Saturday, July 09, 2011

حضور النموذج العراقي في الربيع العريي

قال احد المشاركين في برنامج حواري بث على احد القنوات الفضائية العربية ان شرارة "الربيع العربي" انطلقت من العراق، فقاطعه المذيع بالقول "ان شرارة الربيع العربي انطلقت من تونس، من حادثة ابو عزيزي وما تلاها من احداث في الشارع التونسي". فخطر لي سؤال: لماذا لم تنطلق شرارة الربيع العربي من العراق؟

والحقيقة ان لا احد تقريبا يشير الى تجربة العراق المريرة في عام 1991، عندما انتفض الشعب العراقي من شماله الى جنوبه ضد حكم الطغيان الصدامي الذي اذاقه الامرين من حروب طاحنة ومغامرات غير محسوبة ادت الى فقدان مئات الالاف من الارواح البريئة، اضافة الى تفرد "القائد الضرورة" بالسطة واسكاته لكل معارضة بطرق وحشية، ليس اقلها الحرمان من بركات النظام، وليس اكثرها الترحيل والسجن والتغييب والاعدام، مرورا باساليب التحقيق المروعة في زنزانات اجهزة الامن التابعة للنظام.
خرج الشعب في ثورة غير مسبوقة في العالم العربي على حاكم جائر بعد ان ادت مغامرته في الكويت الى تحطيم البلاد ماديا ومعنويا نتيجة الهزيمة المذلة التي وضعها فيها النظام، وما رافقها من بوادر للعزلة الدولية التي سوف تستمر الى حين سقوط النظام بعد اثنتي عشرة سنة من تلك الثورة الشعبية.

ثورة بدأها جندي في البصرة بان صوب ماسورة دبابته في وضح النهار الى صورة كبيرة لـ"القائد الرمز" ودمرها بقذيفة ربما تكون آخر ما بقي لديه من ذخيرة، وهو ما لم يجرؤ عليه من قبل أي مواطن عراقي. وفجأة تحطم حاجز الخوف، وسرعان ما تهاوت اركان النظام في معظم انحاء العراق، من الشمال الى الجنوب، مرورا بضواحي بغداد، وباتت البلاد تعيش اجواء الثورة.

لم تكن تلك الثورة سببا لانهيار النظام الصدامي، ولم تصبح مثالا لشعوب المنطقة العربية التي ترزح تحت انظمة شمويلة مماثلة. بل ان تلك الانتفاضة ربما ادت في الواقع الى تأخير الربيع العربي عشرين عاما اخرى. حينما رأت الشعوب العربية مقدار القمع الذي مارسه النظام على الشعب الذي تجرأ على رفع صوته في وجهه. ربما تكون الشعوب العربية قد وضعت في حساباتها ان انظمتها الحاكمة سوف لن تكون افضل في تعاملها مع مثل هذه الحركات من النظام الصدامي.

لكن سقوط النظام في العراق عام 2003 على ايدي قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وما تلاه من تحرر نسبي للعراقيين على مستويات عدة، بدءا من حرية التعبير عن الرأي، الى المشاركة في صنع القرار عن طريق الانتخابات البرلمانية والمحلية، كل هذا لم يكن هو الاخر سببا مباشرا في تحريك الشارع العربي للمطالبة بالمزيد من الحريات وتحسين اوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومرة اخرى يطرح السؤال نفسه، لماذا لم يصبح العراق مثالا للشعوب العربية؟

قد يكون الجواب على ذلك سهلا، نظرا لان العراق مرّ بفترات مظلمة بعد الغزو الاميركي وعانى من تفشي الارهاب وتدني مستوى الامن وسيطرة بعض العصابات على مقدرات الدولة وحتى التمكن من الوصول الى هرم السلطة والتأثير على عملية صنع القرار. كذلك شهد العراق شيوع الفساد الاداري في كافة مفاصل الدولة حتى صار امثولة في التقارير الدولية، التي لاشك ان المثقفين العرب، وحتى رجل الشارع، قد اطلعوا عليها وربطوها برد فعل انعكاسي بالتحرر والتخلص من نظام الاستبداد الشمولي. وربما ساورت الشعوب العربية المضطهدة الشكوك بانها قد لا تكون افضل حالا ان ازاحت جلاديها عن سدة الحكم.

ومرة اخرى، قد تكون الاحداث في العراق بعد 2003 قد امدت من عمر حكام العرب المتسلطين على رقاب شعوبهم. لم يصبح العراق مثالا لهم لانه لم يكن يعط صورة المثال المطلوبة من بين الفوضى العارمة التي اعترته، رغم ان التغيير في العراق قد احدث نقلة هائلة في حياة الشعب العراق، من الناحيتين السياسية والاقتصادية على الاقل. لكن الفشل في كبح جماح الفتن على المستوى الاجتماعي، والذي اثارته المطاحنات السياسية، قد افضى الى تصوير العراق على انه بلد لا يمكن ان تحكمه الا دكتاتورية قادرة على التعالي على الخلافات الطائفية والعرقية، شأنه في ذلك شأن بقية شعوب المنطقة.

على كل حال، فان الانتفاضات العربية قد لا تكون "ثورات" مجيدة بكل معنى الكلمة، ولكنها بكل تأكيد حركات بوجه الطغيان استقت مدها بعيدا عن تجربة العراق، وان كانت تسعى حقيقة الى ان تصبح مثله في اقل تقدير. ربما تكون اركان الحكومة قد سهلت عملية ازاحة زين العابدين بن علي عن السلطة في تونس، وقد يكون دور الجيش المصري اكبر من يبدو في دعم انتفاضة ساحة التحرير واجبار حسني مبارك على التنحي. لكن ذلك لا يقلل من شأن الرجال والنساء الذين تجرءوا على التجمع والتظاهر ومقارعة اجهزة هذه النظم القمعية التي لا تعرف الرحمة في تعاملها مع مثل هذا الوضع.

وفي اليمن لا يزال مئات الالاف من المتظاهرين يملأون الشوارع والساحات مطالبين بتنحي علي عبد الله صالح عن الحكم، والتحول الى نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على حرية التعبير والتعددية ويحارب الفساد ويوفر الخدمات لشعبه ويعمر مدنه ويقوده الى الرخاء والازدهار. لا اشك ان الثورة في اليمن سوف تنجح في نيل مسعاها على الرغم من تمسك الرئيس ببراثن السلطة الى آخر يوم، ولجوءه الى اساليب اصبحت بالية في زمن التواصل الفوري الذي نعيشه الان.

وانتفاضة البحرين اكثر خجلا ولكنها وضعت نفسها على خارطة الثورات واجبرت الحكام على الاستماع اليها وتقديم تنازلات لم تكن في مجال التصور قبل فترة وجيزة. ومن الممكن ان يفضي الحوار بين حكومة البحرين ومعارضتها الى تحسين الحريات وتقسيم اكثر عدلا للسلطات في هذا البلد الصغير بحجمه، ولكن الكبير بموارده.
اما سوريا، فهي اشبه ما تكون عراقا عام 1991. المنتفضون في الشوارع يطالبون باسقاط النظام الشمولي، والجيش يهيل عليهم سيل الرصاص والقذائف المدفعية. بشار الاسد يقف في محفله مبجلا من زبانيته وهو يعلن ان الجيش يقوم بعمليات تطهير المدن من "الخارجين عن القانون"، الذين اعلن انهم عشرات الالاف. يعلم العراقيون ذلك، فقد خبروه. اذا تجرأت على الوقوف بوجه الطاغية فانت مجرم ومخرب وارهابي وسيكون الموت لك ولعائلتك ولجيرتك ولكل مدينتك.

غير ان سوريا 2011 غير العراق 1991. فلم يكن هناك من فيسبوك، ولا هواتف نقالة، كما لم تكن هناك قنوات فضائية. ولم تكن الاحداث في العراق عندها سوى خبرا في الاذاعات عن تحركات المنتفضين الذين لم يعلن لهم صوت ولا صورة، ولم يعلم احد لهم شكل ولا لون. كانوا اناسا من العامة لم يستطيعوا ان يوصولوا صوتهم الى العالم الا مشوها بدعايات مغرضة من اجهزة النظام الحاكم رغم تزعزع اركانه، وبتدخل سمج غير مرحب به من دول اقليمية ارادت الحصول على حصة في كعكة العراق التي بدت دسمة آنذاك.

وحينما ذبحت اجهزة النظام القمعية مئات الالاف من الابرياء واودعتهم مقابر جماعية يندى لها جبين التاريخ، لم يعلم بذلك سوى قلة من الناس خارج العراق، ولم يتحرك احد لفرض عقوبات على شخوص نظام صدام كما يحدث اليوم في سوريا وليبيا. لقد ادى التحول التقني في الاتصالات الى حقن دماء عزيزة في سوريا، كانت سوف تهدر بكل برود لو كان مايحدث الان قد حدث قبل عشرين عاما.

سوف تنتصر ارادة الشعب السوري آخر الامر. سوف تتعالى الحشود على جلاديها ومن يحصد ارواح ابنائها بالرصاص الحي الموجه الى صدورهم العزل. قد يحدث ذلك بتدخل دولي، ولكنه سيكون على ايادي الرجال الساعين الى التحرر من الفكر الشوفيني الذي لا يرى صوابا في غير افعاله ولا يقبل نقدا لها.

على اني ارى ان الحركة الليبية المسلحة هي خير مثال لما كان ينبغي ان يحدث في العراق عام 1991. فما ان تحرك الشعب وثار على مغتصبي حقوقه حتى اجتمع شمله تحت قيادة موحدة، وأمنت لها موطيء قدم في مدينة بنغازي الشرقية. استطاعوا ان ينشئوا لهم قناة فضائية تنطق باسمهم وعملوا على التواصل مع العالم الخارجي. حتى انهم باتوا قادرين على استحصال بعض التمويل من تصدير النفط ومن المساعات السخية التي تقدمت بها بعض الدول العربية والغربية.

لقد استطاعت المعارضة الليبية المسلحة ان توصل صوتها للعالم، وان تضع قضيتها على طاولة مجلس الامن، واستحصلت الدعم الحربي واللوجستي من دول حلف الناتو، مستفيدة من تخبط حاكم بلدها المخبول معمر القذافي. ويبدو ان الوضع العسكري قد تحول اخيرا لصالحهم بفضل تحسن ادائهم واستمرار ضربات حلف الناتو لقوات القذافي.

كان يمكن لانتفاضة العراق عام 1991 ان تحصل على مثل هذه المكاسب لو كان لها صوت في الخارج، ليس من خلال وسائل الاتصال التي ما كان لها من وجود في ذلك الوقت، بل من خلال رموز المعارضة الذين اتخذوا من عواصم الغرب ملجأ لهم. لو انهم تواصلوا مع الشعب الثائر بشكل كافٍ، ولو انهم عملوا على طرح مسألة وطنهم المصيرية امام المحافل الدولية ومارسوا ضغوطا من اجل ايجاد حلول لها، ربما كان الوضع قد تغير، لكن الساعة لا تعود الى الوراء.

اليوم يلفظ معمر القذافي انفاسه بعد ان ظن انه مخلد في موقعه مع اولاده. وهو اتخذ من شنق شقيقه في الطغيان صدام حسين مثالا على ان بقية الحكام العرب سائرين في نفس الطريق، كما قال لهم ذلك في مؤتمر قمة دمشق. استمعوا له وضحكوا، لانهم اطمأنوا الى ان النار لن تحرقهم يوما، بعد ان شهدت شعوبها ما حدث في العراق بعد سقوط طاغيته. ولكنهم لم يتعضوا ولم يسعوا الى تخفيف قبضتهم الحديدية على السلطة، وافساح المجال لاصلاحات سياسية حقيقية.

اما بشار الاسد فقد يبقى لفترة اطول قليلا، ولكنه لن يكون اوفر حظا آخر الامر. سوف يرحل عن سوريا او ربما سيعتقل ويحاكم، وسوف يتذكر كلمات معمر، ويتمنى لو انه "اخذ الشور من راس الثور" كما يقول المثل العراقي. وسيتراءى له مشهد الحبل الملفوف على رقبة صدام وهو يسأل نفسه: هل كان يجب علي ان اتخذ من العراق مثلا؟

اذا لم يكن العراق مثالا لانتفاضات الربيع العربي فهو موجود فيها بشكل اوبآخر. واذا لم يود احد الحديث عن ديمقراطية العراق، على الرغم من كل اخفاقاتها وسلبياتها، على انها انموذج لنظام حكم يخلف الطاغية الذي يسعون لاسقاطه، فان الخيارات تصبح اضيق بعيدا عنه. وفي آخر الامر، سوف تكون نسخة منقحة من ديمقراطية العراق هي ما يسود المنطقة. سوف يتعظ الجميع من الاخطاء التي وقعت في العراق في طريقهم نحو الحرية والعدالة والمساواة، دون ان يذكروا ذلك. فالعراق كان وسيبقى المثال الصامت لثورات العرب الصدّاحة.

Saturday, May 07, 2011

حول اتفاقية الانسحاب..هل من ضرورة لتمديد بقاء القوات الأميركية؟

مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأميركية النهائي من العراق بموجب الاتفاقية الأمنية التي وقعت بين البلدين أواخر عام 2008، والتي تنص على مغادرة آخر جندي أميركي الأراضي العراقية بحلول نهاية عام 2011، فان الشكوك بدأت تحوم في إمكانية تطبيق هذا الأمر في واقع الحال. وعبّر العديد من السياسيين والمثقفين فضلا عن شريحة واسعة من أفراد الشعب العراقي عن قلقهم من لجوء الحكومة العراقية إلى طلب تمديد بقاء عدد محدود من القوات الأميركية لحماية الأمن الوطني.

