكمن في عدم الثقة في الجهة التي تتحدث باسمها بقدر ما يتعلق بالرغبة في مصادرة الرأي والقضية وتصويرها على انها ممثلة لكل العراق. وليس في ذلك من ضير ان تم في النور، وبعد تعريف الانتماءات احتراما لشخصية المواطن، وتقديسا لمعنى الرأي والرأي الاخر.

وهكذا فبين اعلام حكومي موجه، يلمع صورة الاداء الحكومي ويدلس مواطن الفشل فيها، وبين اعلام محكوم بعقيدة الرفض الجازم لكل ما يتأتى من الحكومة، ضاعت المهنية والتبس على المواطن فهم الحقيقة، التي هي قبل ذلك مشوشة بما يكفي لاربكاه، وبالتالي فقد ثقته في معظم وسائل الاعلام المحلية وييم وجهه شطر الصحافة العربية والاجنبية يتخذها مصدرا لمعلوماته، وينصت لتحليلاتها المقتضبة حينا والمسهبة احيانا حول امور كان الاحرى ان تناقش على قناة فضائية او في صحيفة تصدر في العراق.
كل ذلك قاد جيلا من الصحفيين الشباب الى اللجوء الى الوسائل الاعلامية الاجنبية رغبة في تحقيق هدف الاستقلالية والمهنية الذي يصبو اليه اي صحفي جاد. ويجب الاعتراف ان ذلك يسجل تراجعا عن مكتسبات ازاحة النظام القمعي السابق، حينما كان امثال هذا الجيل يغادرون البلاد طمعا في فرصة افضل بشروط اعدل.

Wednesday, October 31, 2007

التطويع السياسي للاسطورة المدنية

حينما تطلع بنو الانسان القدماء الى السماء وجدوا عددا كبيرا من النجوم التي تتفاوت في شدة لمعانها تدور، في تراتبية زمنية سنوية لا تتغير، حول الارض كما بدا لهم. ولما كانت طبيعة البشر التساؤل، فقد افترضوا ان ذلك كله لابد ان يكون له معنى. ولم تكن لديهم اجهزة او مناظير تقرب لهم الكون الفسيح، فقاموا بتجميع النجوم في ابراج ومجاميع سموها اسماء مختلفة واعطوا لكل منها قصة، اضحت فيما يلي اسطورة توضح الغاية والمعنى من وجود المجوعات النجمية، وقبلها وجود النجوم في السماء، وسبب حركة الكواكب نسبة الى النجوم الثابتة. لقد كانت الاسطورة التي ترويها مجموعة المرأة المسلسلة مثلا حقيقة بالنسبة للناس بنفس القدر الذي تكون فيه النجوم ذاتها حقيقية. لم تكن مجرد اسطورة، بل كانت تفسيرا لظاهرة ومشاهدة لم تتوافر لهم طرق قياس علمية قادرة على رصدها.
غير ان الاسطورة ليست متعلقة فقط في امور نجهلها في السماء، بل انها تمتد لتشمل كل ما نجهل، وكل ما يخرج عن حدود علمنا المحسوس او النظري. بل انها تسشتري حتى مع وجود افكار تنظيرية ومحاولات فلسفية لايجاد تفسيرات علمية. فليس العلم المجرد الا ترفا للانسان العادي، وحتى العلم التجريبي بادواته متفاوتة التعقيد ليس الا ميدانا يخوض فيه القلة الذين عليهم ان يشرحوا بابسط العبارات نتائج عملهم، والاكثر اهمية معنى الظاهرة تحت التجربة، والتطبيقات المفيدة لها او كيفية تجنب مساوئها. وربما يلجأ بعض العلماء الى الميثولوجيا في محاولة شرح ظاهرة ما تعزيزا لوجهة نظر او اسنادا لفكرة. فالميثولوجيا التي تضم اساطير قديمة ليست الا تلخيصا لرغبات ومخاوف البشر، ومحاولات اولية لفهم ما يجري ضمن اطار ادراكي موحد.

الاسطورة مخزن الافكار
يمكن قبول فكرة ان الاساطير هي البديل العملي لغياب التفسير العلمي بشكل مبدئي. ولكن يتوجب الحذر في اطلاق مثل هذه الاحكام. ففي العديد من الاحوال تكون القصة الاسطورية موجهة لخدمة غرض سياسي او ديني او حتى اجتماعي. والسبب في ذلك يعود الى قدرة ورغبة البشر على حفظ ونقل وتبادل الاخبار غير المألوفة على وجه الخصوص. والحديث ان امور غيبية تحدث لابطال ضخام الحجم، واكسير الحياة، والرحلات الى عالم غير معروف، وغير ذلك تنقل الفكر البشري الى مستوى مختلف من الوعي، المستوى الذي يحول الواقع المفروض الى خيال مرغوب، ويمنح الافكار التربة الخصبة لتنمو، فمنها مبدع وفاتن وجذاب ومشوق، ومنها ما لايعدو ان يكون مجرد هلوسات. سوف تقوم الخبرة الجمعية بتمييز الغث من السمين، ولن تتناقل الاجيال –اذا تركت لوحدها بدون نتدخل خارجي– الا تلك القصص المحببة التي تشرح وتبين الاسباب الكامنة وراء الاشياء، وتثبت من العبرة التي تحملها انها افضل وسيلة اتيحت للبشر خلال الفترة السابقة لعصور التنوير للتعليم ونقل المعرفة.
وعلى هذا فان الاسطورة تمثل جزءا من كيان الانسان وتراثه، ولن يكون التفسير العلمي لوحده قادرا على منع الايمان بها. بل ان الاسطورة يمكن لها ان تتغلغل في صلب النظرية العلمية لتملأ الفراغات التي لم تستطع النظرية ان تشرحها، او تركتها لحين توفر معلومات اكثر حول الموضوع. الاسطورة مثل الاعشاب التي تنمو لوحدها في اي مكان تقريبا، وتحت اي ظروف. لكن بعضا من هذه الاعشاب مفيد. ومتى ما كان تدخل الانسان واردا، فانه يحاول ان يحد من العشب الضار ويزيد من العشب النافع. وقد وجدت التجربة الانسانية ان هناك طريقة ناجعة في حمل الناس على الايمان بمبدأ او مثال اعلى من خلال تسطيره وتلقينه عبر الاجيال. تلك الاساطير، حتى في عصر غزو الفضاء وشبكة المعلومات الدولية، ليست الا حكمة موجهة تنذر وتحذر من عواقب تصرف خاطيء، او تحث وتبشر بمردود تصرف صائب. ومعلوم ان الخطأ والصواب هنا انما تكتسب معناها من ممارسة المجتمع لها، ومقدار المنفعة او المضرة العامة التي تنجم عنهما. وليس معنى ذلك ان الخير والشر نسبيان، بل ان النفع والضرر هما اللذان ينسبان الى المكان والزمان.
وقبل ان نحاول سبر التأثير السياسي على الاسطورة، سنعرض فيما يلي الى مجموعة من الاساطير الحديثة، التي يطلق عليها ايضا مصطلح الاساطير المدنية Civil Legends ونحاول ان نتفهم الغاية منها والدرس والحكمة التي تحاول ان تطلقها:

السائق الساذج
استأجرت امراة حامل على وشك الولادة سيارة اجرة لايصالها الى مستشفى الولادة. ولانها وحيدة ترجوه ان يرافقها في المستشفى لحين الوضع، ويقبل السائق ان يقدم المساعدة مدفوعا بالشفقة عليها وحبا في فعل الخير. غير ان المرأة تصرح ان والد ابنها المولود حديثا هو الرجل الذي رافقها عند دخولها المستشفى. وتثور ثائرة الرجل الذي يأبى ان يفرض عليه ابنا بهذه الطريقة، فتقوم المرأة بتقديم شكوى الى المحكمة، التي تأمر بفحص خصوبة الرجل. وهنا يأتي الجزء الاكثر تشويقا، وهو ان نتائج الفحص تؤكد ان الرجل عقيم ولا يمكن ان يكون له اولاد. ان ذلك كاف لاثبات برءاته من دعوى المرأة، ولكنه سوف يفتح ابوابا ما كان لها ان تفتح ابدا، فالرجل متزوج وله اولاد وبنات. يحمل الرجل الخبر الذي برأه ليلقيه على زوجته كالصاعقة، والتي لا تجد مناصا من الاعتراف بانه ليس والد ايا من ابنائه.
هذه القصة الاسطورية محبوكة لتنقل لنا العديد من القيم، نوجزها فيما يلي:
1- لايمكنك ان تخبيء سر الى الابد، سيظهر شيء ما في وقت ما يفضحك.
2- لا تثق بالنساء، فالتي تريد مساعدتها قد تفتري عليك، والتي تعيش معها قد تخونك.
3- لا تكن طيبا الى درجة السذاجة، اذا كانت المرأة حاملا مـُقربا فلابد ان هناك من يرافقها سواك.
4- يمكن لحادثة واحدة ان تغير حياتك بشكل ملحمي، بحيث تتمنى لو لم تحدث ابدا. ربما عليك ان ترفض فحص الخصوبة اذا كانت ابا بالفعل، الا ترى نتيجة ذلك؟

الشرطي المتفاني
يمر الناس الواحد تلو الاخر في طريقهم الى الدخول الى المبنى الحكومي المحصن عبر بوابة ضيقة يشرف عليها شرطي يقوم بتفتيش الوافدين بيده. وبينما هو يتفحص احدهم يتعرف الى ملامح حزام ناسف يحمله ذلك الشخص، وبينما يحاول ان ينزع هذا السلاح الرهيب يسارع الانتحاري الى اطلاق الصاعق، فما يكون من الشرطي الا ان يحتضنه ويرمي به ونفسه جانبا ليموت واياه مقللا الخسائر، ان لم يكن بالامكان منعها اصلا.
جوهر القصة ينطوي على المعاني التالية:
1- الانتحاري سلاح لا يمكن تجنبه وان أمكن كشفه.
2- الشرطة متفانون لدرجة التضحية بالنفس ان استوجبت الضرورة.
3- الارهابيون يسبقون القوى الامنية بخطوة واحدة على الاقل تتمثل في استغلالهم للانتحاريين الذين ليس لديهم شيء يخسروه.

البقال اليهودي
جلس البقالون في سوق الخضار متعجبين من تزاحم المتبضعين حول محل البقال اليهودي الذي يبيع الطماطم. ورغم انهم يعرضون نفس النوع وبذات الجودة الا انهم لا يكادون يبيعون شيئا منها. وحينما استطلعوا الامر وجدوا ان البقال اليهودي كان يبيع الطماطم بسعر التكلفة، مما اثار تساؤلات عن الغاية من ذلك، ولماذا يقوم هذا الرجل ببذل جهده في التجهيز والعرض والوزن والبيع ليجد نفسه غير رابح لشيء في النهاية. وفي آخر النهار قرروا ان يواجهوه باسئلتهم ليفهموا ما يجري وكيف لهم ان يتصرفوا ازاء ذلك. وبالفعل توجه نفر منهم عندما اقترب مغيب الشمس ليسألوه عن سبب بيعه المحصول بلا ربح، فاجاب ببساطة: من قال اني لا اربح؟ قالوا: كيف لك ان تربح وانت تبيع بسعر التكلفة؟ قال: الامر بسيط، انا اربح من بيع الصناديق الفارغة! وطالما انه يبيع اكثر من غيره، لانه يبيع ارخص من غيره، فان عدد الصناديق الفارغة سيكون كبيرا وبالتالي سيكون الربح وفيرا.
هذه القصة، التي تحكي عن عصر مميز من التنوع العرقي والديني في العراق، ربما تضمنت الاهداف التالية:
1- قد لا يكون الربح دائما بحسابات تقليدية، عليك ان تكون خلاقا في ايجاد وسائل للتنافس الاقتصادي.
2- الشخص الذكي شخص مختلف، يهودي في هذه الحالة.
3- كما ان الشخص الذكي قد يكون مكروها، رغم الحاجة اليه، تمثلها الكراهة التقليدية لليهود.

هذه ثلاثة اساطير تمثل ثلاثة خطوط: اجتماعي، وسياسي-امني، واقتصادي. ونحن نستطيع ان نجد من تلك القصص امورا مشتركة، نوردها فيما يلي:
1- تشكل الاسطورة الملحمية العنصر الاساس فيها، حيث لا يتوجب تقديم دليل ما على صحة ما ورد فيها.
2- هناك عبرة مستخلصة، تفوق الحبكة الدرامية للقصة، تجعلها محط التركيز والاهتمام، وبما يفوت الفرصة على النقد وحتى التشكيك في امكانية وقوع الحدث بالشكل المروي.
3- انكار وقوع مثل هذه الاحداث لا يغير من الامر شيئا. يمكن دائما تصور وقوعها ولو على سبيل الفرض، وبالتالي فافتراض صحة وقوعها يطغى على ما سواه، ومن ثم تكون غاية الرواية اولى بالاعتبار.

من الاسطورة الى الامثال الشعبية
ان هذه العناصر تشكل معنى الاسطورة وروحها، وتمثل دروسا توجيهية للمجتمع، بمختلف مراحله العمرية، وتمايزاته الاقتصادية، وتنوعه الثقافي وحتى الاثني. هذه الاساطير تمثل احد تجارب المجتمع التراكمية التي تتحول بتقادم الزمن الى امثال تـُقال، ثم تـُشرح فيما يلي بالقصة التي بسببها قيلت. فمثلا يمكن ان يضرب المثل بسائق سيارة الاجرة (ولنطلق عليه اسما ما مثل كريم) فيقال، بعد عقود من السنين: "اكثر سذاجة من كريم السائق"، وعن زوجته: "أخون من زوجة كريم السائق". وربما يذهب الشرطي الشهيد مثلا بالقول: "أشجع من شرطي التفتيش"، واليهودي في الذكاء: "اذكى من اليهودي البقال".

من الاشاعة الى الاسطورة
ان الاسطورة المدنية تمثل حاجة اجتماعية ووسيلة تعليمية غير مؤذية عموما، ما لم تستخدم بشكل واع ومتعمد لاثارة مخاوف وهواجس الناس، بغية السيطرة عليهم وتوجيههم بالطريقة التي يراها مروجوها، سواء كانت السلطة الحاكمة او احزاب او تنظيمات سياسية معينة تسعى للهيمنة على المجتمع في سعيها لتولي السلطة. وهي بذلك تتحول الى ما نطلق عليه الاشاعة، وتضيع القيمة التعليمية والخلاصة المعنوية لصالح اهداف مرحلية وغايات سياسية لا تعيش اكثر من عمر اصحابها. وربما تدوم القصص الموجهة سياسيا اكثر من ذلك بسبب تركزها في عقول الناس وبالتالي تتحول الى اداة سلبية تحبط من العزم، وتثبط الهمم، وتشيع جوا من السوادوية والكآبة والشعور بالذنب والرغبة في جلد الذات، او حتى عقدة النقص الجمعية وتقديس تفوق الاخر كنتيجة لذلك.
هذا الخطر الذي تنطوي عليه مثل هذه الاشاعات التي تتحول الى اساطير مدنية سلبية لا يقل باي حال عن منع التعليم عن الاطفال في المدارس، فهو اضافة الى ذلك، اشاعة للجهل لدى الراشدين كذلك. وفي مجتمع قابل للخضوع بسهولة لمثل هذه الاساطير تكون مسؤولية التنوير ورفع الوعي العام كبيرة من قبل اجهزة الدولة (المبنية ديمقراطيا)، ولكن بنفس الدرجة ايضا على المثقفين والمبدعين ووسائل الاعلام. ونحن نجد ان قسما كبيرا من هذه الفئات اليوم يؤمن بنظرية المؤامرة، التي هي ليست الا انعكاس اخر لاسطورة سلبية لا يمكن التحقق منها ومع ذلك توصل غاية تعليمية مفادها ان الآخر عدو مهما فعل ومهما بذل في سبيل التقرب الينا. وعلى هذا فان مسؤولية المثقف يجب ان تكون نقدية قبل ان تكون (ترديدية)، بمعنى ان الواجب، في ضوء ما تقدم اعلاه، ان نفحص القصص المتواردة، خصوصا الاقرب الينا تاريخا، لنسبر الغاية منها، ونتعرف على اتجهاها العام، وفيما اذا كانت مجرد تجربة اجتماعية تتطور الى اسطورة ومن ثم حكمة ملخصة بلاغيا على شكل مثل او قول ماثور، ام انها وضعت عن عمد متخطية السلسلة الثقافية الطبيعية للمجتمع، ومن ثم تـُسير سياسيا للسيطرة على هذه السلسلة ذاتها واخضاع المجتمع لتوجهات محددة تفرضها قوى داخلية او خارجية او مشتركة بينهما، تعمل على خفض مستوى الادراك والتقليل من حجم المعارضة المحتملة من خلال تغييب الوعي العام. هذه المسؤولية ينبغي ان تكون ذاتية اولا قبل ان تكون تضامنية او تكافؤية. ومع اعتبار الكل منفعلا، فلابد من وجود اجزاء غير منفعلة تماما، تكون لها القدرة على ان تكون فاعلة مقابل اجزاء اخرى قدّر لها ان تكون فاعلة دوما.

Sunday, July 22, 2007

هل من فائدة في رفع سعر الدينار مقابل الدولار؟

يسعى البنك المركزي العراقي، بتوجيه من وزارة المالية، منذ عدة اشهر الى دعم سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الامريكي بالتدريج. وقد اوضح وزير المالية ان ارتفاع قيمة الدينار مقابل الدولار يمثل نصرا ومكتسبا للحكومة، اضافة الى كونه انجازا لوزارته بالذات.
ولا يختلف اثنان ان ارتفاع قيمة الدينار تمثل مؤشر ايجابي لاداء الحكومة لو انه حدث بشكل طبيعي. فالواقع ان سعر صرف العملة في الدول التي تعتمد نظام السوق الحرة يحدده مقدار الطلب والعرض. اي ان العملة تخضع لنفس قوانين السوق كونها "سلعة" معروضة للتداول. لكن الاختلاف يكمن في مدى تدخل الدولة في تقدير سعر الصرف من ناحية تأثير ذلك على "حرية" السوق كقاعدة اساسية لنظام تكافؤ الفرص، وسلطة الدولة ممثلة بالاتجاهات السياسية التي سوف يتاح لها ان تتحكم في اتجاهات السوق، ابتداءا بسعر صرف العملة وليس انتهاءا باسعار الفائدة.
ويقال لنا بين اونة واخرى ان سياسية "تسعير" العملة او تحسين قيمتها تقع ضمن قائمة شروط صندوق النقد الدولي ونادي باريس لتخفيض والغاء الديون العراقية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. وحيث انه لم يتم نشر هذه الشروط او نص الاتفاقية للاطلاع العام، فان معرفة تلك الشروط تبقى حكرا على النخبة ممن اتيح لهم الوصول اليها بطريقة او باخرى. وهذا يعني اننا في الواقع نستقريء تلك الاتفاقيات حسب طريقة عرضها من قبل الحكومة.
وبغض النظر عن الدافع لمثل هذا الاجراء، وعما اذا كانت عملية رفع سعر الدينار "منجزا وطنيا" او "شرطا مفروضا من الخارج"، فاننا سنحاول القاء الضوء فيما اذا كانت تلك العملية تخدم المصلحة الوطنية وتدفع عجلة التنمية المتثاقلة، ام انها عامل اخر في تعطيل الاقتصاد الوطني. ولنبدأ من مبدأ تدخل الدولة في تحديد سعر صرف عملتها. فقد كانت السلطة في النظام السابق تتبع هذا المبدأ منذ توليها زمام الامور نهاية الستينات، وكان ذلك متماشيا مع الفكر الاشتراكي الذي اعتنقه الحزب الحاكم. حيث عمل البنك المركزي على تثبيت سعر صرف الدينار لفترة طويلة، ولم يتح التعامل الحر بالعملة الصعبة الا في اضيق الحدود. وحتى مع اجراء بعض الاصلاحات لاتاحة المجال ام القطاع الخاص في استيراد بعض السلع المطلوبة للاستهلاك المحلي، كان يتوجب عليهم ان يحولوا مبالغ الاستيراد عن طريق البنك المركزي وضمن حدود معينة. وكان يجري تسعير الدينار حسب خطة الدولة. بمعنى آخر ان سعر الدينار في السوق العالمي كان مختلفا (اقل بكثير) عن سعره في البنك المركزي. نشأ عن ذلك ان البضائع المستوردة عن طريق الدينار المدعوم اصبحت مدعومة بالنتيجة، مما ادى الى منافسة غير منصفة مع الانتاج المحلي، وبالتالي انصرف كثير من الصناعيين والمنتجين عن اعمالهم لعدم القدرة على المواجهة. كما تزايدت النزعة الاستهلاكية بسبب رخص البضاعة المطروحة من مناشيء عالمية. غير ان رخص الاسعار كان ظاهريا فقط، وكشف عنه التضخم الشديد ابان سنوات الحصار وتراجع قدرة الفرد على الاستهلاك، واقتصاره على الضروريات، التي كانت هي الاخرى مدعومة من الدولة.
تلك التجربة التي عاشها العراقيون قبل فترة لم تتعد سنوات قليلة، اثبتت ان التحكم في سعر صرف الدينار قاد الى عواقب وخيمة حينما عجزت الدولة عن الاستمرار في تقديم الدعم المطلوب، وعندما واجه الاقتصاد تحدٍ خطير يتمثل في القدرة على تحقيق الموازنة في ميزان الاستيراد والتصدير. لقد شيدت الدولة آنذاك اقتصادها على تصدير النفط، ولم تولي عناية كافية لتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة الحرة.
من ناحية اخرى، فان تقديم الدعم للدينار يعني تخصيص مبالغ مالية هائلة من الواردات الوطنية، كان يمكن استثمارها في انعاش الاقتصاد باقامة مشاريع انتاجية حيوية، بحيث يساهم انتاجها في توفير السلع محليا والتقليل من استيرادها كما يوفر فرص عمل كثيرة تخفف من وقع البطالة وتحيي الامل في المستقبل.
ولكن بدلا من ذلك نرى ان الحكومة الحالية ماضية في هذه السياسة دون اعتبار لاي متغيرات اقتصادية تتفاعل مع تلك السياسة. وكمثال على ذلك، لفنترض ان سعر صرف الدينار بلغ 1250 دينار للدولار الواحد، وقد كان 1470 قبل ستة اشهر، فماذا يعني ذلك؟ ان ذلك يعني ان الدولار انخض بنسبة 15% ، وان سعر السلعة المستوردة سوف ينخفض بنفس النسبة. اي ان الطماطم المستوردة يفترض ان تباع بسعر يقل بمقدار 15% عن سعرها قبل ستة اشهر، بحيث اصبح انتاجها محليا غير مجد واقعا، مع الاخذ بنظر الاعتبار ارتفاع تكلفة انتاج بسبب ارتفاع اسعار الوقود وازمات الكهرباء غير المنتهية. لكن انخفاض سعر الطماطم ليس حقيقي، فالفرق تدفعه الدولة من عائدات تصدير النفط. فيا لسخرية الاقدار كيف يصبح النفط ومشتقاته عاملا في ازدياد همّ المنتجين، فمن جهة ازداد سعره عليهم ومن جهة اخرى قلل اسعار بضائعهم. فاي اقتصاد "صحي" هذا؟
لكننا نلمس ان اسعار معظم المنتجات القابلة للخزن لم يتغير بعد خفض الدولار عن سعرها قبل ذلك. بل ارتفعت اسعار بعض البضائع المستوردة لتبلغ اكثر من ضعف سعر المنشأ كما هو الحال مع الاسمنت مثلا. ويبدو ان السبب في ذلك انعدام ثقة التجار المستوردين في ثبات القيمة السوقية للدينار امام الدولار واحتمالية قيام الدولة برفع القيمة بشكل حاد مما يؤثر على رؤس اموالهم المقدرة بالدولار. فليس من الحكمة في شيء ان يجد المستثمر نفسه آخر العام خاسرا بفرق العملة عن اول العام رغم انه كان رابحا طوال السنة بمقاييس التجارة.
ولتوضيح ذلك، لنفترض ان تاجرا لديه رأس مال مقداره مليون دولار ويرغب في استيراد السمنت. فمن الطبيعي مثلا ان يفترض هامشا ربحيا مقداره 10% (هامش الربح في الواقع يعتمد على مقدار رأس المال المستثمر، ومقدار الطلب على البضاعة، والمنافسة التجارية لتوفيرها، اي قانون العرض والطلب). فاذا كان الدولار فقد 15% من قيمته امام الدينار خلال ستة اشهر، فان توقع انخفاض مماثل لا يكون امرا عسيرا. اي ان هذا التاجر ربما يتوقع ان يخسر 30% من رأس ماله (بالدولار) خلال العام، فاذا اضفنا هامش الربح الذ كان يتوقعه اصلا، فلن يكون مبالغا اذا وضع هامش ربح مقداره 40%. وبالتالي فان سعر البضاعة في السوق المحلية ارتفع بمثل هذه النسبة. طبعا الامر يشمل التجارة الداخلية ايضا طالما انها مقدرة بالدولار هي الاخرى. اما عامل المنافسة بين التجار المستوردين فلن يكون له تأثير كبير، اذ انهم جميعا يواجهون نفس الظروف من ناحية احتمالية انخفاض سعر صرف الدولار. ستكون منافستهم منحصرة فقط في تقديرهم لهذا الانخفاض.
اما الحديث عن ظاهرة "الدولرة" فلا يعدو ان يكون عاطفيا او مثاليا لا يمت الى الواقع بصلة. فقد حلّ الدولار الامريكي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مرتبة العملة الاولى المعتمدة عالميا نظرا لقوة الاقتصاد الامريكي بالمقارنة مع اقصاديات الدول الصناعية الغربية الاخرى. وعلى هذا فالامر ليس متعلقا بالعراق او بالدينار، حتى يمكن وقف، او الحد من التعامل بالدولار. واذا كان بالامكان ان نجعل للدينار موقعا عالميا او اقليميا مميزا، ففي اقل تقدير يجب ان لا يربط بالدولار عن طريق التسعير المبتسر، او السيطرة الحكومية على اسعار الصرف. ومن الجدير بالذكر ان سعر صرف العملة المحلية امام الدولار وغيره من العملات الاجنبية لا يعكس قوة اقتصاد البلد. فالدينار الكويتي يعادل اكثر من ثلاث دولارات، بينما يبلغ سعر الدولار 3.75 ريالا سعوديا، مع ان اقتصاد كلا البلدين يُعد قويا (نتيجة واردات الثروة النفطية واستخدامها في الاستثمارات طويلة الامد).
اذن من المستفيد من رفع قيمة الدينار؟ اذا كان الجواب هم طبقة الموظفين وذوي الدخل المحدود، فسوف يكون ذلك تجريدا وتعسفا. فهؤلاء يمثلون الشريحة الاستهلاكية الاكبر في السوق، وبالتالي فان تشجيعهم على الاستهلاك سوف يقلل من القدرة على تحقيق موزانة تجارية بين الواردات والصادرات. وفي ظروف مثل التي يمر بها العراق، يبدو ان الافضل ان تعمل الدولة على عكس العملية لتصب في مصلحة الصادرات (الامر الذي لا يبدو ان الدولة توليه اي اهتمام يذكر).
اذكر ان العملة اليابانية (الين) ارتفع سعر صرفها امام العملات الاخرى فجأة اواسط التسعينات. وقد بلغ سعر الصرف قرابة الضعف امام الدولار آنذاك. وقد يبدو ذلك جيدا، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة للحكومة اليابانية التي تعتمد في عائدتها على تصدير المنتجات الصناعية الرخيصة نسبيا. ومع انخفاض سعر الدولار سوف ترتفع اسعار تلك المنتجات مما يقلل من قدرتها على المنافسة عالميا. وقد عمدت المصارف الحكومية على طرح كميات هائلة من الين للتداول لخفض قيمته واعادته على القيمة السابقة لتحقيق استقرار في سوق الاعمال وميزان الاستيراد – التصدير. طبعا لم تعمل الحكومة اليابانية على تحديد سعر الصرف، بل اتبعت نظام السوق في العرض والطلب، واستخدام احتياطي النقد لديها الذي لم يأت من تصدير ثروة طبيعية.
من جانب آخر، يدّعي المسؤولون الحكوميون ان الدافع لرفع سعر الدينار مقابل الدولار يكمن في ارتفاع معدل التضخم، ويحاولون اقناعنا ان التضخم سوف يزول او يقل باتباع هذا الاجراء. غير انني اعتقد ان ذلك مجرد تبرير، اذ ان التضخم هو ناتج طبيعي لانحراف الميزان التجاري نحو الاستيراد وخروج العملة الصعبة بدلا من دخولها عن طريق التصدير. وبالتالي فان كمية المعروض من العملة الصعبة يكون اقل من الطلب مما يرفع سعرها كأي بضاعة اخرى. واذا ارادت الدولة ان تحد من التضخم، فيجب ان ترعى عملية اصلاح اقتصادي شاملة تتضمن تشجيع الانتاج المحلي وتخفيض الفائدة على القروض المصرفية، واستغلال القدرات البشرية لاحداث نهضة زراعية وصناعية كبرى. ومن الواضح ان هذه الاجراءات معقدة وشائكة وتتطلب الكثير من الجهد والتنظيم والتطوير، بعكس قرار بسيط بتحويل جزء من واردات النفط لشراء الدولار وبيعه لاحقا بسعر اقل، للايحاء بان الدولة قد حدّت من التضخم، محققة بذلك انجازا اعجازيا!
وحتى على هذا الفرض، ما هي الضمانات ان واردات النفط ستكون كما هو متوقع؟ اذا نحينا جانبا عنصري التخريب والفساد الاداري في ادارة هذه الثروة الوطنية، اليس واردا ان يحدث انخفاض كبير في سعر بيع برميل النفط، بحيث يقل عن التوقعات الدنيا؟ فماذا سيحدث عندذاك؟ اذا عجزت الدولة عن دعم الدينار، متيحة لدورة السوق ان تأخذ مجراها، فلاريب ان سعر الدولار سوف يشهد تصاعدا صاروخيا، مسببا تضخما نقديا قد يكون من الصعب السيطرة عليه بسبب العامل النفسي للغلاء، والرغبة في الاقتناء خوفا من تصاعد محتمل في الاسعار.
وعلى كل حال قد يكون وجود نسبة مئوية بسيطة من التضخم سنويا امرا حميدا، حيث يدفع بالمواطن الى الاستثمار في السوق المحلية لتنمية المدخرات بدلا من الاقفال عليها في الخزنات باعتبار انه اذا لم يكن هناك تضخم فان قيمتها تزداد مع الزمن حتى مع عدم تشغيلها. وهذا هو الامر مع الدولار نفسه، حيث نشهد تراجعه امام عملات اخرى سنة بعد سنة، دون ان نرى تحركا جديا من الحكومة الامريكية لوقف هذا التراجع (بالاضافة الى عوامل محلية ودولية اخرى تخدم الادارة الامريكية في وضع الدولار "الضعيف").
اننا لا ندعو هنا الى رفع يد الدولة كليا في هذه المرحلة، ولكننا لا نرى اية فائدة من تدخلها المباشر لصالح الدينار. ونحن ندرك ان الحكومة الحالية ورثت اقتصادا منهكا وديونا دولية طائلة. لكننا نعتقد في الوقت ذاته ان بامكان الدولة ان تتبع اجراءات على المديين المتوسط والبعيد من اجل تحقيق نهضة اقتصادية كفيلة بتحسين وضع العملة ليس من ناحية سعر صرفها فحسب، وانما من ناحية الطلب عليها ايضا. سيكون من المشوق ان نرى يوما نستورد فيه بضائعنا، من دول الجوار على الاقل، بعملتنا الوطنية، لانهم يقبلون التعامل بها. سيكون ذلك افضل بكثير من ان يُعادل الدولار بالف دينار بينما يكون سعر البضائع المستوردة هو نفسه او اكثر من سعرها حينما كان الدولار بالف وخمسمائة او الفين دينار عراقي.