هذه القضية تأتي في سياق متوافق مع مسيرة كل المشاريع في العراق الجديد. وأعني بذلك مواجهة أصحاب القرار للمسائل الحيوية كأنها حدثت للتو، أو أنها لم تكن موجودة وظهرت للعيان بين ليلة وضحاها. فالكل يعلم بمشاكل العراق المختلفة، بدأ من نقص الخدمات الأساسية، مرورا بتلكؤ مشاريع الإعمار وتفاقم مشاكل البطالة، وليس انتهاءً بعدم جاهزية القوات المسلحة لحماية حدود العراق من الاعتداء الخارجي.
لكن هذا التباطؤ في اتخاذ التدابير اللازمة للوقوف بوجه التحديات التي يمر بها العراق، على المستويين السياسي والأمني، ليس مشكلة الحكومة وحدها. فالتركيبة المعقدة لهيكل الحكومة ربما فرضت عليها نوعا من العجز عن القيام بالأمور العاجلة والاستجابة الفورية للطوارئ، بالإضافة إلى عدم القدرة على وضع الخطط المتأنية للمدى القريب والمتوسط والطويل.
على كل حال، وصلنا اليوم إلى النقطة التي لم نكن نتمناها، وهي خيار طلب التمديد، مع كل الانعكاسات السلبية لمثل هذا الخيار على الوضع الأمني الداخلي، بعد تصاعد التهديدات من القوى المحلية بالعودة إلى المقاومة المسلحة إن تقرر إبقاء قوات أميركية في العراق في ما بعد 2011.
فهل أن لهذا الخيار ما يبرره أساسا، أو أن اعتماده سيقود إلى النتائج المتوخاة منه؟ إذا كان الإبقاء على قوات أميركية في العراق أمرا ملحا لمنع اعتداء خارجي، فان ذلك يعني بالضرورة أن بقاء هذه القوات سيمتد إلى اجل غير مسمى، خصوصا مع أن ذلك يتماشى مع المصالح الأميركية التي تريد البقاء قريبا من مصادر التهديد لأمنها ومصالحها الاقتصادية. وبما أن إيران هي في الوقت الراهن اكبر تهديد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فان العراق هو خير موقع لمنع إيران من توسيع نفوذها غربا، وبالتالي اكتسابها المزيد من الزخم لتحدي القوة العظمى الأولى في العالم.
إذاً، بقاء القوات الأميركية قد يمنع إيران من التدخل العسكري في العراق، لكنه لن يمنعها من السعي لتوطيد نفوذها في هذا البلد. وقد أضحى العراق، منذ الاحتلال الأميركي عام2003، مجالا حيويا للجمهورية الإسلامية، بعد أن حاصرتها القوات الأميركية من الشرق في افغانسان ومن الغرب في العراق.
لذلك فان التواجد العسكري الأميركي في العراق قد يدفع إيران إلى استئناف دعمها الجماعات المسلحة في أجزاء عديدة من العراق لتقويض الجهود الأميركية في مساعدة الحكومة العراقية، ولإحداث خسائر كبيرة بين صفوفها، الأمر الذي سيجبر الولايات المتحدة على الانسحاب النهائي من العراق. فقبل كل شيء، جاء قبول أميركا بجدولة انسحابها من العراق بعد تصاعد الغضب الشعبي داخل الولايات المتحدة على الحرب في العراق، بعد تفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية الأميركية، حتى بات الرأي العام الأميركي يعتبر هذه الحرب غير ضرورية ولا مبررة. وإذا كانت القيادات الأميركية قد طلبت من العراق تحديد موقفه من رحيلها أو تجديد الاتفاقية الأمنية، فإنها إنما تنظر إلى الأحداث الراهنة، حيث لم تعد تعاني خسائر فادحة في الأرواح والنفقات. لكن مراجعة سريعة للأحداث في السنوات القليلة الماضية تكشف عن الكابوس المرعب الذي كان على الجنود والقادة الأميركيين التعامل معه كل يوم.
على أن التهديد الأمني الإيراني للعراق قد يكون أمرا مبالغا فيه. فمثل ما تؤكد المقولة المأثورة: "ليست هناك صداقات دائمة أو عداوات دائمة بين الدول، بل مصالح دائمة"، فان مصلحة إيران الدائمة هي في تجنب النزاع مع العراق، وهي مصلحة دائمة للعراق أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، فان الإمكانات العسكرية العراقية المتاحة حاليا قد تكون كافية للتعامل مع حالات التحرش على الحدود، كما أثبتت ذلك في العديد من المناسبات السابقة. وإذا كان السؤال عن تحدٍ امني اكبر من ذلك، مثل الغزو أو الاجتياح، فالجواب ليس في إبقاء القوات الأميركية، بل العمل جديا على تجهيز القوات المسلحة الرادعة لمثل هذا التهديد، في غياب القوات الأميركية. نعم سوف يستغرق هذا الأمر سنين عدة من التجهيز والإعداد والتدريب، لكنه سوف يسير بخطىً ثابتة وبمراحل محكومة بأولويات المخاطر المحيطة، وسوف يقلل من أخطار التهديدات الخارجية في كل مرحلة من هذه المراحل وصولا إلى حالة الاستقرار الأمني التام.
بطبيعة الحال، ليست إيران وحدها ما يمثل تهديدا كامنا لأمن العراق، بل ربما تكون جميع الدول المجاورة تهديدا محتملا، خصوصا الجارة التركية التي طالما أرسلت قواتها داخل الحدود العراقية بذريعة تعقب معارضيها. ويصح هنا ما أسلفنا من ضرورة التصدي لهذا التهديد بالتجهيز المتعدد المراحل لجيش العراق وتمكينه من الوقوف بوجه هذه التهديدات بالصورة المناسبة.
أما التهديد الأمني الداخلي، فمن الواضح أن القوات الأمنية العراقية قد أصبحت العنصر الأساسي في التعامل معه، ولم يعد للقوات الأميركية سوى دور محدود فيه. لقد تزايدت الثقة الشعبية بأداء القوات الأمنية منذ نجاحها في إخماد الفتن الطائفية قبل أعوام قليلة، وارتفعت معنويات هذه القوى الأمنية ومستوى تدريبها وتسليحها بحيث لم تعد هناك حاجة أساسية لمعونة خارجية.
كما أن من المستبعد حدوث سيناريو متشائم، بعودة العنف إلى بعض مناطق العراق التي ما زالت تعاني تواجد فلول القاعدة بين ظهرانيها، أو تعرضه إلى اعتداء غاشم من الدول المجاورة، بسبب تغير الظروف الجيو-سياسية في منطقة الشرق الأوسط، وخروج الشعوب العربية بالخصوص بوجه أنظمتها المتعسفة للمطالبة بالمزيد من الحريات. فإن تحققت مطالب هذه الحركات الثورية سيكون ذلك بمثابة تطمين مضاف للهواجس من انتكاس الوضع الأمني في العراق، طالما أن الأنظمة الجديدة ستكون اقل دكتاتورية إن لم تكن أكثر ديموقراطية. ومن المعلوم أن الأنظمة المنفتحة تميل إلى نبذ العنف أو مساندته في علاقاتها مع الدول الأخرى وتفضل تشجيع حركة التبادل الاقتصادي في ما بينها، والتي تعود بنفع اكبر على الشعوب من المغامرات غير المحسوبة للحكومات المتسلطة.
وعلى هذا أخلص إلى القول انه ليست هناك من حاجة ملحة لتمديد بقاء القوات الأميركية في العراق، سواء حافظا على الأمن الداخلي أو الدفاع عن حياضه أمام تهديد خارجي. وقد آن الأوان لان يكون العراق، مرة أخرى، بلدا مستقلا معتمدا على ذاته في تحقيق أمنه ورفاهية شعبه، وان تتحمل حكومته وشعبه مسؤوليتهما في هذا الشأن بدون تأثير سياسي أو عسكري قادم من الخارج، حتى وان كان ذلك من أصدقاء ساهموا في تحرير العراق من الطغيان ووضعه على جادة الحرية والديمقراطية.

Wednesday, July 14, 2010

قول في الازمة السياسية العراقية: العود احمد

بعد ان تقرر، بطريقة غير واضحة تماما، تأجيل جلسة البرلمان لمدة اسبوعين، وهي الجلسة التي أبقيت مفتوحة على مدى شهر كامل بدون سند قانوني، بعد كل ذلك دخلت البلاد في حالة من الفراغ الدستوري والفوضى السياسية المتمثلة بالتأويل العشوائي للدستور والقاء التفسيرات القاطعة لفقراته من قبل كل من هبّ ودبّ، وبات المواطن في حالة من عدم اليقين حتى بدأ يتساءل عن جدوى العملية السياسية اذا كانت في نهاية الامر تصب في مصلحة الفئات السياسية المتنازعة بدلا من خدمة الشعب الذي هو الاساس الشرعي للسلطات كافة حسب المفهوم المبسط للديمقراطية.
لاشك ان نتائج الانتخابات كانت غير حاسمة واعطت لكل من الفرق الفائزة فيها بارقة امل في الاستيلاء على السلطة، او ان يكون لها –في الاقل– القول الفصل في تشكيل الحكومة، وان اقتصرت النقاشات منذ ان بدأت النتائج الاولية بالظهور ولحد الان على اختيار شخص رئيس مجلس الوزراء من بين القوائم الفائزة. تلك هي العقدة التي تقف عندها كل المفاوضات بين كافة الاطراف السياسية، وهي التي تحدد بالتالي الكيفية التي سوف توزع فيها بقية المناصب الرئاسية والوزارية.
ولعل الدستور العراقي قد ساهم في تعميق الجدل من خلال الافتقار الى النص الحاسم وعدم وضوح الصيغ اللغوية-القانونية بما لا يدع مجالا للشك. لكن قبل القاء اللوم على فقرات الدستور علينا العمل بعرف قانوني معروف يتمثل في محاولة استكناه روح التشريع والقصد منه بدلا من الاستغراق في تفسير كلمات بعينها ضمن نص واحد.
فقد اولى الدستور في فصله الثاني موادا مفصلة كثيرة (المواد 63-72) تحدد طريقة انتخاب رئيس الجمهورية ونوابه وصلاحياته وامتيازاته ومدة ولايته والاجراءات المتبعة عند خلو المنصب. كما انه ينص على وجوب "ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ اول انعقاد له (اي البرلمان)." (المادة 69-ب) ونحن نعلم انه تم تجاوز هذا الاستحقاق الدستوري بمرور المدة القانونية دون تحريك ساكن في هذا الاتجاه، كما تم التغاضي عن انتخاب رئيس مجلس النواب في اول جلسة يعقدها البرلمان كما نص الدستور (المادة 53)، بدعوى الجلسة المفتوحة!
وارى ان هذا الالتفاف على الدستور ليس الا مخالفة لايمكن تبريرها بطريقة مكيافيلية تنظر الى الغايات وتغض النظر عن الوسائل. ووجه الخطر في هذا الامر يتجاوز تأخير تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب بين الفرقاء السياسيين الى الاحتكام الى الارتجال في التفسير والاستعلاء على الدستور بدعوى الضرورات المرحلية. ولاشك عندي في ان هناك ضرورات وتحديات مرحلية سوف تستجد في اي وقت في المستقبل يمكن تستدعي تأويلات قسرية واعتباطية للدستور متمثلة بالسوابق التي يضعها سياسيونا اليوم.
يمكن تتبع القصد التشريعي من خلال النظر الى الطريقة التي صممها المشرع لاختيار المناصب الرئاسية: اولا رئيس مجلس النواب في اول جلسة، ثم رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوما، ثم تنص المادة 73 اولا على: "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية." لا يبدو لي ان هناك نية تشريعية لوضع المناصب الرئاسية الثلاثة في سلة واحدة وهو ما يريد ان يقوم به سياسيونا اليوم. والانكى انهم جميعا ساهموا بشكل او بآخر في كتابة هذا الدستور وتمريره، فلماذا لم يضعوا مثل هذا الشرط عندذاك لكي تأخذ هذه القضية شكلا قانونيا لا غبار عليه؟ لعل الجواب على ذلك يكمن في الحرج الذي كانوا سيقعون فيه، لان انتخاب الرئاسات في سلة واحدة هو اشارة واضحة للمحاصصة الطائفية التي ارادوا ان ينأوا بانفسهم عنها تشريعيا وان مارسوها في واقع الحال.
أي ان التشريع الدستوري اتجه لرفض التوزيع الطائفي والعرقي للمناصب من اجل الحفاظ على وحدة مكونات الشعب المختلفة تحت راية وطنية واحدة. اذا كيف يمكن تفسير الالتفاف على التشريع بطريقة تلغي الهدف منه من الاساس؟ ويبدو لي ان المشرع اراد ان يضع مواقيت محددة لتجنب الوقوع في هذا الشرك. والان نحن واقعون فيه فكيف الخروج؟
لا احد يدعي ان هناك وصفة سحرية يمكن ان تضع حد للازمة السياسية الحالية. ولكن عندما تستعصي الامور لابأس في العودة الى الاصول. واذا كان النزاع الحالي في شخص رئيس الحكومة المقبل فلنناقش ما ارادنا الدستور ان نفعله قبل ذلك: انتخاب رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية. لابد ان المشرع اعتقد ان هذين المنصبين لا يقلان اهمية عن منصب رئيس مجلس الوزراء طالما كان هذا الاخير مسؤولا امامهما. ولو تم استيفاء هذين المنصبين حقهما في الدورة البرلمانية السابقة لما كنا امام ازمة سياسية اليوم. فمنصب رئيس الوزراء، الذي حظي بصلاحيات واسعة مقابل حصانة شبه تامة من المسائلة في المرحلة السابقة، بات اكثر اهمية بما لايدع مجالا للمقارنة. وهكذا اصبح هناك شعور عام بين الفرقاء السياسيين بان فقدان هذا المنصب يعني عمليا عدم الحصول على شيء، الامر الذي لا يعبر عن روح الديمقراطية والحكم الجماعي ودولة المؤسسات.
وان حدثت في قادم الايام حلحلة للموقف السياسي وتم الاتفاق على ما يبدو مستحيلا اليوم فسوف يكون ذلك على حساب تقديم تنازلات بين الاطراف المختلفة مقابل الحصول على امتيازات. أي ان تشكيل الحكومة سوف لن يكون بدواعي خدمة المصلحة الوطنية العليا، وانما حسبما تقتضي مصالح الاطراف السياسية المشاركة فيها.
ومن جهة اخرى، فان مثل هذه الحكومة، التي سوف تسمى حكومة الوحدة الوطنية، ستكون بعيدة عن المسائلة امام البرلمان بسبب طريقة تشكيلها، التي توزع المناصب بين الفرقاء السياسيين على اساس الحصص والنقاط وتكبل بالتالي قدرة البرلمان على توجيه النقد لرئيس مجلس الوزراء مثلا، فضلا عن سحب الثقة عن حكومته باكملها. وقد كان هذا الامر سببا رئيسا في فشل الحكومة المنصرفة في تلبية احتياجات الشعب والخروج بمنجزات واضحة للعيان.
على اني ادرك انه من غير الممكن استدراك هذا الامر الان. ولا يمكن العودة الى ما قبل شهر وتنفيذ فقرات الدستور كما اقرت. بل انه لابد من المضي في الرهانات السياسية الى خواتيمها. فبعد تأجيل جلسة البرلمان مدة اسبوعين، لا يبدو ان هناك مشروع لاتفاق من أي نوع. سوف تلجأ الكتل السياسية الى ايجاد عذر آخر للتأجيل لكسب الوقت من اجل المزيد من المزايدات السياسية على امل استسلام احد الاطرف امام الضغط الشعبي او النفسي.
غير ان من الممكن عكس الازمة وايجاد حل عادل ربما يرضي جميع الاطرف. وربما يكون هذا الحل في اساسه مثاليا اكثر من اللازم، ولكن من الممكن ان يكون لدى كل من الاطراف المتنازعة نوعا من المثالية تتيح لبعض الحلول التي تبدو غير واقعية فرصة للتحقق. ومن عادة الناس نسيان الاصول التي بدأوا بها، ولكنهم عادة ما يثيبون اليها اذا ما ذكروا بها.
ان جميع المرشحين لمنصب رئيس الوزراء كانوا شخصيات وطنية خاضت غمار المعارضة لاعتى نظم الحكم الدكتاتوري في العراق، وهم ضحوا بالغالي والنفيس خدمة لهذا الوطن الذي لا اشك انهم احبوه ولم يتوانوا في تقديم انفسهم فداءا على مذبحه.
واقتراحي يتلخص بان يقوم كل من هؤلاء المرشحين بسحب ترشيحه للمنصب متيحا المجال لشخصيات سياسية جديدة ان تأخذ دورها في قيادة البلد. وان قيل ان المرشح انما يمثل حزبا او كتلة برلمانية تشعر ان المنصب من حقها، فاني اجيب بان ذلك سوف يكون امرا تجب مناقشته تحت قبة البرلمان بحضور كافة اعضاءه، الذين لا يعدون اليوم الا ارقاما للتصويت، وليسوا اصواتا للشعب.
ان مبادرة وطنية مثل هذه سوف تحسب لجميع المرشحين على السواء، كما انها يمكن ان تعيد الثقة بالعملية السياسية برمتها، وتدفع بعجلة الديمقراطية اشواطا طويلة للامام. وليتذكر الجميع ان ركيزة الديمقراطية الاساسية تقبع عند مستوى الناخب، وان واجب المرشح الاول هو الاستماع له. واريد ان اشدد هنا على ان الناخب غير راض عن المسيرة السياسية العرجاء. واذا ارادت الاطراف المتنازعة الان البقاء في مواقع المسؤولية فمن الحكمة ان تغير الطريقة التي تعمل بها، وان تبدأ في الاستماع الى من اوصلها الى تلك المواقع في الاصل.

Sunday, February 07, 2010

تنظيم القاعدة بين عشوائية الفكر واعتلال المنهج

السادس من تشرين الثاني، 2009. الميجر نضال مالك حسن، المواطن الاميركي من اصل فلسطيني، يفتح النار في قاعدة فورت هود، بولاية تكساس، على زملائه من الجنود الذين يستعدون لنشرهم في افغانستان فيقتل ويصيب حوالي خمسين منهم قبل ان تنال منه الاطلاقات الدفاعية، وان لم تؤد الى قتله.
الخامس والعشرين من كانون الثاني، 2006. يوم عيد الميلاد. المهندس الشاب عمر فاروق عبد المطلب، المواطن النيجيري الذي حصل على درجته الجامعية من بريطانيا، يحاول ان يفجر طائرة نورويست قبيل هبوطها في مطار ديترويت، لولا تدخل ركاب الطائرة ونجاحهم في منعه من اشعال صاعق القنبلة التي كان يحملها في ملابسه الداخلية.
الثلاثين من كانون الثاني، 2009. الطبيب هشام البلوي، المواطن الاردني المقيم في افغانستان يفجر نفسه وسط حشد من ضباط السي آي ايه فيقتل سبعة منهم بالاضافة الى ضابط مخابرات اردني من العائلة المالكة.
ثلاثة احداث وقعت خلال شهرين في ثلاث مناطق مختلفة، لكن يربطها جميعا رابط واحد: تنظيم القاعدة. وكما هو متوقع فان اسم القاعدة يرتبط بالتفجيرات والعنف والتحريض عليه، وباستحلال سفك الدماء تحت مبررات عديدة، بعضها مجرد استغراق في الاستعمال الى حد الاستهلاك.
غير ان من المؤكد ان لدى القاعدة اهدافا تتجاوز مبررات افعالها التي يقشعر لها البدن، ويندى لها الجبين. فماهي هذه الاهداف، وما هي الغاية التي تسعى القاعدة لتحقيقها بلا كلل ولاملل؟ هل هي لتحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي؟ ام من اجل تحرير العراق وافغانسان من الاحتلال الاميركي؟ هل تهدف القاعدة لتحرير المستضعفين من الظلم والعدوان، ام لاقامة كلمة الله على الارض؟ هل تريد القاعدة ان تحيي الدين الذي تؤمن به، ام انها تخلق دينا جديدا تفرضه على البشر اجمعين؟
بدءا، لا يمكن فهم فكر تنظيم القاعدة على نسق الاصول التقليدية للفكر الانساني. فاي محاولة لتطبيق الجدل المنطقي على ادبيات القاعدة، بالاضافة الى نشاطاتها العنيفة غالبا، لابد ان تبوء بالفشل، بسبب ابتعاد تلك الادبيات والنشاطات عن العرف السائد في طرح الفكرة ومناقشتها. فهذا التنظيم لا يلجأ الى طرح الحجج المنطقية واستخدوم اساليب الاقناع المتعارفة، بل يتمترس بقداسة النصوص السماوية، معتبرا الخوض فيها خروجا عن اصول الدين، وبالتالي يتوجب الاذعان بدون مناقشة او محاججة. وهو غالبا ما يعمم المخصص عند تناوله للنص المقدس. كما ان القاعدة كفكر كثيرا ما تخرج في ادبياتها من مقدمات هزيلة بنتائج يقينية، بدون الحاجة الى الفحص والبرهان. وهي لا تحض على التفكر والتأمل، بل على الثأر والانتقام.
لنعد الى الاحداث التي اشرت اليها في صدر هذا المقال، حيث ذكرت ان الرابط فيها هو تنظيم القاعدة. لكن ما يدعو الى التأمل هو قدرة القاعدة على تجنيد نخبة الناس من اجل تحقيق مكاسب آنية، تتمثل في ضرب اهداف عشوائية لا تخرج منها باكثر من تهليل اعلامي بين انصارها، بغض النظر عن الاستنكار الواسع النطاق لهذه الافعال بين ابناء دينها وقوميتها العربية في الاصل.
بل ان ما يدعو للعجب اكثر من ذلك عدم سعي القاعدة لاستثمار تلك النخبة من اجل اهداف ابعد مدى، تعود عليها بفائدة اكثر ديمومة. لكن قادة القاعدة لا يرومون، فيما يبدو، ان يحققوا غاية ما. فهم لايريدون ان يقيموا دولة تدعو لمفاهيمهم ومبادئهم. وهم فشلوا في الاحتفاظ بتلك الدولة حينما استطاعوا فعلا ان يقيموها في افغانستان. هذا الفشل لم يكن بسبب العدوان الاميركي-الاطلسي عليهم، بل بسبب تعديهم على هذا الحلف الذي لا يشق له غبار في سوح الحرب الكبرى. ربما نجحوا في قض مضاجع الاميركيين والغربيين في العراق وافغانستان والصومال واليمن، لكنهم لم يستطيعوا ابدا ان يغيروا مجرى الاحداث بما يحقق امانيهم، او ان يحولوا مسار التاريخ لتمجيدهم.
كنت قد كتبت مقالا بعد هجوم الميجر نضال في قاعدة فورت هود، نشر على صفحات (المدى)، حاولت فيه ان استكنه سبب الهجوم ودوافعه. وقد خرجت بنتيجة ان الهجوم لم يكن من تدبير القاعدة، وان كان بوحي منها. واستندت في ذلك الى انه لو كانت القاعدة جندت الضابط الاميركي لخدمتها، ما كانت لتتخلى عنه من اجل ضربة خاطفة، مهما تكن موجعة. فذلك الطبيب الاميركي كان سيرسل قريبا الى افغانسان، وبالتالي فسوف يكون مصدرا مهما للمعلومات بالنسبة للقاعدة، يغذيها بما يجنبها الضرر، وما يعود عليها بالنفع. لكني كنت حتى ذلك الوقت ارى ان لابد للقاعدة من فكر تنظيري، وان عسر على الفهم.
واليوم بت اعتقد انها خلو من مثل هذا المنهج الفكري. وانها لا تعدو ان تكون عودة بالدين الاسلامي الى عهد الجاهلية، الى الغزوات البدوية التي لا يبررها سوى الرغبة في التسلط والتسيد بقوة السلاح. يستقي هذا التنظيم افكاره المشتتة من احداث بعينها، ليبني عليها نظرية اصولية متطرفة، بل عنصرية شوفينية مقيتة لا ترى صلاحا في الاخر، تحل قتله بلا وازع من ضمير، او رادع من دين.
في اوائل فترة الغزو الاميركي للعراق، وقعت وثيقة موقعة من ابي مصعب الزرقاوي، قائد هذا التنظيم في فرعه بالعراق، بايدي المخابرات الاميركية. تحث هذه الوثيقة على قتل ابناء الطوائف العراقية من اجل خلق الفتنة بينهم، وجرهم الى حرب اهلية. ولو كان الهدف من ذلك الوصول بقادة القاعدة الى سدة الحكم في العراق لهان الامر. لكن تلك الوثيقة لم تدعُ الى ذلك مطلقا، كان كل ما ارادوا هو ان يقلقوا الاميركيين في العراق، قبل ان تتولى حكومة عراقية مقاليد الامر في بلادها، فيصبح من العسير القيام بهذا الامر بعد ذلك. لقد خاب ظن الزرقاوي في كلا الامرين، وان نجح في زرع فتنة عصفت بالعراقيين عامين مريرين.
جندت القاعدة في العراق شيوخ قبائل واطراف القوم، ولو كان لها فكر لبيب لاحتفظت بهم. انقلبوا عليها بعد ان رأوا ظلمها ووحشيتها وتجردها من الانسانية، فضلا عن خلوها من الهدف والغاية التي تحرك افعالها. لا اعتقد ان مجالس الصحوة في غربي العراق ومناطق اخرى هي من شطحات افكار القادة الاميركيين، بل اكاد اجزم انها وليدة انقلاب حقيقي على الربيب الذي صار سيدا لا ينازع في ارضهم وبلدهم. هُزمت القاعدة في غرب العراق لانها لم تسعَ للنصر، بالحكمة القيادية والحنكة السياسية، بل بالتسلط والتزمت واستغلال الموارد المتاحة بنفس الطريقة التي كان الاستعمار يفعلها في غابر الزمان. تحرر غرب العراق من استعمار القاعدة بثورة شعبية، بعد ان خاب الظن بالمحتل، الذي تجسد له بصورة المخلـّص.
الطبيب الاردني حمل معلومات قيمة للاستخبارات الاميركية والاردنية، على زعم ضباطهما. لاشك انه خدم القاعدة التي جندته من قبل اكثر من ذلك، من خلال صلاته بالاميركيين في افغانستان. لكن ذلك لم يمنع القاعدة من الاستمرار في العمل معه وتجنيده لعملية محدودة الاثر، وان كانت ذات تأثير نفسي ومعنوي كبيرين، وصدى اعلامي واسع النطاق.
يصف زملاء عمر فاروق، الشاب الذي همّ بتفجير طائرة عيد الميلاد، بانه لمّاح ذكي. وهو يتحدر من اسرة ثرية وشغل ابوه مناصب مرموقة في بلده. اذا، لماذا لا تحاول القاعدة ان تستثمر هذه الامكانيات لخلق جديد من قادتها؟ لماذا لا يظهر دم جديد لقيادة القاعدة، قوامه اطباء ومهندسين وحملة شهادات جامعية، يمكن التنظيم من مواجهة تحديات العصر؟ لان قادتها لا يتخلون عن قيادتها حتى يقضي الله امرا كان مفعولا. انهم منشغلون في التخطيط للعملية تلو الاخرى بدون ان يكون لهم هدف من ذلك سوى رغبتهم الذاتية وشعورهم الآني بالعظمة. قد يفطن القاريء الى ان هذا هو بالضبط نهج الدكتاتورية، سوى ان تلك تهدف الى الابقاء على شخص الحاكم في سدة الحكم. وارى ان قادة القاعدة ينسبون لانفسهم وضعا حاكميا على اتباعهم في ارجاء المعمورة. هؤلاء الاتباع ليسوا شعبا، ولا يقطنون وطنا. انهم مريدون لفكرة تمخض عنها وضعهم البائس، عصفت بهم الازمات، والمت بهم المصائب، فلجأوا الى عصبة التطرف وظلمة الانغلاق. انهم اناس عاديون حولتهم العولمة، والثورة المعلوماتية الى جهابذة الفكر. بات حصولهم على ظاهر العلم سهلا يسيرا، فتخلوا عن اصولية المدرسة وتهذيب المعلم، حتى صاروا معلمين انفسهم.
لا تفتأ القاعدة ومريدوها من دعوات القتل والسفك الجماعي للدماء، مهما كانت الضحية. ان كان قتلى خوست ضباط مخابرات من الاعداء، واذا كان جنود فورت هود محاربين محتملين، فمن هم ركاب طائرة الايرباص فوق ديترويت؟ ماذا جلب قتل ضباط المخابرات والجنود في المعسكر لعناصر القاعدة؟ المزيد من القوات. المزيد من القتال المنهك، الذي يأكل ضحايا من المدنيين الابرياء العزل اضعاف ما يفقده طرفي النزاع.
ليس للقاعدة من غاية. قادتها يئسوا من كرسي الحكم، فتسيدوا على رقاب آخرين جرفهم موج عارم الى ضفتهم فصاروا ثلة من الاتباع الذين "ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا." اوجدوا ملة تدعو للقتل على الشبهة، قبل ان تدعو للهداية. ذلك انهم لا منار لهم يهتدي به الناس. عصبة إئتلفت على البغضاء والحقد على الغير، لا على المودة والتراحم بينهم. حينما تخرج امرأة للتسوق في بغداد، او يدلف عابد الى مسجده في بيشاور، يسألون انفسهم أي الطرقات يسلكون حتى لا يتحولوا الى اشلاء في تفجير انتحاري تفخر القاعدة بحمله اليهم. كيف لهم ان يصبحوا انصارها ومواليها؟ ولمن تبث القاعدة رسالتها؟
لكن دعوتها في اتساع، واتباعها في ازدياد. انصار القاعدة ليسوا اناسا آمنوا بفكرها، بل هم افرادا مغرر بهم، بهرهم منهجها وبريق دعوتها في الخلاص عن طريق الموت استشهادا. قتل النفس المحرم في كل الشرائع السماوية اضحى اصلا في الدعوة السقيمة لهذا التنظم، ولجأ اليه من ضاقت به الارض وتقطعت به السبل. هؤلاء الاتباع اصبحوا امة تميز نفسها بالايمان وتصم ما سواها بالكفر والضلالة. عصبة القاعدة التفت في عصبية الجاهلية، تجمعها نزعة عنصرية ترى في نفسها تفوقا على الغير يؤهلها لسلب الحياة وتخريب الحرث والنسل.
القاعدة حركة عنصرية. ليست عنصرية في دينها، او عرقها، او قوميتها. انها عنصرية في اعتقادها بان لا قيمة لكل من يخالفها، وعدم اكتراثها حتى لحاضنتها. ولهذا يجب ان يحظر فكر القاعدة عالميا، وان تمنع من استخدام الوسائل التقنية والاتصالات الحديثة في ايصال رسالتها الظلامية. يجب ان يُعد كل من يسوق لنهجها ويطبل لافكارها خارجا عن القانون.
قد تبدو دعوتي هذه ساذجة. لكني انما ادعو الى ضم الصفوف والمطالبة بموقف عالمي، عن طريق الامم المتحدة، اتجاه هذا التنظيم حتى يبين الخيط الابيض من الخيط الاسود. وان حدث يوما وصنفت القاعدة على انها ليست فقط تنظيم ارهابي، بل على انها حركة عنصرية، فعسى ان يكون ذلك رادعا لمن يدعو لها، ويجردها من ادعاء الشرعية كونها حامي حمى الدين الاسلامي. وحبذا لو تبنت البلدان العربية والاسلامية مثل هذه الدعوة، ليكون لها الصدارة في التصدي لتلك العصبة الفاسدة، ومحاربة نهج التسقيط والتكفير الذي تدعو اليه.

Sunday, November 15, 2009

هجوم فورت هود.. عملاً بطولياً أم انتحاراً دعائيا؟

في السادس من تشرين الثاني الجاري فتح الميجر نضال مالك حسن النار من مسدسين آليين على مجموعة من الجنود كانت تستعد لإنهاء معاملات نشرهم في افغانستان، في المركز المعد لهذا الغرض بقاعدة فورت هود، كبرى القواعد العسكرية الاميركية في العالم.
واصل الميجر اطلاق حوالي مئة رصاصة قبل ان تصيبه ضابطة صف متمرسة على القتال وتوقفه عن قتل المزيد. واسفر الهجوم عن مصرع 12 جنديا ومدنيا واحدا واصابة اثنين واربعين آخرين بجروح مختلفة قد تؤدي ببعضهم الى الإعاقة مدى الحياة.
وعلى الفور بدأت التحقيقات حول اسباب هذا الهجوم المفاجى ودوافعه الخفية وما اذا كان الميجر يعمل بمفرده ام انه كان يتقلى توجيهات او فتاوى تحضه على هذا الفعل. وتشير التقارير الاولية الى ان الميجر نضال مالك حسن، الاميركي المولد والفلسطيني الاصل، لم يكن بالشخص العنيف او المتطرف، رغم ما ذكره زملاؤه في الخدمة من ادانته الحروب في افغانستان والعراق. كما ان جيرانه والاشخاص العاملين معه اصيبوا بالصدمة لما بدر منه، حيث كان ذلك آخر ما يتوقعوا ان يفعله.
وقال ابن عم له، يعيش في القدس، في مقابلة تلفزيونية انه كان يعاني التفرقة العنصرية داخل الجيش لكونه مسلماً، على الرغم من تدرجه في سلم الرتب العسكرية ليصل الى رتبة ميجر (وهي تعادل رتبة رائد). وقياسا الى عمره البالغ 39 عاما، وتاريخ انتمائه الى الجيش الاميركي في عام 1997،لايبدو انه قد تأخر كثيرا في نيل هذه الرتبة، وهي علامة واضحة على عدم وقوعه ضحية لتفرقة بسبب الدين او العرق.
وتجري التحقيقات حاليا في علاقته المزعومة مع رجل الدين المتشدد اليمني الاصل انور العولقي، وهو المرشد الروحي لاثنين من المشاركين في هجمات 11/9، هما خالد المحضار ونواف الحازمي. حيث تشير التحريات الى انه اتصل برجل الدين هذا، الذي كان إمام جامع دار الهجرة الواقع بالقرب من العاصمة الاميركية، واشنطن، في اواخر عام 2008.
غير ان عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي يقولون انهم لم يأبهوا لهذه الاتصالات كون المجير كان يجري تحقيقات لصالح الجيش في ذلك الوقت، واعتبر من الطبيعي ان يقوم بمثل هذه الاتصالات. يذكر ان التدرج في الرتب العسكرية في القوات المسلحة الاميركية يتطلب الحصول على الموافقات الامنية بين الفينة والاخرى، وقد حصل الميجر نضال على درجة (سري)، أي انه لم يبعد سوى خطوة واحدة عن اعلى درجات الموافقات الامنية وهي (سري للغاية)، وهو ما يؤهله الحصول على معلومات سرية وحساسة.
وبناء على ما تقدم لا يبدو ان الميجر نضال كان مرتبطا بشكل مباشر مع خلية متطرفة تعمل على التخطيط لهجمات ارهابية في الولايات المتحدة. ولو كان الامر كذلك فلربما كان سيكون اكثر فائدة لتلك الخلايا من خلال المعلومات السرية التي يمكن ان يقدمها لهم، ولفترات طويلة قبل ان يفتضح امره. فالمكان الذي جرى فيه الهجوم لم يكن مغلقا على العامة، وبالتالي كان بإمكان الكثيرين القيام بما قام به دون الحاجة الى أن يكون برتبة ما في الجيش مثلا.
أما قدرته على حمل السلاح وادخاله الى القاعدة العسكرية فهو ليس بالامر المعجز كذلك، حيث ان تلك القواعد، التي يقطنها عدد كبير من الناس المدنيين والعسكريين على السواء، لا تخضع الداخلين اليها الى اجراءات تفتيش صارمة. يذكر ان قاعدة فورت هود تضم بين جنباتها اكثر من خمسين الف شخص بين مدني وعسكري.
وقال احد الجرحى انه سمع المهاجم يهتف (الله اكبر) باللغة العربية قبيل مباشرته بإطلاق النار على الجنود، وهو ما يدل عادة على هجوم انتحاري. غير ان تلك الشهادة لم تتأكد من شهود آخرين. كما ان هذا الهتاف لا يعني بالضرورة ان تلك العملية كانت (ارهابية). بل ان المسلمين يهتفون (الله اكبر) في مواقف ومناسبات شتى، وليس من العجب ان يقولها شخص يوشك على انهاء حياته، ظنا منه انه بهذا الفعل سوف ينال رضا الباري عزّ وجل. نعم، كان الميجر نضال على وشك ان يُرسل الى افغانستان، وهو ما كان يرفضه علنا. لكنه قام بالفعل بتوكيل محامٍ لغرض إخراجه من الخدمة العسكرية، أي انه اتبع الطرق القانونية للحيلولة دون ارساله للخدمة في حرب يرفضها.
بيد انه كان طبيبا نفسيا في قاعدة فورت هود، وكان يتعامل مع حالات الصدمة التي يعانيها الجنود العائدون من الخدمة في مناطق الحرب. وفي رأيي انه تأثر كثيرا بقصص هؤلاء الجنود عن فظائع الحرب. وكونه اعزبا ويعيش وحيدا ربما اثر في نفسيته وجعلته يعاني الكآبة التي تدفع الى الانتحار في بعض الاحيان. وفي اللحظة التي قرر إنهاء حياته، ربما كان يريد ان يكون هذا الانتحار امرا عاما.
يضاف الى ذلك انه ربما تأثر بالدعاية المتطرفة التي تجيز قتل الاميركيين والغربيين في أي زمان ومكان باعتبارهم كفارا، فعزم على فعل هذا الامر الذي سوف يجعله من (الشهداء) فينال المرتبة اللائقة في الحياة الآخرة، وينهي في نفس الوقت حياته التي بات يشعر بأنها تعيسة من دون ان يتعرض الى العقاب الالهي لارتكابه جرم الانتحار.
واذا قيل ان هناك تناقضا حول زعمي انه لم يكن يقوم بعمل ارهابي، ومع ذلك فقد ارتكب فعلا يندرج ضمنه، فإني أجيب بأن ليس هناك من تناقض. فالفعل الارهابي انما يكون باعتناق الفكرة المتطرفة اولا ومن ثم التخطيط للهجوم وتنفيذه. وفي حال نضال مالك حسن، ليست هناك من بوادر الى انه اعتنق الفكرة بدءا، وأرى ان هدفه كان انهاء حياته، لكنه كان مثقلا بالشعور بالذنب ان نفذه بالطرق التقليدية. ومن ثم عمل على ايجاد العذر المناسب من خلال ادبيات التطرف التي وفرت له طريقا سهلا للانتحار من دون الشعور بارتكابه إثماً.
ولا يخلو التاريخ الاميركي الحديث من اناس ارادوا الموت بهذه الطريقة، ونذكر منهم مهاجم الرئيس رونالد ريغان مطلع الثمانينيات، والذي انما اراد ان يكون موته حديثا لوسائل الإعلام وعامة الشعب ويصبح بذلك من المشهورين، بدل ان يلف الحبل حول رقبته في حمام منزله. ان من شأن هذه الحادثة ان تؤثر على وضع المسلمين في الولايات المتحدة كما هو متوقع.
وقال احد كبار جنرالات الجيش الاميركي انه ستجري مراجعة شاملة لكل الحالات المشابهة لحالة الميجر نضال، وان لم يحدد المسلمين على وجه الخصوص. واتكهن ان يصبح من الصعب على العرب والمسلمين ان يتدرجوا في المناصب الحكومية والعسكرية الاميركية، وربما في البلدان الغربية الاخرى نتيجة لهذه الواقعة. ان هذا الهجوم قد يلحق اذى كبيرا بين اوساط الجالية الاسلامية في الولايات المتحدة التي تكافح من اجل الاندماج مع مجتمع الدولة المضيفة، خصوصا بعد أحداث 11/9، التي لم يكد الشعب الاميركي ينساها. ففي كل مرة يحدث مثل هذا الهجوم تسعى تلك الجالية، في معظمها، الى استنكار ما حدث والبراءة منه، شعورا منها بأن أصابع الاتهام قد توجه اليها. ولسخرية الاقدار، كان الميجر نضال من بين من دانوا هجمات منهاتن.
واذا كان لي ان اقترح أمراً فإني أدعو الى مراجعة النظريات المتطرفة التي تمجد الانتحار من اجل القضية، كائنة ما تكون، والتي تقدم تبريرات غير مستندة الى منطق او تأويل صحيح عن قتل الآخرين والاستهانة بحيواتهم. على رجال الدين من الطوائف كافة ان يدينوا عمل الانتحار مهما كان الدافع. ان السماح والدعوة إلى قتل الذات من اجل القضية التي تعد –عرفا– مشروعان قد يؤديان إلى شرعنة كل القضايا الاخرى، ويسبب ضبابية في فهم المشروعية بحد ذاتها، ويخضعها لتفسيرات ذاتية قد تساعد الشخصية المضطربة على التحلل من قواعد الأخلاق الصارمة.