Tuesday, July 03, 2007

خواطر امام محطة لتعبئة الوقود

في احد صباحات حزيران القائضة، قررت ان اذهب بسيارتي الى محطة تعبئة الوقود لكي اعيد ملأ الخزان الذي شارف على استنفاد محتواه. وقفت في الطابور منتظرا، مرة اشعل سيجارة، وتارة ابتاع قنينة مشروبات غازية، لكن الطابور لا يبدو انه يتحرك. واخيرا عزمت على قضاء الوقت بشيء استمتع به اكثر. سوف اكتب مقالا في خاطري، لانني لا استطيع فعل ذلك من دون لوحة مفاتيح وشاشة وهاجة. طبعا سيكون المقال نتيجة لتأثري بوضع شاذ: الوقوف لساعات طويلة امام محطة التعبئة طلبا لبضعة غالونات من البنزين. اقول ان الوضع شاذ، لاني لا اعرف بلدا آخر يكون فيه وقود السيارة بمثل هذه الاهمية بحيث يصبح شغل الناس الشاغل على مدى عدة اعوام. وطالما قلت انه همّ الناس فقد نقلت مقالي الى مستوى اعلى: كفاءة الاداء الحكومي.
خطر لي ان ابدأ مقالي بعبارة ذات وقع مؤثر في النفس مثل: "يمكن اعتبار مؤشر خزان الوقود في سيارتك، مؤشرا على نجاح الحكومة او فشلها"، لكنني سرعان ما ثنيت نفسي عن ذلك، لان الحكومة قد تكون ناجحة في توفير بعض الخدمات الاساسية، او فاشلة في البعض الاخر. فلا يمكن ان نقيس قدرتها على فعل شيء او عدمه على انه مقياس لكفائتها ككل. لكنني لم اتستطع مقاومة اخذ مثل هذا المقياس بعين الاعتبار، لانه في الحقيقة اساسي لدرجة ان معظم الخدمات متعلقة بشكل مباشر او غير مباشر بتوفير الوقود. وبدأت افكر في مقياس آخر يكون له نفس الوقع، فخطرت لي عبارة: "ان نجاح الحكومة مرتبط بقدرتها على توفير الكهرباء، نصف الوقت على الاقل". وبدا لي ذلك منصفا، حيث ان الكهرباء، شأنها شأن وقود السيارات، يمثل عصب الحياة الحديثة، وذلك غني عن البيان. ولكني مرة اخرى ثنيت نفسي عن مثل هذه المسلمات. اذ لا يُعقل ان تعلق قدرة الحكومة، ذات النيف وثلاثين وزيرا، باكملها على امكانية بعض وزاراتها على تقديم الخدمات الضرورية، حتى وان كانت هذه الخدمات اساسية بدرجة يستحيل تصور الحياة بدونها. وهكذا رحت افكر في عبارات اكثر شمولية: "ان نجاح الحكومة مرتبط بقدرة مفاصلها الخدمية على تسيير عجلة الحياة اليومية". فالخدمات الصحية والبلدية والتعليمية، فضلا عن الطاقة والاتصالات، هي ما يهم المواطن بشكل مباشر وتؤثر في راحته ورزقه وتخطيطه لمستقبله.
ولكن مرة اخرى بدت هذه الفكرة قاصرة طالما انها اهملت اهم عامل يؤثر في حياة الناس ويقض مضجعهم، فعزمت على ابتداع عبارة اخرى تقول: "ان اداء الحكومة يقاس بقدرتها على حماية مواطنيها من اي اعتداء داخلي او خارجي". هذا مذهل، فان استطاعت الحكومة توفير الامن فان مقياس ادائها سيكون –لا شك- مرتفعا. لقد وقعت اخيرا على تعميم جيد. لكنه ليس جيدا بما فيه الكفاية ليتصدر المقال، فالناقد سوف يتصدى له بالقول: "لا يمكن قياس اداء الحكومة بالامن، اذ انها جاءت في ظل ظروف امنية خاصة، ولذلك يتطلب الامر وقتا وجهدا لكي تتمكن من ان تـُقارن بالحكومات العادية". وهذا –للاسف- كلام منطقي، ولا اجد له ردا.
"كلما قلّ فساد الدوائر الحكومية، كلما ازدادت كفاءة الدولة في توطيد اركانها وفرض سلطتها واحلال مبدأ سيادة القانون". لابد ان هذه العبارة تشكل تعميما افضل من سابقه طالما كان الخرق الامني يعود بالدرجة الاساس الى فساد اداري ضمن وزارات الدولة، وضمن مفاصلها الامنية تحديدا. لكنه مرة اخرى مردود بان الفساد الاداري ثقافة تربينا عليها وليس من سبيل الى التخلص منها في هذا الجيل. ونحن –واقعا- لا نعمل شيئا لنحارب هذا الوباء، فكيف نعتبره مقياس اداء اي حكومة؟
وتركت الافكار تنسال الى خاطري، حتى قدحت لي عبارة جديدة، اتصور انها ستغطي كل شيء، وستكون حل جميع المعادلات: "قدرة الحكومة وادائها متعلقة اساسا بامكانية تحقيق توافق سياسي يرضي، بدرجة مقبولة، جميع الاطراف ذات العلاقة". اليس هذا استنتاج معقول؟ اليست المشكلة (سياسية) وليست (امنية) كما يتردد بين الحين والحين؟ اذن يجب ضبط المؤشر الان على هذا الاداء، لنرَ كيف ستكون قراءته. اقترح ان تتصور عزيزي القاريء مؤشرا مشابها لذلك الموجود على لوحة القيادة في سيارتك، بالذات مؤشر خزان الوقود. هناك علامة تشير الى وضع الخزان الممتليء، وثانية الى وضع الخزان نصف ممتليء، واخرى بخط احمر تحثـّك على اعادة تعبئة الخزان. يوجد ايضا مصباح احمر ينذرك بان الخزان يكاد يكون فارغا تماما. والان عزيزي القاريء، اين تضع مؤشر اداء الحكومة سياسيا؟ لو كان جميع اعضاء مجلس النواب يحضرون جلساته (لا يقاطعون ولا يتغيبون)، ولو كان مجلس الوزراء مكتمل عدد الوزراء، لكان بامكاننا ان نضع المؤشر على ممتليء. ولو استغرق اشغال المقاعد الفارغة في مجلس الوزراء شهرا او شهرين فقط، لكان وضع المؤشر على نصف ممتليء منصفا. غير انه طالما كان لكل حزب او كتلة سياسية وزارة ما، علاوة على حصته من البرلمان، بحيث ان من غير الممكن عمليا تغيير وزير بسبب عدم الكفاءة، او اعتقال آخر بسبب تهم تتعلق بالارهاب، فلايمكن ان يكون المؤشر الا في مكان قريب من وضع الحث على اعادة تعبئة الخزان.
اعرف انك ربما ستقول: يجب ان يضيء المصباح الان. ولكني حقيقة لا اعتقد ان هذا المصباح سيضيء يوما. فقد اضطررت هذا الصباح الى ان انقل القمامة بسيارتي الشخصية مسافة لا بأس بها حتى اجد موقع ملائم لرميها، خارج المدينة. وحينما اصيبت زوجتي بوعكة صحية طارئة قبل ايام مما استدعى نقلها قبيل الفجر الى المستشفى، اكتشفت ان الطبيب هناك يعطي وصفة واحدة لكل المراجعين. وسوف تكون محظوظا ان وجدت حتى هذا العلاج البسيط الشامل في صيدلية المستشفى. ان صحة زوجتي مهمة جدا، ليس فقط لانها راعية البيت، ولكن ايضا لانها من يقوم بمهام تدريس الاولاد الذين يذهبون الى المدرسة ويعودون منها دون ان يتعلموا شيئا. معذرة، ربما تعلموا شيئا، مثل القول: اريد بطاقة شحن لهاتفي المحمول، التي لم نكن نعرف عنها شيئا عندما كنا بمثل عمرهم. فخدمة الاتصالات الارضية كانت اكثر من كافية.
نعم، توقفت معظم مصانعنا عن الانتاج لشحة الكهرباء والوقود، واصبحت اسعار سيارات الاجرة باهضة، وتمثل شريكا في راتب الموظف واجرة العامل، المضطرين الى الذهاب يوميا الى اعمالهم، متجولين بين عبوات ناسفة ومفخخات، ان لم تتوقف وسيلة النقل التي تحملهم بضعة ساعات عند نقطة تفتيش بسبب اشتباكات مع مسلحين. وصحيح ايضا اننا اصبحنا نستورد معظم احتياجنا من الخضر والفواكه من دول الجوار، رغم اننا بلد زراعي منذ قديم الزمان، قبل ان نتحول الى بلد نفطي فاقدا لمشتقاته معظم ايام السنة. كما لا يمكن انكار اننا لم نكن يوما بلد صناعي حقيقي حتى نفقد مثل هذه الصفة بسبب عدم قدرة الحكومة على توفير الكهرباء والوقود.
نظرت الى مقياس خزان الوقود وانا اقف في طابور الانتظار امام محطة التعبئة وهالني ان ارى المصباح وقد اضاء. يا للهول، ان لم اتمكن من مليء خزان الوقود هذا اليوم، فكيف ساعود بسيارتي الى البيت حيث ستقف في مرآبه الى يقضي الله امرا كان مفعولا؟ وفكرت من جديد ان الفكرة الاولى التي قدحت في بالي ربما تكون الاصح: "يمكن اعتبار مؤشر خزان الوقود في سيارتك، مؤشرا على نجاح الحكومة او فشله". هذا هو الحال على الصعيد الشخصي على الاقل. فان نجحت في رفع مستوى مؤشر خزان الوقود في سيارتي هذا اليوم، فساعتبر هذا اليوم ناجحا، على خلاف العادة. وان لم انجح، فهو فشل آخر.

Wednesday, April 11, 2007

دعوة لمنع نهب أموال الشعب العراقي

نشرت وسائل اعلام عراقية قبل ايام نص مشروع القانون المعروض على مجلس النواب والخاص بحقوق وامتيازات رئيس ونواب وأعضاء مجلس النواب. وقد أعطى هذا القانون المقترح من الحقوق والامتيازات لـ(ممثلي الشعب) وأسرهم وحماياتهم ما يثير العجب العجاب، ويثير السؤال فيما إذا كانت القضية لا تعدو أن تكون (كذبة نيسان) ولكن بعد أسبوع من موعدها. لكننا لا نستطيع حتى ان نذهب إلى هذا الافتراض، لان مجلس النواب لم يعودنا على المزاح، بل على العكس من ذلك، كان أعضاؤه في غاية الجد كلما حانت لهم طلة على شاشة فضائية. كما إن هذا المجلس، وريث الجمعية الوطنية السابقة، خليق بان ينتهج نهجها، ويحتسب لأعضائه امتيازات لا تقل عما احتسبت. الم ينل أعضاء الجمعية الوطنية راتبا تقاعديا لا يقل عن ستة ملايين دينار مدى الحياة لخدمة فعلية لم تتجاوز العشرة أشهر؟ الم تنفق تلك الجمعية على أعضائها من خزينة الدولة المليارات من الدنانير تحت مسميات شتى مثل (تحسين الوضع الاجتماعي للأعضاء) في الوقت الذي تزداد المعاناة اليومية لإفراد الشعب، سواء المُعسر منهم أو المُيّسر؟ وحينها قلنا جمعية جاءت في غفلة من الزمن وسيأتي خير منها. لكن مجلس النواب كان (خير) خلف لـ(خير) سلف. وما كان في الأمس يدور في الخفاء تسترا أصبح اليوم على رؤوس الأشهاد. وربّ قائل وما الضير في تعويض مادي، مهما كان كبيرا، لمن نذر حياته في خدمة الشعب. وذلك قول حق، سوى أن هذا المنطق يجب أن يتعدى ليشمل كل من (نذر) حياته. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الشرطي الذي يقف في نقطة التفتيش دون أن يعلم متى ستنفجر عليه سيارة مفخخة. ومنهم العسكري الذي يقتحم أوكار الإرهاب غير مبال بحياته في سبيل تخليص الأمة من هذه الآفة. ومنهم الصحفي الذي لا يدري متى يُدرج على قائمة التصفيات لان ما يوثـّق قد لا يعجب (بعضهم). ومنهم الموظف في دائرة خدمية أو إنتاجية والذي يواظب على دوامه رغم التهديد اليومي في الطريق من عبوات ناسفة واشتباكات ومداهمات وما إلى ذلك. نعم، حتى الكاسب في متجره والعامل في مصنعه، والطالب في مدرسته، والأستاذ في جامعته، بل حتى ربات البيوت في مهاجعهن يمضين اليوم في تربية الأولاد وتهيئة المنازل غير عالمات متى ستقطعهن إربا قذائف صاروخية زاغت عن أهدافها، أو لربما أصابت أهدافها بالفعل. فهل يحق لأعضاء مجلس النواب امتيازات تزيد على امتيازات الشهداء، من الأساتذة المغدورين، الذين امضوا حياتهم في التعليم والتعلم من اجل وطن أكثر علما؟ وهل يحق لهم أن ينالوا أكثر من الذين اختطفوا وذبحوا والقوا إلى المزابل لأنهم من هذه الطائفة أو تلك؟ هل نعطي الأعضاء المحترمين أكثر مما نعطي الشهداء؟ أليس هؤلاء الشهداء هم من وضعهم تحت تلك القبة وأجلسهم على هذه الكراسي؟ فكيف نجعلهم تحت أقدامهم، ونوافق على تبجيلهم وكأنهم لا سابق لهم، ولن يتكرروا على مدى الدهور؟ حسبي الله. لكن واضع الشريعة –جلت قدرته– غير غافل عما يعلمون. وقد قال قارون: "إنما أوتيته على علم عندي" حينما رآى انه امتلك كنوزا "ما إن مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولي القوة". وهذه دلالة على شعور الانسان بالتمايز فقط لأنه امتلك مفتاح لسلطة أو مال. فما كان من قارون إلا أن "خسف الله به وبداره الأرض". "فما بال هؤلاء القوم لا يفقهون حديثا". حسبي الله، عليه توكلت واليه أنيب. أما وقد توكلت على الله، فهذه دعوة لأبناء هذا الوطن الأبي وان كان جريحا، العزيز وان كان مستباحا. هذه دعوة لمن ضحى بدمه وحياته، وخرج خائفا يترقب يوم الانتخابات ليعلن رفض الخنوع للظلم، وليسمح لشمس الحرية أن تبزغ. هذه دعوة للأحرار أبناء الرافدين أن يهبوا فيحموا مالهم ورزقهم، ويمنعوا النهب العلني لمقدراتهم، وان يمارسوا الديمقراطية كما عُرفت أول مرة، من خلال التصويت الفردي على كل قرار أو قانون، لا أن يركنوا إلى مجلس انتخبوه فقط. هذا المجلس الذي يعجز عن مناقشة مشكلة اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، ناهيك عن حل المعضلات الأمنية والسياسية، قد بدأ بالتخلي عن مشروعيته الشعبية منذ أن بدأ يفكر في أضيق الحدود، في المصلحة الشخصية ضمن نطاق العضو وأسرته ومن أسعفه الحظ فكان في حرسه الشخصي. أوجه دعوتي هذه راجيا أن يساندها –سلميا– المثقفون والسياسيون والأساتذة والصحفيون فضلا عن عامة الشعب الكريم. مساندة تكون بالقلم والفكر، وبالنقاش والحوار، لا بالمظاهرات الصاخبة، أو ألأعمال العشوائية والعنيفة. نحن شعب حضارة وقانون منذ القدم، وعلينا أن نلتزم مبادئ حضارتنا قبل أن ننحدر إلى أفعال هوجاء لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي رأيي فان أول شيء يتوجب فعله هو أن ندعو إلى تعديل الدستور بما يمنع مجلس النواب من الانفراد في القرار، طالما أنه اثبت أنه قد يفعل خلافا لما يريد الشعب الذي انتخبه. يجب إضافة مادة تفصيلة إلى الدستورتحدد بالضبط ما لا يستطيع الجسم التشريعي فعله، وبالمثل الجسمين التنفيذي والقضائي، بدون استفتاء شعبي. ومثل هذه العودة إلى الشعب –لاشك– أمر صحي تعيد إلى الناخب دوره في التشريع، وتمنع المُنتخب من الاستحواذ على هذا الدور. ثم علينا بعد ذلك أن نخضع كل مسؤول في الدولة إلى المساءلة، ليس فقط من يقعون تحت طائلة القانون، بل أيضا من يُشرعون هذا القانون. يجب أن يكون لدينا نظاما محكما للشفافية يضمن أن يُسئل كل عضو في مجلس النواب –مثلا– عن سبب تصويته على أي مشروع قانون سواء كان معه أم ضده. إن أعضاء مجلس النواب ليسوا وكلاء الشعب بل نوابه. ومن حق الشعب –صاحب السيادة– أن يعلم كيف ولماذا يتم وضع التشريعات، ومن يستفيد منها، كما إن من واجب النائب أن يشرح لمن أنابه كل ما لـَبـِس عليه، وان يقدم له كل ما يحتاجه لكي يضعه في الصورة الحقيقية.
وأخيرا، أنا أدعو أن تكون جميع جلسات مجلس النواب –بدون استثناء– علنية، وان اقتضى الأمر تعديل الدستور لضمن ذلك. إذ لا يمكنني التفكير بأي سبب لجعل الجلسات مغلقة أو سرية إلا أن يكون لحجب المعلومات عن الشعب. وحتى الاحتجاج بالوضع الأمني ليس كافيا، إذ أن المجلس إنما يناقش قضايا عامة، وليس إجراءات محددة كالخطط الأمنية او التدابير العسكرية وما سواها، والتي يُخشى تسربها فتفشل وتنهار. وقبل أن أدعكم بسلام، أشير إلى انه في إحدى الدول الديمقراطية ينص القانون على أن راتب عضو المجلس يعادل دولار واحد فقط، إقرارا بأنه يستحق راتب لخدماته، غير انه يجب أن لا يثري على حساب المال العام (وهي بالمناسبة إحدى شروط الترشيح لمجلس النواب، إلا أنها وردت بصيغة الماضي!)

Wednesday, November 29, 2006

من يدفع الثمن.. وعن ماذا؟

في التاسع عشر من تشرين الثاني، وفي الساعة السابعة صباحا تحديدا، انفجرت سيارة ميني باص نوع كيا مفخخة محملة بكمية هائلة من المتفجرات في ساحة تجمع العمال الرئيسة بمنطقة باب الحسين في مدينة الحلة. تسبب الانفجار في استشهاد 26 شخصا وجرح ما يزيد على اربعين آخرين. وتفيد الرواية الرسمية بان انتحاريا (من جنسية عربية-غير عراقية) قد اقترب من العمال طالبا تشغيل عدد منهم، فما كان من هؤلاء المساكين الا ان تهافتوا عليه راجين اختيارهم للعمل في ذلك اليوم ليقوم الانتحاري بتفجير نفسه والعمال المتجمعين حوله موقعا اكبر عدد ممكن من الضحايا.
غير ان روايات اخرى قدمها شهود تفيد بان الشخص لم يكن انتحاريا، وانما هو عراقي عمل على تجميعهم في مكان واحد مؤملا اياهم بفرصة العمل، ثم انسحب متذرعا باه سيجلب معدات يحتاجها في العمل وحينما ابتعد بما فيه الكفاية فجّر السيارة لتقتل او تصيب جميع العمال الذين تجمعوا حولها.
وعلى كلا الاحتمالين، فان بصمات القاعدة تظهر واضحة على هذه العملية، التي تصنف تحت القتل الجماعي الطائفي لمصلحة الجهاد في سبيل الله وتحرير الارض من الاحتلال الامريكي. وهي تشير بوضوح الى امكانية تغلغل عناصر القاعدة الى اي مكان في العراق، وتنفيذ العملية تلو الاخرى، بنفس الاسلوب تقريبا. اذ لا يعقل ان تستهدف مناطق تجمع العمال المرة تلو الاخرى، طوال الاعوام الثلاثة الماضية، بنفس السيناريو دائما: شخص غامض يأتي ويطلب العمال، يتجمع الضحايا، تنفجر السيارة او العبوة. فاما ان يكون الناس طيبون الى درجة البلاهة، او ان هناك عاملا مهما لم يتم أخذه في الحسبان. وقد حدث ان احتجت الى تشغيل عدد من العمال ذات مرة، وقد رأيت كيف تجمعوا حولي راجين تشغيلهم، ولكني لم استطع ان اوقف سيارتي بسهولة وسطهم، فقد طـُلب مني الابتعاد بها، تحسبا لاي احتمال.. كما انني لم ابدُ لهم كمن يفكر في الانتحار او يدبر عملية لقتلهم. لقد كانوا واعين تماما لمن يتكلمون آخذين الحركات والسكنات في الاعتبار.
لم يتسن لي ان اقابل جرحى الحادث، او شهود عيان مباشرة، رغم محاولتي ذلك. ولا ادعي هنا ان ما اكتبه هو تحقيق صحفي قائم على افادات من ذوي العلاقة. بل انني اسعى الى فهم قصة اقرأها باستمرار عن عمليات تستهدف المدنيين، خصوصا التجمعات البشرية، مثل الاسواق ومجالس العزاء و(مساطر) العمال. وفي كل مرة نسمع بوقوع مثل هذا الحادث الاجرامي تتواتر الروايات بان الانتحاري او قادح الصاعق قد استطاع التغلغل بسهولة نسبية وسط هذا التجمع، الذي يبدو منفعلا لا دور له في تلك الاحداث.
نعم، يتوافر لدى المنفذين عنصر المفاجأة، وبالتالي قد لا يتاح للضحايا الوقت الكافي لادراك ما يجري فضلا عن اتخاذ اجراء ما لوقفه او الحد من أثره. لكن ذلك لا يعني، للاسف، الا ان المنفذين لديهم القدرة الكاملة على تحقيق مثل تلك المفاجأة. وتلك القدرة لا تمثل خرقا امنيا فحسب، بل هي خرق اجتماعي واقتصادي وثقافي فضلا عن الاختراق السياسي، الذي يمكن عده سبب كل تلك الويلات. اذ لو كان المجتمع واعيا بحق، لما وجد المتسللون تربة صالحة لغرس نبتتهم المسمومة. فمنذ سقوط الطاغية كان معظم الجدل الاجتماعي ضمن تركيبة المجتمع العراقي ينصب على نظرية (المظلومية السابقة) والمسؤولية عنها بدلا من التوجه نحو الفرص الجديدة في العدالة الاجتماعية، التي هي في الواقع اقتصاص عادل للحيف والجور الذي عانى منه معظم الشعب العراقي بكافة اطيافه. وقد تسبب تركيز التفكير على (المظلومية) في زيادة الاستقطاب الطائفي والعرقي على اساس تحميل الاخرين مسؤولية ما جرى. لم تكن تصفية الحسابات تجري وفق اصول قانونية وعبر منافذ رسمية، بل سُمح ضمنا بالاقتصاص الفردي، مما اضعف سلطة الدولة، وافرغ الدوائر الامنية والقضائية من مسؤوليتها المباشرة.
وحينما فشلت الدولة في فرض هيبتها بمنع التصرف الفردي والتصدي له، بل وغض النظر عن تلك الممارسات، تداعت سلطتها على الشؤون الاخرى. فمن المضحك ان تسجن مرتشيا، سرق بضع ملايين من الدنانير (او الدولارات-لا فرق) وتترك قتلة يجوبون الشوارع و(يطبقون) القانون بايديهم، ان شئت. وما دام القتل جائزا تحت مسميات معينة، فهو جائز تحت كل المسميات. لو وقع عليك حيف في وقت ما، واتيح لك الاقتصاص فماذا تفعل؟ اجريت لقاءا صحفيا بعد سقوط النظام مع احد ضحاياه وقد تم قطع لسانه. ووجهت اليه ذلك السؤال، فاجاب: "سابحث عن المخبر الامني في المنطقة التي كنت اسكنها والذي قام بالتبليغ عني حينما تكلمت بالسوء عن وحشية النظام البائد، مما ادى الى الحكم بقطع لساني". لقد كان ذلك المخبر سببا في المزيد من المصائب للعديد من الناس الذين ربما لا يتاح لنا التحدث اليهم. ولكن كيف سنعلم انه بالفعل هو من قام بذلك؟ وما هو دور الاخرين الذي ساهموا في ايقاع الضرر على الضحية هنا؟ وماذا بشأن القانون نفسه الذي سنه نظام صدام والقاضي بقطع اللسان لمن يتكلم بالسوء عنه؟ لقد توانت المحاكم اولا، ومن قم القوات الامنية، عن اتخاذ اجراءات لتقديم المتهمين الى العدالة. وفيما عدا صدام نفسه وبضعة من اعوانه قدموا للمحاكمة في قضيتي الدجيل والانفال، لم نسمع عن محاكما اخرى على اي مستوى.
ان الفشل في بسط سلطة الدولة هو في الحقيقة اعلان صريح عن غيابها وفتح الباب لذوي المصالح الخاصة، مهما تكن عقائدهم وانتماءاتهم في الحلول محلها. وساعد التطاحن السياسي على اشاعة وتغذية الاصطفاف الطائفي، مستفيدا حينا من الهواجس الجمعية لدى الشرائح المختلفة للشعب العراق، ومسببا في الواقع تلك الهواجس احيانا اخرى. وفي ظل الانهيار الكامل لكافة مرافق هذه الدولة الهزيلة، فليس من المستغرب ان تعلن القاعدة قيام امارتها، وارسال رسائل تحذيرية لمناوئيها. وطالما ان العراق يمتلك طبيعة جغرافية مختلفة تماما عن افغانستان، فمن غير المعقول ان يتحول الى مأوى للقاعدة فقط لان لديها بعض الاتباع في البلاد. ومن المعلوم ان الطبيعة الجبلية في شمال العراق، والتي يمكن ان تساعد القاعدة على التخفي بين الكهوف والوديان كما هو الحال في افغانستان، لم تستقطب القاعدة اليها بسبب افتقاد عنصري الاسناد الاجتماعي والثقافي الضروريين لاخفاء نشاطات منظمة مثل القاعدة. هناك صمت عن ما يجري في بعض المدن العراقية على مختلف المستويات الرسمية وغير الرسمية، ناتج عن صمت عما جرى ويجري في مدن اخرى تحت عنوان المظلومية.
انفجرت السيارة المفخخة وسط تجمع العمال، هذه هي الحقيقة الوحيدة التي نعلمها. نحن نجهل ما اذا كان التفجير انتحاريا، او عن بعد. نجهل كيف دخلت السيارة وكيف توقفت هناك. نجهل الحوار الذي دار قبيل وقوع الحدث. وجهلنا ليس بسبب غياب الشهود وفقدان الوقائع، وانما بسبب غياب وعينا. وما لم نستحضر الوعي مرة اخرى، ونحكم العقل والقانون، فلا يعلم الا الله الهاوية السحيقة التي سننجر اليها. ومن اكثر الحقائق مرارة، ان المظلومين جروا على انفسهم المزيد من الظلم باتخاذهم سواعدهم اداة للقانون، وتدميرهم الدولة التي لو تأنوا في بنائها، لانصفتهم ايما انصاف.