Saturday, October 17, 2009

جائزة نوبل لأوباما.. هل يصنع الكلام السلام؟

منحت لجنة جائزة نوبل التابعة للاكاديمية السويدية جائزة السلام لهذا العام الى الرئيس الاميركي باراك اوباما، "لجهوده في إحلال السلم العالمي، وخفض مخزون العالم من أسلحة الدمار الشامل"، حسبما جاء في بيان الاكاديمية. يذكر ان اسم الرئيس الاميركي لم يكن مطروحا من بين المرشحين، وان المرشحة الاقرب الى الفوز كانت السيناتورة الكولومبية بيداد كوردوبا، التي عملت على مدى نصف قرن من أجل ايجاد حل بالتفاوض للنزاع الجاري في بلادها.
ربما لم يكن الرئيس بحاجة الى هذه الجائزة بالقدر الذي كانت تحتاجه تلك السيناتورة المتعبة. فهو لا يمتلك تاريخا طويلا من النضال، ولم يقدم شيئا ملموسا، فيما عدا الخطب الرنانة، لكي يعد من بين القادة الذين يشار لهم بالبنان، وبالتالي من الذين ينالهم التكريم والتقدير لجهودهم الجبارة.لكن هذا هو عصر اوباما.
هذا هو الزمن الذي يتخلى فيه الناس عن التفكير المنطقي العقلاني سعيا وراء آمال اقرب الى السراب. لقد جاء الرئيس الى سدة الحكم على انه البديل الوحيد للادارة الاميركية السابقة التي وصفت بانها الاقل شعبية بين مواطنيها. واكتسح منافسيه بسهولة لا تصدق، رغم شعبيتهم الواسعة وخبرتهم السياسية العريضة. جاء بشعار التغيير الذي لا يمكن تصديقه بأي حال. لكن الناخبين صدقوه، وصوتوا له. وكان اول قرار له بعد ان ادى اليمين القانونية اغلاق معسكر غوانتانامو خلال عام. ويبدو انه لم يستشر موظفيه المعنيين بهذا الشأن، او انه تجاهل نصيحتهم. فحتى بعد مرور اكثر من ثمانية اشهر على ذلك القرار، لا يبدو انه سيطبق بسبب الصعوبات اللوجستية والمادية وقضايا حقوق الانسان بشأن المعتقلين المزمع اعادتهم الى بلدانهم.
حينما يكون المرء في المعارضة، يسهل عليه نقد اداء الحكومة، ولكن حينما يصبح في الحكومة يكتشف ان (التغيير) لا يتم بتوقيع قرار في احتفال مهيب. اما اذا تجاهل مثل هذا السياسي تلك الحقيقة البسيطة، فانه قد يحصل على جائزة نوبل تقديرا لجهوده في جرّ القلم. نعم، برّ اوباما، حتى الآن، بوعوده الانتخابية بسحب القوات القتالية من العراق.
لكن يجدر التذكر بان هذا الانسحاب يتم بموجب الاتفاقية الامنية مع العراق، والتي ابرمها سلفه جورج دبليو بوش. فهل يُعد هذا انجازا له؟ لدينا مثل عامي في العراق يقول (يجي خلاف ويركب على الاكتاف). لقد كان الانسحاب من العراق امرا لاميحص عنه، سواء تم بسنتين او بثلاث، وما كان لأي احد ان يطيل من عمر الاحتلال، شاء اوباما بذلك ام ابى. وحينما اراد الرئيس اوباما ان يتحدث الى العالم الاسلامي فانه اختار اولا الدولة العلمانية تركيا، ومن ثم مصر، التي يحكمها نظام علماني هي الاخرى. وهو تجنب بذكاء ان يذكر كلمة (ارهاب) ومشتقاتها في خطبه للمسلمين، لكي ينحي جانبا الافكار التي تربط بين الاسلام والارهاب.
بيد اني ارى انه بفعله هذا أكد ان هناك نوعا من الربط، والا لماذا يتجنب وصف فعل ادى الى مقتل الابرياء بالارهاب، رغم ان الغالبية العظمى من المسلمين وصفته بهذا المسمى. ماذا يقول الشهداء في العراق وافغانستان والسعودية ومصر ولبنان والاردن والجزائر واليمن وباكستان والصومال واندونيسيا والفلبين والهند، وبلدان اخرى كثيرة، عن وقوعهم ضحية لهجمات مسلحة تحت اسم (الجهاد)؟ ماذا نقول لعوائل ضحايا هجمات منهاتن ومدريد ولندن؟ هل كان المنفذون اناسا عاديين، ام انهم ببساطة ارهابيون عاثوا في الارض فسادا، وجلبوا لاهلهم وبلدانهم حروبا ومآسي اكثر مما خدموا قضيتهم، ان كانوا يعملون على قضية ما؟ ان حقيقة كون هؤلاء الارهابيين مسلمين لا تعني ان المسلمين كلهم ارهابيون. لكن ماذا يحصل ان تجاوزت هذه الحقيقة؟ ربما تحصل على جائزة نوبل للسلام.
بل انك قد تحصل على الجائزة وان كنت تعمل على رفع المجهود الحربي في بلد تحتله. كتبت كبريات الصحف الاميركية واصفة الحرب في افغانستان بانها (حرب اوباما). ومن سخرية الاقدار ان الحرب في العراق وصفت من قبل بـ(حرب بوش). فما المبرر في زيادة القوات؟ انه القضاء على الارهاب. ان كان ذلك حقا، فأين هو مصطلح الارهاب في قاموس اوباما؟
ومن نافلة القول ان جهود نزع التسلح والحد من الاسلحة النووية لم تأت من بنات أفكار اوباما، بل انها سياسة متعبة منذ السبيعينيات. وهي ليست وليدة رغبة الولايات المتحدة في السلام، بل حاجة فرضتها الحرب الباردة التي كانت تهدد بالاشتعال في أي وقت والتحول الى حرب كونية لاهبة قد تقود الى فناء الجنس البشري، وربما كل اشكال الحياة على الارض. كيف إذاً يكون هذا هو احد مبررات الاكاديمية السويدية لمنح الجائزة لمرشح اللحظة الاخيرة؟ بان يكون هذا المرشح هو باراك اوباما.
غير انه من الانصاف القول بان اللجنة قالت ايضا في بيانها: "قليلون هم من حازوا انتباه العالم مثلما فعل أوباما، لقد أعطى العالم أملاً بالتغيير والمستقبل الأفضل.. ودبلوماسيته قامت على مبدأ أن من يقود العالم عليه أن يكون مثالا يُحتذى في القيم والمبادئ." واتفق مع هذا القول تماما، الا اني لا ارى ان في ذلك سببا كافيا لتقديمه على كل المرشحين الآخرين، الذي عملوا بجد على مدى عقود من الزمن من اجل تحقيق هذه المبادئ.ان عمر الرئيس اوباما في المنصب لايزال صغيرا، ولا يصلح الحكم على ادائه في تلك الفترة القصيرة، لا سلبا ولا ايجابا. ومن الواضح ان لجنة منح جائزة نوبل وقعت تحت تأثير شخصيته الكارزمية الطاغية، التي سحرت الولايات المتحدة والغرب عموما، ومن ثم بدأت في الانتشار في شتى انحاء المعمورة.
فما هو السر في هذه الشعبية التي قلّ نظيرها في التاريخ؟ انها الماكنة الدعائية الاميركية. تلك البروباغاندا التي روجت ضد النازنية ومن بعدها الشيوعية وصولا الى الحرب على الارهاب، تروج اليوم لرئيسها وتهلل له. لقد ادركت الولايات المتحدة، ربما عن غير وعي، ان عصرها أشرف على الزوال بعد كل تلك الحروب والازمات، بغض النظر عن المسببات والنتائج، فكان التحرك بالاتجاه المعاكس. كما ان تغيير الادارة ليس مهما بقدر تغيير الشخصية. لقد ارادت اميركا ان تثبت للعالم انها امة ريادية حتى مع تعرضها الى ازمات سياسية واقتصادية خانقة. وكان الخروج من النفق من خلال شعار التغيير: تغيير العرق اولا، ومن ثم تغيير اللهجة الخطابية، واخيرا تغيير الثوابت السابقة. فهل ستتمكن الولايات المتحدة الاميركية من تحقيق هذا التغيير المنشود؟ ربما، ولكن يجب على الاخرين ان يتغيروا ايضا. فما الفائدة من مد اليد الى ايران –مثلا– اذا كانت تسعى الى امتلاك اسلحة نووية قد تشعل سباقا للتسلح النووي في المنطقة لا تحمد عقباه، واذا كانت تعامل شعبها بالنار والحديد؟ ومن المفارقة ان الاميركيين انتقدوا اداء اوباما الضعيف اثناء الانتفاضة الايرانية، وطالبوه ان يظهر "قليلا من قوة بوش." ونحن نعلم ان مثل هذا التغيير في الانظمة الديكتاتورية ليس بالامر الهين، ان لم نقل انه مستحيل عمليا.
لقد جاء منح جائزة نوبل للسلام الى الرئيس اوباما متعجلا، وكان على اللجنة ان تتريث عاما او اثنين قبل ان تقرر صلاحيته لنيل تلك الجائزة ذات الصبغة العالمية. وان كان القصد من منح الجائزة وضع اوباما امام مسؤولية تحويل الاقوال الى افعال، فتلك مقامرة غير محسوبة. فان استطاع الرئيس اوباما ان يحدث تغييرا، فلن يكون الا ذلك بجهد اناس آخرين. وان لم يستطع فعل الكثير، فان سمعة جائزة نوبل ومصداقيتها سوف تكون على المحك.