Thursday, May 18, 2006

مشروع قانون لتنظيم المرور وحركة السيارات في العراق

كثر الحديث عن الاخطاء الجسيمة التي رافقت عملية غزو العراق ربيع 2003، والتي اسقطت نظامه السياسي المتهافت اصلا، بدون ان يكون هناك خطة حقيقية وواضحة لمرحلة ما بعد الغزو. والحديث يدور عادة حول القرارات السياسية الحاسمة التي اتخذتها سلطات الاحتلال، سواء بغطاء من الامم المتحدة او بدونه، دون الرجوع الى الشعب العراقي وممثليه، او بالاكتفاء بنصيحة منفردة من هذا او ذاك واعتباره ممثلا لهذا الشعب ومجسدا لمصيره. تلك القرارات اثرت بشكل مباشر على مسيرة الاحداث فيما يلي من الزمن واصبحت محور الحركة السياسية في العراق حتى بعد تشكيل الحكومة المؤقتة والحكومة الانتقالية. حتى ان مفردات مثل (اجتثاث البعث) دخلت صميم الدستور الدائم الذي اقره الشعب العراقي في خريف 2005، رغم كونه في الاصل قرارا اصدره الحاكم المدني الامريكي دون استشارة رسمية من احد، ودون انتظار لتشكيل مجلس الحكم لاقراره على الاقل.
ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة تلك القرارت السياسية، بل لبحث قرار آخر أثر في الحياة الاقتصادية بشكل مباشر، كما انعكس على نواح حياتية واجتماعية شتى في حياة المواطنين. ذلك هو الغاء التعرفة الكمركية والسماح بالاستيراد بدون شروط تذكر. وادى ذلك الى اغراق الاسواق بالملايين من الاجهزة الكهربائية التي كانت قبل ذلك باشهر قليلة تبدو صعبة المنال للكثير من ابناء هذا الشعب. وقد يكون ذلك سببا رئيسا لزيادة الطلب على الكهرباء وبالتالي زيادة ساعات القطع المبرمج، والتي وصلت ارقاما قياسية. ولكن اسوأ ما حدث نتيجة للمساح بالاستيراد العشوائي هو دخول مئات الالاف من السيارات المستعملة والتي اغرقت الشوارع والميادين، وسببت زحام سير لا يطاق في جميع المدن العراقية، كما انها تسببت في ازمة وقود غير مسبوقة، وسهلت الى حد كبير العمليات المسلحة ضد قوات التحالف والقوات الامنية العراقية، اضافة الى استخدامها في التفجيرات الانتحارية وعن بعد كقنبلة متحركة.
واذا كان من غير المجدي الان تعداد المساويء التي نتجت عن هذا القرار، شأنه شأن القرارات الاخرى، فالاولى العمل على تصحيح ما ترتب عنه ومحاولة اعادة الامور الى نصابها. ويجب اولا ان نقر ان هناك على كل حال بعض المنافع والتي حسنت بشكل ملحوظ حياة المواطنين بشكل عام. فالمواطن العادي لم يكن يحلم، تحت سطوة النظام السابق، بان يركب او يقود سيارات غربية المنشأ وبطرازات حديثة تتوفر على رفاهية ومتانة كبيرتين. لكن لم تكن جميع السيارات التي ادخلت بعد سقوط النظام السابق تمتلك مواصفات فنية عالية، ولم يكن معظمها بعمر يقل عن 5 سنوات. انها كانت نظريا خارج الخدمة او بحاجة مستمرة للصيانة. وبالمقارنة مع ما كان يتوفر لدى عامة الشعب من مركبات عمرها يتجاوز الـ15 او 20 عاما، لم تبدُ تلك مشكلة حقيقية.
وعلى هذا الاساس يمكن حصر المشلكة في ثلاثة نقاط:
ـ1ـ ازدياد الضغط على الطرقات العامة وبالتالي حصول حالات زحام خانقة، تسببت بتأخير وسائط النقل عموما في تأدية خدماتها، كما خلقت حالة من الفوضى، خصوصا في الشوارع الرئيسة والتقاطعات.
ـ2ـ ازدياد استهلاك الوقود بشكل كبير، بحيث باتت محطات التكرير غير قادرة على توفير متطلبات السوق المحلية، مع الاخذ بنظر الاعتبار تهالك هذه المحطات وتعرضها والمنشآت النفطية الاخرى الى التخريب بشكل مستمر. وتحول العراق، البلد الذي يمتلك ثاني احتياطي نفطي عالمي، الى دولة مستوردة للمنتجات النفطية. كذلك ازداد الضغط على محطات التزويد بالوقود القديمة اصلا، وغير النظامية في معظم الاحيان. ان منظر طابور السيارات التي تنتظر لساعات طويلة قرب محطة الوقود اصبح جزءا من المشهد العراقي بعد الحرب.
ـ3ـ استعمال السيارات في العمليات الارهابية والتخريبية، وبالاخص كمفخخات يصعب السيطرة عليها، او اقتفاء اثرها.
ان هذه النقاط الثلاثة تمثل في نفس الوقت ثلاثة اوجه للمشكلة، اجتماعي واقتصادي وامني. وبالتأكيد هناك اوجه اخرى لم نتطرق اليها كالمشكلة الثقافية المتمثلة بنشوء عادات غير صحية رافقت الفوضى التي تسببت بها كثرة السيارات بما لا يستطيع البلد ان يحتمل. كذلك المشكلة القانونية في احتواء هذه السيارات والتعامل معها، واخضاعها لنظام صارم يحد من هذه الفوضى ويشحذ الجانب الحسن فيها وهو تقديم الخدمة الصحيحة للمواطن.
ولكننا نعتقد ان غياب القانون عن هذه المشكلة كان هو السبب الاول فيها، وبالتالي فالدور الاساس سيكون للقانون للخروج منها. وان على واضعي القانون ان يستفيدوا من واقع المشكلة بابعادها الاجتماعية والاقتصادية والامنية للخروج بصيغ وحلول عملية دون الحد من الحريات العامة او التسبب في الحاق ضرر بالغ بهذه الفئة او تلك. ومثل هذه الموازنة هي على الدوام صعبة، لكنها ضرورية.
واذا كان الاقتصاد هو العنصر الدافع في حياة الناس، كما هو اساس رسم السياسات المحلية والعالمية، فان العامل الاقتصادي في اية مشكلة يجب ان يأخذ الصادرة في اصدار تشريع يستهدف تنظيم حركة هذه السيارات. وفي الظرف الراهن، حيث يستورد العراق المشتقات النفطية بقيمة ما يقارب 20% من وارده النفطي فان الضرر الاقتصادي بالدولة بالغ الاثر. فاذا اضفنا هذه النسبة الى ما تتحمله الدولة اصلا من رواتب لموظفين غير منتجين، ولدعم المواد الغذائية الاساسية، واصلاح الاضرار التي يتسبب بها التخريب المستمر نتيجة الوضع الامني غير المستقر، اذا جمعنا كل هذه الامور لحصل لدينا اقتصاد ضعيف وغير قادر الى تحقيق اية تنمية او ارتقاء حقيقي في حياة الشعب.
اذا لحل هذه المشكلة يمكن ان تتحرك الدولة مباشرة نحو سببها. فطالما كانت الزيادة الكبيرة في اعداد السيارات امر غير مرغوب، وتم تشخيصة آنفا على اساس انه اصل المشكلة، فعلى الدولة ان تباشر باجراء الخفض الضروري كآتي:
ـ1ـ شراء السيارات من المواطنين والتصرف بها، اما كأدوات احتياطية لما يتبقى منها، او بتحويلها الى خردة واستخدامها في صناعات اخرى. يمكن ان تدفع بدلات نقدية مغرية لدفع المواطنين للتخلي عن سياراتهم، وقد يسبب ذلك ضغطا هائلا على ميزانية الدولة في المدى القريب، ولكنه ذو جدوى كبيرة على المدى البعيد. في الواقع، تقوم الدولة الان باستيراد الوقود وبيعه في المحطات بسعر يمثل ربع او خمس سعر التكلفة. فاذا اعتبرنا ان هناك مليون سيارة تتزود اسبوعيا بالوقود، وان معدل الدعم الذي تحصل كل سيارة هو 50 دولار، فمن الواضح ان الدولة تتحمل 50 مليون دولار اسبوعيا لهذا القطاع. وبالمقابل يمكن اعتبار سعر 5000 دولار هو سعر جيد لكثير من انواع السيارات التي تسير على الطرقات الان، فهذا يعني امكانية شراء 10000 سيارة اسبوعيا، او التخلص من مليون سيارة في ظرف ثلاثة الى اربعة اشهر فقط!
ـ2ـ من الواضح ان تحويل الدعم لاسعار الوقود مباشرة لغرض شراء هذه السيارات سوف يؤدي الى رفع اسعار الوقود بشكل لا يستطيع السوق المحلي استيعابه. لذلك ينبغي التدرج في ذلك ووضعه في اطار زمني محدد. ليس من الضرورة ان ينجز ذلك خلال اشهر قليلة، فمن الممكن ان يتم خلال جدول زمني يمتد لسنتين او ثلاثة. ومع هذا التطبيق المتدرج، فان خفض عدد السيارات يؤدي الى تقليل الطلب على الوقود وبالتالي امكانية توفيره من الناتج المحلي وتقليل الاستيراد. لذلك قد لا يكون من الضروري رفع اسعار الوقود بشكل يرهق كاهل المواطن. كما ان تقليل المعروض من المركبات سيعمل على رفع اسعار تلك المركاب ومن ثم تقليل الرغبة و/او القدرة على شرائها مما يحد من حركتها في المحصلة النهائية.
ـ3ـ يمكن المباشرة بشراء المركبات القديمة التي يتجاوز عمرها 15 سنة، بضمنها المركبات التي كانت تسير على الطرقات قبل تغيير النظام. ويمكن ان يوضع جدولا سعريا يتناسب مع حالة المركبة وعمرها الزمني.
ـ4ـ ينبغي اصدار قوانين او تعليمات، او على الاقل تفعيل الموجود منها فعلا، لتحديد شروط المتانة والامان التي يتوجب توفرها في اية مركبة تسير في الشارع. ان مثل هذه التنظيمات لا يقتصر دورها على الحد من حركة السيارات وتقليل الزحام، ولكنها تساهم في توفير خدمات افضل للمواطنين، خصوصا في ما يتعلق بوسائط النقل العامة، وكذلك الحفاظ على البيئة من ناحية ان الكثير منها لا تتوفر فيه التقنيات الحديثة في حرق الوقود او ان محركاتها متهالكة وتنتج الكثير من الغازات الضارة بالبيئة.
ـ5ـ وضع خطة محكمة لاحلال مركبات النقل العام الحديثة محل القديمة منها، والتشجيع على ارتيادها بدلا من المركبات الخاصة. فمن اهم الاسباب التي تدعو المواطن الى استقلال مركبته الخاصة هو عدم توفر وسائط نقل عام فعالة قادرة على توفير الخدمات خلال وقت معقول وبمستوى جيد من الراحة اثناء التنقل.
ـ6ـ من الاجراءات الاخرى فرض ضرائب على السيارات الخاصة، وتحديد اماكن توقفها داخل المدن، ووضع اليات محكمة لتسجيل قيودها ونقل ملكيتها بما يطور القدرة على التعقب في حالة حصول خرق امني. كذلك تحديد عدد السيارات التي يحق للفرد او العائلة ان تتملكها، بالاضافة الى التشدد في منح اجازات قيادة المركبات ومتابعة المخالفين.
ـ7ـ واخيرا، فان امتلاك مركبة حق طبيعي لكل مواطن ضمن شروط ومواصفات محددة. يجب ان تسعى الدولة لتطوير الطرق والشوارع والساحات العامة المخصصة لوقوف المركبات، وكذلك فتح المزيد من منافذ توزيع المشتقات النفطية لتقليل الزخم عليها.
نحن ندرك ان هذه الاجراءات تتطلب وضعا اكثر استقرارا من الناحيتين الامنية والسياسية من الوضع الحالي. ولكننا نعتقد ايضا انه من الضروري المبادرة لاتخاذ بعض الاجراءات لحل هذه المشكلة التي، كما اوضحا سلفا، تسبب المزيد من الخرق الامني، وترهق المواطن في معيشته اليومية. كما ان تولي الدولة مسؤولياتها في هذا الوقت بالذات يساعد كثيرا في حفظ هيبتها وقدرتها على فرض النظام، الذين يمثلان اول بادرة لتحقيق الامن.

Sunday, March 26, 2006

قراءة في رؤية الجعفري للعراق

نشرت صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، نقلا عن صيحفة واشنطن بوست الامريكية، مقالا كتبه الدكتور ابراهيم الجعفري يتحدث فيه باقتضاب عن مسيرة حكومته ورؤيته المستقبلية للمرحلة القادمة. وقد اعتبر ان انتخابات كانون الاول الماضي هي بمثابة "شهادة شجاعة شعبه [العراق] الذي رفض الخضوع لأي ديكتاتور أو إرهابي"، وهذا امر صحيح تماما، لكنه لم يلبث ان يستدرك قائلا: "... تشرفت بتسمية الائتلاف العراقي الموحد لي كي أقود أول حكومة منتخبة ديمقراطيا لكل الفترة المقررة." معتبرا ان ترشيحه من قبل الائتلاف يجعله في موقع القيادة بشكل نهائي، اذ لم يعرج على ذكر مجلس النواب، الذي عليه ان يمضي هذا الترشيح. ومع الاخذ بنظر الاعتبار ان تأخر تشكيل الحكومة لغاية الان انما كان بسبب اصراره على الترشيح لهذا المنصب، مقابل معارضة واسعة داخل وخارج الائتلاف، بما يشكل اغلبية برلمانية يعتد بها، فاننا نعتقد ان الجعفري لم يتعرف على كلمة "ديكتاتور" بعد، او انه لا يريد ان يتعرف بها.
وهو على صواب تماما حينما يقر بان "الحرب على الارهاب لا يمكن الانتصار فيها بالأساليب العسكرية فقط"، ولكننا لم نلمس الا جهودا ضئيلة بذلت من قبله لاحتواء الاطراف المسلحة، خصوصا في المناطق الغربية. وارتجاله في مؤتمر القاهرة، ووضعه للخطوط الحمراء في وجه الاطراف التي حضرت للحوار ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة، ليس الا دليل على عدم رغبته الجدية في قبول الاخر الذي يختلف معه. واذا كان قد سعى لان يحصل العرب السنة على "خمس المقاعد الوزارية"، فانه قد احتكر لنفسه من يمثل العرب السنة، واختار هؤلاء الشخوص بما يضمن ولاءهم له اكثر من الكفاءة الشخصية، او تحقيقا لرغبة من يفترض بهم ان يمثلوهم.
والحديث عن "اقصاء" مجموعة مقتدى الصدر من مجلس الحكم، هو محض تناقض. فهذه المجموعة بهذا التعريف لم تكن موجودة او معروفة كمجموعة سياسية لها جذور او حتى منهج ديمقراطي عند تأسيس مجلس الحكم. والغريب ان السيد الجعفري الذي لا تغيب كلمة التاريخ عن خطبه الرنانة، لا يعطي اي اهتمام للتاريخ القريب الذي عايشه الشعب كله، ولم يصبح بعد بحاجة الى كثير من التمحيص والتحقيق. وهو يُشرع بشكل ضمني تشكيل "جيش المهدي" على اساس حرمان تلك المجموعة من الدخول في مجلس الحكم. ولست ادري كيف يمكن لرئيس وزراء، واجه خلال العام الماضي حركات تمرد وعصيان ولا يزال، ان يفكر بهذه الطريقة. اليس معنى ما يقول ان من لم يحصل على مكان في العملية السياسية فعليه ان يحمل السلاح في وجه الدولة ليرغمها على القبول به؟ اما التصحيح الذي يتحدث عنه فهو ليس من فعله. فتيار الصدر كان ضمن قائمة الائتلاف التي جاءت به رئيسا للوزراء، ولم يكن هو من جاء بهم الى العملية السياسية. ولكنه ربما قصد تقربه الى هذا التيار في فترة حكومته، ضمن خطته في البقاء على سدة الحكم، بعد ان خمن انه لن يستطيع الاستمرار بمساعدة الحلفاء السابقين، فبادر الى عقد تحالفات جديدة، مع اطراف لها سيطرة مسلحة على الشارع، لفرضه على المنصب فرضا ان اقتضى الامر.
اما ادعاءه ان مجموعة الصدر لم تهاجم "أيا من وحدات قوات الائتلاف"، فهو اما جهل او افتراء. وكلاهما لا يليق بمن لازال يمسك بزمام الامور في العراق. وما عليه سوى ان يستمع الى الاخبار، كأي مواطن آخر، ليدرك ان تلك المجموعة تهاجم بشكل دوري قوات الائتلاف، بالاضافة الى المليشيات الاخرى التي وجدت بيئة صالحة للنمو في ظل تراخي حكومته العتيدة. ولست ادري من الذي اصدم مع القوات البريطانية في البصرة قبل اشهر، ومن الذي احرق ما يقرب من الف مقر لقوات بدر والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بعد الاشتباه بان احدهم احرق مكتبه في النجف؟
واذا كان من اطر الديمقراطية اظهار بعض الشفافية، فان الجعفري لا يجد غضاضة في الحديث عن "انتكاسات" خلال فترة حكمه. ومع ذلك فانه تحدث عن واحدة فقط: "اكتشاف تعذيب السجناء في سجن تابع لوزارة الداخلية في تشرين الثاني"، ولكنه كان (حازما) تجاه "هذه الأفعال الشنيعة"، اذ قام بتشكيل "لجنة تحقيق تضم مسؤولين سنة فقط وأنتظر نتائج عملها"، فكم يا ترى سيستغرق عمل هذه اللجنة؟ لقد مضى لحد الان ما يزيد على خمسة اشهر دون ان تتوصل الى شيء، او تعلم رئيس الوزراء بنتيجة ما تعمل حسب ما يدعي. وربما ستظهر نتائج عملها بعد تغيير الوزراء والمسؤولين عن تلك الافعال، وعندئذ لا يهم ان تحملت الحكومة، التي حصلت في عهدها تلك الممارسات الشائنة، بعضا من المسؤولية. على ان حكومة الجعفري واجهت انتكاسات اكبر حتى من فضيحة معتقل الجادرية، فمن كارثة جسر الائمة الذي اثبت عدم قدرة الدولة على تنظيم ابسط الشؤون اليومية، الى تفجير اضرحة الائمة في سامراء والذي يعد دليلا على غياب سلطة الدولة في مناطق يفترض ان تكون موجودة فيها بقوة. ان تسيب القوات الامنية العراقية خلال عهد الجعفري، وطغيان المليشيات عليها، هو اكبر اخفاق في اداء حكومته. ولم يكن الجعفري قادرا على تشخيص هذا القصور، لانه امضى فترته وهو يعد لبقائه للفترة الدائمة. فبدلا من ان يكتسب شعبية من خلال عمله وادائه، سعى الى الحصول على تلك الشعبية عن طريق الترويج الدعائي، وبالاعتماد على الرموز الدينية لفرضه على الناخب باستخدام الهالات القدسية، والمخاوف الدنيوية والاخروية.
ومن بين جميع الانتكاسات التي واجهتها حكومته، فان الجعفري خص قضية تعذيب المعتقلين بالمزيد من التحليل. وطرح رؤيته لـ" الحل البعيد المدى لهذه المشكلة متعدد الوجوه"، من تدريب قوات الامن، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، "وفوق ذلك يجب على المليشيات التي قاتلت نظام صدام ان تندمج بالكامل مع قوات الأمن العراقية". وهذا اعتراف واضح بمسؤولية تلك المليشيات عن هذه الانتهاكات. بيد انه يلتمس لها العذر لتبرير افعالها طالما انها "قاتلت ضد نظام صدام". ولكننا لا نجد اي معنى لـ "تعزيز النظام القضائي في البلاد" ضمن هذا السياق، فمثل هذا التعزيز مطلوب دائما في اي نظام ديمقراطي حر. وليس لذلك من دلالة سوى ان مثل هذا التوجه اهملته حكومته عن عمد فيما سبق، مما ادى الى حصول هذه الانتهاكات.
ونحن نشارك الجفعري في ان "التحدي الكبير الآخر الذي تواجهه حكومتي فيتمثل في انعاش الاقتصاد"، ولكنه خلال فترة حكمه لم يفعل الكثير من اجل هذا الانعاش، واحتجاجه بـ"تقليص الدعم الحكومي للبنزين" كاحد التغييرات الصارمة التي بدأتها حكومته، ليس سوى مناورة مفضوحة. فالقرار كما يعلم الجميع كان بضغط من صندوق النقد الدولي للموافقة على تسوية الديون المتأخرة. والحكومة ناورت في تطبيقه، وادعت وجود بنزين محلي يباع بسعر مخفض، وآخر مستورد يباع بسعر اعلى. ولكن الواقع ان المحلي لم يكن اكثر من 5% من الاستهلاك العام. وهو في الوقت الذي ينحي باللائمة على " سياسات البعث الاشتراكية، التي جعلت الملايين يعتمدون على هبات الحكومة"، لا يجد ان قرار حكومته بتحويل العائدات الناتجة عن تقليل الدعم الى ما يقرب من مليون عائلة متماشيا كليا مع ذلك التوجه "الاشتراكي"، حيث ان هذا الرقم يعادل حوالي 20% من نفوس العراق. وبالتالي فان مراهنته تكمن في رفع "رأس المال السياسي" وليس في تحقيق تنمية شاملة تتيح "اقامة حماية للناس الاقل امتيازا"، من خلال توزيع الهبات والمنح. وحديثه عن "المقاولات والمشاريع" هو مجرد تعميم ليس فيه خطة واضحة، ويكشف عن جهل في ادارة الاقتصاد عن طريق تجريده الى مفردات بسيطة.
اما وعده بـ"ضمان واقع عراق ديمقراطي ليبرالي آمن، ليكون منارة للشرق الأوسط"، فهي رؤية متطابقة مع رؤية الادارة الامريكية، لخطب ودها في هذه المرحلة فيما يبدو. وليس خافيا ان تلك الاماني التي اعتبرها الجعفري "موضوع ايمان" لم تعد قابلة للتحقيق ضمن افق محدد. وهو يناور مرة ثانية حينما يأمل في "شرق اوسط آمن ومستقر وخال من الأسلحة النووية"، لارسال رسالة للادارة الامريكية بانه يدعم الجهود التي تبذلها في منع ايران من التسلح النووي. وهو يأمل، كما هو حال العراقيين جميعا، بـ"إلحاق الهزيمة بالإرهابيين بسلاح قوامه تصميم العراقيين" ولكنه غير واثق من هذه المهمة لانه لازال يحتاج الى "دعم القوات المتعددة الجنسيات". ولو انه اعطى المزيد من الثقة للقوات العراقية لكان برنامجه اقرب الى القبول. نحن ندرك ان دعم القوات المتعددة الجنسيات لا يمكن التخلي عنه في المدى المنظور، ولكننا كنا نأمل ان يرى الجعفري دور هذه القوات في تناقص مقابل مزيد من السيطرة الامنية للقوات العراقية، بما يساعد على انهاء الوجود الاجنبي في العراق.
نحن نتفق مع الجعفري بان "الطريق الممتد امامنا سيكون عسيرا"، ولكننا لا نرى ان الجعفري، حسب هذه الرؤية هو الشخص الامثل لقيادة العراق. فهو يتصرف كسياسي ينشد المنصب، ويفعل ما يتطلب منه للحفاظ عليه. وفي هذه المرحلة، فان من يقود العراق يجب ان يتحلى باكثر من ذلك، فالمناورات السياسية اضرت بالبلد فيما مضى اكثر مما اضر به وقع الارهاب، وتأخر التنمية الاقتصادية، وتردي الخدمات. وكل ذلك حقق خلال ولاية الجعفري اعلى معدلاته منذ سقوط الصنم.

Sunday, March 05, 2006

الحكومة العراقية ليست احجار دومينو

وصف احد السياسيين العراقيين مؤخرا صيغة تشكيل الحكومة العراقية بانها متعلقة بعضها ببعض بشكل يجعل سقوط احدها سببا في سقوط الاخريات على التوالي كما لو كانت احجار دومينو. وأوضح ان الترابط قائم على اساس ان اختيار رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان يجب ان يتم ضمن اتفاقية سياسية واحدة لضمان مرورها بشكل سلس امام البرلمان. والواقع ان هذا الوصف اقرب الى الصفقة منه الى تطبيق ديمقراطي لبنود الدستور الذي امضاه الشعب، والذي يجب ان يكون المرجع الوحيد للكيفيات والصيغ التي تشكل بها الحكومة بكافة فروعها ومستوياتها.
واول مؤسسات الحكومة هو مجلس النواب، والذي قضت المادة (53) من الدستور بان على رئيس الجمهورية ان يدعوه للانعقاد "بمرسوم جمهوري خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة، وتعقد الجلسة برئاسة اكبر الاعضاء سناً لانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ولايجوز التمديد اكثر من المدة المذكورة آنفاً." وبما ان هذه المصادقة قد حصلت فعلا يوم 10 شباط 2006، فمن الواضح ان التأخير الحاصل الان هو مخالفة صريحة للدستور، اذ يجب ان لا يتأخر انعقاد البرلمان عن يوم 25 شباط. وقد يتذرع البعض بان هذا التأخير سببه الوضع الامني غير المستقر، او الاعتداء على الاضرحة المقدسة في سامراء، او ما تلاها من شغب يهدد بفتنة طائفية. ولكن هذه الاعذار ليست كافية لمخالفة الدستور، ناهيك عن كونها مجرد غطاء لتبرير التأخير الحاصل اصلا نتيجة عدم توصل القوائم الرئيسة الفائزة في الانتخابات على صيغ توفيقية وتوزيع المناصب بينها. واذا اعتبرنا ان الشغب والخلل الامني يُراد منه اصلا تعطيل المسيرة الديمقراطية واجهاضها، فمن الواجب المبادرة الى عقد هذا الاجتماع الاول فورا ليكون بمثابة رد وتحدي لتلك المحاولات. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو لماذا يجب ان يُعد كل شيء خارج مطبخ البرلمان، وما هي الحكمة في جلب اتفاقات جاهزة للتصويت الفوري في البرلمان؟ لماذا لا ينعقد البرلمان ويبدأ بمناقشة تلك الامور تحت قبته، وعلى مرأى ومسمع من العراقيين كافة؟ نعم قد يكون من المفيد وجود نوع من الاتفاق على المباديء الاساسية، او الخطوط العامة لتشكيل الحكومة، من اجل عدم هدر الوقت في مناقشات عقيمة داخل البرلمان، ولكن هل من الضروري ان تـُعقد كافة الاتفاقات مسبقا؟ ومن يضمن ان تلك الاتفاقات سوف تكون في صالح المواطن، طالما انها ليست مُعلنة، ولا دور لممثلي الشعب في البرلمان في اعدادها ومناقشتها ومن ثم تمريرها؟ فاذا قيل ان دورهم يكمن في المناقشات السابقة لتشكيل الحكومة، وبالتالي فانهم يقررون نيابة الشعب ويأخذون دورهم كاملا، قلنا ان تلك المناقشات تدور بين الاحزاب والقوائم، وليست بين النواب وان كانوا مشتركين فيها. بمعنى ان النواب لا يمثلون مجمل الشعب وانما يمثلون احزابهم، هذا اذا كان جميع هؤلاء مشتركين في المناقشات. واغلب الظن ان هناك نسبة محدودة فقط منهم لديها صلاحية التفاوض مع الاخرين، وعقد الاتفاقيات معهم باسم بقية النواب ضمن القائمة.
واستنادا الدستور يجب ان ينتخب مجلس النواب في اول جلسة له "رئيساً، ثم نائباً أول ونائباً ثانيا بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس بالانتخاب السري المباشر." حسب نص المادة (54). والاغلبية المطلقة هي نصف عدد المقاعد زائد واحد بغض النظر عن عدد الحاضرين. اي يجب ان يحصل المرشحون لمنصب رئيس مجلس النواب ونوابه على 138 صوت، كل على حدة. وبالحسابات الانتخابية لا تمتلك ايا من القوائم تلك الاغلبية منفردة. وهنا ظهر مبدأ التحالف مع القوائم الاخرى لضمان تصويتها لصالح مرشح ما. ولكن هذا التصويت لن يتم على اساس كفاءة المرشحين او برنامجهم وانما على اساس اتفاق مسبق اشبه ما يكون بالمحاصصة، التي يصرح الجميع برفضها!
فاذا تم ذلك، فان على مجلس النواب ان ينتقل الى المرحلة الثانية وهي انتخاب رئيس الجمهورية. فحسب المادة (67): "اولا: ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية باغلبية ثلثي عدد اعضائه. ثانيا: اذا لم يحصل اي من المرشحين على الاغلبية المطلوبة فيتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على اعلى الاصوات ويعلن رئيساً من يحصل على اكثرية الاصوات في الاقتراع الثاني." ان صياغة بندي تلك المادة بهذا الشكل جعل من ثانيهما بمثابة الغاء لاولهما، وهو ضعف واضح، شمل الكثير من مواد هذا الدستور نتيجة التسرع في اعداده، وهي من الاشياء التي يجب على البرلمان مراجعتها وتمحيصها. لكن الاحكام الانتقالية اوردت مادة اخرى عدها البعض ناسخة لهذه المادة، وهي المادة 134 وتنص: "اولا: يحل تعبير (مجلس الرئاسة) محل تعبير (رئيس الجمهورية) اينما ورد في هذا الدستور ويعاد العمل بالاحكام الخاصة برئيس الجمهورية بعد دورة واحدة لاحقة لنفاذ هذا الدستور. ثانيا: أ- ينتخب مجلس النواب رئيسا للدولة ونائبين له يؤلفون مجلسا يسمى (مجلس الرئاسة) يتم انتخابه بقائمة واحدة وباغلبية الثلثين...". فقد جرى تفسير هذه المادة على اساس انها تنسخ المادة (67) وتؤجل فعاليتها للدورة التالية. ولكن لا المادة (134) ولا غيرها اشارت مباشرة الى هذا النسخ والتأجيل. بل انها اشارت صراحة الى ما يتم استبداله هو تعبير (رئيس الجمهورية) فحسب. اي ان المادة (67) لا زالت سارية، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الرئيس له نائبان وينتخبون جميعا ضمن قائمة واحدة. فاذا كان المادة (134) قد حددت ان انتخاب مجلس الرئاسة يجب ان يحصل على ثلثي اصوات مجلس النواب، فانها لم تحدد الاجراءات التي يتم اتخاذها في حالة تعذر الحصول على تلك النسبة، عكس المادة (67) والتي اعطت حلا لتلك الحالة. وفي الحقيقة فان المادة (67) رغم تحديدات المادة (134) هي اخص وبالتالي اولى بالعمل فيها طالما كان الاولى العمل بالاخص قبل الاعم. وعلى هذا فان انتخاب مجلس الرئاسة قد يتم حتى بدون الحصول اغلبية مطلقة (138 صوت برلماني)، استنادا الى "اغلبية الاصوات في الاقتراع الثاني" التي ذكرتها المادة (67)، والذي يمكن ان يكون اي عدد من الاصوات يحصل عليه المرشح الفائز شرط ان يزيد على المرشح الاخر ولو بصوت واحد.
ورغم ان ما يشاع الان ويجري التركيز عليه هو ان اكبر معضلة تواجه البرلمان هي في انتخاب مجلس الرئاسة، الا انني اعتقد بناءا على ما تقدم ان اهون الشروط قد احيطت بهذه العملية نتيجة ضعف النص القانوني. على ان هذا الضعف لا يجعله غير قانوني، بل على العكس من ذلك تماما. فاي نص ورد ضمن الدستور هو قانوني ولكن يجب ان يفسر بالشكل الذي يدل عليه، وليس بالشكل الذي نريده له.
ويعتبر انتخاب رئيس الوزراء المهمة الاصعب لمجلس النواب، حيث انه في الواقع الشخصية الاكثر نفوذا والذي يمتلك اكثر الصلاحيات التنفيذية. وتنص المادة (74) على "اولا: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية." وهنا نلاحظ ان تعبير "مرشح الكتلة النيابة الاكثر عددا" لا يعني القائمة التي فازت باكبر عدد من الاصوات، وانما القوائم التي تأتلف ضمن كتلة نيابية واحدة، اي ان منصب رئيس الوزراء ليس بالضرورة حصة قائمة الائتلاف العراقي الموحد، ما لم تتحالف مع قائمة او قوائم اخرى للحصول على النسبة الاكبر من الاصوات، او على الاقل على الاغلبية المطلقة. وذلك يعني نظريا ان ممن الممكن ان تتحالف جميع (او معظم) القوائم الاخرى لتشكل كتلة نيابية تفوق في عدد اصواتها كتلة الائتلاف. وعند حصول ذلك، يمكن ان يكون رئيس الوزراء من خارج الائتلاف رغم كونها تحوز على اكبر حصة من المقاعد البرلمانية.
كما ان المادة (74) اوردت جدولا زمنيا محددا لكيفية انتخاب رئيس الوزراء وما يترتب عليه فعلـُه ضمن هذا الجدول. فالبند ثانيا ينص على: "يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية اعضاء وزارته خلال مدة اقصاها ثلاثون يوما من تاريخ التكليف". فاذا اخفق في تشكيل الوزارة خلال تلك المدة فالبند ثالثا يقتضي: " يكلف رئيس الجمهورية مرشحا جديدا لرئاسة مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما". ثم يتوجب على رئيس مجلس الوزراء المكلف ان "يعرض اسماء اعضاء وزارته، والمنهاج الوزاري، على مجلس النواب، ويعد حائزا ثقته عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري، بالاغلبية المطلقة" حسب البند رابعا. واخير فان البند خامسا يمنح رئيس الجمهورية صلاحية "تكليف مرشح آخر لتأليف الوزارة خلال خمسة عشر يوما في حالة عدم نيل الوزارة الثقة." ويبدو ان الغاية من هذا الجدول الزمني اعطاء الفرصة للمفاوضات بين القوائم للاتفاق على رئيس الوزراء (بعد 15 يوم من اختيار رئيس الجمهورية)، ثم اعطاء وقتا لرئيس الوزراء المكلف لتشكيل وزراته (خلال 30 يوم). فاذا فشل في نيل ثقة مجلس النواب فان على الرئيس ان يختار غيره ضمن 15 يوم اخرى. اي ان تشكيل الوزارة قد يستغرق 45 يوما، او 90 يوما في حالة فشل المرشح الاول. ومن الواضح ان تلك الفترة كافية لمثل هذا الاجراء، خصوصا وانها ستأتي بعد فترة تزيد على الشهر من اعلان النتائج المصادق عليها، اذ يتوجب اختيار رئيس البرلمان ومجلس الرئاسة قبلها.
ان افتراض ان الاتفاقات يجب ان تكون سابقة على انعقاد جلسات البرلمان هو امر غير منطقي، ويأخذ المسيرة الديمقراطية الى منزلقات وطرق جانبية تزيد من حالة الارباك التي يعاني منها البلد. والانكى من ذلك ان هناك توافقا بين القوائم على تأخير انعقاد البرلمان، فذلك يدل بوضوح على غياب الرغبة بالالتزام بنصوص دستورية وقانونية مرجعية من قبل جميع الاطراف، وبالتالي احلال مصالح حزبية محل تلك النصوص واجراء تفسيرات مبتسرة والتعلل بالواقع الامني الذي تسبب فيه غياب الالتزام بتلك النصوص والالتفاف عليها اكثر من كونه سببا لذلك الالتفاف وعدم الالتزام.
ان تشكيل الحكومة في ظل دولة القانون والمؤسسات لا يكون حسب نظرية الدومينو، لان ذلك سيكون حجر عثرة في ادائها طالما ان اطرافها معتمدة في تكوينها واستمرارها على بعضها البعض. وستكون هذه الطريقة في تأسيس الحكومة سببا في غض النظر عن انحرافات بعض اطراف السلطة، او عدم القدرة على محاسبتها. واخيرا فان الخوف من التساقط المتسلسل سيلغي دور المعارضة البرلمانية والحكومية وسيجعل الجميع متفقين على جميع الامور بغض النظر عن صوابها وتحقيقها للمصلحة العامة.

Friday, December 23, 2005

استراتيجية الدعاية الانتخابية لقائمة الائتلاف العراقي الموحد

يعتقد الكثيرون ان سر فوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد الساحق في الانتخابات البرلمانية الاخيرة يعود الى حصول تلك القائمة على رضا المرجع الديني اية الله العظمى السيد علي السيستاني ومباركته لها، وبالتالي التأثير على مقلديه، وهم اغلبية الطائفة الشيعية، ودفعهم للتصويت لتلك القائمة كواجب ديني، تبرأ ذمتهم بأدائه. والواقع ان هذه الرؤية هي تسطيح للمسألة، وتبسيط مفرط لطبيعة الدعاية الانتخابية لتلك القائمة، التي حققت بتطيبيقها لاستراتيجية مدروسة نجاحا منقطع النظير، ليس على مستوى العراق فحسب، بل بالمقارنة مع أية انتخابات حرة تجرى في أية دولة في العالم.
ويمكن النظر لهذه الانتخابات على أنها امتداد للانتخابات التي سبقتها، والتي أجريت في الثلاثين من كانون الثاني 2005، وتأكيد لنتائج الاستفتاء في الخامس عشر من تشرين الاول. فقد كانت نتائج الانتخابات الاولى، وطبيعة توزيع المقاعد البرلمانية، وبالتالي الحقائب الوزارية، بموجب الاستحقاق الانتخابي قد شكلت خللا في فهم طبيعة الاداء الحكومي على المستويين التشريعي والتنفيذي، خصوصا مع غياب التمثيل البرلماني السني. نعم، كانت هناك محاولات لضم ممثلي المحافظات الغربية في الحكومة، وفي لجنة كتابة الدستور، ولكنها لم تحصل على التأييد الكامل من احزاب وتنظيمات تلك المحافظات، فضلا عن مرجعياتها الدينية. والمحك الاكثر خطورة كان في النزاع حول الدستور، ورفض الاعضاء السنة (المعينين) لمسودة الدستور، وتهديدهم باسقاطه في الاستفتاء عن طريق استخدام حق النقض الذي تتمتع به أية ثلاثة محافظات اذا رفض ثلثاها تلك المسودة. فقد برزت الى السطح تيارات الطائفية والمذهبية بشكل واضح، ووضعت جميع اطياف العراق العرقية والدينية امام امتحان "ان نكون او لا نكون"، بينما ابتعدت الاحزاب العلمانية عن الساحة واكتفت بدور المتفرج، بانتظار فشل الاحزاب الدينية، او ممثلي الطوائف، في خوض غمار التجربة، او خروجها منهكة وغير قادرة على الدخول بنفس القوة في الاستحقاق التالي.
ولكن قائمة الائتلاف اثبتت انها قادرة على دخول المعترك من جديد، واستثمار النجاح المحدود المتحقق في اقرار الدستور لصالحها. واكتسبت زخما معنويا من تصوير الخلاف حول الدستور على انه خلاف مذهبي او طائفي يمتد الى نزاع حول السلطة والثروات الطبيعية. وكان اعتراض ممثلو السنة على بعض بنود الدستور اداة مهمة بيد قائمة الائتلاف للدعوة الى مساندة المذهب والطائفة، وبالتالي خططت استراتيجية الدعاية الانتخابية على هذا الاساس. ولم يكن للاداء الحكومي الضعيف، ولا للاتهامات بالفساد الاداري، والفضائح التي تكشفت في المعتقلات اي دور في تلك الدعاية، لا نفيا ولا تبريرا. فقد قامت تلك الاستراتيجية على التركيز على الهدف البعيد للمواطن، وهو حماية الطائفة، اكثر من مخاطبتها للهدف الاقرب وهو تشكيل حكومة توفر الامن والرفاهية للشعب.
تتألف الدعاية او الحملة الانتخابية لاي كيان سياسي بشكل عام من ثلاثة مراحل: الاولى الاعلان عن وجود الكيان، والثانية إشعار الناخبين بانهم موجودون لدى الكيان، والثالثة تتمثل في توطيد الثقة بين الكيان والناخب. وكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث يجب تنجز ضمن فترة زمنية محددة، ووفق قواعد وأطر مدروسة مسبقا. والادارة الجيدة لتلك الحملة تضمن ان لا يكون للحدث الآني، او المفاجآت، تأثير كبير على مجريات اللعبة الانتخابية. واذا راجعنا الدعاية الانتخابية لمجمل الكيانيات السياسية خلال الانتخابات الماضية، لوجدناها اما تقع ضمن المرحلة الاولى، او انها تكافح لتجتاز المرحلة الثانية. فالغالبية العظمى من تلك الكيانات اكتفت بالملصقات واللافتات والدعاية المتلفزة المقتضبة. بيد ان المطلوب لحمل الناخب على التصويت لكيان سياسي معين ان يجتاز ذلك الكيان المرحلة الثالثة ضمن الاطار الزمني المحدد سلفا.
ولكن قائمتي الائتلاف والتحالف الكرستاني، استثناء من الكيانات السياسية الاخرى، استطاعتا ان تعبرا هذه المرحلة بنجاح، بدلالة النتائج الكبيرة التي حققها كل منهما. وبالنسبة لقائمة التحالف الكردستاني فان الامرغير مستغرب، نظرا لوحدة الاكراد عموما تحت هذه القائمة. اما فيما يخص قائمة الائتلاف، فلابد من وقفة تأمل في الاستراتيجة التي اتبعتها لتحقيق ذلك التقدم المذهل.
وتلك الاستراتيجية اتبعت ببساطة نهج المراحل الثلاثة المشار اليه آنفا. فقد استغرقت وقتا يسيرا للاعلان عن وجودها من خلال الملصقات واللافتات وغير ذلك. ولكنها اخذت وقتا اطول في استيعاب الناخبين، وخاضت عملية شاقة بصبر ودأب. فقد كان عليها اولا ان توضح طبيعة الاخفاقات الحكومية خلال الفترة التي تولت فيها زمام السلطة. كما كان عليها ان تهديء من روع المواطنين الذين يساورهم القلق حيال مستقبل العراق ووحدته في حال تسنمت هذه القائمة السلطة من جديد. وكان الهجوم خير وسيلة للدفاع. فبدأ التراشق الكلامي بالتصاعد، وعمد الائتلاف الى اظهار عيوب منافسيهم، او تضخيمها. وسعت تلك القائمة الى القاء التبعة في كل اخفاق تقريبا الى مرحلة سابقة، او الى التهديد الامني وسطوة الارهاب. لقد كان هذا السجال يدور عبر الشاشات، ولكنه كان يجد من يروج له في الشارع والمقهى والمسجد والدائرة الحكومية، وفي البيوت.
وهنا لابد من الاشارة الى تواجد مكاتب فعالة في معظم المحافظات للاحزاب الرئيسة في تلك القائمة، مقابل مكاتب ضعيفة او غير فعالة، او انعدامها على الاطلاق، للاحزاب الاخرى. وهذه مسألة في غاية الاهمية، طالما ان احتواء المواطن (الناخب)، وجعله يدرك بانه موجود لدى الكيان، يتطلب احتكاكا وتواصلا مباشرا ومستمرا. كما ان تلك المكاتب توفر طريقة شديدة التأثير في الدعاية الانتخابية من خلال استخدام الاشخاص انفسهم في الدعوة للكيان بدلا من الاعتماد على الوسائل التقنية، من اذاعة وتلفزيون وصحف وملصقات وغيرها. فقد يكون هناك تأثير للدعاية بطريق التلفزيون مثلا، ولكنها تصلح فقط لاجتياز المرحلة الاولى، مرحلة التعريف بالكيان. ولخوض المرحلة الثانية لابد من تواجد قريب من المواطن، ومن توجيه الحديث من فرد الى فرد اذا اقتضى الامر. ان الناخبين قد يصوتون للكيان الذي شاهدوا صورته في التلفزيون، او قرأوا لافتة تدلل عليه، ولكن اربعة اضعاف هؤلاء يصوتون للكيان الذي نصحهم به اصدقاؤهم الموثوقون، كما تظهر احدى الدراسات التخصصية.
من جهة اخرى فان هذا القرب من الناخبين يمكن من ممارسة الدعاية السلبية بشكل واسع، ولكنه لا يترك أثرا يقتفى في حالة الشكوى من هذا التصرف. فمن السهل تصدير اشاعة بين الناس حول امر ما حتى مع غياب الدليل، ولن يكون ممكنا عمليا اثبات من اصدرها. بينما سيكون من الصعب الحديث بشكل رسمي عن اية طعونات بالكيانات الاخرى دون توفر ادلة دامغة. ولكن المواطنين العاديون عادة لا يلاحظون الفرق، ويتناقلون الخبر والاشاعة بنفس القدر من الاهتمام والتصديق، اذا تواترت ا بما فيه الكفاية.
وفي الدعاية الانتخابية، شأنها شأن كل الفعاليات السياسية الاخرى، كل شيء جائز ما لم يمنع بقانون صريح. وقد يكون توجيه الخطاب الديني لحث الناخبين بالتصويت لقائمة او كيان سياسي امرا غير مقبول لدى البعض، ولكنه غير ممنوع قانونا. فالنظام رقم 8 لسنة 2005 الذي اصدرته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، ينص على انه "لايجوز لاي كيان سياسي او ائتلاف ان يضمّن حملاته الانتخابية افكارا تدعو الى اثارة النعرات القومية او الدينية او الطائفية او القبلية او الاقليمية بين المواطنين"، وهذا لا يمنع من استخدام الخطاب الديني طالما انه لا يتجاوز الممنوعات المذكورة. ولا اجد ما يمنع الكيانات الاخرى من استخدام اساليب مماثلة، اذا كانت اقرب الى قلوب المواطنين. ولست ادعو الى تسييس الدين، ولكن الى خلق التوزان الضروري لعدم انفراد جهة او قائمة او كيان ب عقول وقلوب الناخبين.
لقد نجحت قائمة الائتلاف من خلال تحدثها الى كل ناخب على حدة في كسب الثقة لديهم، واجتياز المرحلة الثالثة حتى بدون الحاجة الى فتوى صريحة بالتصويت لتلك القائمة. والخطاب الديني الذي تميزت به دعاية تلك القائمة، لم يكن ليغير من توجهات الناخبين بشكل كبير لو ان بقية الكيانات توجهت بذات القدر من الاهتمام الى الناخب الفرد وسعت الى ضمه واشعاره باهميته لديها وبالتالي اكتسبت ثقته. فعندها لن يكون سهلا التحول عن دعم ذلك الكيان، حتى ولو داعب الكيانات الاخرى عقيدته الدينية او ولاءاته العشائرية او غير ذلك من الضغوطات التي تستخدم عادة للتأثير على الناخبين.

Wednesday, December 21, 2005

مشروع قانون لإيجار العقارات التجارية والصناعية

في خضم العملية السياسية المتأزمة حينا والمنفرجة أحيانا أخرى، وفي ظل ظروف أمنية معقدة قلّ مثيلها في تاريخ العراق الحديث، ربما لا يُعدّ الحديث عن قانون لإيجار العقارات بنوعيها السكنية والتجارية أمرا ذا بال. والواقع ان الجمعية الوطنية، وان أنجزت احد أهم واجباتها وهو الدستور، إلا إنها أهملت بشكل واضح واجبات أخرى تتصل بصلب عملها كمؤسسة تشريعية، ذلك هو إقرار القوانين التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، فضلا عن وضع الضوابط والتعليمات التي تكفل تطبيق هذه القوانين بشكل سلس وسليم.
وفي الحقيقة فان ما يهم المواطن العادي بالدرجة الأولى هو تلك القوانين والأنظمة المتعلقة بها، كونها تضع الأساس المادي للتعامل بين أفراد المجتمع ضمن إطار يتفق عليه الجميع، وتهيئ الظرف المناسب للاستثمار التجاري، وتمنع الاستغلال والانتهازية من التغلغل إلى نفوس بعض الأفراد الذين لا يردعهم عن تحقيق مآربهم على حساب الآخرين سوى قانون حازم يضع النقاط على الحروف. ومن ناحية أخرى فان تشريع القوانين هو استجابة لحاجات المجتمع من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وان تعلق بعض هذه القوانين بالنواحي السياسية والثقافية والأمنية بطبيعة الحال.
ان استغراق البلاد في عملية سياسية طويلة وشائكة يجب ان لا يمنع التفكير في مشاريع لاستصدار قوانين تمس حياة المواطنين ومصدر رزقهم، وتهيئ الأرضية للنمو الاقتصادي المتوقع من بلد الثروات المتعددة. وإذا كانت الجمعية الوطنية الحالية غير قادرة عمليا على مثل هذه التشريعات بسبب طبيعة توزيع المقاعد البرلمانية وسيادة مبدأ المحاصصة، علاوة على غياب ممثلي محافظات غرب العراق، فقد يكون من المناسب البدء بالتحضير لمثل هذه المشاريع لمجلس النواب القادم الذي قد يكون أكثر تمثيلا، واقل تعلقا بالمشروع السياسي.
ولا يخفى ان من أهم عوامل التباطؤ الاقتصادي في الوقت الراهن هو غياب التشريع الواضح الذي يرسم الإطار القانوني لعلاقة مالكي العقارات بمستأجريها، إثر قيام النظام السابق برفع اليد عن هذه المعاملة، وتركها حرة تـُحدد صُوريّا بين طرفيها، وعمليا عن طريق طرفها الأكثر قوة وهو مالك العقار. وفي الواقع ان تلك العلاقة كانت تحكمها قبل ذلك الإجراء الحكومي تنظيمات وقوانين وضعت القوة القانونية بيد المستأجر، الذي كان بمجرد توقيعه عقد الإيجار يصبح المالك الفعلي لذلك العقار مقابل بدل الإيجار غير القابل للزيادة قانونا. وقد أرادت الدولة ظاهريا –آنذاك- ان تعيد التوازن إلى هذه العلاقة غير المتكافئة بإلغائها العقارات التجارية والصناعية من قائمة العقارات التي لا تسمع المحاكم دعاوى إخلائها، شأنها في ذلك شأن العقارات السكنية، ولكن الاستثناء بقي بالنسبة لتلك الأخيرة. والحق ان هذا الإجراء ساعد في ازدياد العقارات التجارية المعروضة للإيجار، وشجع بناء المزيد منها ولفترة محدودة، ولكن على حساب ارتفاع بدلات الإيجار بشكل مضطرد وعدم خضوعها إلى ضوابط سوى تقدير أصحاب تلك العقارات، واضطرار المستأجرين إلى القبول بأي قيمة للإيجار –مهما تكن مجحفة- وإلا تعرضوا لفقدان مصدر رزقهم. وقد تكون هناك أسباب أخرى حملت الدولة على رفع الحماية عن المستأجر تتعلق بتحقيق ضربة تجارية كبرى للمتنفذين في تلك الدولة والذين اشتروا عقارات كثيرة بثمن بخس قبل صدور التشريع ثم ارتفعت أسعارها أضعافا مضاعفة بعد صدوره ودخوله حيز التنفيذ.
ونحن إذ نعتقد ان إعطاء المستأجر كامل الحق في التصرف هو أمر غير عادل، فإننا في الوقت ذاته لا نجد عدلا في إعطاء هذا الحق لمالك العقار وحده. وقد أثبتت التجربة الواقعية ان كثيرا من مالكي العقارات قد تصرفوا بشكل غير منصف مع المستأجرين الذين شغلوا تلك العقارات لفترات طويلة. وحتى الذين أعطوا بدلات إيجار مقاربة لمستواها السوقي لم يسلموا من التهديد بالطرد أو الإخلاء، واضطروا إلى زيادة تلك البدلات المرة بعد الأخرى، أو إخلاء محالهم التجارية ومصانعهم ومخازنهم وما شابه. وأدى ذلك إلى أضرار فادحة على مستوى الاقتصاد الفردي واقتصاد الأسرة، وصولا إلى الاقتصاد الوطني. ان انخفاض عدد العقارات الصناعية المشغولة تحديدا قد الحق بالتأكيد ضررا بالغا بالاقتصاد الوطني، نتيجة قلة المعروض من المنتجات المحلية والاستعاضة عنها بالمستورد، وما يترتب على ذلك من خروج للعملة الصعبة وارتفاع أسعار النقل التجاري وضياع الخبرات المحلية وإهدار المواد الأولية المحلية أو تصديرها بأثمان زهيدة.
وبناء على ذلك، يجب التفكير أولا بالمصلحة الوطنية العليا المتمثلة في تشجيع الصناعة والاستثمار الصناعي، والتجارة الداخلية، وتحريك مفاصل الاقتصاد الحر ضمن الضوابط العادلة لأطراف المعاملات كافة، ومنها معاملات الإيجار. كما يجب وضع البدائل المناسبة لضمان عدم وقوع احد طرفي المعاملة تحت الضغط المجحف، أو الشعور بغياب الخيارات التي تدفعه إلى الرضوخ أو الانصراف عن المشروع برمته. ونشير هنا إلى ان البلد يشهد حالة من الاستقرار المالي من ناحية ثبوت سعر صرف الدينار مقابل العملة الصعبة، مقارنة بفترة ما قبل السقوط التي تميزت بتدهور مستمر لسعر الدينار مقابل العملات العالمية. ومثل هذا الاستقرار كان يمكن ان يكون كفيلا بتحقيق استقرار في الأسعار بشكل عام. غير ان الأسعار السوقية ظلت في حالة من التصاعد لأسباب كثيرة، منها عدم الاستقرار الأمني، والطفرة التي شهدتها رواتب الموظفين، وانخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي، وعودة المهاجرين وما شكل ذلك من ازدياد الطلب على البضائع، ونشوء طبقة المقاولين والتجار الجدد الذين حولوا أموالهم وودائعهم من العملة الصعبة إلى خارج البلاد بدلا من استثمارها داخله خوفا على حياتهم وأسرهم. كذلك تسببت العودة المفاجئة للمغتربين، وظهور رساميل كبيرة بيد طبقات كانت متوسطة، في ازدياد الطلب على العقارات والأراضي وبالتالي ارتفاع اسعارها بشكل خيالي وخلال مدة قصيرة يعجز السوق المحلي عن استيعابها. ونتيجة لذلك ارتفعت معدلات بدلات الإيجار التجاري، تحقيقا لمبدأ الاستثمار العقاري الذي يعتمد أساسا على قيمة العقار في تحديد مقدار عائداته. وبالمقابل أدت زيادة معدلات بدلات الإيجار إلى ارتفاع أسعار البضائع بجميع صنوفها، ودفع المستهلك جزءا من هذا الفرق، ودفعت الطبقة الوسطى المُشغلة لهذه العقارات الجزء الآخر.
وأخيرا فان غياب النظام الضريبي قد ساهم هو الآخر في إطلاق يد مالكي العقارات، بالإضافة إلى الفساد الإداري والرشوة والمحسوبية في غير واحد من مفاصل الدولة، مما جعلها عاجزة عن التصدي للجشع والاستغلال التجاري، وشلّ دورها الرقابي سواء على العلاقات بين المالكين والمستأجرين، أو على مجمل العملية الاقتصادية المحلية.
ان محاولة استصدار تشريع لتحديد هذه العلاقة الحيوية، وتنظيم شؤون العقارات وكيفية وظروف استغلالها ستواجه حتما ما ذكرناه من عوائق، يضاف إليها ضعف الوعي القانوني وعدم الثقة بالدولة الموروث عن الحقبة السابقة، والذي ساهمت الدولة في وضعها الراهن على ترسيخه بإهمالها وانشغالها بالعملية السياسية كأولوية أولى. لذلك يجب التخطيط مسبقا لنشر وعي قانوني، والعمل على تعميق الثقة بالدولة وبإجراءاتها من خلال إشراك المواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مناقشة مشاريع القوانين عموما، وعدم الانفراد باتخاذ القرار باعتبار مجلس النواب منتخباً وممثلاً للشعب. فالشفافية الحكومية مبدأ واجب التطبيق حتى بالنسبة للحكومات المنتخبة، لضمان بقائها قريبة من حاجات وآمال وتطلعات الشعب.
وإذا كان لنا ان نضع مسودة لمشروع هذا القانون، فجري بنا السعي استنادا إلى المعطيات أعلاه، الى ان يكون كما يلي:
ـ1ـ ان هذا القانون هو من اجل تحديد شكل العلاقة بين مستأجر ومؤجر العقار وهو المرجع الوحيد في حل الخلافات الناجمة عن العقد المبرم بموجبه، كما انه الأساس الوحيد لإجراء عقود الإيجار (التجارية والصناعية).
ـ2ـ تشرف الدولة على تطبيق هذا القانون عن طريق هيئة متخصصة تشكل من قبل السلطة التنفيذية المناسبة، وترسل الهيئة ممثليات لها في المحافظات على شكل لجان تنفيذية. ولهذه الممثليات والهيئة ذاتها صلاحيات البت في الخلافات ضمن اختصاصاتها، ويمكن لها الإحالة إلى المحاكم المختصة في حالات التعسف، كما يمكن استئناف قراراتها أمام المحاكم المدنية. وتكون قرارات المحاكم المختصة نهائية وملزمة لطرفي الدعوة وللهيئة وممثلياتها على حد سواء.
ـ3ـ تشكل الهيئة والممثليات لجاناً فنية تعمل على ترسيم مراكز المدن والاقضية والنواحي حسب القيمة السوقية لعقاراتها، وتعتمد سلما من خمس درجات (أو أكثر) في تحديد القيمة للعقارات التجارية:
أ) عقار درجة أولى في وسط المدنية ب) عقار درجة ثانية في وسط المدينة ج) عقار درجة أولى في الضواحي د) عقار درجة ثانية في الضواحي هـ) عقار في منطقة سكنية. كما تعتمد سلما من ثلاث درجات (أو أكثر) للعقارات الصناعية: أ) عقار درجة أولى في منطقة صناعية ب) عقار درجة ثانية في منطقة صناعية ج) عقار في منطقة غير صناعية.
ويعتمد تحديد الدرجة على كون العقار مطلا على شارع تجاري، ومقدار كثافة المرور الراجل والآلي، وسهولة وصول وسائل النقل بأحجامها المختلفة.
ـ4ـ تقوم الهيئة وممثلياتها بإعداد جداول للقيمة التقديرية لبدلات الإيجار اعتمادا على تصنيف العقار (الوارد في الفقرة (3))، إضافة إلى المعايير التالية:
أ) حالة العقار العمرانية وعمره الزمني.
ب) مساحة العقار الكلية، حيث تضاف فوارق نسبية لكل متر مربع تزيد عن الحد الأدنى للمساحة (حيث يحتاج إلى تشريع مستقل).
ج) عرض واجهة العقار، حيث تضاف فوارق نسبية عن كل متر طول يزيد على الحد الأدنى للواجهة (بما يحتاج إلى تشريع مستقل).
د) كون المحل المستأجر في الطابق الأرضي، أو الطوابق العليا أو الدنيا، حيث يخفض من القيمة التقديرية بنسبة مماثلة لارتفاع العقار أو انخفاضه عن مستوى الأرض. ان هذه النسبة ليست ثابتة وتعتمد على التسهيلات المتوفرة في المباني، كالمصاعد والسلالم الواسعة وما أشبه، فكلما زادت التسهيلات قلت نسبة التخفيض، وبالعكس.
هـ) مدة العقد، حيث تكون قيمة بدل الإيجار اقل كلما كانت المدة أطول، على ان يمنح المالك إعفاء ضريبيا مماثلا لهذا التخفيض (يحتاج إلى تشريع مستقل).
و) يجب ان تخضع جميع العقود إلى الإجراءات الضريبية، ويعتمد نظام ضريبي تصاعدي نسبة إلى قيم بدلات الإيجار كلاً على حدة، ويعتمد مبدأ التشجيع على قبول بدلات إيجار اقل من القيمة التقديرية مقابل إعفاءات ضريبية (يحتاج إلى تشريع مستقل).
ز) أية ضوابط أخرى محلية.
ـ5ـ إصدار تشريعات مناسبة لتنظيم شؤون العقارات في الأسواق الحرة، والمناطق السياحية والأثرية، وللاستثمارات الأجنبية، وللمشاريع الكبرى والمتوسطة، وكيفية استغلال الموارد المتاحة من مياه وطاقة ضمن حدود العقار أو ما يحيط به.
ـ6ـ تعمل الدولة على تشجيع بناء المجمعات التجارية من خلال القروض العقارية الميسرة. كما تأخذ على عاتقها تنظيم المدن لإنشاء أسواق بديلة لتخفيف الضغط عن الأسواق التقليدية، وإنشاء المناطق الصناعية، وبناء المجمعات التجارية والصناعية الصغيرة وتأجيرها بمستويات تقل بشكل واضح عن مستويات الإيجار السائدة لخلق الموازن العملي واستيعاب الفائض. كما يجب مراعاة عدم الإجحاف بمالكي العقارات بتدخل الدولة، أو تحويل الدولة إلى المالك الفعلي للعقارات التجارية والصناعية من خلال التوسع المفرط في هذا الإجراء.
ـ7ـ يطبق هذا القانون على العقارات التي سبق ان تم تأجيرها واستغلالها. وتعدّ كل معاملة سابقة باطلة قانونا، ولكن يمكن جدولة التطبيق خلال فترة زمنية مناسبة.
ـ8ـ يجب ان يضمن عدم تعديل هذا القانون أو إلغاءه قبل فترة مناسبة من دخوله حيز التنفيذ. كما يجب ان يكون التعديل بطريقة تضمن مشاركة النقابات المهنية، وغرف التجارة والصناعة، والشرائح الاجتماعية التي يشملها.
ـ9ـ يمكن اعتماد مبدأ الاستفتاء الشعبي لإقرار هذا القانون، وتعديله لاحقا، على ان يقرّ أو يعدل في مجلس النواب أولا.
ان هذا المشروع ليس إلا نتاج حالة تأمل يمكن أن تغنى من قبل المختصين بالقانون. كما انه يتطلب تشريعات قانونية أخرى قد تتعدى حدود الملكية العقارية والمعاملات بشأنها، ليتناول تحقيق تنمية اقتصادية شاملة وإشراك الدولة في تفاصيل هذه المعاملات. وقد يؤدي تدخل الدولة هذا إلى نشوء بيروقراطية إدارية معرقلة لمسيرة التنمية، ولكنها في الوقت نفسه ستكون، إذا أحسن بناؤها وتنظيمها، موازنا منطقيا لحماية أرباب المصالح والمستهلكين على حد سواء.