Friday, September 04, 2009

لمحة عن الازمة الاقتصادية.. الأسباب والنتائج

اعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي اواخر الشهر الماضي انتهاء حالة الركود الاقتصادي Recession التي عصفت بالولايات المتحدة، واجزاء اخرى من العالم، خلال العام المنصرم، رسميا على الاقل. واعتبر بعض المحللين هذا الاعلان مجرد وسيلة للاستهلاك المحلي بعد ان طال امد الازمة التي أثرت في مفاصل الحياة الاميركية بشكل لم يسبق له مثيل منذ الكساد العظيم Depression الذي حدث في ثلاثينيات القرن العشرين.
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد اعلن دخول اقتصاد البلاد حالة الركود اواسط العام الماضي كتحصيل حاصل، حيث انهارت كبريات المصارف الاميركية، وسرح الآلاف من الموظفين الذين كانوا يعملون في مختلف الشركات الخاصة، وحتى من الخدمة الحكومية، بسبب عجز الموازنات المالية لتلك الهيئات، وضربت نسب البطالة ارقاما قياسية مقارنة بعقود سابقة.
ويحسن بهذه المناسبة إلقاء نظرة على اسباب هذه الازمة الاقتصادية الكبرى، ومحاولة استقراء اثرها عالميا ومحليا، وتأثيراتها المحتملة على العراق والشرق الاوسط عموما. لكن من المفيد اولا التعرف على بعض مظاهر الاقتصاد الاميركي، حيث يكمن جزء كبير من المشكلة في اصل النظام ونمط الحياة الاميركية.
ثقافة الاستهلاك
من المعروف ان النظام الرأسمالي يشجع على الاستهلاك كوسيلة لإدامة عجلة الاقتصاد، ويحارب نزعة التوفير من خلال اشعار المواطن بنوع من الامن الاقتصادي المستند الى اقتصاد متين قادر على تجاوز الازمات المالية. والحق ان اقبال الناس على الشراء وصرف الاموال والمدخرات ليس بالامر السيىء طالما ادى ذلك الى ضخ تلك الاموال في السوق المفتوحة، وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل في المصانع والمتاجر واسواق البورصة، واتاحة المزيد من فرص الاستثمار واجتذاب رؤوس الاموال محليا وعالميا.
بيد ان الاسراف في الصرف ليس محمودا. ومن الحكمة دائما ان يضع المرء بعضا من مدخراته تحت السجادة تحسباً لأمر طارىء او لازمة غير محسوبة. لكن المجتمع الاميركي اعتاد على نمط حياة قائم على الاستهلاك المفرط. فعلى سبيل المثال تجد بعض الناس يتحدثون عن عدم قدرتهم على زيارة جزر البهامس لقضاء اجازتهم الصيفية هذا العام بسبب الازمة الاقتصادية، على الرغم من ان الكثيرين فقدوا اعمالهم وباتوا يعتاشون على المساعدات الضئيلة التي تقدمها الدولة للعاطلين عن العمل. فحياة الرفاهية امنية صعبة التحقيق، واصعب من ذلك التخلي عنها.
خط الائتمان
يقوم الاقتصاد الاميركي على فكرة خط الائتمان Line of Credit وهو نظام دقيق يتمثل بوضع تاريخ لكل فرد يقوم على طريقة استخدامه للقروض التي تقدمها المصارف، وحتى في استخدامه بطاقة الصراف الآلي المعروفة ببطاقة الائتمان Credit Card. ولتوضيح ذلك، فان كل مواطن بمكانه ان يحصل على بطاقة الائتمان من احد المصارف او المتاجر الكبرى، وما عليه سوى ان يتسوق باستخدام تلك البطاقة وميزة التحويل الالكتروني لقيم البضائع المشتراة. وبعد مضي فترة، تبلغ شهرا في العادة، يقوم المصرف بإصدار بيان العميل ويطلب من تسديد المبالغ المترتبة بذمته. فاذا تخلف العميل عن الدفع يرسل المصرف اشعاراًلا الى هيأة الائتمان Credit Bureau يخبره بهذه الواقعة، ومن ثم يتم حسم نقاط من العميل.
فإن اراد هذا الشخص ان يقترض مالا لشراء سيارة او منزل مثلا، فإن عليه ان يقدم تاريخه الائتماني Credit History الذي يبين كيفية تعامله مع القروض واستخدامه لبطاقة الائتمان. وكلما كان عدد نقاطه اعلى انخفضت قيمة الفائدة التي يفرضها المقرضون، والعكس بالعكس. وفي بعض الاحيان لا يحصل العميل الذي يضم تاريخه الائتماني تخلفا عن الدفع لمرات عديدة على القرض مهما كانت الفائدة.
والحسنة في هذا النظام انه يجبر الفرد على مراقبة صرفياته وفقاً لدخله، لكنه يوفر في نفس الوقت اغراءات بالشراء او الاقتراض على امل الحصول على دخل اكبر، او حتى الاستمرار في الوظيفة التي يعمل بها المواطن. وليس هناك من ضمان على ذلك. فالناس يطردون من اعمالهم طوال الوقت، وحينها تنشب ازمة فردية، قد تؤدي الى ضياع آمال الانسان، وتخليه عن اعز ما يملك وهو يسعى الى سداد ديونه المتراكمة.
جشع الرأسماليين
لعل ابرز مظاهر النظام الرأسمالي هو رغبة اصحاب رؤوس الاموال في زيادة اموالهم بأية وسيلة. غير ان النظام المدرك لهذه الحقيقة يسمح بها ويغفر لها. والسبب في ذلك ان النزعة الطبيعية للإثراء هي ما يدفع الناس الى العمل والاجتهاد، ووجود اناس عصاميون تسلقوا هرم الثروة يجعلهم امثولة لغيرهم، يحثونهم على الكد والعمل آملين في تحقيق ما حققته تلك الثلة.
ويقود هذا الجشع الى تركز الثروة والى الاحتكار، وهما امران سلبيان الى حد كبير، بحيث ان النظام الرأسمالي نفسه ينطوي على آليات لمحاربتهما، وان لم تكن تلك الآليات بالمستوى المرجو منها. وهكذا فلا محيص عن تباعد الفجوة بين الاغنياء والفقراء في مثل هذا النظام، ويتزايد فيه الشعور بعدم الرضا الناتج عن فشل الناس العاديين في الاغتناء السريع، مقابل توافر امثلة تدل على امكانية ذلك. والحل يأتي في اغلب الاحيان من خلال محاكاة حياة الرفاهية التي يحلم بها المواطن، والمتمثلة بالبيوت الواسعة والسيارات الفارهة وما الى ذلك. كل ذلك من خلال القروض التي تقدمها المصارف.
النظام الضريبي
لا تملك الدولة الرأسمالية موارد خاصة بها، فجميع القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية وجميع الاستثمارات التجارية وحتى الموارد الطبيعية مملوكة للقطاع الخاص. ويقوم دخل الدولة على جباية الضرائب والرسوم من ارباب المصالح مقابل تفويضهم بالعمل والانتاج. ويعني هذا الامر ان التقصير في دفع الضرائب المستحقة، سواء للعجر عن الدفع او لعدم وجود مورد الدفع مثل تعرض المصالح الى الخسائر، يجبر الدولة على التقليل من نفقاتها. ومن اشكال تقليل النفقات ايقاف المشاريع الكبرى، والاستغناء عن خدمات الموظفين الحكوميين، وكلا الامرين يؤثر سلبا على مجمل الاقتصاد. فالدولة تبقى محركا اساسيا لحركة الاقتصاد حتى في نظام يقوم على نشاط الافراد بشكل اساس.
ومع ذلك تسعى الدول الرأسمالية الى الاحتفاظ بخزين مالي احتياطي تحسبا للازمات. الا ان استخدام هذا الخزين الاحتياطي يؤثر في قدرة الدولة على معالجة الازمات التالية. وبالتالي فإن الاستمرار في الاعتماد عليه لا يقود بالضرورة الى تحسين الوضع الاقتصادي، بل قد يزيد الطين بلة. انه وضع دقيق يصلح لحلحلة اقتصاد متعثر، ولكنه قد يفشل في مواجهة ازمة متفاقمة.
التضخم
يقال ان قيمة الدولار الاميركي قبل ثلاثين سنة كانت تبلغ عشرة اضعاف قيمته الحالية، وهذا هو احد معايير التضخم. انه التقلص التدريجي في قيمة العملة مع الزمن، او تضاؤل عدد البضائع التي يمكن شراؤها باستعمال نفس العملة النقدية مقارنة باوقات سابقة. وهو امر حتمي في اقتصاد استهلاكي، فالمزيد من الاموال في السوق تعني تقليل قيمتها، وزيادة الطلب على البضائع تقود الى رفع اسعارها.
وليس التضخم امرا سيئا بالضرورة. فمن النافع في بعض الاحيان ان يشعر الناس بان قيمة اموالهم المخبأة تقل مع الزمن، وبالتالي فمن الافضل ان يستثمروها في شراء البضائع، او المواد العينية ذات القيمة الثابتة نسبيا، او حتى سندات البورصة.
غير انه قد يصبح وبالا اذا تجاوز الحد الطبيعي، او اذا كانت اسعار المعروضات تزداد بشكل لا يوازي انخفاض العملة. ففي هذه الحالة تصبح قيمة المعروضات وهمية ومبنية على طلب محلي مبالغ فيه، وقد تتعرض الى الهبوط الفجائي للعودة الى المستوى المفترض. ويؤدي مثل هذا النزول الى ازمة اقتصادية تتراوح شدتها حسب حجم التعاملات بالمواد المعروضة.
ما الذي حدث في اميركا؟
في البدء كان الناس يشترون منازلهم بعد ان يكونوا قد وفروا ما يكفي لشرائها. ثم جاء النظام الائتماني ليساعدهم على الاقتراض لشراء تلك المنازل بالتقسيط. ويبلغ سعر الدار التي تباع بهذه الطريقة اكثر من ضعف السعر المقدر في معظم الاحوال، حيث يتاح للمقترض ان يسدد قرض المنزل خلال فترات تترواح بين خمسة عشر الى ثلاثين عاما.
غير ان اسعار المنازل ارتفعت خلال السنوات الاخيرة لتبلغ ضعفي او ثلاثة اضعاف سعرها في العقد الماضي. وهذه الزيادة ليست الا نتيجة لارتفاع الطلب المحلي، ولا تعود الى التضخم المالي بشكل مباشر. ودفع هذا الامر بعض الناس في الولايات المتحدة الى الاقتراض مجددا برهن بيوتهم التي باتت اكثر قيمة مقارنة بوقت شرائهم لها. كما قام الكثير من المواطنين بشراء منازل ذات قيم سوقية عالية دون التفكير في امكانية سداد اقساط القرض العقاري اذا فقدوا مصدر عيشهم لأي سبب من الاسباب.
وفي الحقيقة فإن شروط منح القروض العقارية قد تم تخفيفها وقت حكم ادارة الرئيس كلينتون، على الرغم من أن الكثيرين يشيرون بأصابع الاتهام الى ادارة الرئيس بوش في حدوث الازمة العقارية بادىء الامر. وكان الغرض من تخفيف الشروط هو منح عدد اكبر من المواطنين فرصة الحصول على منزل، دون الالتفات الى ما سيؤول اليه الامر ان عجز هؤلاء عن السداد. واغلب الظن ان المشرعين اعتقدوا ان ما يمكن ان يحصل هو حالات افلاس فردية لن تؤثر على مجمل الاقتصاد الاميركي، الذي بدا بأقوى صوره حينذاك.
ومن جهة ثانية، استغلت المصارف والجهات الدائنة جهل الكثير من المقترضين ورغبتهم الشديدة في الحصول على القرض، ففرضت شروطها الخاصة. ومن هذه الشروط مثلا ان المقترض يسدد اولا الفوائد المترتبة على القرض قبل أي شيء آخر. وهذا يعني ان المقترض قد يمضي خمس سنوات في عقار، يسدد اقساط القرض العقاري بانتظام، ثم يفشل في التسديد لبضعة اشهر، فيقوم المقرض بوضع اليد على العقار وبيعه في المزاد، وبما ان المقترض كان يدفع الفائدة اولا، فمن المحتمل ان لا يحصل على شيء. والواقع انه قد يكون قد سدد جزءا كبيرا من القرض خلال تلك المدة. انه الجشع الذي يتخفى في عقد القرض الموقع بين الطرفين، والذي لايذكر هذا الشرط الا في زاوية صغير وبحجم خط صغير او ما يعرف بالـ Fine Print.
لكن الجشع الرأسمالي يتجاوز خداع المتعاملين بعقود صعبة القراءة الى بيع ديونهم الى جهات اخرى. فعادة ما كان الدائنون يقومون ببيع كل مجموعة من الديون الى شركات اخرى. وفي كثير من الاحيان تكون تلك الشركات غير اميركية، كأن تكون صينية او اوروبية او حتى من البلدان النامية. وهذا يعني ان المدين يدفع اقساطه الشهرية الى شركة او مجموعة ربما لم يسمع بها من قبل. حتى تحولت العملية المالية المعقدة الى اشبه ببركة ماء فهناك من يصب فيها الماء وهناك من يغرف منها. ولم يعد تمييز من يدين من ومن يسدد لمن امر سهلا على الاطلاق، خصوصا حينما ينضب الماء الوارد، او تسديد الديون، عندها يصعب الاغتراف حتى لمالكي الديون الاصليين.
يشبّه الكثير من الاختصاصيين طريقة عمل النظام الائتماني بقطع الدومنيو المرتبة الواحد قرب الآخر. فحينما يسقط اولها يجبر جميع الاحجار التالية على السقوط. وهذا ما حدث بالضبط. عجز المدينون عن الايفاء بديونهم، وبلغ عددهم حدا يتجاوز قدرة الشركات الوسيطة على احتمال التسديد عنهم، وبما ان اغلبها اجنبية لم يكن هناك من فائدة في اشهار افلاسها، بل اختفت بكل بساطة من الساحة تاركة الشركات الكبرى في مواجهة الازمة المتفاقمة. حدث هذا الامر بطيئا اول الامر، واستغرق عاما كاملا دون ان يسبب في الواقع ازمة اقتصادية هائلة، لكن الانهيار حدث سريعا بعد ذلك. اذ اعلنت كبريات المصارف المختصة بالقروض العقارية، مثل AIG كبرى شركات الاقراض، افلاسها وانهارت بين يوم وليلة. سببت هذه الانهيارات المصرفية زلزالا اقتصاديا غير مسبوق، وادى الى أحجام المواطنين عن الانفاق تخوفا من استمرار الازمة لمدة طويلة. ومع انخفاض الطلب على السلع بدأت المتاجر والمصانع في مواجهة واقع غير مألوف، وهو عدم القدرة على تسويق البضائع، ومن ثم بدأت في تسريح موظفيها ما ادى الى اضافة اعباء اقتصادية جديدة. لقد بدأت عجلة الاقتصاد في التباطؤ.
عوامل اخرى
يلقي بعض المحللين باللائمة في هذه الازمة، جزئيا على الاقل، على ادارة الرئيس الاميركي السابق، كونه دفع بالبلاد الى حربين باهظتي التكلفة: افغانستان والعراق. غير ان هناك من بين المختصين من يرد بالقول ان عملية تخصيص ميزانية للدفاع لا تعتمد بشكل مباشر على الحرب. نعم هناك زيادة في النفقات نتيجة الاعمال الحربية، لكن النفقات الاصلية مستحصلة اصلا قبل الخوض في الحرب الفعلية. وهي ترصد لأعمال تطوير الاسلحة والتدريب وما شاكل ذلك. كما ان جزءا كبيرا من تلك الاسلحة يباع في الاسواق العالمية ويشكل واردا مهما للدولة. ومن المفارقات التاريخية ان الولايات المتحدة لم تنجح في تخطي آثار الكساد العظيم في الثلاثينيات الا بعد ان اشتركت فعليا في الحرب العالمية الثانية. أي ان الحرب ادت الى تطوير الاقتصاد الاميركي بدلا من التأثير سلبا عليه، كما حدث لباقي الدول المشاركة في تلك الحرب. ويصر بعض المحللين على ان الحال نفسه تكرر في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة لاحقا. لكن من الانصاف القول ان حرب العراق تحديدا كانت تسبب ضغطا هائلا على الاقتصاد الاميركي، فقد بلغت الكلفة التقديرية حوالي ترليون دولار. ولا شك في ان تلك التكاليف هي من بين العوامل التي تمنع الاقتصاد من تجاوز الازمة، ان لم تتسبب بها.
لكن هناك مشكلة ربما تكون قد اثرت بشكل اكبر وساهمت في حدوث الانهيار الاقتصادي، وهي عدم قدرة الصناعة الاميركية على المنافسة امام العملاق الصيني ودول جنوب شرق آسيا واليابان. فقد غزت البضائع القادمة من الشرق الاسواق الاميركية. حتى ان كبريات شركات التسويق الاميركية انشأت مصانعها الخاصة في الصين ودول اخرى للاستفادة من رخص الايدي العاملة والتسهيلات التي تمنحها الدول المضيفة للاستثمارات الاجنبية. وكانت هذه المنتجات تشحن خصيصا الى الاسواق الاميركية ما اكسبها ثقة المستهلك. ولم يعد بإمكان الصناعة المحلية المكلفة ان تصمد امام هذا المد المتصاعد.
ومن بين اوضح الامثلة على ذلك تعثر صناعة السيارات الاميركية الذي دام عقودا من الزمن. فعلى الرغم من انخفاض الطلب العالمي على السيارات الاميركية الا ان سمعتها المحلية كانت لابأس بها. وما حدث في الآونة الاخيرة ان المواطنين الاميركيين لم يعودوا يفضلون السيارات الاميركية، بعد ان ازدادت ثقتهم بالسيارات المستوردة الارخص ثمنا والتي تضاهيها جودة، ان لم تفقها.
ويبزر من بين العوامل الاخرى ارتفاع اسعار الوقود عالميا ليصل مستويات قياسية بين منتصف عام 2008 وأوائل عام 2009، اثرت في قدرة المستهلك على الانفاق واجبرته على ترشيد الاستهلاك. ومعنى هذا الترشيد، كما اسلفنا، ان عجلة الاقتصاد سوف تستمر في التباطؤ.
إجراءات الحكومة الاميركية
حينما حدث انهيار المصارف الكبرى، وجدت ادارة الرئيس بوش نفسها امام معضلة لم تخبرها من قبل. وبما ان عليها الاستفادة من التجارب السابقة، فقد نظرت اول الامر فيما حدث في الازمات السابقة، وبالخصوص في فترة الكساد العظيم. فقد رفضت الحكومة حينذاك ان تتدخل لحماية المصارف الغارمة، والتي وقعت تحت ضغط كبير من المودعين الذين توافدوا لسحب اموالهم. وكان رد الحكومة حينذاك ان النظام الرأسمالي سوف يصلح نفسه. وقد ثبت خطأ هذه الفكرة، وان عدم تدخل الدولة في ذلك الوقت ادى الى تفاقم الازمة بشكل خطير، دام سنوات عديدة. ثم فاز الرئيس روزفلت في الانتخابات بوعود انهاء الازمة، وقام بإطلاق مشاريع كبرى من اجل حلحلة الوضع الاقتصادي، ونجح في ذلك الى حد كبير. كما ان ادارته وضعت الاسس للنظام الاقتصادي والاجتماعي الحديث في الولايات المتحدة من خلال انشاء مجلس الاحيتاطي الفيدرالي ونظام الامن الاجتماعي لحماية العاجزين من كبار السن والمرضى والاطفال. ثم ساهمت الصناعة الحربية في وضع حد للتدهور الاقتصادي ليبدأ عصر من الازدهار في كل الميادين وضع الولايات المتحدة في قمة الدول الصناعية واتاح لها ان تتحول الى قوة عظمى.
والدرس الذي وعته ادارة بوش من هذا ان على الدولة ان تتدخل لحماية المستثمرين في اسواق الاسهم، طالما ان اغلبهم مواطنون عاديون. وقامت بالفعل برصد اموال طائلة لشراء اسهم الشركات المفلسة من اجل اعادتها للعمل من جديد، وفتحت حسابات باسم دافعي الضرائب لتتم اعادة الاموال المصروفة لحماية الشركات الغارمة من خلالها. ولكن لم يظهر اثر فوري لهذه الاجراءات، فالعملية المالية معقدة جدا. حتى ان شركة GM لصناعة السيارات، والتي حصلت على اموال كبيرة من اجل حمايتها من الافلاس، لم تستطع المقاومة وانهارت اخيرا. وسبب هذا الانهيار نوعا من زعزعة الثقة بين المواطنين الذين كانوا ينظرون الى عملاق صناعة السيارات كرمز وطني.
ومع ذلك بدأت بوادر التدخل الحكومي تظهر على الساحة، من خلال مشاريع فيدرالية منحت للولايات المختلفة، وان لم يخل الامر من تعقيدات سياسية وحزبية. ويرى بعض المحللين ان تلك الاجراءات ان لم تفلح في انهاء الازمة على الفور، فإنها ادت في الاقل الى ايقاف التدهور، وبالتالي امكانية اصلاح الوضع مع مرور الوقت.
تأثير الازمة عالمياً
على الرغم من كون الازمة الاقتصادية الاميركية محلية بالدرجة الاساس الا انها انعكست سلبا على مجمل الاقتصاد العالمي بسبب الوضع الفريد للاقتصاد الاميركي واكتسابه موقع الريادة عالميا. وقد ظهر هذا التأثير جليا في اسواق المال العالمية، في اوروبا واليابان ودول جنوب شرق آسيا. فقد انخفضت مؤشرات اسواق الاسهم بشكل حاد وسبب ذلك تباطؤا اقتصاديا كان من شأنه ان يهدد استقرار اسواق المال في انحاء المعمورة.
غير ان الحكومات الغربية، بالاضافة الى اليابان والصين ودول اخرى، اتخذت اجراءات سريعة لمنع التدهور. وتقوم هذه الاجراءات اساسا على نفس المبدأ الذي اقامت عليه الحكومة الاميركية اجراءاتها. اذ سعت تلك الحكومات الى شراء الديون ومساندة الشركات ذات الاداء الضعيف لوقف التدهور ولمنع الاسواق من الدخول في حالة من الركود الشامل.
وفي منطقة الشرق الاوسط، التي رغم اهميتها كمورد اساس للنفط الخام، لم يتعد تأثير الازمة الاقتصادية على الاسواق المالية هزات خفيفة. ويعود ذلك الى ضعف تلك الاسواق وحداثة نشأتها، كما انها محلية بدرجة كبيرة، ولا تتأثر بالازمات العالمية بنفس المقدار الذي تتأثر به الاسواق الاكثر عراقة في لندن واليابان وسواهما.
الا ان اكبر تأثير على الدول النفطية، ومن بينها العراق، كان في الانخفاض الحاد لاسعار النفط. وكان هذا الامر يمثل تهديدا حقيقيا لاقتصاد هذه الدول، وربما كان كارثة بالنسبة للعراق على وجه الخصوص. فقد اقام العراق، الذي تمثل صادرات النفط اكثر من تسعين بالمئة من ميزانيته، اقام تلك الميزانية على اسعار نفط مرتفعة نسبيا. وادى انخفاض اسعار النفط العالمي الى اجبار الدولة على التخلي عن العديد من المشاريع الاستثمارية الكبرى التي كانت تأمل من خلالها انعاش الاقتصاد وتوفير فرص العمل في بلد يعاني نسب بطالة عالية مقارنة بدول الجوار.
ما العمل؟
ربما يسأل سائل عن جدوى النظام الرأسمالي اذا كان يمكن ان يتعرض الى مثل هذه الازمات الكبرى. والحقيقة ان أي نظام اقتصادي معرض الى الازمات التي قد تبلغ حد الانهيار. غير ان الرأسمالية تطرح في العادة افكاراً عن السوق الحرة وعن التنافس الفردي وعن الحد من سلطة الدولة في الشؤون المالية، يصعب معها تصور ان الحل الذي يقترحه هذا النظام يقوم على عكس هذه الافكار. لكن ما يشفع لهذا النظام ان الناس الذين يعيشون في ظله لا يفكرون، ولا يقبلون في العادة، ان يتم التخلي عن نظامهم لصالح نظام اشتراكي. وهم حاربوا في البداية فكرة تدخل الدولة بشكل مباشر في شراء الاسهم والديون السيئة، ولم تلق هذه الفكرة قبولا الا بعد ان تم توضيح مبدأ فتح حساب دافعي الضرائب المصرفي لعموم الشعب.
والدرس المستفاد من تلك الازمة الاقتصادية ان الازمات تحدث على حين غرة، وان على الناس ان يؤمنوا بانها احدى حقائق الحياة. كما ان على الدول ان تتخذ احتياطاتها لمثل هذه الازمات وترصد بوادرها وتتعامل معها بأسرع وقت.
بالنسبة للعراق، فان انعكاسات الازمة المالية الاميركية كانت شديدة ومباشرة. وربما يتوجب اعادة التفكير، الان اكثر من أي وقت مضى، في بناء الاقتصاد على سلعة واحدة هي النفط. ويجب ايجاد البدائل التي من شأنها ان تقلل الاعتماد على النفط، وان كانت قائمة عليه. مثال ذلك منح تراخيص وعقود نفطية مقابل استثمارات طويلة الاجل، سواء اكانت تلك الاستثمارات صناعية او زراعية او تجارية او حتى سياحية بما يضمن دخل اضافي للدولة والفرد يحميهما من تقلبات السوق العالمية غير المتوقعة.