Thursday, December 08, 2005

المنافسة محصورة بين قائمة الائتلاف العراقي الموحد والقائمة الوطنية العراقية

المدى-لجنة البحوث والدراسات
تشير الأجواء العامة في أنحاء العراق كافة الى أن يوم الخامس عشر من كانون الأول الجاري سيشهد واحداً من أهم الأحداث السياسية في تاريخه المعاصر، حيث من المتوقع أن يتوجه قرابة خمسة عشر مليون ناخب الى صناديق الاقتراع في عموم البلد للإدلاء بأصواتهم في ثالثة ممارسة ديمقراطية خلال عام واحد، وهذا بمقاسات سياقات الديمقراطية السائدة في المنطقة، يعد إنجازاً بحد ذاته، وبغض النظر عن النتائج فأنها تأسيس وترسيخ لتقاليد ومناهج قد غيبت قسراً سنين طوالاً.
وتواصلا مع الحدث، أجرت لجنة البحوث والدراسات في مكتب (المدى) بمحافظة بابل استطلاعاً للرأي على أساس علمي مدروس، لمعرفة توجهات الناخبين، وعمق الوعي الانتخابي الذي تجسد من خلال الممارسات الانتخابية في الفترة المنصرمة. واستخدمت نموذج استبيان مكوناً من ستة أسئلة، إضافة الى بعض البيانات الشخصية، بدون ذكر الاسم، لاستخدامها في تحليل الإجابات المختلفة وتبيّن تأثير عوامل مثل الجنس والسكن والعمر على طبيعة اختيارات أفراد العينة المختارة عشوائياً. حيث تم توزيع 460 استمارة استبيان في أنحاء محافظة بابل، بشطريها الحضري والريفي. وقد شابت عملية توزيع الاستمارات مجازفة غير هينة في الوصول إلى مناطق توصف بالساخنة. وشمل الاستبيان مدن الحلة والمحاويل وناحية الإمام والقاسم والمسيب والسدة والمدحتية والنيل والكفل والهاشمية والطليعة وأبو غرق، علاوة على الكثير من القرى المحيطة بهذه المدن. وقد تم إعداد قاعدة بيانات حاسوبية لإدخال البيانات وتحليلها، ولاستخراج النتائج بأكثر دقة ممكنة.
وبلغ عدد أفراد العينة 460، وكان عدد الذكور 330 والإناث 130، توزعوا بين 172 من سكنة مدينة الحلة و288 من سكنة الاقضية والنواحي والقرى التابعة لمحافظة بابل.
الأغلبية الساحقة ترغب بالمشاركة في الانتخابات
يبدأ الاستبيان بسؤال حول رغبة المستطلعة آراؤهم بالمشاركة في الانتخابات المقبلة. ويبدو أن خيار المشاركة في الانتخابات يطغى على معظم التوجهات، فقد بلغت نسبة الراغبين بالمشاركة 96.7%، بينما لم تتعد نسبة مقاطعي الانتخابات 3.3%. ومن دلالات النتائج التي أظهرها الاستبيان أن هنالك توجهاً عاماً قوياً لدعم العملية السياسية الجارية في البلد من خلال الإسهام الفاعل في عملية الاقتراع. وهو ما يعكس التطور النوعي في الممارسات الديمقراطية، وانحسار نزعة المقاطعة. الا ان المشاركة قد لا تصل الى هذه النسبة العالية بسبب معوقات كثيرة يفرضها الوضع الاستثنائي، والظروف التي تتحكم بالحالات الفردية يوم الانتخاب.
التنافس محتدم بين الائتلاف والقائمة الوطنية
أظهرت نتائج الاستبيان أن التنافس يكاد ينحصر بين قائمة الائتلاف العراقي الموحد برئاسة عبد العزيز الحكيم والقائمة الوطنية العراقية برئاسة د. أياد علاوي. وحصلت قائمة الائتلاف على النسبة الأكبر من الأصوات وتبلغ 46.1% من مجموع أفراد العينة، تلتها القائمة الوطنية بنسبة 24.6%، بينما تنافست باقي القوائم ضمن نسبة 15.5% فقط، برغم أنها في غالبيتها محلية، وكان من المتوقع أن تحصل على دائرة تأييد أوسع. ومن الجدير بالذكر أن القانون الانتخابي يحتم على القائمة الحصول على ما لا يقل عن نسبة محددة قبل إمكانية ضمها الى مجلس النواب، وتبلغ هذه النسبة بمحافظة بابل 9% لان عدد المقاعد المخصصة للمحافظة 11 مقعداً.
ومن الملاحظات اللافتة للنظر التي تجلت في الاستبيان أن نسبة الإناث الراغبة في التصويت للقائمة الوطنية تزيد على نسبة الذكور (28.5% مقابل 23%)، بينما جاءت النسب متساوية تقريباً بين الإناث والذكور الراغبين بالتصويت لقائمة الائتلاف (46.2% مقابل 46.1%). غير أن النتائج عكست تقدم سكنة الاقضية والنواحي والقرى الراغبين بالتصويت لقائمة الائتلاف بنسبة كبيرة على نظرائهم من سكنة مركز المحافظة (53.3% مقابل 37.5%) وينطبق الأمر على المصوتين للقائمة الوطنية ولكن بنسبة أقل (26.3% مقابل 23.8%). ويبدو أن سكنة المركز يتوجهون صوب القوائم الأخرى أكثر من سكنة خارج المركز (25% مقابل 10.9%)، وهذا ناجم عن مشاركة واسعة لقوائم مركز المحافظة.
يظهر تحليل الاستبيان استناداً للفئات العمرية أن أغلب المصوتين الذين تقع أعمارهم بين 30-39 سنة يميلون باتجاه قائمة الائتلاف بنسبة 53.3% في حين أن المصوتين للقائمة الوطنية بلغت ذروتهم في الفئة العمرية بين 50-59 سنة وبنسبة 28%، والملاحظ أن مصوتي القائمة الوطنية تزداد نسبتهم بتقدم العمر، وهو انعكاس لتباين تطلعات مختلف الفئات العمرية.
البرنامج السياسي والواجب الديني
وعند تحليل إجابات أفراد العينة على السؤال الوارد في استمارة الاستبيان: ما هو الأساس الذي تعتمده في التصويت؟، ظهر أن نسبة 51.1% تعتمد البرنامج السياسي في تحديد خيارها، ونسبة 30.8% تعتقد أن التصويت واجب ديني للقائمة التي ترغبها، فيما كانت نسبة 13.7% تروم التصويت دعماً لرئيس القائمة، ولم تحض الأسباب العشائرية الا بنسبة ضئيلة بلغت 1.1%، برغم أن عدد المشاركين من خارج مركز المحافظة يقارب ضعف عدد المشاركين من المركز، مما يدلل على أن التأثير العشائري في محافظة بابل لا يشهد رواجاً بين الناخبين خلافا للرأي السائد بهذا الشأن.
أن نسبة المصوتين لقائمة الائتلاف بوصفه واجباً دينياً 58% بينما كانت نسبة المصوتين للقائمة الوطنية اعتماداً على البرنامج السياسي 76.1%. وقد انعكس دعم رئيس القائمة الوطنية بنسبة 19.5% مقابل 1.9% فقط صوتوا لرئيس قائمة الائتلاف، وظهور هذه النتائج بتلك الصيغة يجسد استقطابات الرأي العام موزعا بين التيار الإسلامي والتيار الليبرالي، وتشابها مع ما أفرزته نتائج الانتخابات السابقة، وفيها دلالات على أن هذا الاستقطاب سيبقى في الساحة السياسية العراقية للفترات القادمة.
ومن المفارقات الطريفة أن هناك خمسة أفراد من العينة، يشكلون نسبة 4.5% من الذين صوتوا للقائمة الوطنية اتخذوا قرارهم بالتصويت لها كونه واجباً دينياً، رغم غياب الخطاب الديني في الدعاية الانتخابية لهذه القائمة المعروفة بالتوجه العلماني. والأرجح أنها سقطات من قبل هؤلاء الأفراد لا تعبر بدقة عن وجهات نظرهم.
تفاؤل عام بمرحلة ما بعد الانتخابات
وتضمن نموذج الاستبيان مجموعة من الأسئلة حول ما يمكن أن تسهم فيه الانتخابات. وقد أظهرت النتائج أن معظم أفراد العينة متفائلون بان الانتخابات ستساهم في تحسين الوضع الأمني (85.2%)، وتحسين الخدمات (77.4%)، ودفع عملية إعادة الإعمار (74.8%)، وحل مشاكل البطالة والضمان الاجتماعي (72.8%).
معرفة محدودة بالمرشحين
آخر أسئلة الاستبيان يدور حول مدى معرفة الناخبين بمرشحي القوائم المتنافسة، واتيحت لأفراد العينة الاختيار من بين ثلاثة خيارات تدلل على حجم تلك المعرفة. وقد بيّن 24.8% من أفراد العينة الراغبين بالتصويت، والذين اتخذوا قرارهم بالتصويت لقائمة معينة، أنهم لا يعرفون سوى رئيس الكيان الذي سيصوتون له. وأفادت أغلبية هذه الفئة (52.2%) بأنهم يعرفون بعضا من مرشحي قائمتهم المفضلة، بينما ادعت 9.1% أنها تعرف جميع المرشحين. ولا نجد هذه النتائج غريبة بالنظر للوضع الأمني غير المستقر، والذي يحول دون إعلان أسماء المرشحين بشكل واسع، ولقصر الفترة الزمنية المتاحة للدعاية الانتخابية. والظاهر أن اغلب الناخبين يثقون باختيارات رؤساء القوائم لبقية المرشحين.
وتجدر الإشارة الى أن نتائج هذا الاستبيان لا يمكن أن تطبق على عموم العراق، بسبب اختلاف التوجهات العامة بين منطقة واخرى، ولكن هذه النتائج يمكن ان تعبر - عموما- عن الرأي العام في مناطق وسط وشرق العراق، وربما جنوبه أيضا. من جهة ثانية، فان التصويت الفعلي في الانتخابات القادمة قد يختلف نسبيا عن نتائج هذا الاستبيان، سيما وجود نسبة كبيرة من المترددين، الذين يمكن أن يصوتوا لصالح قوائم غير رئيسة، وبالتالي تتغير موازين القوى. ومن المعروف ان الناخب في مرحلة يكون عرضة للتأثيرات المختلفة، ويكون للاحداث اليومية في الاسبوع او الايام القليلة التي تسبق يوم الانتخابات تأثير مباشر على قراره.

Thursday, November 10, 2005

الحور العين: الإرهاب بعيون عربية

عرضت قناة (ام بي سي) الفضائية خلال شهر رمضان المبارك مسلسلا متميزا يتحدث لأول مرة عن موضوعة (الإرهاب) في سياق درامي – اجتماعي لا يخلو من التشويق، وان تعرض –كغيره من الأعمال الدرامية خلال شهر رمضان- إلى المطّ والإسهاب، من اجل بسط مادته خلال الشهر الفضيل. وهو إنتاج سوري-سعودي مشترك، وعرضته هذه القناة بشكل حصري. ويأتي عرض هذا المسلسل بعد ان اخفقت القناة في عرض كامل المسلسل (الطريق الى كابول)، والذي يتحدث عن موضوع مشابه، في رمضان العام الماضي نتيجة اخلال المنتجين بالتزاماتهم على ما يبدو.
ويمكن ان يقسم مسلسل الحور العين إلى محورين أساسيين اولهما محور اجتماعي يتحدث عن سكان مجمع (المحيّا) في مدينة الرياض والذي تعرض إلى عملية إرهابية من قبل الجماعات المسلحة في المملكة العربية السعودية. وقد حاول القائمون على هذا المسلسل ان يتعرضوا لحياة الناس العاديين، وجلّهم من العرب المغتربين العاملين في السعودية، ويفصلّوا الكثير من الشؤون اليومية للاسر المختلفة في بيوتها، لحمل المشاهد على التفاعل والتعاطف معها، وتهيئته نفسيا لنبذ وشجب العمليات المسلحة التي سيقعون ضحايا لها فيما بعد.
أما المحور الثاني في هذا المسلسل فيدور حول عناوين الارهاب، والجهاد، والتطرف. ويعرض لنقاشات حادة ومباشرة في أحيان كثيرة حول صواب هذه الأعمال وجدواها. ويتابع سيرة شاب سعودي يُغرر به من خلال الأفكار المتطرفة والاستخدام المبتسر للنص القرآني والنبوي والمأثور عن السلف الصالح. وهو يستعرض كذلك النوازع النفسية لهذا الشاب بين دواعي الجهاد وتأصله في العقيدة، وبين الدعوة الحسنة والقيم والمثل الدالة على نبذ العنف وقبول الآخر وروح التسامح في الدين الإسلامي.
والواقع ان المسلسل في محوره الاجتماعي لا يعدو ان يكون عملا متوسطا، وغير جدير بان يوصف بالمتميز. ولكنه، ومن خلال تطرقه لموضوعة الارهاب، ينتقل الى تفرّد قلّ نظيره نظرا للحساسية البالغة التي يعالج بها هذا الموضوع، رغم انه بات يلقي بظله على حياة الناس في غير واحد من البلدان العربية والإسلامية. كما ان واضعي القصة لم يهتموا كثيرا بتحريك الأحداث لإضفاء التشويق عليه، فجاءت معظم الحلقات تكرارا لأحداث وحوارات ونقاشات في حلقات سابقة. وهم لم يهتموا كذلك بإيجاد نهايات لتلك الأحداث، حيث راهنوا على الحدث الأكبر الذي يشكل محور المسلسل وقضيته، وهو التفجير الارهابي الذي ازهق أرواح معظم أبطال المسلسل. ولعل عِلم المشاهد بالمصير الذي ستؤول إليه الشخصيات جعله غير مكترث هو أيضا بالحبكة الدرامية، وكيفية التقاء الخيوط المتفرقة، وحلّ العقد الرئيسة في هذا العمل الدرامي.
لكن المسلسل نجح بشكل لافت في الإشارة إلى خطر التطرف، وصرح بوضوح إلى منابعه وبيئته الخصبة: الجوامع والحلقات الدراسية الدينية. وشكلت شخصية رجل الدين المستنير، والمحب للحياة والناس، مفتاحا لمواجهة قوى الظلام التي تسكن الكهوف وتتجول في البراري. وجاءت الحوارات بين هذين الطرفين المتناقضين بمستوى متفوق أحيانا، بما يفتح الباب أمام حوارات أخرى في المستقبل، وان كان طرفاها يستقون مادتهم ومرجعهم في جدالهم من ذات المنبع. ولكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان المسلسل يتحدث بالدرجة الأولى عن التطرف الديني في السعودية تحديدا، فمما لاشك فيه ان تلك الطروحات تعدّ ثورية، وغير مسبوقة بهذا الكم والحجم.
وهذا يقودنا إلى ملاحظة مهمة. فموضوعة الارهاب تتم مناقشتها ضمن حوارات هذا المسلسل من زاوية حدوثه في المملكة تحديدا. ويقدم المسلسل إدانة واضحة لهذه الاعمال، ويتحيز باستخدام حيل ووسائل إخراجية فنية، ضد من يروج للعنف والتطرف. ويوجه كذلك نقدا اجتماعيا يضاف للنقد الديني والسياسي للأفكار المتطرفة التي أخذت تغزو المجتمع السعودي خصوصا، والعربي عموما. بيد ان هذا النقد ظل ضمن حدود جزيرة العرب. ولم يسعَ المسلسل إلى توسيع دائرته لتشمل المناطق الأخرى التي تعاني من ذات البلوى، كالعراق وفلسطين وأفغانستان واندونيسيا والشيشان والفلبين، ناهيك عن وقوع أعمال الإرهاب في غير بلاد المسلمين. بل ان رجل الدين المعتدل لا يرفض صراحة، وربما يوافق أيضا، على ان الجهاد في تلك الأماكن هو جائز وشرعي، وان حدد لذلك شروطا عديدة.
ويخيل الينا ان المراد من ذلك هو توجيه التطرف السعودي الى خارج المملكة، والنظر على ان اقتراف أعمال العنف ضد سكانها، وان كانوا غير سعوديين، هو جريمة وخطيئة كبرى. بخلاف ما يحدث من أعمال مماثلة في العراق مثلا، على اعتبار ان العراق (محتل)، وبالتالي فهناك مسوغ لتلك الأفعال. ونشير هنا الى تنويه رجل الدين حول فشل اعمال العنف في العراق في تحقيق اهدافها، حيث يؤكد ان عديد الضحايا بين المدنيين العراقيين يزيد على عشرين ضعف عددهم بين القوات الامريكية. ولكن مثل هذه الاشارات كانت نادرة وهامشية الى حد ما. ولكننا للإنصاف نقول ان اية محاولة لتوسيع نطاق المسلسل ربما كانت كفيلة بإفشاله ورفضه ككل. فالمسلسل جاء استثمارا للمدّ المعارض للعنف في المملكة نتيجة تفجير (المحيّا) والأعمال الإرهابية الأخرى، ورغبة المجتمع السعودي في الحدّ من تلك العمليات في هذا البلد. ويمكن اعتبار ان هذا المسلسل هو خطوة أولى ربما تتلوها خطوات في المستقبل، عندما يكون المجتمع أكثر استعدادا وتهيؤا لنبذ أعمال العنف أينما وقعت.
والمسلسل أهمل عن عمد الخوض في حياة غير العرب الساكنين في نفس المجمع، والذين راحوا هم أيضا ضحايا لنفس العملية الإرهابية. وجزء من ذلك يعود إلى الأسباب ذاتها في تضييق النطاق المستهدف، وفي محاولة استعطاف المشاهد على الشخوص التي يشعر بالألفة تجاهها من ناحية اللغة والدين والأصل المشترك. نعم، كانت هناك شذرات بين الحين والآخر تدعو إلى حفظ نفوس (المعاهدين) و(الذميين)، ولكن بالمقارنة مع خوض المسلسل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للضحايا من العرب، فمن التجني اهمال ذكر جيرانهم القادمين من دول غربية، والذين لا نشك انهم كانت تربطهم روابط الجيرة الحسنة، والتوحد في الإنسانية مع سكان المجمع من العرب.
والشخوص في هذا المسلسل هي صفات مجردة. فالمهندس خريج الجامعات الفرنسية متكبر ومغرور، ولا يملك حسا فنيا، ويعامل زوجته الفقيرة وغير المتعلمة بكل قسوة وازدراء، رغم ثقافته واحتكاكه بالمجتمع الفرنسي الحر من خلال زواج سابق فاشل. والتاجر السوري مستغرق دائما في عمله ولا يهمه من حدوث هجوم إرهابي إلا مقدار تأثير ذلك على تجارته، رغم ان مثل هذه الأعمال تعد أمرا نادرا في الرياض. ورجل الأعمال الأردني-الفلسطيني هو أب قاس متغطرس رغم اقترانه بزوجة مثقفة ومعلمة مثابرة. والفنان اللبناني عصبي المزاج على طول الخط ومنطوٍ على نفسه، كما ان زوجته لا تسعى إلى فهمه ومشاركته همومه بقدر ما تركز على ذاتها وسأمها ووحدتها. والأمر ذاته بالنسبة للكاتبة المغربية التي تشعر بالاستعلاء على زوجها الميكانيكي، الذي يتصف هو الآخر بالجشع دائما.
ومع ذلك يتطرق المسلسل في ناحيته الاجتماعية لنموذج من تأثيرات العولمة والثورة المعلوماتية من خلال قصة حب بين الفتاة السورية وشاب سوري يعيش في الولايات المتحدة. ويحمل حوارهما عبر برامج المحادثة قيما تربوية واجتماعية عليا، يرسلها في غالب الأحيان الطرف الذكري مما يوحي بتأثير الثقافة الغربية عليه. وفي غير هذا النموذج كانت معظم الشخصيات الذكرية الاخرى متصفة بالسلبية أو الأنانية وحب ألذات، باستثناء شخصية أستاذ الجامعة المصري الذي يقنع بعدم قدرة زوجته على الإنجاب ويواسيها على ذلك، وان كانت هي ذاتها غير قانعة وتكرر التذمر والتشكي من حالها وفشلها كامرأة في كل حلقة تقريبا. أما النساء فقد كنّ -عموما- اكثر ايجابية وقدرة على التأثير في الأحداث. والواقع ان هذا الفصل والتميز في الشخصيات نادرا ما يقع، وان كل إنسان يحمل سلبيات وايجابيات. ومن ميزات العمل الجيد ان يسعى لإظهار كليهما في الشخصية لجعل العمل أكثر واقعية.
يبقى ان استعمال القائمين على هذا المسلسل لشخصية المواطن السعودي الراغب في إقامة الفريضة الغائبة، وتردده بين آراء المتطرفين ودعوتهم الجهاد، وبين محاضرات الشيخ المعتدل التي تنبذ العنف، يمثل محاولة لتشخيص كيفية تجنيد المُغرر بهم الذين يتم استعمال أجسادهم في الأعمال الإرهابية. لكن هؤلاء فاتهم ان التجنيد لا يكون في مدى أيام أو اشهر، وان التهئية النفسية وغسل الدماغ ربما يستغرق سنوات. وان هؤلاء المُغرر بهم يتم استدراجهم في اعمار مبكرة وقبل خوضهم في ملذات الدنيا وتعرفهم عليها، لضمان عدم تراجعهم وفشلهم في تنفيذ الأوامر الموكلين بها. ويمكن ان نعدَّ الخاتمة المفبركة للانتحاري المفترض والذي يقرر العودة عن فعله وتفجير السيارة الملغمة التي كان يقودها في الصحراء بدلا من الهدف المقرر أصلا، يمكن ان نعدَّ ذلك ضربا من التمني، والذي لا يمكن تصديق حدوثه بهذه السهولة.
ومن ناحية أخرى فان التحقيق مع احد المعتقلين الذين داهمتهم القوات الأمنية وتمكنت من إلقاء القبض عليه لا يرقى إلى مستوى عمل فني متخصص. وجاء هذا التحقيق في اغلبه بصيغة حوارات جوفاء وتكرار لعبارات بعينها يقولها المحقق، يقابلها استهزاء واضح من المتهم. وحتى اعتراف المتهم اخيرا وإرشاده لوكر الجماعة الإرهابية لا يمكن ان يصدق، وهو ايضا يقع في دائرة التمنيات. وأكاد اجزم انه لو كانت هذه هي الوسيلة التي تحقق بها القوات الأمنية السعودية فلن تتمكن من معرفة سوى النزر اليسير من المعلومات، وأنها ربما لن تستطيع –بهذه الطريقة- مواجهة آفة الإرهاب فضلا عن القضاء عليها.
ان المسلسل الذي عرضته الـ (ام بي سي) جاء في فترة حساسة من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية، لتزايد الأعمال الإرهابية المستندة العقيدة الاسلامية. ومجرد تصديه لبحث هذا القضية هو بلا شك شجاعة كبيرة، وخروج عن النمطية، وإحكام للعقل مقابل العاطفة الهوجاء التي تتسم بها الشعوب الشرقية عموما. وإذا كانت قناة (ام بي سي) قد اتخذت شعارا في موقعها على الانترنت (العالم بعيون عربية)، فإنها بعرضها لهذا المسلسل قدمت رواية عن (الإرهاب) بعيون عربية. ويحق لهذه القناة ان تتحدث عن قضية عالمية بعيونها هي، ولكننا ندرك ان هذه الرؤية ليست عالمية أو إقليمية، وان لم تكن محليّة جدا.

Monday, November 07, 2005

الطائفية سبب للحب والحرب

من نعم الخالق عز وجل ان خلق الناس مختلفين، ولم يجعلهم على شاكلة واحدة. فجعل من بعضهم ابيضا والاخر اسود، وجعل بعضهم طويل القامة والاخر قصير، وجعل بينهم قوي الجسد والاخر ضعيفه. وجعل بعضهم ذكيا ألمعيا وغيره بالكاد يفهم الاشارة.. ورغم ان من لم ينله القسط الاوفر من جمال الجسم، او حدة الذهن، ربما يكون ساخطا على خلقه، ناقما على عيشه، نادبا سوء حظه، عاتبا على ابيه لاتيانه به الى هذه الحياة الظالمة. لكن من بين حسان الجسوم من ضعُف وانتابته الامراض، ومن بين المفكرين العظماء من ذهب عقله فلم يعد يعي شيئا. ولو تأمل الانسان لوجد في الاختلاف رحمة به، فقد اقتضى هذا الاختلاف شعور الانسان بعدم الكمال وبالتالي اخذ يبحث عن التكامل مع الاخرين، وذلك هو اساس تطور البشرية، ونموها وسيطرتها على الكوكب الارضي.
على ان الاختلاف شيمة بشرية خالصة اكثر تعميما من الشكل، وما قدّر الله لكل فرد ان يكون عليه. فالبشر يختلفون في اللغات والاديان والمذاهب والعادات والتقاليد وغير ذلك اختلافا كبيرا. ولا تكاد تجد ميدانا يتفق عليه الجميع، بل هم يتفرقون الى فرق شتى وينتسبون الى اطياف متناثرة. وهم ينقسمون كل جيل تقريبا حول نفس القضايا التي انقسم عليها اباؤهم واجدادهم. ومع ذلك يحتفظ المجتمع بنوع من الوحدة، تحت رابط اوثق من الرغبة الشخصية. فالانسان تدفعه غرائز عدة وتحركه نوازع مختلفة. وكما ان الرغبة في التجمع غريزة متأصلة، فكذلك الشعور بالذات، والنزوع الى التفوق هي سمات بشرية محضة.
ولعل سبب الانقسام يأتي اصلا من تصارع نوعين من الانتماء داخل الفرد يدفعه الى ايجاد انتماء مشترك، فالقومية قد تكون اقوى من الانتماء الديني في احد المجتمعات بينما يكون العِرق اقوى من كليهما في مجتمعات اخرى. وحين يتفوق الشعور القومي ينتج مجتمعات علمانية تقدس الفردية ضمن الهيكل الاجتماعي. بينما تكون صفة المجتمعات المؤسسة على قاعدة الدين الايثار والرغبة في التضحية. وحين يشعر بعض الافراد ضمن احد هذين بضرورة مراعاة الصفات الاخرى، ينشأ نوع من التوفيق يميز توجهات هؤلاء الافراد، ويؤسس لطائفة جديدة تتبنى صيغا اجتماعية مقتبسة عن كل منهما.
وعلى هذا، فان الطائفية هي احد مظاهر التطور الذي يمر به البشر، في محاولة تصحيح مسار التاريخ، وفي رفض المسلمات المتوارثة. ولو قدر للبشر ان يكونوا على شاكلة واحدة، لتوقف مجرى التاريخ، ولاصبح التعايش بين الافراد مملا الى حد الجنون. والطائفية بعد ذلك نتاج الفكر البشري عبر عصور طويلة من السعي المضني وراء الحقيقة. فهي نتيجة حتمية لرقي الانسان التواق الى اختراق المجهول، والخوض في الغمار الصعبة، متحديا ذاته لاثباتها او فهمها.
لكن الطائفية على مستوى الفكر لا تسود. وما تسود، كما اثبتت وقائع التاريخ، رغبة اخرى في نفس الانسان، تلك هي فرض الذات، مهما تكن الطرق والوسائل المتبعة، وان كانت بالحروب والتقتيل والتهجير والاستعباد. وهنا مكمن الخطر على الجنس البشري. اذ ان الرغبة في تسييد الطائفة، التي يستعملها عادة قادة طموحون الى السلطة المطلقة، قد تدفع الافراد الى التصرف بشكل لا عقلاني وتوقعهم تحت تأثير المد الجمعي، ثم تغير نوازعهم ومُثلهم وتجعل منهم اشرارا لا يرجى لهم صلاحا.
لكن الشر ليس اصل في الانسان. والمجتمعات البشرية اوجدت سبلا للقضاء على التطرف الشرير، وهي جميعا تستظل بمظلة بالقانون، وتؤمن بضرورته. كما اوجدت المجتمعات الانسانية معايير لتقديس الخير وتحفيزه في النفس، وتجعله الغاية القصوى للاشياء. وفي كل تجمع بشري هناك خطوط عريضة يتفق عليها الجميع. ولكنهم ينقسمون تحت هذه المسلمات الى مجتمعات اصغر وتلك تنقسم لاحقا الى ما هو اصغر وهكذا. واذا كان الخير والشر هما عنصرا الحياة الدافعان، فان اولهما يمثل رغبة المجتمع الاكبر في الحق والمساواة والمصالح المشتركة، ويمثل الثاني رغبة المجتمع الاصغر في الاستئثار، والمكاسب الضيقة. وهما يتصارعان على الدوام على مستوى الفرد الواحد، وعلى مستوى المجتعات الصغرى صعودا.
غير ان البشرية مع ذلك اوجدت سبلا للتعايش المشترك رغم وجود الخلافات، يقوم على اسس تحترم الطوائف والمذاهب والاعراق ولا تقلل من شأن ايا منها، وتتيح لكل منها ان ينتهج نهجه الخاص طالما كان خاضعا للقانون. وخوفا من جور القانون الذي يسنه البعض، ولدت فكرة الاشتراك في سن القانون من قبل الجميع. وخوفا من جور القائمين على تنفيذ القانون ظهرت اليات المشاركة في الحكم. وخوفا من استئثار الحكام بالسلطة وابتعادهم عن المحكومين، مهما تكن انتماءاتهم، اقر مبدأ المناوبة على السلطة. ولعمري هذه هي المفردات التي تحدد مفهوم الديمقراطية الحديثة.
ان الطائفية التي تريد تسييد افكارها انما هي امر مقيت تجدر محاربته. لكن الطائفية لا تُجتث، بل تُروض. واذا اتيحت الفرصة للكل في المشاركة، فلن يكون هناك دافع حقيقي للنزاع. واذا كانت هذه المشاركة فعالة، فستكون العامل الاساس في تطور المجتمع ورقيه. وقد ادرك الانسان منذ وقت طويل ان السلم قد يكون هشا، ولكن الحروب لا تحل المشاكل. وبرغم الحرب الضروس، تبقى امنية المقاتل في مصافحة عدوه ومعانقته اكثر من قتله، او الموت على يديه. ولم يكن هناك عدو دائم في لغة التاريخ. ولو قدر لمن ماتوا في الحروب ان يعودوا، لتعجبوا من غبائهم، باهدارهم الفرص الكثيرة في السلم عن طريق التسامح، بدلا من فقدان الارواح والاموال بتعصبهم الاعمى وغير المبرر.
واذا اردت ان تعدّ انجازات الانسان على مدى تاريخه المدون، فلن تجد اعظم من ايمان الاغلية الساحقة من البشر بضرورة التسامح مع الاخرين، رغم اختلافهم في كل شيء اخر تقريبا. ذلك ان الاختلاف لا يكون صحيا الا في جو من التسامح وقبول الاخر. وما دامت الحقيقة النهائية للاشياء لا يمكن ادراكها لقصور العقل البشري، كما يحلو للفلاسفة ان يصفوه، فكل حقيقة ظاهرية ممكنة. وكل ما يؤمن به الاخرون ممكن، ولكن هناك ترجيح فقط لما نؤمن به نحن. ومن هنا يمكن ان نحب الاخرين لاختلافهم عنا بقدر ما نستطيع ان نتسامح معهم. ولا شك ان المؤمنين بالمباديء السامية للدين الاسلامي يقرون انه سمح بما فيه الكفاية لقبول الاخر. اذن فليكن الاختلاف سببا للحب لا للحرب، لاننا متحضرين، ولاننا مؤمنين، ولاننا خليفة الله على الارض.

Monday, October 10, 2005

ثلثا ثلاث محافظات وعدالة التصويت

لاشك ان النقاش حول آلية التصويت على مشروع الدستور الدائم، وكيفية الموافقة عليه او رفضه، قد اتخذ مسارا غير متوقع بالمرة، اذا اخذنا بنظر الاعتبار وضوح النص الذي يحدد تلك الالية في قانون ادارة الدولة المؤقت، المادة الحادية والستون، الفقرة (ج): "يكون الاستفتاء العام ناجحا، ومسودة الدستور مصادقا عليها، عند موافقة اكثرية الناخبين في العراق، واذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات او اكثر." فقد اتخذت الجمعية الوطنية على عاتقها تفسير هذه الفقرة، وفعلت ذلك بشكل مثير للجدل. وتطور النقاش ليصل الى المواطن العادي، الذي بدأ يتساءل كيف يمكن لعدة اشخاص منفردين ان يقفوا بوجه رغبة الملايين، فيعيقوا الموافقة على الدستور، بل ويسقطوه ومعه الحكومة والبرلمان، ويعيدوا العملية السياسية الى بدايتها؟ والواقع ان هذا مجرد افتراض لا اساس له، مبني على نظرية حسابية متطرفة.
ولنبدأ من خوض الجمعية مسؤولية تفسير قانون ادارة الدولة. ذلك ان تفسير القوانين، والقانون الاساس، والدستور خصوصا يقع على عاتق جهة متخصصة تسمى (المحكمة الاتحادية العليا)، كما ورد في المادة 44 (ج): "اذا قررت المحكمة العليا الاتحادية ان قانونا او نظاما او تعليمات او اجراء جرى الطعن فيه انه غير متفق مع هذا القانون فيعتبر ملغيا." وهذه المحكمة كان يجب انشاؤها مع تشكيل الحكومة كما تنص المادة 39 (ج): "يقوم مجلس الرئاسة، كما هو مفصل في الباب السادس، بتعيين رئيس واعضاء المحكمة العليا، بناء على توصية من مجلس القضاء الاعلى." ولكن اهمل ذلك بالطبع نظرا للظروف التوافقية التي اوصلت القيادة الحالية الى سدة الحكم. ويبدو ان لا احد يريد ان تكون هناك سلطة لمراقبة دستورية القوانين، فبعض تلك القوانين ليست فقط غير شرعية، وانما هي ايضا لفائدة حصرية بمن يصدرها. على ان الجمعية الوطنية اضطلعت بمهمة الخصم والحكم، وقررت تفسير الفقرة المشار اليها. وفعلت ذلك بطريقة غريبة، رغم وجود العديد من الخبراء القانونيين، والفقهاء، واللغويين، واصحاب العلم والفهم. فقد اباحت تفسير الكلمة ذاتها بطريقتين رغم ورودهما في نص واحد ومورد واحد. فقد اصدرت قرارها باعتبار معنى مصطلح (اكثرية الناخبين) بانهم المصوتين، بينما استنتجت ان مصطلح (ثلثا الناخبين) يدل على المسجلين. وفي رأيي فان هذا القرار، مهما حسنت نيته، هو من اسوأ قرارات الجمعية الوطنية (المنتخبة)، وسيسجل كنقطة سوداء في تاريخها، وهي التي قدمت الشهيد تلو الاخر في خدمة العملية السياسية والديمقراطية، والتي يتحمل اعضاؤها وزرا كبيرا، وضغطا هائلا. ولعلي اتلمس العذر لهؤلاء الذين صوتوا لصالح هذا القرار العجيب بانهم انما ارادوا ان يضمنوا عدم سقوط مسودة الدستور في الاستفتاء القادم، ودفع العملية السياسية والديمقراطية خطوة للامام. ولكن هذا العذر لا يعدو ان يكون تجسيدا آخر لمقولة (الغاية تبرر الوسيلة) المرفوضة قطعا وشرعا. فحتى الارهابيين يبررون افعالهم الشنيعة بانهم يسعون لغرض نبيل هو تحرير العراق. وقد يكون القانون مجحفا، لكن على القاضي ان يحكم به، وان شاء الاحتجاج فعليه ان يدفع الغرامة من جيبه!!
وهكذا جاء تدخل الامم المتحدة في الوقت المناسب ليضع الامور في نصابها الصحيح. فقد اعلنت الامم المتحدة ان تفسير الجمعية الوطنية لقانون الانتخابات لا يتماشى مع المعايير الدولية، وهو ما ارغم الجمعية على العودة عن قرارها، وتفسير كلمة الناخبين على انها (المصوتين) في كلا مورديها، وكما هو واضح اصلا. فلا يعقل او يتصور ان يكون هناك ناخب ما يحسب له حسابا ويعد له صوتا، سلبا او ايجابا، ما لم يكن ذلك الناخب مشاركا فعليا في عملية التصويت. ولم نسمع في انتخابات او استفتاءات جرت في اي مكان في العالم، ونسبت نتائجها الى مجمل السكان المؤهلين للتصويت، او من سجل اسمه في سجل الناخبين. فنتائج الانتخابات يجب ان تكون منسوبة الى المشاركين فيها، ولا يمكن ان يعطى صوت لمن لم يشارك فيها. ولولا تدخل الامم المتحدة لما تراجعت الجمعية عن قرارها المؤسف مهما كانت النتائج. وفي حال استمر العمل بذلك القرار، فقد كان ذلك كفيلا بان يقاطع الناخبون من العرب السنة الاستفتاء، بعد ان حرموا من آخر فرصة لقول رأيهم. ولو حصلت الموافقة على الدستور حسب هذا السيناريو، لكان ذلك بمثابة اعلان لتقسيم البلاد، وربما لحرب اهلية. ويبدو ان ما يجعل الجمعية قلقة بشأن سقوط مشروع الدستور في الاستفتاء هو حق النقض الممنوح الى ثلاثة محافظات، والذي يتيح لثلثي اي عدد من المشاركين في الاستفتاء ان يقفوا بوجه الدستور ويمنعوا الموافقة عليه. وقد افترض البعض انه اذا اشترك ثلاثة افراد في ثلاثة محافظات فقط في هذا الاستفتاء، وصوت اثنين منهم في كل محافظة بـ(لا)، فستتحقق نسبة الثلثين الكافية لاسقاط الدستور. اي ان ستة افراد فقط يمكن ان يرفضوا الدستور وتكون ارادتهم مقابل ارادة (الملايين) في المحافظات الاخرى. وهذا افتراض لحالة متطرفة يصعب تصورها. وبالمقابل، يمكن تصور حالة متطرفة اخرى، وهي ان يشترك اثنان فقط من كل محافظة ليقولوا (نعم) مقابل (الملايين) من المحافظات الثلاثة التي ربما صوتت بـ(لا) بنسبة (65%) وهي غير كافية لاسقاط الدستور. وبالتالي ستكون رغبة عشرون او ثلاثون فردا مقابل رغبة الملايين! ومن الجدير بالذكر، ان افتراض الحالات المتطرفة وارد في كل الحالات المماثلة. فتعديل الدستور الامريكي مثلا يتطلب موافقة ثلاثة ارباع الولايات على التعديل في استفتاء عام. وهذا يعني ان اتفاق ثلاثة عشرة ولاية (ربع الولايات) على رفضه (بالاغلبية البسيطة) سيعطل هذا التعديل. فاذا اشترك شخصان فقط من تلك الولايات وصوتا بالرفض، فستكون ارادة بضعة اشخاص مقابل (الملايين) من الموافقين!
وبالعودة الى حالتنا، فان الاكثر احتمالا هو اشتراك بضعة الاف من كل من المحافظات (المضطربة)، ويصوتوا بـ(لا) للدستور، وبالتالي يمكن ان يوقفوا مشروع الدستور حتى ولو صوت باقي العراق باجمعه بالموافقة. ولكن السؤال هنا، لماذا يشترك بضعة الاف فقط من تلك المحافظات، بينما يشترك الملايين من المحافظات الاخرى؟ هل لانهم غير راغبين، ام لانهم غير قادرين؟ نحن نعلم انهم راغبين بدلالة ارسالهم ممثلين الى لجنة صياغة الدستور. وهم لم يقاطعوا الانتخابات السابقة لانهم لا يؤمنون بالانتخابات، بل لانهم لم يكونوا قادرين على المشاركة فيها، وبعد ان صُمّتْ الآذان عن طلبهم بتأجيلها لحين تسوية الامور الأمنية في محافظاتهم.
اذن فان معظم ابناء المحافظات التي تشهد اختراقات امنية لن يتمكنوا من المشاركة في الاستفتاء، بسبب سيطرة الارهابيين والمسلحين عليها، وضعف سيطرة الدولة، بل وغيابها عن تلك الاماكن. وبدلا من محاولة منع حتى هؤلاء القلة من التعبير عن رأيهم، كان الاجدى ان يصار الى العمل الجدي لاحلال الامن في تلك المناطق. واذا لم يكن ذلك ممكنا في الوقت الراهن، فيمكن ان تؤخر العملية السياسية لحين الوصول الى تلك الحالة. لقد ادعى من رفض تأجيل الانتخابات السابقة، حسب طلب ممثلي تلك المحافظات، ان التقدم بالعملية السياسية هو ما سيؤدي الى احلال الامن.. الامر الذي لم يتحقق البتة. بل على العكس، زادت الاوضاع سوءا في مناطق كثيرة من العراق، وخصوصا في المحافظات الغربية. ولم تفلح العمليات التي قامت بها القوات المتعددة الجنسيات مع الجيش العراق، من اجل تطويق الارهاب، في تحقيق تقدم نوعي. وجزء من هذا الفشل يعود الى الاصرار على اجراء الانتخابات، وما ادى اليه ذلك من مقاطعة، ومن فترة انتقالية لتغيير الحكومة، ومن تشكيل حكومة بدأت من الصفر، رافضة ما حققته الحكومة السابقة.
وهكذا، فان نوعا من العدالة يتم تحقيقه الان. ربما لن يستطيع الكثير من اهالي المنطقة الغربية في العراق من المشاركة في الاستفتاء، كما لم يستطيعوا ان يشاركوا في الانتخابات، وكما أهْمِل دورهم في اللجنة الدستورية. ولكن دورهم في رسم مستقبل البلاد سوف يكون رائدا، وسيتحملون مسؤولية كاملة عما سيجري لاحقا. فاذا اقرت مسودة الدستور، فهم اذا يوافقون عليه، طالما انهم لم يستعملوا حق النقض الممنوح لهم. واذا رفضت تلك المسودة، فان ذلك يكون تتويجا لتاريخ من الرفض من الجهة المقابلة.

Thursday, October 06, 2005

الحدس.. موهبة الصحفي ومسؤوليته

لعل آخر ما يتوقعه أي صحفي هو ان يحوز عمله على الرضا التام من قبل الأطراف التي يتناولها في بحثه وتحليله، في سعيه الدائم إلى إظهار الحقيقة. بل انه في الواقع مشغول بتوقع من سيثيره أو يستفزه هذا العمل، وطبيعة رد الفعل الناتجة، أكثر من تفكيره في الإطراء أو الثناء على ما يسعى لتقديمه. وفي كثير من الأحيان يكون هذا الصحفي (أو الصحفية) غير قادر أصلا على التعرف على العواقب نظرا لتشعب الحالة السياسية وتضاربها في بلد يُعد حديث العهد بالديمقراطية والحرية. وبالتالي فان حساباته قد لا تكون فقط في تجنب نقد جهة ما بسبب احتمالية الرد العنيف أو المدمر أحيانا، بل في تجنب نقد الكل، واستعمال الجمل المفتوحة، والإشارة إلى الأحداث بطريقة تقبل التأويل على أكثر من وجه.
ومما يدعو للعجب ان الصحفيين لا يجدون مشقة في نقد أداء الدولة، ولا يتوقعون التعرض للأذى والمساءلة نتيجة لذلك، ولكنهم نادرا ما يتعرضون لنقد الأحزاب السياسية والكتل والجماعات التي تشكل هذه الدولة. وهم يتناولون الخبر أحيانا بحيث يرضي القاريء العادي وغير المطلع في المقام الاول، ويغضون النظر عن ذكر بعض الحقائق التي قد تصدمه. كما يروج بعضهم بطريقة ببغائية لبعض الأفكار والطروحات باعتبارها تأكيدا للنتائج التي يشير إليها فحوى الخبر دون ان يكون لذلك أساس.
ان مهنة الصحافة، خلافا للمهن الأخرى، تتطلب مستوى وعي عالٍ بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي علاوة على معرفة دقيقة بالتغييرات التاريخية، في المدى القريب على الأقل، وكذلك معرفة تفصيلية بمسيرة الأحداث خلال المرحلة الراهنة. والصحفي الجيد يراد له، علاوة على امتلاكه حسا استباقيا للحدث، ان يقوم بأكثر من دور في وقت واحد. فهو يجب ان يكون ناقلا أمينا للخبر الآني، كما ان عليه ان يضعه في السياق التاريخي، وسلسلة المسببات والنتائج، إن أمكن، لمساعد المتلقي على الفهم. وقد لا يكون مطلوبا من الصحفي أن يقدم تحليلا دقيقا وشاملا لمفاد الخبر، ولكنه يجب ان يهيئ الأرضية له على الأقل.
في الصحافة الغربية، وبدرجة اقل في مثيلاتها العربية، يجب ان يجيب مضمون الخبر الصحفي عن ستة أسئلة هي: ماذا، ومن، وكيف، ومتى، وأين، ولماذا. وبهذه الإجابات يستطيع المتلقي فهم الخبر بطريقة واضحة تزيل الغموض عنه. وهي كذلك تنقل الخبر من مجرد إشاعة تتردد على السن البسطاء إلى مادة صحفية تأخذ حيزا في المناقشة العلمية، وتسجل موقفا للتاريخ. على سبيل المثال إذا أراد الصحفي ان يغطي مؤتمرا يناقش قضية ما، فستكون الإجابات المطلوبة كالآتي:
ماذا: مؤتمر عن دور منظمات المجتمع المدني في الدستور.
من: نظم من قبل منظمة كذا.
كيف: ثلاثة عروض تقديمية، لأستاذ جامعة ورئيس منظمة مجتمع مدني وعضو مجلس محلي، الحضور من الناشطين وأعضاء منظمات المجتمع المدني ومن المهتمين بالعملية الديمقراطية. (هل جرت مناقشات جانبية؟ ما هي، وما هو تعليق المحاضرين، وما هو الجو العام؟)
متى وأين: في التاريخ الفلاني في الساعة الفلانية على القاعة الفلانية
لماذا: يذكر ان منظمة كذا سبق وان أقامت العديد من المؤتمرات حول دور منظمات المجتمع المدني في العملية الديمقراطية. ويأتي انعقاد هذا المؤتمر في ظل المطاحنات السياسية الراهنة حول إقرار الدستور، ويلاحظ إهمال أو إغفال دور منظمات المجتمع المدني في هذه العملية المصيرية على الرغم من انها الوحيدة القادرة على التكلم بلغة المواطن العادي كونها غير تابعة إلى أحزاب سياسية...
على ان هناك أشياء أخرى تكميلية، وهي تتأتى بالإجابة عن الأسئلة التي تطرح ضمنا، مثل: وماذا سيحصل بعد ذلك؟ وما الفائدة؟...الخ. وبالطبع قد لا يستطيع الصحفي الإجابة على هذه الأسئلة، ولكنه يستطيع الإشارة إليها، كما في مثالنا أعلاه، كطروحات للمناقشين، واستشراف إجاباتهم عنها. وإذا ما تعذر على الصحفي ان يحصل على معلومة ما، فعليه ان يذكر ذلك للقاريء بأمانة. فان لم يستطع ان يعلم من نظم المؤتمر على وجه التحديد، كأن تعمد الجهة المنظمة إلى إخفاء نفسها، فعليه ان يورد جملة مثل: "ولم يتسن لنا معرفة الجهة التي رعت هذا المؤتمر، رغم ان الشعارات المرفوعة تشير إلى منظمة كذا...". ولكنه قد يكون له حدس في ذلك بناء على شواهد معينة، فيمكن له أن يستعمل مثل عبارة: "ومن المعلوم أن هذه المنظمة تميل إلى التيار الفلاني، وهي سبق وان نظمت مثل هذه المؤتمرات في نفس المكان وباستدعاء نفس المحاضرين...".
وقد يحتج البعض على استعمال (التخمين) في إيراد الخبر. ونحن لا ندعو إلى ذلك على سبيل الإطلاق. بيد ان الصحفي الجيد، والمتتبع لمسيرة الأحداث، والذي يمتلك خبرة وافية في العمل الصحفي، يحتاج إلى توفير دلالات وإشارات تساعد المتلقي في فهم الخبر واستيعابه، ولكنه يجب ان يوضح ان هذه الدلالات والإشارات صادرة عنه، وهي ليست حقائق. ويجب التشديد على ان استعمال الحدس هو آخر الأمور التي يتم اللجوء إليها، وهو إنما يورد لتوضيح نقص في معلومات الخبر ويترك القاريء حرية إملاؤها بما يوافق أو يخالف حدس الصحفي، الذي لابد له ان يتمتع بموهبة الحدس قبل ان يستحق هذه التسمية.
على أننا نجد في المقابل مجموعة غير قليلة من الصحفيين باتت تستعمل الحدس كمرجعية أولى وتفرض استنتاجاتها بدون التصريح بذلك، وتفترض ان الأمور تسير حسب تخمين الصحفي نفسه أكثر من الحقائق الموضوعية التي صنعت الخبر ذاته. وهؤلاء هم في العادة من المرتبطين حزبيا أو الذين يشعرون بالولاء لجهة أو طائفة أو كتلة ما. وهم يفترضون ان عليهم، طالما كانوا ناقلين للأخبار، ان يضعوها في قالب يتضمن رأيهم، أو رأي من يقدم لهم الدعم، بحيث يصاغ الخبر موافقا لتوجهات تلك الجهات.
ان طريقة الأخبار الموجهة لاقت رواجا، على المدى القريب، في الصحافة العراقية. وذلك ليس اعتمادا على حسن أداء هذه الصحافة، وإنما لكون المتلقي غير مؤهل بما فيه الكفاية للحكم على طبيعة المادة التي توفرها تلك الصحافة. ومن طبيعة الإنسان انه يميل إلى تصديق ما يوافق توجهاته، ويسارع إلى تكذيب ما يخالفها. ولكن الحقيقة البسيطة ان البشر ليسوا كاملين، وأنهم يرتكبون أخطاء. ولذلك يجب على الصحفي الملتزم بعد ان يجيب على الأسئلة المذكورة أنفا، إن أراد أن يحلل الخبر ضمن قناعاته، أن يذكر بشكل أمين طبيعة تلك القناعات كأن يستخدم صيغة الغائب في طرح تلك الأفكار معززة بملاحظات عن أرضية حامليها، فيقول: "يشار ان بعض المنتقدين، من ذوي الأفكار الليبرالية، رفضوا إطلاق الوصف الفلاني على منظمة كذا...".
ولتدليل على مثل هذه الأخبار الموجهة، سأورد مثالا من احد المواقع الالكترونية العراقية. حيث نشر هذا الموقع خبرا مفاده ان مظاهرة كبيرة خرجت في مدينة عراقية، مقابل مبنى المحافظة، تطالب بإقالة المحافظ نظرا لسوء الخدمات، وان المتظاهرين اصدموا مع قوات الشرطة، وحدث إطلاق نار بين الجانبين قبل ان تتفرق المظاهرة. وبعد التدقيق في الخبر، وجدنا ان آخر مظاهرة حدثت في تلك المدنية كانت قبل اسبوعين أو ثلاثة من تاريخ نشر هذا الخبر. وهي لم تكن كبيرة إذا شارك فيها بضع عشرات فقط، وأنها لم تكن احتجاجا على سوء الخدمات وإنما احتجاجا على حل فوج المغاوير الذي لم تعترف به وزارة الداخلية. ولم يطالب المتظاهرون بإقالة المحافظة، بل باعادتهم إلى الخدمة. ولم يحدث تصادم، ولكن أطلقت بعض العيارات في الهواء تحذيرا لأحد المندسين الذي لوح ببندقيته. وما دفعني إلى التأكد من صحة الخبر، هو افتقاره إلى الإجابات عن (من ومتى)، لأجد ان الخبر أجاب بصورة خاطئة عن (ماذا وكيف ولماذا). وكانت إجابة (أين) فقط هي الصحيحة: مقابل مبنى المحافظة. ويبدو ان الموقع الالكتروني بخبره هذا إنما أراد حدوث مظاهرة أمام مبنى المحافظة ليبني عليها خبره كما يحلو له.
وإذا كان حبل الكذب قصيرا، فهو في الصحافة، للأسف، أطول قليلا. ونظرا لان البلد لم يصل بعد إلى مرحلة تسويق الخبر كسلعة، وبالتالي يترك للعرض والطلب تحديد الغث من السمين، فان مسؤولية الصحفي عن هذه المرحلة لا تقل عن مسؤولية السياسي، ذلك انه بإهماله الحقيقة، أو تحويره لها، إنما يشوش على الرأي العام ويؤخر التطور الحتمي للديمقراطية. ونحن نعلم ان السياسيين يتمسكون بالديمقراطية حينما يكونون خارج السلطة، ولكنهم يمنحوها اقل اعتبار حينما يصبحون فيها. فالديمقراطية ليست فقط انتخابات، وإنما مجموعة من الآليات التي تضمن التزام الكل بها. ومن هذا الكل، جزء مهم يستطيع ان يساعد على إنجاز البناء بسرعة، كما يمكن له عرقلته، ذلك هو الصحفي.

Thursday, September 22, 2005

آلية تعديل الدستور وجدلية الارنب والغزال

يقول المثل العراقي الدارج: "تريد ارنب خذ ارنب، تريد غزال خذ ارنب". ولعل الدستور المقترح من قبل الجمعية الوطنية بالصيغة التي تم الاعلان عنها عبر وسائل الاعلام، هو احد مصاديق هذا المثل الشعبي. فرغم ان هذه الوثيقة احتوت على مواد متميزة تضمن حقوق الانسان وتؤسس لديمقراطية حرة في منطقة قلما تمتعت بها، الا ان هناك نصوصا واحكاما ربما فرضتها طبيعة المرحلة الراهنة، والمداولات السياسية بين الاطراف المتجاذبة، وحتى الضغوطات الخارجية، سواء من الولايات المتحدة او حلفائها، او من قبل الامم المتحدة التي يفترض ان تكون راعية العملية الديمقراطية برمتها.
وليس من المتوقع ان تخرج نصوص الدستور كاملة لا يشوبها نقص، حتى لو تسنى للجنة الدستورية الوقت الكافي. ذلك ان عمل الانسان قلما يقترب من الكمال، وهو الكائن الضعيف الذي يشعر بعجزه في كل حين. فما بالك وقد كتب الدستور في فترة قياسية لم تتعد اشهر قليلة، شابتها الكثير من المجادلات والمهاترات السياسية، وغاب عنها دور التكنوقراط الذين كان يمكن ان يشذبوا بعضا من الاسفاف الوارد في النصوص، كما يمكن ان يقترحوا اساليبا براغماتية للتعامل مع القضايا الخلافية. على كل حال اصبح لدينا (دستور)، واصبحت الكرة في ملعبنا. فالحكم النهائي هو التصويت الشعبي على قبول تلك الويقة او رفضها. ويجد المثقفون انفسهم في حرج لم يكونوا يتوقعوا ان يوضعوا فيه. فهم في الوقت الذي ينتقدون نصوصا وموادا في الدستور المقترح، فانهم لا يدعون الى رفضه ككل. وليس هناك آلية للتعديل ضمن السقف الزمني المتاح لحين الاستفتاء العام في 15 تشرين اول المقبل. انهم يشعرون ان اقرار الدستور هو امر ضروري لدفع العملية السياسية في العراق، ويدركون ان رفض الدستور قد يعني ادخال العراق في دوامة الفوضى السياسية، وربما يمهد لحرب اهلية –لاسمح الله-. وهكذا فهم يقبلون باحلى الامرّين، ويأملون ان يصار الى تعديل المواد التي تقض مضجعهم مستقبلا.
وقد فطن كاتبوا هذا الدستور الى هذا الامر، فجعلوا من عملية التعديل امرا غاية في الصعوبة، حسبما تشير الى ذلك المادة 136، التي تتعامل مع كيفية تعديل الدستور:
"اولا: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين او لخمس اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور.
ثانيا: لايجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول من الدستور، الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام.
ثالثا: لايجوز تعديل المواد الاخرى غير المنصوص عليها في البند ثانيا من هذه المادة الا بعد موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام.
رابعا: لايجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور بما ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لاتكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة اغلبية سكانه باستفتاء عام.
خامسا: يعد التعديل نافذا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية."
فتعديل الدستور يبدأ اما بجميع اعضاء السلطة التنفيذية او بنسبة عشرين في المئة من مجلس النواب. وهذا يعني ان الاقليات التي تشكل اقل من هذه النسبة لن يتسنى لها ابدا ان تقترح تعديلا للدستور الا اذا عقدت تحالفا سياسيا مع جهة ثانية، وبالتالي فانها ستلجأ الى تقديم تنازلات او الموافقة على شروط مجحفة مقابل اقتراح تعديل الدستور. واذا كان لابد ان يوافق مجلس النواب على التعديل باغلبية الثلثين، فلماذا لا يكون هذا التعديل مقترحا بسيطا يمرر كأي مقترح اخر داخل المجلس؟
لكن هذا الامر يهون الى جانب ما تضمنته الفقرة (ثانيا) من المادة 136، والتي تفرق بين ابواب الدستور من ناحية التعديل، فتفرض شروطا اضافية للباب الاول، تكاد تكون تعجيزية. والواقع ان هذه الفقرة كتبت بصيغة مبهمة وغير واضحة. فما المقصود من: "الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين"، هل هو السقف الزمني لاقتراح التعديل، أي لايمكن تعديل الباب الاول الا بعد ثماني سنوات من اقرار هذا الدستور؟ ام ان المقصود موافقة مجلسي النواب في كلا دورتيه المتعاقبتين، فيجري طرح التعديل في المجلس النيابي القادم وتحصل الموافقة عليه، ثم يعاد طرحه في المجلس الذي يليه لتحصل الموافقة عليه ثم يطرح للاستفتاء العام؟ غير ان النص لا يشير الى صيغة التثنية في: " وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه"، اذ لم يقل (مجلسي النواب) او (مجلس النواب في كل منهما)، مما يحملنا على الاعتقاد ان المقصود هو منع التغيير في الباب الاول للدستور لمدة ثماني سنوات على الاقل.
والباب الاول يتكون من ثلاثة عشرة مادة، حددت الاولى منها شكل نظام الحكم بجمهوري النيابي الاتحادي (الفدرالي)، والثانية علاقة التشريع بالدين الاسلامي ومباديء الديمقراطية وحقوق الانسان. والمادتين الثالثة والرابعة اشارتا الى طبيعة القوميات العرقية والطوائف في العراق، والمساواة بين اللغتين العربية والكردية رسميا، فيما تحدثت المادتين الخامسة والسادسة عن سيادة القانون وتداول السلطة سليما. اما المادة السابعة فقد جمعت بين تحريم الفكر التكفيري والعنصري ومحاربة الارهاب، معتبرة ان حزب البعث هو احد هذه المؤسسات التي تحرض وتروج للارهاب. ولكنها اوجبت على الدولة ان تعمل على منع ان تكون اراضي العراق مقرا للنشاطات الارهابية، خصوصا مع ما تلزم به المادة التالية (الثامنة) الدولة العراقية من حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالمعاهدات الدولية. اما المادة التاسعة فقد اناطت الاشراف على القوات المسلحة واجهزة الامن والمخابرات بالسلطات المدنية، وتمثيل مكونات الشعب العراقي بشكل (متوازن) ضمن هذه الاجهزة، كما حظرت تشيكل مليشيات مسلحة خارج اطار القوات المسلحة، والزمت العراق بالاتفاقيات الدولية لحظر انتشار اسلحة الدمار الشامل. المادة العاشرة تحدثت عن العتبات المقدسة ككيانات دينية وحضارية يجب على الدولة ان تصونها، وان تضمن حرية ممارسة الشعائر فيها. المادة 11 حددت بغداد عاصمة للعراق والمادتين 12 و13 تحدثتا عن علم العراق وشعاره ونشيده الوطني، والعطل الرسمية والدينية وكون هذا الدستور هو القانون الاسمى الذي لا يجوز ان تصدر القوانين، سواء اتحادية او محلية الا متوافقة معه.
من هذا الاستعراض السريع لتلك لمواد الباب الاول، نجد ان معظم القضايا الخلافية قد وردت فيه، وهي الفدرالية، وعلاقة الدين بالدولة، وعلاقة العراق بالامة العربية، ودور حزب البعث، كما ثبتت المحاصصة الطائفية في الاجهزة الامنية. وهي امور لابد ان لجنة كتابة الدستور ارادت ان تتأكد من عدم تغييرها لفترة طويلة نسبيا من الزمن حتى يتاح لها ان ترسخ في التطبيق العملي ويصبح من غير الواقعي تعديلها او الغاؤها. وهذا امر غريب، فكيف يتم تثبيت امور لم يتم التفاوض بشأنها اكثر من بضعة اشهر؟ مع الاخذ بنظر الاعتبار ان تلك المفاوضات لم تكن متوازنة طالما كان احد اطرافها مغيبا او متغيبا عن التمثيل البرلماني. واذ لم تحصل الصيغة التوافقية التي ينبغي ان يمرر بها الدستور، فلا يجوز ان توضع عراقيل خاصة في وجه تعديله، سيما اذا كانت هذه العراقيل مخصصة بالقضايا الخلافية.
لكن التعديل في الابواب الاخرى ليس سهلا باي حال. فهو يقتضي موافقة ثلثي مجلس النواب، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية. ولست ادري ما الذي يخشاه واضعوا الدستور من التعديل ليجعلوه بهذه الصعوبة، اذ من المعروف انه قد يكون من العسير الحصول على اغلبية الثلثين في اي حال. وكان يمكن ان يكتفى بالاغلبية البسيطة، طالما ان القرار في النهاية هو قرار الشعب عبر الاستفتاء. والواقع ان صيغة الاستفتاء هي عودة بالديمقراطية الى الاصول، حيث انه من الناحية النظرية يمكن ان يمارس الشعب حقه بشكل مباشر في كل القضايا الحساسة والمصيرية من خلال التصويت على قبول او رفض قانون او تشريع ما. ولكن هذه الممارسة بطيئة ومكلفة جدا، لذلك يصار الى التمثيل البرلماني للشعب. على ان التحول الى البرلمان لا يعني ان له ميزة على الشعب، فيبقى قرار الشعب هو الحكم النهائي. على ان واضعو هذه الفقرة ذهبوا اكثر من ذلك، فرهنوا موافقة الشعب، ومن قبلها اغلبية ثلثي مجلس النواب، بمصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام. فماذا الذي يحدث ان رفض الرئيس التعديل؟ هل يكون فردا مقابل الشعب وبرلمانه؟ فاذا احتج بان هذه المصادقة بروتوكولية، وان الرئيس لا يملك صلاحية الرفض، قلت ان ذلك لا يظهر من خلال النص. ولو كان كذلك، لقيل مثلا "وعلى الرئيس المصادقة على النتائج خلال سبعة ايام" فتصبح فرضا عليه (او عليها)، لا تخييرا.
وعلى كل حال فان الفقرة (رابعا) من المادة 136 قد اتخذت جانب الصواب بمنع التعديل في الصلاحيات الاتحادية بما ينتقص من صلاحيات الاقاليم، وهذا مبدأ يتماشى كليا مع الفدرالية واللامركزية. الا ان المشكلة ان الفدرالية نفسها هي محط خلاف، واذا اريد تعديل الدستور لحذفها او تعديلها، فستكون هذه الفقرة من اكبر العوائق.
اننا لا ندعو الى آلية بسيطة في تعديل الدستور، لاننا ندرك ان ذلك سيؤدي الى عدم الاستقرار الدستوري من خلال التعديلات المستمرة عليه. ولكننا في نفس الوقت نعجب لجعل التعديل بهذه الصعوبة، وهو الدستور الاول الذي تعيه الذاكرة العراقية. وكان الاجدر ان تفرض صيغة لتعديله مشابهة لصيغة اقراره، وهي الواردة في الفقرة (ج) من المادة 61 من قانون ادارة الدولة المؤقت والتي تنص : " يكون الاستفتاء العام ناجحا، ومسودة الدستور مصادقا عليها، عند موافقة اكثرية الناخبين في العراق، واذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات او اكثر"، مع استبدال كلمة (مسودة) بكلمة (تعديل). حيث ان هذه الصيغة تضمن حصول الاغلبية على حقها في اقرار التعديل، كما انها تتيح للاقليات ان تحتج او تعترض على التعديل اذا كانت من شأنه ان يلحق ضررا بمصالحها.
كما يمكن ان يتولى مجلس النواب هذه العملية برمتها، بالطريقة التي حددها قانون ادارة الدولة لتعديله، والواردة في المادة الثالثة (أ): "ولا يجوز تعديل هذا القانون الا بأكثرية ثلاثة ارباع اعضاء الجمعية الوطنية، وإجماع مجلس الرئاسة..."، وباضافة مجلس الوزراء ان شئت. وربما كان هذا هو الخيار الافضل في الوقت الراهن، طالما كان اجراء الاستفتاء امرا غاية في الصعوبة، وينطوي على مخاطر امنية، تقلل من فرص المشاركة الجماهيرية الواسعة. كما ان شعبنا لازال حديث العهد بالديمقراطية، ويتأثر بالاعلام بشكل مبالغ فيه، وبالتالي يمكن استغلاله لتحقيق طموحات مرحلية لبعض السياسيين، دون الالتفات الى المصلحة الوطنية العليا.