Friday, March 06, 2009

حول الكاريكاتير والتعبير بالايحاء

دأبت (المدى) وصحف عراقية وعربية وعالمية اخرى على تقديم رسومات كاريكاتيرية ساخرة او ناقدة لوضع معين او لتصرف او لحالة شاذة وغير ذلك. وارى ان ذلك امر جيد يهدف الى النقد البناء والوصول الى المواطن البسيط والجهة المعنية على حد سواء.
ولعل السر في جاذبية الكاريكاتير هو سهولة قراءة اللوحة الفنية المعبرة عن حالة معينة بدون الحاجة الى قراءة تعليق طويل او شرح مسهب، وبالتالي تتوضح الفكرة من خلال تأمل بسيط لمفردات اللوحة الكاريكاتيرية، وتطلق العنان لبسمة او ضحكة تدخل البهجة –ولو مؤقتا– الى النفس بان تلك الحالة السلبية قد وضعت امام انظار الجهة المعنية، وربما سيأتي الحل قريبا.
لكني وددت ان اشير الى نقطتين مهمتين في هذا الشأن. الاولى تتعلق بنوعية العمل الفني الذي ينشر على انه لوحة كاريكاتيرية، والثانية في مدى السلبية التي يمكن ان تعرض من خلال هذا العمل بحيث يكون مؤثرا لا مقززا او باعثا على التشاؤم.
ولعل العراق قد حظي بزمرة من رسامي الكاريكاتير المبدعين الذي يمكن اعتبار اعمالهم مساوية ان لم نقل متفوقة على اعمال الفن التشكيلي لمعاصريهم ومواطنيهم، ومنهم علي المندلاوي وخضير الحميري ومؤيد نعمة وعبد الرحيم ياسر وبسام فرج ومحمد علي بربن وغيرهم كثيرون. وقد احتمل هؤلاء المبدعين وزرا ثقيلا في تجسيد هموم ومعاناة شعبهم وشرحها بطريقة سهلة ومفهومة ومؤثرة، حتى مع تعرضهم الى اخطار جسيمة في وقت من الاوقات حينما اصبحوا هدفا مشروعا للفكر المنحرف.
حينما تتأمل في اعمال كبار الفنانين، تلتفت الى انهم لجأوا في تعبيرهم عن فكرة ما الى اعتماد اسلوب الايحاء اكثر من الافصاح، وذلك في الواقع هو ما يجعل اعمالهم متميزة. اذ ان أي عمل فني لابد ان ينطوي على نوع من التشاطر بين المبدع والمتلقي، يهدف الى ايجاد اصرة تربط بينهما وتفتح سبيلا لمزيد من التواصل. فعلى سبيل المثال، لا يختلف اثنان على جمالية وجاذبية (نصب الامة) للفنان الراحل جواد سليم، وان اختلفوا في تفسير مفردات هذا العمل الفني الرائع. كما تجبرك اعمال الفنان (مؤيد محسن) على النظر اليها بامعان بحثا عن سر القصة التي تخفيها اللوحة كما لو كانت مخططا لكنز دفين.
غير ان العمل السوريالي قد لا يكون دائما بهذه الجاذبية. ويعرف الفنانون المحترفون انهم باتباعهم هذه المدرسة قد لا يصلون الى الشعبية التي يأملون فيها. فعامة الناس لا تحبذ الوقوف طويلا امام اللوحة للتأمل فيها وفك رموزها.
واذا كان لي ان اضع العمل الكاريكاتيري في تصنيف معين، لما ترددت ان اضعه ضمن مدرسة سوريالية-تجريدية-انطباعية مجتمعة. قد يكون هذا تناقض وهدم لفكرة اختلاف هذه المدارس الفنية في الاصول والفروع. لكن هناك شيئا مشتركا –على كل حال– بينها، وهو انها ليست (واقعية)، بمعنى انها لا تهتم للتفاصيل الدقيقة التي تعبر عن الشخصية او الحدث او المكان.
وهكذا فان طبيعة الرسم الكاريكاتيري قد تكون خليطا من هذه المدارس، او احدها ان شئت، ولكنها لا يجب ان تكون لوحة بورتوريت او تجسيدا حيا لموقع او حدث معينين. فان اخترت ان تكون لوحة سوريالية، لابأس ان تجعل الشخصية ذات اجنحة مثلا، او بعينين تتصلان بنابضين يقفزان الى الخارج تعبيرا عن التعجب والذهول. وان كانت تجريدية انطقت الكرسي بكلمات لم يجرؤ على قولها من يجلس عليه. وان كانت اللوحة انطباعية رسمت كل شيء كما يبدو لك بعين غير مدققة مع اضافات نقدية او ملاحظات ساخرة. وفي كل من هذه النماذج يمكن لك ان تضع تعبيرا او اقتباسات كلامية للشخوص، كما تـُحبب المبالغة بشكل خاص لانها تضفي جاذبية وتلفت الانظار الى اللوحة، مما يزيد من تأثيرها على المتلقي.
لكن السؤال ما مقدار الاقتباسات الكلامية التي يستطيع الفنان ان يضعها في لوحته دون ان يقلل من اهمية العمل الفني. لا شك ان اكثر انواع الكاريكاتير اثارة للمخيلة هو من يدرج تحته عنوان (بلا تعليق)، في اشارة الى ان اللوحة تعبر عن نفسها. وكثيرا ما يقال (اللوحة خير من الف كلمة). وان كان هذا صحيحا، فما هو الداعي في ان يغرق بعض الفنانين لوحاتهم بالتعليقات والاشارات والاستعارات اللفظية، لتوضح الشخصية وما يصدر عنها من قول وتصرف؟ الا يندرج هذا في باب الطرفة المرسومة اكثر مما هو عمل فني ايحائي يقوم على التواصل بين الفنان وجمهوره؟
نشرت (المدى) في عددها 1450 الصادر في 7 آذار 2009، وفي الصفحة الخامسة (في الشأن المحلي) رسما كاريكاتيريا يحمل توقيع (قاسم09). موضوع اللوحة يقوم على ان مياه الشرب التي تصل الى بيوت الناس في محافظة بابل تكون ممزوجة بالماء الخابط ومياه المجاري. وقد رسم الفنان ثلاثة انابيب تلتقي عند حنفية ماء واحدة وقد وقف مواطن مذهول امامها. اضطر الفنان الى ان يكتب على كل من الانابيب اسم الخدمة التي يقدمها، فكتب (ماء اسالة) على احدها و(ماء خابط) على الاخر و(مياه مجاري) على الثالث. كما ان طريقته في شرح ان هذا الامر يحدث في محافظة بابل لم تتعد الاشارة الكتابية للشخصية بان كتب فوقها (المواطن البابلي). ثم رسم علامة الاستفهام على الحنفية دون ان يكون لها معنى محدد.
لعل الفكرة قد وصلت اسرع مما ينبغي، وبالتالي فان التأثير المنشود كان اقل مما يرتجى. اذ كان بامكان الفنان ان يعمد الى رسم الانابيب بصورة تشير الى طبيعتها بدلا من شرح عملها كتابيا. فالمعروف ان انابيب المجاري كبيرة نسبيا، وان انابيب الماء الخابط اصغر قطرا ولكنها بالتأكيد اكبر من مياه الاسالة. كما كان يمكن للفنان ان يصور المواطن مرتديا قميصا يحمل رسم اسد بابل مثلا، وهو ما كان سيشير الى سكنه بطريقة اكثر ايحائية. نعم في مثل هذه اللوحة التي اقترح سوف يكون من الضروري وضع تعليق معين لتسهيل قراءتها، وكنت ساقترح تعبيرا مثل: نحو تكامل في خدمات المياه...
غير ان هذه اللوحة بالذات تحمل معنى غير محبب الى النفس. فمجرد تصور ان مياه الشرب تتلوث في طريقها الى البيوت سوف يكون كافيا للتعبير عن الفكرة، اكثر من تصور الاختلاط الكامل بين الماء المخصص للشرب، ومياه المجاري القذرة. وهو ما يطرح السؤال الاخر عن كمية السلبية التي يمكن ان يقترحها العمل الكاريكاتيري بحيث لا يتجاوز الذوق العام، ولا يفقد تأثيره في كل من المواطن الذي هو محور الفكرة، والمسؤول الذي يستهدف بها.
يجب الاقرار ان العمل الكاريكاتيري يقوم على السخرية والمبالغة في السلبيات التي يعيشها المواطن. لكن المبالغات الزائدة عن الحد تفقد العمل رونقه وجاذبيته وقدرته الى التأثير المحكم. اذكر، في هذا الصدد، عملا للفنان الراحل محمد علي بربن في اوائل الثمانينيات، يجسد (طبقة بيض) تحلق في السماء، يتطلع اليها رجل على الارض ويقول لصاحبه، مشيرا اليها: "طبقة الاوزون"، في اشارة ذكية الى ارتفاع اسعار البيض في الوقت الذي كانت اخبار فتحة الاوزون المكتشفة حديثا تتواتر كل يوم. ولازالت تلك اللوحة تجلب لي البسمة كلما تذكرتها، رغم ان اسعار البيض لم تنخفض، ورغم ان الناس تناست فتحة الاوزون.
وهكذا فان اللوحة الكاريكاتيرية يجب ان تنطوي على توازن دقيق بين الافصاح الساذج والغموض المشوق، وبين المبالغة الطريفة والافراط في السلبية. يجب ان لا تتحول اللوحة الى محض تعبيرات كلامية، لكنها لا ينبغي ان تكون رموزا هيروغليفية يصعب فكها. فالتوازن عنصر ضروري في العمل الفني عامة، ولا يستثنى من ذلك الرسم الكاريكاتيري.

Sunday, November 30, 2008

القاعدة تصاب بالذعر

حدثان وقعا في زمانين ومكانين مختلفين لكنهما –على الارجح– مرتبطان. الاول، سلسلة الهجمات المنسقة في مومباي الاربعاء الماضي، والثاني التفجير الانتحاري في المسيب الجمعة الماضية. كيف يمكن لهذين الحدثين ان يتعلق احدهما بالاخر، او ان يكون بينهما اية علاقة؟ الجواب: القاعدة. فرغم ان السلطات الهندية لم تلق اللوم على القاعدة، بل على المخابرات الباكستانية، وبرغم اعلان منظمة مجهولة تسمي نفسها «مجاهدو ديكان» المسؤولية عن الهجوم، الا ان بصمات القاعدة واضحة. فقط نشرت مواقع للمدونات على الانترنت شهادات افاد بها اشخاص من داخل الفنادق التي تعرضت الى الهجمات بان المسلحين طالبوا بسجلات النزلاء وبحثوا تحديدا عن الاميركيين المقيمين في الفنادق.