Tuesday, September 06, 2005

الدين والدولة في الدستور المقترح

بعد طول انتظار، وتمديد يتلوه آخر، ومفاوضات شاقة لا يبدو أنها كانت متكافئة، قدمت المسودة النهائية للدستور المقترح إلى الجمعية الوطنية. ورغم ان ذلك في مقاييس الزمن يعتبر إنجازا يستحق الثناء والعرفان، إلا ان الوثيقة التي قدمت لا يمكن ان توصف بالكمال، ولا حتى بالانسجام، لا من حيث المبادىء التي تضمنتها ولا الصياغات التي عبرت عنها.
ودائما سيكون عذر الزمن القصير تعليلا لبعض الأخطاء على اختلاف تأثيرها. ولكن كيف يمكن تدارك هذه الأخطاء عند عرضها على الشعب العراقي للاستفتاء؟ هل هناك آلية مراجعة طيلة فترة الشهر والنصف المتبقية؟ هل ان النقد الذي سيلي هذه السطور سيجد آذانا صاغية؟ لست ادري، ولكنني، طالما أني لم أشارك في وضع المسودة، أجد نفسي ملزما في طرح وجهة نظري.
ولا أريد في هذه العجالة ان اسرد البنود الكثيرة التي اختلف معها، ولكن رأيت ان ابحث واحدة من أكثر المسائل عقدية، والتي نالت نصيبا كثيرا من التفاوض، والحديث العام والخاص. تلك هي دور الدين في الدولة، والتي تحدثت عنها المادة الثانية، بما نصه:
"أولا- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع :
أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.
ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانياً- يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية. "
وأكاد أرى مجلسا للنواب يستعمل هذه المادة في تبرير أي قرار يصدره. وسيعمل كل حزب، وطائفة، وكتلة على ان يكون مشروع القرار الذي يقدمه مستندا إلى تلك المادة، بغض النظر عن كون تلك الكتلة أو الحزب متدينة أو علمانية، متطرفة أو اشتراكية، مؤمنة أو لا أدرية. والسبب واضح وجلي، أوليس القانون يجب ان لا يعارض الشريعة؟ أوليس القانون يجب ان لا يعارض الديمقراطية؟ فكيف يمكن ان يلتقيا؟
بادىء ذي بدء، لنعود إلى تعريف الديمقراطية كما أصبح متعارفا بشكل واسع: حكومة تمثل الشعب تعمل من اجل الشعب تنتخب من الشعب. وهذا يعني ان الشعب هو مصدر السلطات وهو الحكم النهائي عن طريق صندوق الاقتراع. ان الشعوب لا تصنع القوانين، ولكنها تتفاعل معها. والقانون الذي يسنه أي مجلس ممثل للشعب يجد مناصرين ومعارضين. وفي النهاية تتحكم الأغلبية. والأغلبية تعني أغلبية نواب البرلمان المنتخب بشكل عادل وشرعي، وليست أغلبية الطوائف التي تشكل نسيج المجتمعات. فلا يمكن -مثلا- إصدار قانون في برلمان المملكة المتحدة من شأنه ان يلحق أذى بالغا في أقلية عرقية أو اثنية، رغم انه قد يخدم مصلحة الأغلبية العددية المسيحية في تلك الدولة. ولا اقصد هنا مسألة حرية العقيدة والعبادة، فهي مكفولة في كل دساتير العالم، بل مسائل أخرى مثل الإقامة والعمل وما سواها.
والملاحظ ان لجنة صياغة الدستور استعملت الألفاظ (ثوابت أحكام الإسلام)، وليس (الشريعة الإسلامية) في محاولة لنفي استناد التشريع ككل على تلك الشريعة. والحقيقة ان هذه المفارقة اللغوية لا تنطلي على المتبصر، فالشريعة هي بالتأكيد مجموع ثوابت أحكام الإسلام. وليس هناك أشياء يفتي بها رجال الدين، ولا تعتبر من ثوابت الإسلام، والا كيف يطلب رجل الدين العمل بفتواه ان لم يتعبرها حكما ثابتا؟
من ناحية أخرى، يمكن ان يكون القانون متعارضا مع الشريعة الإسلامية، بطريقتين: مرة بسنه وأخرى بعدم سنه. لنفترض جدلا ان الشريعة الإسلامية واحدة، وهي ليست كذلك بحكم تعدد المذاهب، ولكن لنفترض حالات اتفقت عليها جميع المذاهب، فكيف سيتم الحكم على قانون مقترح انه موافق أو غير موافق للشريعة؟ إذا تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بمشروع قانون يمنع تصرفا معينا لوجود نص شرعي يحرمه، فهذا متوافق مع الشريعة تماما. ولكن هناك احتمال ان يسقط القانون لعدم حصوله على الأغلبية المطلوبة، فهل يعد عدم إصداره مخالفا للشريعة، وبالتالي مخالفا للدستور؟ وطالما كان النص المقدس غير قابل للجدل، فستكون الحجة حاضرة دائما لدى المتطرفين الذي سيدعون ان عدم إصدار القانون استنادا إلى هذا النص سيكون تعطيلا له، وبالتالي تعطيل للشريعة الإسلامية، ومن ثم انتهاكا للدستور. نعم، ان النص الدستوري يفترض الإيجاب، أي ان يكون هناك قانون صادر فعلا، وليس مشروعا ساقطا، ولكن المحتجون قد يجيبون بان النية في تطبيق الشريعة الإسلامية، بضمان عدم خرقها. وتعطيل النص المقدس سيكون خرقا واضحا لهذه الشريعة المحمية دستوريا.
أما إذا صدر هذا القانون المستند إلى الشريعة والنص المقدس، فلربما يحتج البعض بأنه مخالف لمبادىء الديمقراطية، وانتهاك للحرية الشخصية، إذا كان إتيان الفعل المشار إليه في أماكن خاصة، كالبيوت والنوادي التي يتفق روادها على أساليب وأفعال معينة ترضيهم هم دون باقي أفراد المجتمع، سيما إذا كانت هذه الأفعال مقبولة لدى بعض أفراد المجتمع خارج الأمكنة الخاصة أيضا. فكيف الخروج من هذا التناقض الذي تضمنه الدستور؟
مما لاشك فيه ان هناك نقاط التقاء كثيرة بين الشرائع عموما، والشريعة إسلامية خصوصا، مع مبادىء الديمقراطية. ولكن لا احد يدعى حصول انطباق كامل بينهما. فهناك تشريعات إسلامية لا تتوافق مع الديمقراطية، مثل الاسترقاق. وهناك حقوق اكتسبت من خلال تطبيق حرفي للديمقراطية تتعارض جوهريا مع مبادىء جميع الأديان مثل زواج المثليين. ومع ذلك، فان الشريعة الإسلامية تتميز بأنها دينامية، أي ان لها القدرة على مجاراة التطور الحاصل عبر الزمن. وكذلك يقال عن الديمقراطية أنها (رحلة وليست هدفا). وسرعة تطور أيا منهما تعتمد على الطبيعة الاجتماعية ورسوخ العادات والتقاليد الشعبية، كما تعتمد على الانفتاح على المجتمعات الأخرى والتواصل الثقافي الناتج بالضرورة عن التواصل الاقتصادي والسياسي. وهذا التفاضل قد يقود إلى مجابهة حتمية بين المجتمع ومعتقداته، وينعكس على عملية صنع القرار الذي يجب ان يتوافق –بالتعريف- مع الدستور.
على ان هناك الكثير من الخلافات بين المذاهب الإسلامية مما يجعل إصدار أي قانون عرضة للقول بأنه مخالف للشريعة في نظر بعضها وان كان موافقا لها في رأي البعض الآخر. فهل سنلجأ إلى إصدار قوانين تعمل على فئة معينة دون أخرى؟ وحتى لو فعلنا ذلك، كيف سنطبق تلك القوانين مع وجود أفراد منحدرين من كلا الفئتين؟
ان الديمقراطية، التي تتمثل في انتخابات عامة توصل من يثق به الشعب إلى البرلمان، يجب ان تكون هي الحكم الوحيد. إذ ان الناس عادة ينتخبون من يعتقدون انه الأصلح لتمثيلهم، والتعبير عن أفكارهم وطموحاتهم، ويدافع عن مصالحهم. فان كانت مصلحة الناخبين في قانون معين، فهو حتما يجب ان لا يصدم مع قناعاتهم الراسخة، أو عقيدتهم الدينية، أو توجهاتهم القومية. وإذا كان الناس متدينين فلن يرضوا بقانون يضرب دينهم عرض الحائط، وهم سيحتجون وسيفعلون كل ما يستطيعون لمنع صدوره، ولا يزال لديهم خيار صندوق الاقتراع لاختيار ممثلين آخرين بدلا عن الذين فرضوا عليهم ذلك القانون فيما سبق.
والديمقراطية تعني أيضا ان النواب المنتخبين يجب ان يكونوا قريبين من الشعب يستمعون له ويتناصحون معه، وهو ما يضمن عدم انفراد النواب بالقرار، بل عليهم الرجوع باستمرار إلى الشعب، من خلال ندوات الحوار المباشر، أو الاستماع إلى وجهات النظر التي تعلن عن طريق وسائل الإعلام، أو حتى من خلال تمكين الناس العاديين من المراسلة بالطرق التقليدية مع هؤلاء النواب. ومثل هذا التواصل كفيل ان يعرف النائب بما يتوجب عليه فعله. ولن يكون عليه ان يصوت لمشروع قرار، أو ان يتقدم بمشروع قرار بناء على دستورية هذا القانون، ولكن بناء على ما سمعه من أفراد الشعب الذي يمثله، أليسوا هم مصدر السلطات؟
على ان المغزى من إقحام الشريعة في نصوص الدستور ليس خفيا. فالانتخابات التي جاءت بأعضاء الجمعية الوطنية الحالية إنما بنيت أصلا على أساس ديني، واستعملت فيها الرموز الدينية كأدوات للدعاية الانتخابية. كما ان كثير من أعضاء الجمعية الحالية، وخصوصا القياديين الذي عملوا في مجلس الحكم السابق، سرعان ما انتقدوا قانون إدارة الدولة لعدم تضمنه فقرة تشير إلى دور الدين في الدولة. وهم الآن يواجهون ما انتقدوه، فان لم يشيروا إلى ذلك الدور، فسوف يتم تعريتهم، وإظهارهم كانتهازيين، يلعبون بعواطف الشعب من اجل مصالحهم السياسية الشخصية. ورغم ان الدولة الدينية لم تكن مطلبا حتى لأكثر الأحزاب الدينية تطرفا، إلا ان الدستور بتضمنه عبارة استناد القانون إلى الشريعة سوف يحقق لها جزءا مهما من طموحاتها غير المعلنة، ويدفعها خطوة إلى الأمام. فمن يدري، كيف سيكون شكل التعديل الأول بعد إقرار الدستور. ربما سيكون بحذف الفقرتين ب وج من المادة الثانية، ليصبح صدور كل قانون متجانسا كليا مع الشريعة، وتصبح الشريعة الإسلامية –وحدها- مصدرا للتشريع.

Tuesday, August 30, 2005

معضلة الامن بين العملية السياسية والفساد الاداري

يتميز العراق في الوقت الراهن بوضع فريد. فهو بلد محتل، ولكن بموافقة الامم المتحدة، وبطلب من حكومته المنتخبة شرعيا. ومع ان هناك من يعارض الوجود الاجنبي فيه، الا ان القوات المتعددة الجنسيات التي تجوب اراضيه ليست هي الهدف الرئيس للعمليات المسلحة. والهجمات الانتحارية شبه اليومية التي اتخذت من واقع الاحتلال ذريعة، اصبحت تطال مجموعة واسعة من الاهداف خارج نطاق القوات المحتلة، وان اتخذت تلك العمليات اسم الجهاد.
وفي ظل هذه الظروف المعقدة، يقبع الشعب خلف حاجز الخوف من المجهول، يجتر ابناؤه احزان الماضي، ولا يأملون كثيرا في المستقبل. ويعبر البعض عن خيبة الامل، بينما يحاول البعض الاخر تبرير النتائج بمسببات قديمة من سطوة النظام البائد، او بمؤامرة امبرالية ضد منطقة او طائفة او غير ذلك من الاساطير التي تنسي الهمّ الحاضر، وتخفف من الشعور بالمسؤولية التي تقع على عاتق الفرد.
والواقع ان اي تغيير من نظام الى اخر لاشك ان يكون عملية صعبة. وهذا التغيير ليس قابل للتطبيق في يوم واحد، او في عام واحد، او في عقد واحد احيانا. وقد اثبتت التجارب العالمية السابقة ان الطريق نحو الديمقراطية معبد بالدم والعرق والدموع. وقد كان يمكن الاستفادة من تلك التجارب لتعزيز المسيرة الديمقراطية في العراق، ولكن ما حدث كان على العكس، مع اختلاط اجندات مختلفة في المشهد السياسي. فقد ساهمت اطراف كثيرة في تأخير العملية السياسية الصحية في الوقت الذي يرفعون شعارها.
ولنبدأ من تسليم السلطة في اواخر حزيران 2004، حيث كان من المفترض ان يؤدي الى تحسن في الوضع الامني، خصوصا وان الحكومة المعينة بالتوافق بين مجلس الحكم، والحاكم المدني الامريكي والامم المتحدة حصلت في بداية تشكيلها على دعم شعبي ودولي لا بأس به. الا ان طغيان التناحر السياسي شلّ هذه الحكومة. لقد اصبحت مغلولة بالاستحقاقات المرتقبة والمجدولة زمنيا، ومهمشة داخليا تحت عنوان الحكومة المؤقتة. وسارت تحت وابل من الانتقادات المباشرة لذوي النفوذ، والمدعومين خارجيا.
ورغم ان معالجة الخلل الامني هي مسألة فنية، لكنها تحولت الى قضية سياسية، بدءا بالعلاقة مع دول الجوار التي بدا واضحا تورطها المباشر وغير المباشر في تعميق وترسيخ الانفلات الامني في عموم البلد. وزاد في ضراوة هذا الانفلات تشابك او تقاطع المصالح الذاتية للاحزاب والتيارات المتواجدة في الساحة الداخلية. ان العصيان المدني هو تجرأ على سلطة الدولة بغض النظر عن من يقوم به.. ولكن حينما ارادت حكومة اياد علاوي التصدي له، واجهت معارضة قوية بدعوى المصالحة الوطنية واحتواء كافة التيارات. وحينما ينادي علاوي بالمصالحة، ويسعى لاحتواء تيارات اخرى يواجه بمعارضة من نوع اخر ترفض محاورة من (تلوثت ايديهم بدماء الشعب) وذلك وصف مطلق للبعثيين، ويتعرض الى حملات دعائية منسقة، تصفه بالمتعاطف مع البعثيين كونه بعثي اصلا! ولست ادري كيف توزن الامور، ولكن من المعقول افتراض ان دماء الشعب واحدة، سواء انتهكها اتباع صدام او معارضيهم.
على كل حال سارت الامور حسب المنهج المقرر، وجرت الانتخابات كما اريد لها وفاز بها من طبّل لها، وظن الشعب ان الحكومة التي تمخضت عنها ستكون مطلقة اليد في التعامل مع التمرد والهجمات العشوائية. بيد ان نيل المطالب ليس بالتمني، وكان تأخر تشيكل حكومة الجعفري اول اشارة الى الفشل الامني. فحينما يكون البلد مهددا فليس هناك وقت للمفاوضات والمساومات حول السلطة. لكن الطموح الشخصي لبعض الرموز السياسية كان اكبر من الشعور بالمحنة الوطنية. وكانت النتيجة ان الخلل الامني بدأ يستفحل ويتحول الى دولة ظل ليس لها معالم ظاهرة للعيان ولكن اثارها كانت مدمرة.
نعم، لم تكن الانتخابات هي الحل. ولن تكون كتابة الدستور واقراره حلا كذلك. فالمسألة ليست متعلقة بمن يكون في السلطة، ولكن بمن يستطيع التصدي للتمرد. واقرار الامن ليس متعلقا بمشاركة كل اطياف الشعب في القرار بقدر وجود رغبة خالصة في التضحية واحداث التغيير. ومعلوم ان التمرد مدعوم من بعض دول مجاورة للعراق بعضها على المستوى الحكومي-المخابراتي وبعضها على المستوى الشعبي، على اختلاف الاهداف بينهما. ويتطلب مواجهة مثل هذه الائتلافات سلطة وطنية حازمة تعمل على توحيد الشعب وصهره في بوتقة واحدة بدلا من تفريقه باستخدام المحاصصات الطائفية والعرقية.
وقديما قيل اذا كان رب الدار...، ولعل هذا هو الوضع اليوم في العراق. فقد انعكس الفساد السياسي على اداء الدولة واوجد فسادا اداريا غير مسبوق. ومن العجب ان وزيرا في الحكومة الحالية، وقد كان نائبا لرئيس الوزراء في الحكومة السابقة، يتحدث في مؤتمر عالمي للدول المانحة للعراق عن الفساد الاداري كونه العائق الاول في اعمار العراق، فما الذي اتخذته الدولة لمكافحته؟ اننا نقر ان التصدي للفساد الاداري هو من اصعب الامور.. ولكن هناك حالات فاضحة وواضحة. نحن لا نتحدث عن شرطي يأخذ رشوة لغض النظر عن مخالفة مرورية. نحن نتحدث عن صهاريج منتجات نفطية تهرب خارج العراق بدل ان تسلك طريقها الى منافذ التوزيع. ونتحدث عن مقاولة جسر تمنح بدون عروض الى مقاول سبق وان سجن بتهمة الفساد الاداري في عهد دولة صدام التي خلنا انها فاسدة حتى النخاع.
وبالعودة الى الملف الامني، فماذا يجب على الدولة ان تفعل؟ لا ادعي انني خبير في مكافحة الارهاب، او ان لي باعا في مقارعة العصيان. ولكن يمكن على الاقل اتخاذ خطوط دفاعية تمنع الهجمات او تقلل من ضراوتها، لحين شن الهجوم المضاد. ولست اقصد المتاريس وما اشبه ذلك، بل التحصين الدفاعي اللوجستي. ويمكن رسم خطة بناء على اسلوب الهجمات او هدفها. فقد يكون صعبا منع السيارات المفخخة من استهداف اماكن عشوائية، خصوصا اذا قادها انتحاري. ولكن تعرض مطار المثنى بشكل دوري الى عملية انتحارية بحزام ناسف امر محير، اذ انه بالتأكيد يمكن التصدي له. وقد يكون صعبا منع المسلحين من التجوال في شوارع بغداد، ولكن نجاحهم المرة تلو الاخرى في اصطياد مسؤولي الدولة والسفراء واعضاء المجالس وغيرهم، بالقتل والاختطاف دون ان يتركوا أي اثر هو امر يدعو للرثاء.
ولابد ان العراق قد شهد اكثر من الف عملية مسلحة، ضد قوات التحالف والشرطة والجيش، وضد العديد من الاهداف المدنية التي تطول قائمتها. والسؤال هنا، كم من هذه العمليات جرى التحقيق فيها؟ هل شخصت عائدية السيارات المفخخة؟ هل حددت جنسيات واعمار وملامح الانتحاريين؟ هل تم التحقيق في مصادر تسريب المعلومات من داخل الاجهزة الامنية؟ هل تم حصر اماكن تواجد المشبوهين ومراقبتها؟ وغير ذلك من الاسئلة التي نستطيع من خلالها تتبع بعض الخيوط وجمع الادلة للتعرف على الفاعلين او من يسندهم.
لقد هاجم تسعة عشر انتحاريا برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، وتم التعرف عليهم جميعا، كما تم التعرف على انتحاريي انفاق لندن. وهذا هو الحال في السعودية والكويت ومصر والباكستان وتركيا، وفي اماكن كثيرة اخرى تعرضت لهجمات ارهابية. وفي كل منها كان لابد من وجود دليل او اثر يقود للفاعلين، وبدراسة الادلة المتوافرة يمكن على الاقل التوصل لجنسية المهاجم ولجهة الدعم، مما يؤدي الى تقليل احتمالية الهجوم مرة ثانية.
ان الاعتراف بوجود الفساد الاداري ليس كافيا. يجب اتخاذ خطوات فورية للحد منه، لان تأثيره لا يقع فقط ضمن تخريب الاقتصاد الوطني، بل يتعداه الى تغذية وادامة الشبكات الارهابية التي تعمل في العراق. تلك الشبكات قد تكون حرة الى درجة انها اصبحت تشكل قاعدة عالمية لتصدير الارهاب. كما يجب المبادرة في التوقع لما يمكن ان يحصل بناءا على سيناريوهات سابقة. واغلاق الطرق الدائمي ونقاط التفتيش الثابتة ليست هي الحل. يجب ان تنبذ القوات الامنية كسلها، وتخف الى الحد من تباطؤها في التعامل مع الحدث. فاذا كانت المشكلة في التجهيزات، فتجب المبادرة الى توفيرها فورا. اما مشكلة التدريب، وهي التي طالما تعذرت بها القوات متعددة الجنسيات، فلابد من وجود بعض الوحدات في القوات الامنية قد تلقت تدريبا جيدا، واستطاعت ان تكسب خبرة جيدة خلال العامين المنصرمين. فيمكن الاستفادة من هذه الوحدات بنشرها في الوحدات الاقل تدريبا للاسراع في جهوزيتها ورفع مستوى ادائها. وفي النهاية فلكي نصل الى عراق امن، يجب ان يشعر كل مواطن ان هذا هو هدف الدولة، وهذا هو ما تجهد اجهزته الامنية للقيام به، وبالتالي يندفع للتعاون معها، ويتفاعل بالشكل الذي يحوله الى مساهم رئيس في اقرار الامن.

Wednesday, July 20, 2005

تطور الديمقراطية: نموذج من اجتماعات مجلس محافظة

في السادس من حزيران 2004، وقبل يومين فقط من تسليم السلطة، وقع تفجير ارهابي بسيارة مفخخة رُكنت في شارع اربعين وسط مدينة الحلة، عند اذان المغرب حيث كان الشارع يعج بالمارة واصحاب المحال التجارية مما اوقع العشرات من الشهداء والجرحى بين رجال ونساء واطفال كانوا يظنون انهم آمنين. وما زاد الكارثة ترويعا ان التفجير وقع في منطقة تخلو من أي تواجد لقوات امريكية او قوات امن عراقية، وهي الاماكن التي كانت تستهدف عادة لحين حصول هذا الاعتداء الاثيم.
وفي ذلك الحين، كنت بحكم عملي مقربا من مجلس محافظة بابل السابق بصفة مستشار، اعمل في مجال دعم الحكم المحلي. وكنت اتولى مساعدة المجلس في اعداد المقترحات وجدول الاعمال وادارة الاجتماعات الدورية والتنسيق مع السلطة التنفيذية على مستوى المحافظة او على المستوى الوطني. وقد حظيت باحترام بالغ للدور الذي لعبته، وللخدمات التي قدمتها، مما حدا بالمجلس الى السماح لي بحضور جميع الاجتماعات، حتى اكثرها حساسية. ولم يكن غريبا ان يطلب الى الحديث او التدخل لحل نزاع ما استنادا الى النظام الداخلي او قانون ادارة الدولة المؤقت او التشريعات الناف ذ ة.
ومن موقعي هذا، فكرت في ان اعرض مشروع مقترح على المجلس، يتعلق بالتفجير الارهابي سالف الذكر، من جهة لاتخاذ اجراء ما تجاه ضحايا الحادث، وارسال رسالة تحدٍ للارهاب، ومن جهة ثانية لتقوية دور المجلس في التعامل مع المستجدات الانية وكيفية صناعة القرارت والعمل على تنفيذها. ومن الواضح ان أي قرار يصدر عن المجلس يتعلق بهذا الحادث سوف يلقى ترحابا واسعا، ولا شك ان الجميع سيكونون متعاونين في تنفيذه. فلا احد في النهاية يريد ان يظهر كمعارض لمحاربة الارهاب باي صورة.
وكان ان اعددت مسودة لمشروع قرار يصدر عن المجلس يتضمن النقاط التالية:
1- اطلاق تسمية (الفداء) على الشارع تخليدا للشهداء الذين قدموا انفسهم فداءا للوطن.
2- العمل على تطوير منطقة التفجير، مع اقامة نصب تذكاري لضحايا الحادث. ولتمويل المشروع يمكن الاستفادة من ميزانية المجلس، والمحافظة والدوائر التابعة لها، والحكومة المركزية متمثلة بالوزارت المختصة، اضافة الى جمع التبرعات ومشاركة الجهات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني بما يتاح لها.
3- تشكيل لجنة تتولى تنفيذ هذا القرار، ومن مهامها استحصال التمويل اللازم من الجهات المذكورة اعلاه، وما تراه مناسبا.
واخذت على عاتقي عرض هذه المسودة على كل عضو من اعضاء مجلس المحافظة، وشرح الابعاد التي ينطوي عليها، ومناقشته بشأن التعديلات المقترحة من اجل تطوير المقترح. واستطعت الحصول على موافقة وتوقيع 37 عضوا من الاعضاء الاربعين الذين يشكلون المجلس. والثلاثة الباقين لم يكونوا غير موافقين، ولكني ببساطة لم استطع الوصول اليهم الى حين موعد الاجتماع التالي.
وادرج المقترح على جدول اعمال الاجتماع الدوري التالي. وتوقعت ان يعرض ويمرر بسلاسة نظرا للاجماع الذي حصل عليه مسبقا، ولكن حدث ما لم اكن اتوقعه. ففي بداية كل اجتماع توجد فقرة في جدول الاعمال تتضمن موافقة المجلس على جدول الاعمال. والغاية من ذلك اتاحة الفرصة امام الاعضاء الذين لديهم اقتراحات ساخنة لطرحها، او تعديل الجدول لظرف طارئ يستوجب تقصير فترة الاجتماع، وما الى ذلك. وقبل هذا الاجتماع كانت هذه فقرة روتينية يصوت المجلس عليها عادة بدون تغيير. ولكن في هذه المرة انبرى عدد من الاعضاء الى تقديم مقترحات كثيرة وطلبوا ادراجها في بداية الاجتماع لكونها (ساخنة) ولم يكن ايا منها كذلك. لكن المجلس صوت في النهاية على التعديل، جاعلا مقترحي في ذيل جدول الاعمال على اعتبار انه ليس في حاجة الى المناقشة اصلا.
وناقش المجلس المقترحات الواحد تلو الاخر واطال الاعضاء النقاش، ونفد وقت الاجتماع دون ان يصل الدور الى المقترح المنشود، ورفعت الجلسة على هذا الواقع. فعتبت على رئيس المجلس قائلا: كنت اعتقد ان شهداء شارع اربعين يستحقون اكثر من ذلك من مجلس المحافظة. فوعدني ان تتم مناقشة هذا الاقتراح في بداية الاجتماع القادم ولن يسمح بتأخيره معتذرا انه لم ينتبه اليه. وصبرت الى الاسبوع التالي، راجيا ان تتم الموافقة على المشروع ليثبت المجلس انه يهتم لمجريات الاحداث في المحافظة.
وجاء الاسبوع التالي، وعرض مشروع القرار على الاعضاء مع تعليق رئيس المجلس: اعتقد اننا لسنا في حاجة الى مناقشة هذا المقترح، فقد وقـّعت عليه الاغلبية الساحقة من اعضاء المجلس، ولذلك ساطلب التصويت. فقاطعة احد الاعضاء، وهو يحب الحديث في كل شيء، طالبا ان يسمح بالمناقشة، لاجراء بعض التعديلات على الاقل. فوافق رئيس المجلس وطلب اليه تلاوة التعديل. وكان التعديل يتعلق بالاسم المقترح، حيث انه ادعى ان هناك بعض رجال الدين قد قرروا اطلاق اسم (الاعتصام) على شارع اربعين تيمنا باعتصام شهير استمر فترة اسبوعين احتجاجا على المحافظ الاسبق والذي ادى الى تنحيته عن منصبه، مما عدّ نصرا يجب تخليده. فقال احد الاعضاء المعتدلين ان الشارع يتكون من نصفين، وتتوسطه ساحة، وان الاعتصام وقع في احد النصفين بينما وقع التفجير في نصفه الثاني، فلا بأس من اطلاق التسميتين على نصفي الشارع ارضاء للجميع.
وتحدث عضو اخر يحسب على التيار الاسلامي المتشدد قائلا: لماذا نقوم ببناء نصب لعشرة او عشرين من الشهداء، وننسى الافا من الشهداء في المقابر الجماعية؟ اذا كان لنا ان نخلد ذكرى احد من الشهداء فالاولى ان نبدأ بشهداء المقابر الجماعية. وقالت عضوة ناشطة في مجال حقوق الانسان ان العراقيين قدموا شهداءهم قبل المقابر الجماعية بزمن طويل وباعداد تفوقها كثرة ووحشية، وذلك في حملات الاعتقالات والاعدامات التي قام بها النظام السابق خلال السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، ولذلك فهم الاولى بالتخليد، والاجدر بهذا النصب التذكاري.
ورغبة من احد الاعضاء المعتدلين، وهو في سلك القضاء، في ان يوجه الحديث باتجاه تفعيل المقترح لا الجدل حوله، فقد بين للاعضاء الاخرين ان المقترح يخص ضحايا شارع اربعين، وان عليهم ان يقدموا مقترحات اخرى اذا كانوا يفكرون بالضحايا الاخرين لظلم النظام السابق. وقال ان ما علينا التفكير به هو شكل اللجنة التي يجب ان تعمل على تنفيذ هذا القرار في حال صدوره. وطالب ان يضاف اسمي شخصيا الى تلك اللجنة نظرا الى انني سعيت منذ البداية في اعداد وانضاج القرار.
وكان لهذا التعديل وقع الصاعقة على احد الاعضاء، الذي كان يزهو بنفسه على الدوام ويصرح بمناسبة وبغير مناسبة انه يشرف المجلس، وان مكانه هو اسمى من ذلك بكثير. فانبرى فجأة الى الحديث بعد ان التزم الصمت طوال المناقشات الماضية. وقال: لا ادري كيف تفكرون، ولكن الا تعتقدون ان اقامة النصب هي من الاشياء الموروثة عن النظام السابق، والذي كان يسارع الى اقامة الجداريات والنصب لتمجيد شخص القائد الضرورة. وانتم مع ذلك تقلدون ذلك النظام في اجبار الناس على التبرع مما يثقل من كاهلهم وهم في احوج ما يكون الى ما يسد رمقهم. ثم، كيف تقترحون ان تشكلوا لجنة تضم اعضاء من خارج المجلس؟
وواضح ان هذا العضو، لم يكن فقط راغبا في عدم ادراج اسمي ضمن اللجنة، ولكن ايضا في نسف المشروع من اساسه وعدم تمريره. فبين له رئيس المجلس ان اللجنة ليست دائمية، ولذلك يمكن ان تضم اعضاء من خارج المجلس حسب النظام الداخلي، وتلا عليه الفقرة التي تثبت ذلك. ولكن صاحبنا استمر في الجدال واستخدم كل ما يمكن ان يجبر الاخرين على (الاقتناع)، من عدم اتاحة الفرصة لهم بالحديث، ورفع الصوت عاليا، وحتى التهجم عليهم. واضطر رئيس المجلس الى تذكيره بانه احد الاعضاء الموقعين على المقترح، فاجاب ان التوقيع لا يعني الموافقة على المقترح، وانما الموافقة على مناقشته. وكان هذا ابتكار عجيب في النظم البرلمانية، وربما سيفيد اي عضو راغب في التنصل من مقترحه طالما ان تقديمه للمقترح لا يعني انه موافق عليه!!
وفي محاولة اخرى لتسوية الوضع، اقترح احد الاعضاء، وهو متدين الا انه براغماتي، ان تحذف فقرة جمع التبرعات، وان يوجه كتاب الى كلية الفنون الجميلة لاعداد هذا النُصب التذكاري، وان تتولى ادارة المحافظة، والمحافظ الاشراف على التنفيذ، مما يلغي دور اللجنة، وبالتالي فلا داعي لها.
على كل حال استمر الجدل لساعات طوال حول نفس الاشياء التي تحدثنا عنها، واجهضت كل محاولة للتصويت، بدعوى ان المجلس بحاجة الى المزيد من النقاشات. ولم يطلب احد مني التدخل من اجل توضيح لاصل المقترح. واخيرا وجه احد الاعضاء، وهو يحظى باحترام واسع، رصاصة الرحمة الى القرار. فانتصب واقفا ليتحدث بصوت قوي جهوري حرص على ان يصل الى جميع اركان قاعة الاجتماع، قائلا: ان الشارع تمت تمسيته من قبل المرجعية الشريفة، ونحن هنا نهدر الوقت في هذه المناقشات التافهة. لذلك اقترح ان تقوم كلية الفنون الجميلة بوضع نصب في منطقة التفجير، ويطلق على النصب اسم (الفداء)، ودعى الى التصويت على ذلك، فوافق المجلس بالاجماع.
ولكن حتى هذا الكتاب لم يوجه الى الكلية المعنية، ولم تبلغ ادارة المحافظة بهذا القرار وحفظ في ارشيف المجلس، شأنه شأن العشرات من القرارات الاخرى. واعتذر الجميع مني بعد الاجتماع بانهم لم يقصدوا اسقاط المشروع، ولكنهم مسؤولون عن قراراتهم وعليهم تبريرها بالشكل الصحيح. والمصيبة ان هذا هو بالضبط ما كنت ارمي اليه في نهاية الامر.
لقد ترددت طول عام تقريبا في نشر تلك التفاصيل عن هذا الاجتماع والقرار الهزيلين، خوفا من تفسير ذلك على انه طعن في الظهر، وانني انما انشره لان المجلس انحل الان ولن يناني منه شيئا. والواقع انني لازلت اكن الاحترام لجميع اعضاءه، والذين انتخب بعضهم للدورة الحالية، ولست في صدد الطعن بما قدموه للمحافظة، فمما لاشك فيه ان المجلس قدم اكثر ما يستطيع ضمن المتاح له. ولكني وجدت ما اوردته هنا مثالا على مسيرة الديمقراطية في بلدنا وآلية تطورها. والادهى ان اداء معظم مجالس المحافظات كان على هذه الشاكلة، وليس بافضل منها المجلس الوطني المؤقت، ومن ثم الجمعية الوطنية.
ان المجالس التشريعية هي المكان الملائم لاتخاذ قرار ما بشأن قضية ما. وهي ليست ساحة للنقاشات ولتصفية الحاسابات الشخصية او الحزبية. والمجلس يراد له ان يكون كائنا عضويا، بمعنى ان يسعى ككل في انضاج القرار ليصل الى مرحلة التنفيذ، وان النقاشات يجب ان تنصب في تطوير المقترح لا في اسقاطه، او افراغه من مضمونه. فلن يجني الناخبون شيئا من النقاش الطويل، خصوصا اذا لم يفض الى اصدار قرار يتعامل مع الوضع. وعليّ ان اقول كذلك انني نادرا ما لمست مثل هذا التوجه في المجالس على اختلاف مستوياتها. وفي الفترة السابقة للانتخابات، كانت الصفة الحزبية هي الطاغية، وهناك مركزية شديدة لاشخاص بعينهم. وليس بمستغرب اقامة التحالفات، ولكنها كانت في بعض الاحيان فجة، وضد مصلحة المواطن. لقد كنت اطمح الى ان ارى مجلس محافظة قوي يقف ندا للحكومة المركزية، ولكني انتهيت الى مجلس محافظة ضعيف ومشتت. وتلك خيبة امل، ولكن احسب ان الديمقراطية ستشهد الكثير من خيبات الامل المماثلة. والشيء المهم ان تلك المجالس تكتسب الخبرة، وان كانت ابطأ مما كنا نصبو.

Monday, June 27, 2005

عام على تسليم السلطة: قرارات مصيرية مؤجلة

في اواخر حزيران 2006 تمر الذكرى السنوية الاولى لتسليم السلطة في العراق من قبل الحاكم المدني السابق بول برايمر. ويجدر بنا اجراء مراجعة عامة للمشهد العراقي خلال تلك السنة الحافلة بالاحداث، وانعكاساتها على حياة ومستقبل الشعب العراقي. ورغم اننا ندرك ان مثل هذه المراجعة لا يمكن ان تحصر في مقال واحد، الا اننا نحاول هنا ان نجد خطوطا عريضة لاتجاهات الاحداث، ونتوقف عند بعض الاحباطات التي حصلت، ونستشف منها الحلول المتاحة او الممكنة في قادم الايام.
وبدءا علينا ان نسلم بان مسيرة الاحداث خلال العمليات السياسية المتتالية لم تكن وليدة اللحظة، او طارئة خلال ازمان مختلفة بشكل عفوي.. بل ان تلك الاحداث تشكلت في سلسلة متعاقبة ومتوالية من السبب والنتيجة، ثم النتيجة للنتيجة وهكذا. وربما كان السبب الاول والمحرك للعمليات السياسية التالية، هو اسقاط النظام السابق بدون خطة واضحة لاحلال سلطة وطنية بديلة. ونذكر ان رغبة الولايات المتحدة الاصلية لم تكن اطلاقا متجسدة في الحكم المباشر للعراق.. بل ان الساسة الامريكيون عملوا خلال الفترة السابقة للحرب على ايجاد سلطة وحكومة منفى من خلال مؤتمرات لندن واربيل وبيروت. وكان يفترض ان يفضي مؤتمر الناصرية الى تشكيل هذه الحكومة. ولو قدر لهذا الامر ان يحصل، فمما لاشك فيه ان العملية السياسية كانت ستتخذ منحى اخر. وقد كشفت الخلافات في هذا المؤتمر، ثم في مؤتمر بغداد بعد ذلك بشهر، ان الرغبة في الاستيلاء على السلطة كانت هاجسا كبيرا لدى الساسة العائدين من الغربة، يحدوهم طموح اكبر حتى من شعاراتهم التي رفعوها خلال العشرات من السنين.
وهكذا حدث اول تغير رئيسي في السياسة الامريكية، وهو الحكم المباشر للعراق من قبل حاكم مدني، على ان يساعده مجلس (استشاري) سمي فيما بعد بمجلس الحكم. ودوليا، عملت الولايات المتحدة على تثبيت شرعية سلطتها كدولة احتلال، مع التأكيد على (سيادة) مجلس الحكم. ولقد لاحت هنا بادرة طيبة لتولي العراقيين شؤونهم، لولا اهتمام اعضاء مجلس الحكم بمستقبلهم السياسي اكثر من الرغبة في الحصول على الاستقلال.. فلقد اعتقدوا ان الاستقلال هو امر حتمي، وهو حاصل ان عاجلا ام اجلا، بينما مواقعهم غير مؤكدة. وسرى الاعتقاد ان مجلس الحكم غير قادر على تولي شؤون البلاد بسبب (غطرسة وسيطرة) الحاكم المدني. والواقع ان مجلس الحكم اعتزل مبكرا، لا خوفا من الحاكم المدني، ولكن لان اعضاءه لم يكونوا مستعدين للتضحية بما حصلوا عليه في حال حاولوا مواجهة هذا الحاكم.
ان حكم اية دولة يجب ان يكون بموجب الدستور.. وفي حالة العراق بعد انهيار نظامه السابق، انعدم أي وجود لدستور او قانون اعلى يحكم العمليات السياسية. وبقدر ما يمكن لهذا الامر ان يكون سيئا في بيئات اخرى، فانني ارى انه كان يمكن ان يكون عنصرا داعما للعملية السياسية في العراق. ذلك ان مجلس الحكم لم يكن بلا صلاحيات كما اشير اليه، اذ لم يكن هناك أي معنى للصلاحيات طالما انها غير مكتوبة او موثقة. لقد كان بامكان مجلس الحكم ان يتولى شؤون البلاد رغم انف الحاكم المدني، الذي عليه ان يقر ان المجلس لا يتجاوز اية صلاحية منصوص عليها. وهكذا تحول هذا المجلس الى متفرج لا حول له ولا قوة. ولم يستطع ان يقدم اكثر من قانون ادارة الدولة حسب الاجندة الامريكية التي كانت – مع الاسف- اكثر توفيقا في النظر الى الشأن العراقي من مجلس الحكم. ومن سخرية القدر ان معظم رموز مجلس الحكم (السابق) سيتولون شؤون البلد في ما يلي من الزمن.
ولكن العملية السياسية رافقتها المسألة الامنية، بعد ان اخذ الوضع الامني بالتردي شيئا فشيئا، دون ان يستطيع الحاكم المدني، او مجلس الحكم ان يحد منه، خصوصا بعد ان انعكس الفساد السياسي على الادارة، من تحويل الوزارات الى مؤسسات حزبية، وتثبيت مبدأ المحاصصة، وتفاقم الحالة الاقتصادية سوءا، رغم التحسن الكبير الذي شهده المواطن خلال الاشهر الاولى من الغزو/التحرير. فادرك الامريكيون انهم لن يستطيعوا ان يستمروا في حكم العراق دون ان يتسببوا في المزيد من الخراب، سواء بسبب جهلهم بالطبيعة الاجتماعية والثقافية لهذا البلد، او لكون مجرد وجود حاكم اجنبي يعد عذرا لازدياد العمليات المسلحة التي تستهدف هذا الوجود. كما انهم رغبوا في اظهار تطور ما في الساحة السياسية لاثبات صوابهم في تلك الحرب، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الامريكية. فجاء قرار تسليم السلطة املا في ان يكون منعطفا مهما في مسيرة الاحداث، وان يفضي الى استقرار سياسي يتبعه سلسلة من المحطات في مسيرة مكتملة بدءا من الانتخابات الى صياغة الدستور ثم الانتخابات بموجب هذا الدستور المصادق عليه شعبيا.
على كل حال، تشكلت الحكومة التي تولت زمام الامور بالتوافق بين الحاكم المدني واعضاء مجلس الحكم. وكان يمكن ان تكون تلك الخطوة مفتاح الحل لو ان حكومة الدكتور اياد علاوي اتخذت القرار الاهم، وان كان الاصعب. لقد اريد لهذه الحكومة ان تكون حكومة حقيقية لتستطيع ان تنجز ما اخفق فيه مجلس الحكم والحاكم المدني، الا وهو احلال الامن في ربوع العراق. ومعلوم ان تحقيق الامن لا يتم الا بمساعدة القوات المتعددة الجنسيات. ولكن مساعدة هذه القوات لا يجب ان تكون هي الجهود الوحيدة التي تبذل في هذا الاتجاه، وانما ينبغي اعطاء قوات الامن الوطنية الفرصة لاثبات وجودها، وتحميلها المسؤولية، والا فما الفائدة من وجود حكومة وطنية اذا لم تكن تتحكم في العملية الامنية؟
لقد كان امام حكومة علاوي خيار صعب ولكنه ضروري. كان عليه ان يطلب من القوات المتعددة الجنسيات ان تلازم قواعدها، ولا تتحرك الا بطلب من حكومته. وبذلك يحمّل قوات الامن الوطنية مسؤوليتها، ويضعها امام واجباتها، مهما كانت النتائج. وفي النهاية فان المتعددة الجنسيات يمكن استدعاؤها عند الضرورة. نعم، سيكون هناك عنصر للمجازفة بالاعتماد على قوات غير مكتملة او مدربة بالشكل الكافي، ولكن ما تم انجازه لحد تلك الفترة كان ينبغي ان يكون كافيا، والا فما الداعي اصلا الى تسليم السلطة؟ لقد فشل علاوي في اتخاذ هذا القرار بسبب عدم ثقته بقواته الامنية، واستمر الوضع في التردي لان تلك القوات فقدت ثقتها بنفسها نتيجة لذلك، وبات كل شيء رهن التدخل الامريكي.. ورضخ الجميع للامر الواقع.
ان الدعوة التي وجهها المرجع الديني الاعلى للشيعة باجراء الانتخابات وجدت صدى واسعا، ليس فقط بين اتباعه من الطائفة الشيعية، ولكن ايضا من القوى الوطنية والاحزاب السياسية، علاوة على الاكراد وفئة غير يسيرة من الطائفة السنية. وحتى من عارض اجراء الانتخابات لم يفعل ذلك لعدم قناعته بها، ولكن لشكه في نجاحها ضمن التوقيتات التي رسمت لها. وعلى كل حال، فان الغالبية العظمى من الشعب العراقي اعتقدت ان تلك الانتخابات ستكون المفتاح لحل المشاكل المتفاقمة على كل الصعد الامنية والاقتصادية والاجتماعية. بينما وجدتها الولايات المتحدة فرصة مناسبة لاثبات، مرة اخرى، صواب تدخلها في العراق، وبادرة ديمقراطية غير مسبوقة في المنطقة عموما.
ورغم ان الانتخابات في الثلاثين من كانون الثاني كانت حدثا مهما، الا ان المتتبعين والمحللين السياسييين لم يتوقعوا ان تحدث تغييرا جذريا. فمن تم انتخابهم هم نفس الشخوص الذين تحكموا بالعملية السياسية منذ البداية. ومرة اخرى قفزت العملية السياسية الى الصدارة، مع اهمال ولا مبالاة غريبين بالشؤون الاكثر اهمية للمواطن العادي، ولا ادل على ذلك من استغراق تشكيل الحكومة الجديدة فترة ثلاثة اشهر، في وضع امني بالغ السوء، ناهيك عن الفساد الاداري والانهيار الاقتصادي، التي عصفت بالمواطن وجعلته في دوامة العنف والفقر وفقدان الامل.. وتحسر الكثيرون على ايام النظام السابق، كما هو شأن العراقيين بعد كل تحول.
وبمرور عام على تسليم السلطة، تولت حكومتين مختلفتين حكم العراق، دون ان يحدث أي تغيير يذكر في معالجة الخلل الامني، او في أي من النواحي الحياتية الاخرى للشعب. ورغم ان ثانيتهما كانت منتخبة ديمقراطيا، الا انها لم تستطع ان تتجاوز الخطوط التي رسمتها لها اولهما. وحينما ارادت ان تحدث تغييرا عمدت الى الهياكل الادارية في الدولة، من محافظين ومدراء شرطة ومسؤولين اخرين، فاقالت وفصلت وعزلت، دون ان يكون لهذه التغييرات اثر ملموس في تحسين الاوضاع عموما. ومن جديد فان نفس الخيار يقف امام حكومة الجعفري، عليها ان تثق بالقوات الامنية الوطنية، وتحملها مسؤوليتها.. وان تطلب من القوات المتعددة الجنسيات ان تبدأ بالانسحاب الى قواعدها، بموجب خطة مفصلة ومتفق عليها. واذا فشلت تلك الحكومة في اتخاذ هذا الاجراء فلن يكون هناك اي تغيير حقيقي الى ان تأتي حكومة تقوم به.

Thursday, June 02, 2005

الدعم الحكومي للمواد الأساسية: تدمير للاقتصاد وتأخير للتنمية

من بين الكثير من الأوضاع الشاذة التي أصبحت قاعدة في العراق على يد النظام السابق تبرز مسألة الدعم الحكومي للمواد الأساسية التي تمس حياة المواطن، وبالذات المواد الغذائية. فقد درجت الدولة على توزيع المواد الغذائية والأدوية والملابس والأدوات الاحتياطية للسيارات وغيرها بأقل من أسعارها الحقيقية تحت طائلة الدعم الحكومي معتبرة ذلك إنجازا وتسهيلا لحياة المواطن.
وفي الحقيقة فان هذا الدعم لم يسهل حياة المواطن، بل جعلها أكثر صعوبة. فقد أصبح احتكار الدولة لقطاع التجارة، علاوة على القطاعات الأخرى، سلاحا فعالا للسيطرة على حياة المواطنين بشكل مباشر، وقتلت روح المبادرة الفردية والتنافس الحر، العاملان الرئيسان في تطوير الاقتصاد الوطني، وإقامته على أسس متينة تستطيع أن تساير الحركة الاقتصادية العالمية.
وحينما وجدت الدولة أنها ستعرقل الحركة الاقتصادية باستمرارها في تقديم الدعم، فتحت الباب أمام كمية محدودة ومنتقاة من التجار لممارسة عمليات الاستيراد والتصدير، وان كان تحت إشراف الدولة أيضا. وخلق استمرار تقديم الدعم المادي للبضائع الأساسية مع وجود بضائع تجارية حالة من الازدواجية التي لم يستطع الشعب أبدا أن يفهمها. وكانت النتيجة أن غالبية الشعب العراقي اعتقد بفشل نظام الاقتصاد الحر، لما شهده من ممارسات غير شرعية ولا إنسانية من الكثير من التجار الذين كانوا في الحقيقة ربائب للنظام نفسه.
ولما جاء الحصار الاقتصادي في التسعينات كأحد نتائج السياسة المتهورة لهذا النظام، ابتدع فكرة البطاقة التموينية التي تعطي حصة لكل فرد من مجموعة محدودة من المواد الأساسية. ثم أصبحت تستغل سياسيا للضغط على فئات معينة من الشعب، والتهديد بقطعها، وتخفيض محتوياتها دون إيجاد البديل المناسب. ومع الإبقاء على مستوى الدخل الفردي متدنيا إلى ابعد حد، وغياب الحركة التجارية الفعالة، وتأخر الصناعة والزراعة بشكل مأساوي، لم يعد أمام المواطن البسيط سوى الاعتماد على هذه البطاقة التي تبقيه حيا، ولكن لا تقدم له أي شيء يليق بامكانات بلد ثري.
لقد صرف النظام البائد أموالا طائلة في دعم البطاقة التموينية بدل أن يوفر فرص العمل، ويرفع الحالة المعاشية للمواطنين.. ومن المفجع أن جزءا كبيرا من تلك الأموال كان يذهب كمصاريف إدارية، ورشاوى، وعقود وهمية، وشراء ذمم وتصرفات كثيرة غير شرعية، خصوصا بعد أن تبنتها الأمم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء، أو النفط مقابل الولاء إن شئت.
واليوم وبعد تحرر العراق من قبضة ذلك النظام الفاسد، يجدر بنا مراجعة وضع الدعم الحكومي، سواء للبطاقة التموينية أو للأشياء الأخرى التي تقدمها الدولة، كالوقود والخدمات البلدية والماء والكهرباء.. فهي تستنزف ثروة البلد في قضايا استهلاكية بدل أن توجه تلك الثروة لبناء قاعدة اقتصادية متينة تحسن وضع الفرد وتوفر فرص العمل لشريحة واسعة من المواطنين. صحيح أن إيقاف التوزيع المجاني لمفردات البطاقة التموينية سوف يؤثر سلبا على بعض المواطنين العاجزين عن توفير ابسط مستلزمات المعيشة الكريمة، إلا أن ذلك يمكن تلافيه أو الحد منه بشكل كبير، بإيجاد نظام مدروس للضمان الاجتماعي للطبقة المعوزة، أو العاجزة عن العمل. سيما وان معظم دوائر الدولة لا تعمل الآن إلا بجزء بسيط من إمكانياتها، نظرا للظروف الأمنية ولطغيان العملية السياسية على كل ما سواها. يجب البدء بالتفكير حول كيفية رفع العراق إلى مستوى الأمم الناضجة، التي تعتمد شعوبها على جهودها الذاتية في كسب قوتها، وليس على اقتناء مستلزماتها الحياتية بشكل آلي. ولا شك أن إيقاف الدعم الحكومي سيسبب ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية، والمواد الأخرى بشكل كبير، ولكنه قد لا يكون أمرا سيئا كما يبدو. فقد قال لي احد المحللين الاقتصاديين إن ارتفاع الأسعار دلالة على قوة الاقتصاد، إذا رافقه ارتفاع في القدرة الشرائية.. ونلاحظ في هذا المقام أن الدول ذات الاقتصاد القوي كاليابان والولايات المتحدة وألمانيا والأمارات العربية المتحدة وغيرها تكون ذات مستوى أسعار أعلى من غيرها.. وبالتالي تستقطب رؤوس الأموال وتشجع التجارة وتزيد الاقتصاد قوة إلى قوته. وليس معنى ذلك أن كل ارتفاع للأسعار هو أمر جيد، فالارتفاع الناتج عن شحة المعروض هو أمر بالغ السوء. وتلك نقطة مهمة، فيجب قبل اتخاذ الإجراء الحاسم بوقف الدعم الحكومي التأكد من أن المعروض يزيد على الطلب المحلي لفترة مناسبة، مما يمنع الارتفاع الجنوني للأسعار.
ومن ناحية أخرى، فان المواطن سيسعى إلى استغلال البضاعة أو الخدمة التي يدفع تكلفتها الحقيقية بالشكل الامثل، ويرشد في استهلاك الطاقة، مما سيقلل الهدر المستمر للثروة الوطنية منذ عقود من الزمن. ويمكن أن يؤدي استقرار السوق المحلية بأسعار موازية للأسعار العالمية إلى زيادة الثقة بالاستثمار المحلي دون خوف من نكسة تسببها الدولة بتدخل غير محسوب في إدارة الدفة الاقتصادية.
إن استمرار الدعم الحكومي هو هدر لمقدرات البلد، وتأخير لعجلة التنمية، كما انه يكبح الحركة التجارية ويقيد الصناعة والزراعة بشكل كبير. ورغم أن هذا القرار لن يكون سهلا على أية قيادة، كما إن فهمه سيكون غاية في الصعوبة لمعظم أفراد الشعب، لكن اتخاذه سيكون خطوة تاريخية مهمة في رسم مستقبل العراق وبناء اقتصاده بشكل حضاري ومنفتح، بحيث لا تسيطر عليه الدولة فيصبح أداة للقهر والاستبداد من جديد.

Sunday, May 29, 2005

الإرهاب: فعلٌ في غياب اليقين

من الأمور التي باتت شائكة وصعبة إلى حد كبير موضوعة تعريف معنى المقاومة في مقابل مصطلح الإرهاب الذي يزداد استخدامه بشكل كبير. وهذا التعريف الذي يحاول إيجاده المسؤولون الحكوميون، على اختلاف مستوياتهم، من خلال المؤتمرات والندوات واللقاءات الثنائية أو العامة، يصدم دائما بحجر الرغبة الشخصية أو الذاتية أو المصلحة الضيقة لأحزاب السلطة الحاكمة، أو حتى أحزاب المعارضة التي تروم الحصول على السلطة في ما يلي من الزمن. يضاف إليه مساهمة وسائل الأعلام في طريقة عرض المواضيع المتصلة، وإطلاق الأوصاف تبعا لأجندتها وسياستها، أو بالأحرى سياسة مموليها.
والأمر لا يقل صعوبة لدى المثقفين والمفكرين الذين يسعون إلى فصل معنى الفعل الواحد إلى معنيين، متناقضين ظاهريا، باختلاف الظروف التي تحيط الفعل، والنتائج التي تتمخض عنه، أو المرجوة من إتيانه. وقد واجه أفلاطون مثل هذا التناقض في دعوته للعمل الصالح. فمتى يُعد فعلٌ ما صالحا، ونفسه قد يُعد غير صالح في أحيان أخرى؟ فالقتل –استنادا إلى أفلاطون- أمر سيء وخطيئة كبرى، لكنه قد يُعد فضيلة إذا ما وجّه إلى الأعداء، أو المجرمين قصاصا لما ارتكبوه من أفعال شنيعة. وإذا كان فعل القتل في الحالين واحد، وأثره واحد، فلماذا يُعد قتل الأعداء فضيلة؟ تترتب هنا عدة مسائل لجعل هذا الفعل صالحا (أو جائزا إن شئت)، أولها أن يكون العدو محاربا، مضمرا ال