كما ان من بين الاهداف الاخرى مركزاً يهودياًَ في مومباي، وكل هذه اهداف «مشروعة» للقاعدة.
اما في العراق، وفي بلدة المسيب تحديدا، فان الهجوم الانتحاري الذي وقع اثناء صلاة الجمعة في حسينية تابعة للتيار الصدري، والذي يقال ان افغانيا نفذه، فهو بلا ادنى شك من تصميم وتنفيذ تنظيم القاعدة في العراق، الذي هو ليس الا امتدادا للتنظيم الارهابي الاوسع، الذي يتخذ من جبال تورا بورا على الحدود الافغانية–الباكستانية مقراً له.
ومن المعروف ان البرلمان العراقي صادق على الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة برغم معارضة نواب التيار الصدري. هذه الاتفاقية يصطلح عليها احيانا اتفاقية سحب القوات، غير اني اقترح تسمية مناسبة اكثر، وهو «اتفاقية الجلاء». فتعبير «سحب القوات» مناظر لـ»استدعاء القوات»، بمعنى ان الانسحاب يأتي بعد الاستدعاء. ولكن طالما ان القوات الاميركية لم تأت بدعوة من العراق، وهي حسب القانون الدولي «قوات احتلال»، فان رحيلها هو «جلاء» عن ارض الوطن، وهي الكلمة المناظرة لكلمة «احتلال». لذلك ساشير اليها بهذا الاسم في هذا المقال.
اقول ان اتفاقية الجلاء حددت مواعيد ثابتة لرحيل القوات الاميركية، ليس للرئيس الاميركي المنتخب، باراك اوباما، أي قول فيها. نعم، يستطيع ان يعجّل من الانسحاب، او يطلب تغيير المواعيد، او يطلب تغيير بعض من بنود الاتفاقية، او يطلب الغاءها بالكامل، ولكن ايا من ذلك لن يتم الا بعد تقديم اشعار الى الحكومة العراقية قبل مدة لا تقل عن سنة. لذلك، لن تحدث تغييرات ملموسة، فعليا، قبل مضي وقت طويل.
من ناحية اخرى، طالما اعلن الرئيس المنتخب عن رغبته في ارسال المزيد من القوات الى افغانستان التي تعاني نقصاً واضحاً في القوات القتالية، حسبما اعلنت مراراً وزارة الدفاع الاميركية، وقائد القوات الاميركية في افغانستان. وبحساب بسيط، فان أي قوات تنسحب من العراق، انما ستتوجه مباشرة الى افغانستان.
لاشك ان هذه الحقيقة تثير ذعر القاعدة. سيما وان القوات التي ستأتي لمواجهتها قد اصبحت تملك خبرة اكبر في مواجهة تكتيكات القاعدة، وحرب العصابات. وربما يكون الجيش الاميركي قد طور اسلحة ووسائل حربية تتلاءم مع ظروف الحرب الجديدة، تختلف كليا عن تلك التكتيكات والاسحلة التي استخدمت عام 2001 حينما شنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حربها على حركة طالبان إثر هجمات 11 أيلول.
ربما تكون القاعدة قد اصيبت بالذعر ايضا من حقيقة تفرغ الولايات المتحدة لمقاتلتها وهزيمتها. ومن المعلوم ان الحرب في افغانستان تحظى بدعم دولي واسع، على العكس من الحرب في العراق. الان، سوف تكتسب الولايات المتحدة المزيد من المصداقية والتأييد، وهو ضغط آخر على الدول التي ربما تفكر في مساعدة القاعدة باي شكل من الاشكال.
في تسجيل جديد نشر على مواقع مؤيدة للقاعدة، تحدث الرجل الثاني في القاعدة، ايمن الظواهري، والذي اصبح الرجل الاول اعلاميا، تحدث عن استعداد القاعدة لملاقاة الجيش الاميركي وهزيمته. وقال في طريقة تهكمية تذكر بالقرون الوسطى: «إن كلاب أفغانستان لم تشبع بعد من لحوم الأمريكان..”، ولم نسمع ان جنديا او مدنيا اميركيا واحدا قد تـُرك لتأكله الكلاب في افغانسان. لكن هذه احدى إمارات العجز: التمني. فالظواهري يريد ان يرعب القوات الاميركية بالعبارات المجازية القوية، التي لم يعد لها اي وقع في النفوس، لا بين المؤالفين ولا المخالفين.
وفي نفس التسجيل، يتحدث الظواهري عن «خيانة» النظام السعودي على مدى السنين للقضايا المصيرية، قائلا: «الدور التاريخي التخريبي الذي يلعبه آل سعود في إفساد قضايا أمة المسلمين، بدءاً من إفساد ثورة 1936 في فلسطين وتخريب الجهاد الأفغاني والمبادرة العربية واتفاق مكة بين حماس والسلطة الفلسطينية.» متناسيا دعم السعودية لعقدين من الزمن لمنظمته الارهابية. ولكنه بات يرى ان السعودية لن تكون معه في يوم من الايام، ولن تعود الى سابق عهدها معه ابدا، مهما اشتدت عليه وطأة الحرب، او الهزيمة.
يبقى ان نربط حلقات السلسلة. القاعدة اصيبت بالذعر لقرب تعرضها الى هجوم كاسح لن تقوى عليه على الاغلب. تحاول القاعدة ان تصرف الانتباه نحو الجنوب، وتستغل العلاقات دائمة التوتر مع الهند، لتشن هجمات ضارية، تهدف الى خلخلة الوضع السياسي في الباكستان، واجبارها على الخوض في سجالات مع الهند وتشتت تركيزها على القاعدة فيما لو حاولت الولايات المتحدة ان تخطب ود الباكستان لمساعدتها في العمليات المرتقبة.
وفي نفس السياق، تريد القاعدة جر التيار الصدري في العراق الى ميدان المواجهة، لاثبات عجز القوات الامنية العراقية عن التصدي للمواجهات الطائفية اذا ما اشتعل اوارها بعد انسحاب القوات الامريكية الى الثكنات منتصف العام المقبل.
اي ان تكتيك القاعدة –ببساطة– انما يهدف الى ابقاء القوات الاميركية في العراق، في الاقل في المرحلة الراهنة، اي فترة تولي الرئيس الاميركي الجديد مقاليد السلطة في بلاده، ومحاولة استكناه نواياه الحقيقية بعيدا عن الشعارات الانتخابية التي جاءت به الى هذا الموقع.
وليس من شك في ان انشغال الولايات المتحدة في العراق قد اتاح المجال واسعا امام القاعدة لتعيد تنظيم صفوفها بعد الهزيمة المرّة التي تعرضت لها عام 2001. ومن مصلحة القاعدة ان تبقى الولايات المتحدة منشغلة عنها لاطول فترة ممكنة. لذلك فهي تسعى الان الى خلق الاوضاع التي تقود الى الاستنتاج بان جلاء القوات الاميركية عن العراق ليس خيارا صائبا.
وربما يتوجب على الرئيس المنتخب اوباما ان يتبع سياسة اكثر انفتاحا اتجاه كل من الهند وباكستان، من اجل حل الخلافات المزمنة بينهما. فجزء كبير من جهود الحرب على الارهاب يتعلق بالدول التي توظف الارهاب، باي طريقة كانت، للنيل من اعدائها، بغض النظر عن مساهتمهم فيه.
اخيرا، اتمنى ان لا تتسبب محاولات تنظيم القاعدة في العراق المستمرة لاحداث فتنة طائفية في وقوعها بالفعل. لقد عانى العراقيون على مدى عامين في الاقل ويلات هذه الفتنة، التي كادت تؤدي الى حرب طائفية لا يعلم الا الله ما كانت ستؤول اليه. هذه الامنية انما تتعلق بسواعد القوات الامنية، وبجهود الاحزاب السياسية، وببصيرة الحكومة الوطنية. واذا تحقق كل ذلك، فلن تستطيع القاعدة ان تنشر شرها بين مواطني هذا البلد العزيز، وسوف يكون عليها ان تعض ذيلها وهي تجري بحثا عن ملاذ آمن جديد

Wednesday, October 08, 2008

الجدل التاريخي بشأن التوقيت الصيفي حول العالم

في بداية ثمانينيات القرن الماضي قررت الحكومة العراقية العمل بما يسمى بالتوقيت الصيفي بتقديم التوقيت ساعة واحدة اعتبارا من الاول من نيسان من كل عام واعادتها الى وضعها السابق في الاول من تشرين الاول من نفس عام. أي على ان يتم اضافة ساعة الى نهار كل يوم من اشهر الصيف الطويلة في العراق مما يسمح باستفادة اكبر من ضوء الشمس في الصباح والاقتصاد في صرفيات الطاقة، اسوة بالكثير من البلدان في المنطقة والعالم. وقد لقي هذا القرار عند بداية تطبيقه الكثير من المعارضة، باعتبار انه يغير ايضا من اوقات الصلاة ويسبب اضطرابا في مواعيد النوم عند اول تطبيقه، وكونه جاء خلافا لما اعتاد الناس عليه طيلة حياتهم السابقة. لكن السلطة الحاكمة لم تكن تعبأ بايضاح منافع تغيير التوقيت للعامة، واعتبرت معارضة تغيير الوقت بمثابة معارضة لسياسيات النظام ككل. وهكذا تقبل الشعب الامر على مضض ثم اعتاد عليه وبدأ يدرك منافعه، دون ان ينسى كونه مفروضاً عليه بالدرجة الاساس.

وبعد زوال النظام السابق، استمرت الحكومات التالية في السير على نفس النهج، على ان يتم تقديم الساعة وتأخيرها في موعد لا يتعارض مع ايام العمل، أي يتم في اول جمعة من الشهر المعني تقديما او تأخيرا. ولم يحتج احد ولم يعارض احد. فقد مضى ربع قرن على تطبيق هذا الاجراء واصبح الناس معتادين بشكل كامل عليه.
لكن الحكومة العراقية الحالية قررت بشكل مفاجيء ايقاف العمل به في عام 2008 برغم انها اقرته في السنة السابقة لحكمها. ولم يرد ايضاح بشأن ذلك برغم ما اثاره القرار من جدل بين مؤيد ومعارض. وربما احتاج الناس الى ان يخوضوا هذا النقاش لانه لم يتح لهم ان يخوضوا فيه قبلا.
وقد بدأت بعض البلدان في هذا الشهر بالعمل بالتوقيت الشتوي، أي باعادة التوقيت ساعة الى الوراء، او الاصح اعادته الى وضعه السابق قبل العمل بالتوقيت الصيفي. وبهذه المناسبة، اردنا ان نلقي بعض الضوء على تاريخ التوقيت الصيفي، ومنافعه، وجدوى العمل به، والجدل حوله في ارجاء العالم. املا في ان يتم اعادة النظر في تطبيقه في عام القادم، على اساس من الفهم الصحيح وليس الفرض، سواء بالتطبيق او المنع.
نبذة تاريخية
انتبه الاقدمون الى قضية اختلاف طول النهار بين الصيف والشتاء وضرورة الاستفادة من ضوء النهار، فعمدوا الى اجراءات معينة لضمان ذلك. فالرومان، الذين قسموا النهار الى اثنتي عشرة ساعة، اعتمدوا الساعة المائية في توقيتهم، لكن تدريجاتها كانت مختلفة بين شهر واخر. وهكذا فان الساعة في الشتاء كانت تعادل اربعاً واربعين دقيقة مقابل خمس وسبعين دقيقة طول الساعة في الصيف. وما زالت بعض المناطق في العالم تستخدم نظام الساعات غير المتساوية الطول، كما هو الحال في مقاطعة مونت اثلوس في اليونان. لكن اختراع الساعات الميكانيكية، التي تعطي الوقت بشكل متساو ومنتظم اوقف العمل بنظام الساعات غير المتساوية.
وفي عام 1784 نشر بنجامين فرانكلين، الذي كان سفيرا للولايات المتحدة في فرنسا، مقالا بدون توقيع يحث الفرنسيين على الاقتصاد في استعمال الشموع عن طريق الاستيقاظ مبكرا. ويؤثر عنه قوله: «الذهاب باكرا الى الفراش، والاستقياظ مبكرا، يجعلان من الرجل صحيحا وغنيا وحكيما». واقترح فرانكلينفي مقاله ان يتم قرع اجراس الكنائس وحرق القوارب في ساعات الصباح الاولى لايقاظ الفرنسيين. وبرغم انه لم يقترح فكرة التوقيت الصيفي (او ما يصطلح عليه احيانا بتوقيت الاقتصاد في ضوء النهارDaylight Saving Time ) الا انه اصبح ينسب اليه، حتى يقال توقيت فرانكلين (كما قيل توقيت كامل الدباغ عند اول تطبيق للتوقيت في العراق لا لشيء الا لانه تحدث عنه في برنامجه الشهير العلم للجميع).
ثم انتبه احد البنائين المعروفين في انكلترا، ويدعى وليم ويليت، في عام 1905 ان الناس يبقون نائمين في افضل ساعات النهار طوال الصيف، وذلك اثناء جولاته الصباحية قبل الافطار. كما ان ويليت كان لاعب غولف متحمساً ولم يكن يرغب في ان ينتهي وقت اللعب بسرعة عند الغسق ايام الشتاء. فقام باقتراح فكرة تقديم الوقت ساعة كاملة عند بدء موسم الصيف، في مقال نشره في عام 1907. وقد بقي يدعو لفكرته حتى وفاته بعد ثمانية أعوام من دون ان يلقى نجاحا.
وكانت المانيا ودول المحور المتحالفة معها في الحرب العالمية الاولى والدول الواقعة تحت حكمها اول من يطبق فكرة ويليت وذلك في 30 نيسان من عام 1916، تبعتها بعد ذلك بقليل كل من بريطانيا وحلفائها والكثير من الدول المحايدة. وفي عام التالي اقرت الفكرة في روسيا وبعض البلدان الاخرى، فيما تأخرت الولايات المتحدة حتى عام 1918 للعمل بالتوقيت الجديد. ومنذ ذلك الحين شهد العالم الكثير من التعديلات والتطويرات لهذا النظام الجديد في التوقيت.
التوقيت الصيفي حول العالم
تعمل جميع دول الاتحاد الاوروبي بهذا النظام في الفترة الواقعة بين آخر أحد من آذار واخر أحد من ايلول. وفي روسيا تم العمل به مرة واحدة عام 1917 ثم توقف الى ان تم اعادة العمل به عام 1981، واستمر حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وفي آخر تعديل لنظام التوقيت عام 2007 اصبحت فترة التوقيت الصيفي في الولايات المتحدة تمتد من ثاني أحد من آذار الى اول أحد من تشرين الثاني، ووافقتها كندا في هذا الاجراء، غير ان المكسيك التي بدأت العمل به في عام 1996 لم تمدد فترة التوقيت الصيفي لتتوافق مع الولايات المتحدة.
ومن الدول العربية التي تعمل بالتوقيت الصيفي الاردن ولبنان في مواعيد ثابتة بين اول آذار وآخر تشرين الاول. اما مصر فانها تقوم بتقديم الوقت ساعة كاملة منتصف ليل آخر خميس من شهر نيسان وتعيده ساعة كاملة في منتصف ليل آخر خميس من شهر ايلول، وان قامت ببعض التعديلات لمناسبة تزامن تغيير الوقت مع حلول شهر رمضان المبارك. وبدأت تونس، ضمن الجهود الرامية الى الاقتصاد بالطاقة، بالعمل بالتوقيت الصيفي في 1 آيار 2005، متتبعة خطى الاتحاد الاوروبي. فيما قررت المغرب استئناف العمل بالتوقيت الصيفي اعتبارا من 1 حزيران 2008 بعد توقف دام عشرين عاما. اما سوريا فقد طبقت هذا النظام منذ عام 2006.
وفي ايران كان هذا النظام معمولا به قبل حدوث الثورة عام 1979، حيث تم الغاؤه. لكن الحكومة الايرانية اعادت العمل به عام 1989، وظل نافذا حتى ابطله الرئيس الايراني احمدي نجاد عام 2006، غير ان مجلس الشورى مرر قانونا يقضي باعادة العمل به اعتبارا من عام 2008، برغم معارضة الرئيس.
الا ان معظم الدول الاسيوية الكبرى تعد خارج دائرة التوقيت الصيفي. فالصين طبقته اعتبارا من عام 1986 لكنها توقفت عن ذلك في عام 1992، كما انها اعتبرت البلاد بأسرها منطقة زمنية واحدة (8 ساعات قبل التوقيت العالمي، او توقيت غرنتش). كما عملت اليابان به بين عامي 1948 و1951 تحت الاحتلال الاميركي، لكنها اوقفت العمل به حال الحصول على استقلالها عام 1952، وان تزايدت الدعوات لاعادة العمل بالتوقيت الصيفي منذ عام 1990. وطبق النظام في كوريا الجنوبية على فترات متقطعة منذ عام 1948 الا انه توقف في عام 1988. اما الهند واندونيسيا وماليزيا وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ، اضافة الى دول الخليج العربي، فانها لم تعمل به مطلقا.
وتم العمل بالتوقيت الصيفي في استراليا اول مرة اثناء الحرب العالمية الاولى، غير ان قرار الاستمرار به ترك الى الولايات. وفي العاصمة يطبق التوقيت بين اول أحد من تشرين الثاني واول أحد من نيسان في عام التالي. ورفضت مقاطعة غرب استراليا العمل به في ثلاثة استفتاءات شعبية في الاعوام 1975 و1984 و1992، الا ان برلمانها قرر العمل به بشكل تجريبي لمدة ثلاث سنوات تبدأ في 2006 ثم يتبعها استفتاء شعبي يقرر بشكل نهائي الاستمرار به او التوقف عنه. كذلك رفضه الشعب في استفتاء 1992 في مقاطعتي شمال استراليا وكوينزلاند.
وفي النصف الجنوبي من الكرة الارضية، تنقلب فترة اشهر التوقيت الصيفي بانقلاب الفصول. فقد طبقت بعض الولايات في البرازيل التوقيت الصيفي منذ عام 1931، وقررت ريو دي جانيرو وولايات اخرى في هذا عام (2008) ان تطبقه اعتبارا من 19 تشرين الثاني الى 15 شباط. وطبقته كولمبيا مرة واحدة بين عامي 1992 و1993 ثم توقفت عن ذلك.فيما قررت الارجنتين تطبيق التوقيت اول مرة عام 2007، بين 30 كانون الاول و16 آذار. كما بدأت دول اميركا اللاتينية حديثا بالعمل به ومن بينها تشيلي والاكوادور والاورغواي والبرغواي. الا ان بيرو وفنزويلا وغويانا لم تعمل به مطلقا. تجدر الاشارة ان التوقيت الصيفي ليس بذي تاثير يذكر في خطوط العرض الدنيا.
الجدل حول التوقيت الصيفي
كان اقتراح ويليت اصلا ينص على ان تطبيق التوقيت الصيفي يجعل الناس يقضون وقتا اكثر خارج منازلهم، وبالتالي يتم الاقتصاد في صرفيات الضوء الصناعي لانهم سوف يضطرون الى النوم ابكر عندما يعودون الى منازلهم في المساء، وهو الوقت الذي تستعمل فيه الانارة الصناعية (الشموع او المصابيح الخ). ومن الواضح ان هذا الاجراء لا يغير من طول النهار، بل يعمل على تحويل ساعة من الليل الى النهار، لكي لا تضيع هباءا.
الا انه برغم ان الاقتصاد في الطاقة كان هو السبب الرئيس في العمل بالتوقيت الصيفي فان الدراسات الحديثة لا تتفق دائما مع هذا الرأي، لا سيما مع اخذ عوامل اخرى بنظر الاعتبار مثل التغييرات المناخية واستعمال اجهزة التكييف وغيرها.
ففي عام 1975 توصلت دراسة اعدتها وزارة المواصلات الاميركية الى ان التوقيت الصيفي يوفر ما مقداره 1% من صرفيات الطاقة بين شهري آذار ونيسان. لكن في عام التالي توصلت دراسة اخرى اعدها المكتب الوطني (الاميركي) للمقاييس الى انه ليس هناك تغير ملحوظ في استهلاك الطاقة نتيجة التوقيت الصيفي.
وبالمثل توصلت دراسات في استراليا اجريت عام 2000 الى ان تطبيق التوقيت الصيفي قلل من استخدام الانارة ليلا الا انه زاد من استخدام اجهزة التكييف صباحا. وفي عام 2005 اقرت دراسة في اليابان الى انه تم التقليل من استهلاك الطاقة نتيجة استخدام الانارة بمقدار 0,02% مقابل زيادة مقدراها 0,13% في تبريد الهواء. واخيرا بينت دراسة في ولاية انديانا الاميركية ان استهلاك الطاقة زاد بمقدار 1-4% بعد تطبيق التوقيت الصيفي، استهلكت في الغالب لتكييف الهواء.
بيد ان التأثيرات الاقتصادية للتوقيت الصيفي تتجاوز الاقتصاد في استهلاك الطاقة. ففي الولايات المتحدة تحث المحلات الكبرى على قضاء وقت خارج المنزل، طالما كان ذلك متاحا. وقد قدرت مجلة فورتشن الاميركية عام 1984 ان محلات سفن الفن الاميركية الشهيرة قد حصلت على ارباح اضافية تقدر بـ30 مليون دولار نتيجة زيادة فترة تطبيق التوقيت الصفي لسبعة اسابيع، بينما زادت ارباح منشآت الغولف بمقدار 200-300 مليون دولار لنفس الفترة. كما قدرت دراسة اجريت عام 1999 ان ارباح قطاع الترويح ازدادت 3% نتيجة التوقيت الصيفي.
على الجانب الاخر، فان التوقيت الصيفي يؤثر على المزارعين الذين لا يتعلق عملهم بساعة معينة. على سبيل المثال يتوجب حصد المحاصيل الحقلية عندما يتبخر الندى، أي ان الوصول باكرا لا يجدي نفعا. ومن القطاعات الاخرى التي يؤثر فيها التوقيت بشكل مباشر قطاع التلفزيون الذي يعتمد في ترويج الاعلان في فترة (الوقت الذهبي) التي يؤدي اختلافها بين الصيف والشتاء الى خسائر كبيرة.
ولا يعد قطاع الاستثمار اوفر حظا، فقد شهد يوم تغيير التوقيت في عام 2000 خسائر اجمالية تعادل 31 مليار دولار في اسواق الاسهم الاميركية. ويتوسع الامر ليشمل كلف تغيير برامج الحواسيب وجداول الاعمال وما اليه، حيث بلغت هذه الكلف الاضافية مبلغا يقدر بين 500 مليون الى مليار دولار في عام 2007.
على كل حال ربما يكون التأثر الايجابي الابرز للتوقيت الصيفي كامنا في نواح ٍ اخرى غير الاقتصاد. فقد قدرت دراسة وزارة النقل الاميركية عام 1975 ان معدل الوفيات نتيجة حوادث الطرق قد انخفض بمقدار 0,7% في اثناء التوقيت الصيفي، وقدرت ان النسبة الحقيقة ربما تصل الى 2%، برغم ان مراجعة محطة ان بي سي التلفزيونية لهذه الدراسة اشارت الى انه ليس هناك تغيير ملحوظ في معدل وفيات حوادث الطرق. يؤكد ذلك دراسة معهد سلامة الطرق السريعة عام 1995 التي بينت ان نسبة الانخفاض تصل الى 1,2%، من بينها 5% من حوادث السير التي يقع ضحيتها المشاة. وفي بريطانيا، اقرت دراسة ان اعتماد التوقيت المزدوج (تقديم الوقت ساعة واحدة في الشتاء وساعتين في الصيف) قد يؤدي الى تخفيض حوادث الطرق بمقدار 3-4%.
من ناحية اخرى توصلت دراسة اعدتها ادارة فرض القانون الى ان معدل الجرائم تناقص بمقدار 10-13% خلال التوقيت الصيفي في العاصمة الاميركية واشنطن. لكن منتقدي الدراسة يقولون انها شملت مدينتين فقط كما انها اقتصرت على انواع معينة من الجرائم.
وتقوم بعض البلدان باستغلال تغيير التوقيت لتذكير مواطنيها بتفقد متحسسات الحرائق قبل موسم الشتاء حيث تزداد الحرائق المنزلية نتيجة استخدام المواقد واجهزة التكييف، وكذلك تفقد مصابيح الانارة والانذار في حالات الضباب، وغيرها من المعدات الاخرى. لكن ذلك ليس متعلقا بالتوقيت الصيفي باي حال.
اما التأثيرات الصحية فهي اقل وضوحا واكثر استعصاءا على الدراسة. غير ان التوقيت الصيفي يتيح وقتا اكثر لارتياد محلات اللياقة البدنية، ويسمح بتعرض اكثر الى اشعة الشمس ما يسمح بزيادة انتاج فيتامين دي في الجلد، لكن هناك من يقول ان التعرض الزائد الى اشعة الشمس قد يؤدي الى سرطان الجلد. وبرغم ان هناك شبه اجماع على ان النهوض باكرا من النوم يقلل من الاكتئاب، غير انه من المعروف ان بدء تطبيق التوقيت يسبب ازعاجا ويقلل من فاعلية النوم في الايام الاولى، وان التعود على التوقيت الجديد قد يستمر لمدة اسبوع. وقد ادعت الحكومة الكاخازستانية ان تطبيق التوقيت الصيفي قد أدى الى مضاعفات صحية لدى مواطنيها مما حدا بها الى ايقاف العمل بهذا النظام.
يذكر ان هناك الكثير من المضاعفات الاخرى، منها ضرورة تغيير الساعات المنزلية وساعات اليد لتطابق التوقيت الجديد، والتعقيد الناتج عن استخدام بعض البلدان للتوقيت الصيفي وعدم استخدامه من قبل بلدان اخرى ما يسبب الاضطراب في حالات السفر والاجتماعات المجدولة، يضاف الى ذلك ضرورة اقفال اجهزة الحواسيب الخادمة Servers طيلة الساعة المضافة حتى لا تضطر الى قراءة الساعة نفسها مرتين او القفز ساعة للامام، والخسائر الناجمة عن هذا التوقف. ومن المضاعفات الممكنة ما يترتب على استخدام الاجهزة الطبية المعتمدة على التوقيت واحتمال تشوش معطياتها نتيجة تغيير التوقيت.
وعلى الصعيد السياسي تسبب التوقيت الصيفي في اثارة الجدل منذ ان تم اقتراحه اول مرة. ويؤثر عن وينستون تشرتشل قوله « ان فرص الصحة والسعادة تزداد كلما ابكرنا في الخلود الى النوم والنهوض من الفراش». لكن روبرتسون ديفز يرى ان «ايدي المتطهرين (طائفة مسيحية متشددة) الزرقاء متحمسة الى دفع الناس الى النوم باكرا والنهوض اصحاء واغنياء وحكماء برغم انفهم»، واطلق على التوقيت الصيفي اسم العبودي Slaving في جناس لكلمة Saving التي تعني الاقتصاد.
وبرغم ان الفكرة اجتذبت الكثير من الساسة، مثل تشرتشل ولويد جورج وماكدونالدز وادوارد السابع، الا ان البرلمان البريطاني رفض المقترح بانتظام طيلة الفترة من 1909 حتى اقراره عام 1916. وكان مجلس النواب الاميركي اكثر تشككا، فقد قدم اندرو بيتر مقترح قانون التوقيت الصيفي عام 1909 لكنه ضاع في متاهات اللجان ولم ير النور حتى عام 1918. لكن حدوث الحرب العالمية الاولى غير من المواقف المعارضة للتوقيت الصيفي، طالما انه يقع ضمن المجهود الحربي في الاقتصاد في الطاقة والحماية من الغارات الجوية وغير ذلك، فاضطرت الدول الحليفة الى تتبع مسار المانيا والعمل به فورا.
وحالما انتهت الحرب عادل الجدل من جديد. فقامت بعض البلدان بالغاء العمل به، الا ان بريطاينا احتفظت به وان قامت ببعض التعديلات بين آونة وأخرى. اما الكونغرس الاميركي فقد الغى العمل به بعد عام 1919، واعترض الرئيس وودرو ويلسون على قرار الالغاء مرتين قبل ان يتمكن الكونغرس من جمع الاصوات الكافية لتخطي اعتراض الرئيس. لكن بعض المدن الاميركية احتفظت بنظام التوقيت الصيفي محليا على البرغم من ذلك. وحينما تولى الرئاسة وارن هاردنغ اظهر معارضة لهذا النظام وامر موظفي العاصمة في عام 1922 ببدء الدوام الرسمي في الساعة الثامنة صباحا بدلا من التاسعة كبديل لتغيير التوقيت، وحذت حذوه بعض المدن الاميركية، لكن هذا الاجراء لم يستمر بعده.
ودفع الجدل السياسي حول التوقيت الصيفي المجموعات الاستثمارية الكبرى الى القيام بحملات للدفاع عنه وحتى تمديد فترة العمل به. فقد مولت مجموعة محلات سفن الفن الحملة التي ادت الى اقرار قانون تمديد فترة العمل بالتوقيت الصيفي عام 1987، كما دافع كل من شيخي ولاية ايداهو عنه عام 2005، وهي الولاية المشهورة بصناعة رقائق البطاطا المجهزة لخدمة المأكولات السريعة. وبالمثل قامت مجموعات اميركية كبرى بالدعوة الى قانون تمديد فترة التوقيت الذي اقر عام 2007.
وفي استراليا اصبحت قضية التوقيت الصيفي عام 2007 ضمن برامج السياسيين الذين تأرجح موقفهم حول الاستمرار في العمل به مجاراة لاهواء الرأي عام، بينما تزداد مطالبة قطاع الاستجمام والترويح في بريطانيا في العمل بنظام التوقيت المزدوج.
جدوى التوقيت الصيفي
في العراق
برغم ان الجدل العالمي الذي اوردناه يوفر ارضية لا بأس بها لمعارضي تطبيق التوقيت الصيفي، الا انه من غير المؤكد ان له مضارا جسيمة. فالشركات الكبرى تعمل على تضخيم الخسائر الناجمة عنه بقدر ما يعمل منافسوها على المبالغة في منافع الشركات منه. والحق اني لا ارى سوى بضعة ايام من اضطراب النوم هي كل ما يسببه التوقيت من مساويء.
اما المنافع فهي اكبر بكثير. فالشمس تشرق في العراق حوالي الساعة الخامسة في اشهر الصيف، أي قبل ما يزيد عن ثلاث ساعات من موعد الدوام الرسمي. ومن المؤكد ان الكثير من العراقيين ينهضون لصلاة الفجر قبل الشروق، ما يعني ان انهم يبقون غير منتجين او مستجمين فترة طويلة. لذلك قد يكون من الاجدى ان تستقطع ساعة من الصباح لتضاف الى المساء، ما يعطي العراقيين فترة اطول للاستجمام في المساء ويحتفظ بقدراتهم في العمل صباحا.
اما تأثير التوقيت على الفلاحين العراقيين فليس مماثلا لنظرائهم الاوربيين، الذي يعملون بنظام مختلف كليا. فالفلاح العراقي يستيقظ باكرا ويؤدي عمله بغض النظر عن التوقيت. كما ان حصاد المحاصيل في العراق لا تواجهه صعوبة حقيقة، مثل تكون الندى، الذي نادرا ما يحدث في اشهر الحصاد.
ان غياب المعطيات الرسمية الصحيحة لحوادث الطرق، والتأثيرات الصحية، والاقتصادية، وغيرها نتيجة لتغيير التوقيت في العراق، يجعل من الصعب الحكم على جدواه في العراق. لكن ذلك انما يدعو الى التطبيق والمراقبة والدراسة، لا الى الرفض. فكما بينـّا انفا، ليس للتوقيت مضرة حقيقة، بل منافع متوقعة. لذلك نأمل ان يصار الى اعادة العمل به في الاعوام القادمة مع مراقبة التأثيرات الجانبية ومحاولة دراستها بعمق حتى يمكن اطلاق حكم يستند الى ارضية صلبة فيما اذا كان مفيدا وغير مفيد.

Wednesday, May 21, 2008

مشروع قانون تنصيب نقابة الصحفيين

-- قراءة في قانون حماية الصحفيين المعروض على مجلس النواب --


نشر مؤخرا نص "قانون حماية الصحفيين" الذي احاله ديوان رئاسة الوزراء الى مجلس النواب لاقراره. ورغم بحثي المكثف لم اجد نسخة على موقع مجلس الوزراء او مجلس النواب. لذلك اعتمدت النسخة المنشورة في بعض المواقع الالكترونية. واعتذر عن اي خطأ قد وقع نتيجة لذلك.
مما لاشك فيه ان هناك ضرورة لاتخاذ اجراءات لحماية الصحفيين من الاعتداء الذي يقع عليهم نتيجة عملهم الصحفي، لاسيما مع تزايد الاخطار التي يشكلها العمل الصحفي على مزاوليه في العراق، كما تثبت ذلك الارقام المرعبة لشهداء الصحافة خلال السنوات الخمس الماضية. لكن هذه الضرورة لا تبرر اصدار تشريعات متعجلة ومبتسرة واحادية الرؤية، تشريعات تحكمها مرحلة انتقالية قد تكون فوضوية في بعض الاحيان، لكنها ليست هي الظرف الواقعي طويل الامد لسن تشريعات قد تسري لاجيال تالية.
والحقيقة ان السؤال الاساس هل ان حماية الصحفي مختلفة نوعا عن حماية بقية المهن الاحترافية، مثل المهندس والطبيب والحقوقي، بل والتاجر ورجل الاعمال وسواهم. لقد كان الجميع خلال الفترة التالية لسقوط النظام السابق اهدافا منهجية للهجمات الارهابية. حدث ذلك للقضاة، والاطباء على وجه الخصوص، والارقام التي تقرر هذه الحقيقة تفوق واقعا الارقام التي تتحدث عن ضحايا الصحافة. قد يكون التركيز على الصحفي فيه استثناء مبرر نوعا ما يعود الى طبيعة العمل الذي يجعله مستهدفا في بعض الاحيان بسبب موقف "سياسي" تجاه الصحفي ذاته او وسيلته الاعلامية. وهو ما يجعله في مرتبة واحدة، حسب راي بعضهم، مع منتسبي القوات الامنية، الذين اضحوا هدفا للجماعات المسلحة بسبب وظيفتهم بالدرجة الاولى.
ذلك يعني ان الاجابة عن التساؤل الانف قد تكون بالايجاب، على الاقل في الوقت الراهن، مع الاشارة الى من شأن اي قانون للصحافة، حتى وان شرع لغرض حمايتها لابد وان يتحول بشكل او بآخر الى قيد على الصحافة اكثر منه حماية له. في الانظمة الديقراطية الصحيحة، لايوجد قانون تسنه الدولة يختص بالصحافة تحت هذا المسمى. بل ان المؤسسات الصحفية الكبرى تسن لنفسها قواعد سلوك مهنية وتجعلها معيارا لمصداقيتها. ولهذا يعدّ اي تدخل للدولة في شؤون الاعلام الحر مخاطرة كبيرة على اصل النظام الديمقراطي.
فاذا وجدنا مبررا كافيا لسن هذا القانون فلابد ان نقرر في صيغة القانون ذاته انه ذو طبيعة مؤقتة مرهونة بالظروف الحالية ويجب ان ينتهي مفعوله بانتهاء هذه المرحلة وان يعاد النظر فيه بشكل دوري للتأكد من الحاجة اليه. لقد كان العمل الصحفي اذبان العهد البائد حكرا على شريحة بسيطة، لمنع تكون اية بذرة لاعلام حر ذي رسالة يهدد بقاء النظام.
لكننا نرى ان مشروع القانون موضع البحث لايشكل تعبيرا واضحا عن استقلالية الصحافة عن السلطات الثلاث، بل يدعو الى الانضواء تحت ظل الحكومة التنفيذية في اول مادة من مواده المقترحة والتي تنص: "يعتبر اي اعتداء على الصحفي اثناء تأديه مهامه الصحفية بمثابة اعتداء على موظف حكومي اثناء تأديه واجباته الرسمية ويعاقب المعتدي بالعقوبة المقررة قانوناً على الموظف الحكومي". ذلك مؤسف حقا، فكيف يمكن ان نقرن اداء عمل حر باداء موظف حكومي؟ الا يعد ذلك معادلا للقول بان الاعتداء على الصحفي اثناء عمله الصحفي اعتداء على سلطة تنفيذية؟ اذن كيف يكون شكل السلطة الرابعة؟ وكيف لنا ان نضمن عدم استغلال الصحفي نفسه لهذه "الميزة" في اغراض شخصية؟ الا يكفي اننا نجد امثلة لاحصر لها لاستغلال الموظف الحكومي لحصانته القانونية لاغراض شخصية؟
لقد كانت هذه النقطة من الاهمية بالنسبة لنقابة الصحفيين، التي تولت اعداد مسودة القانون وعرضه على الحكومة، بحيث جعلتها في مقدمة القانون المقترح، بل حتى قبل تعريف لفظ الصحفي، الذي لايرد الا في المادة السادسة عشر: "الصحفي هو الذي يعمل في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية ومنتمي (هكذا في الاصل والصحيح منتم ٍ) الى نقابة الصحفيين العراقيين". وهنا يتبادر الى الذهن تساؤل مشروع: لماذا يتوجب على الصحفي ان ينتمي الى نقابة الصحفيين ليحصل على حقوقه "القانونية" طالما كان يزاول في واقع الامر المهنة الاحترافية للصحافة؟ الا يعطي ذلك سلطة للنقابة في تقرير من سيكون مشمولا بمهنة المتاعب ومحميا قانونا، وتمييزه بمن لا يريد العمل النقابي او الانضواء تحت اتحاد مهني لاي سبب كان؟ فهل ان المهندس الذي لا ينتمي الى نقابة المهندسين مجرد مدّع؟ وهل يجب عدم الالتفات الى النساء "المضطهدات" اللائي لاينتمين الى اتحادات النسوة؟ ان النقابة هي مجرد مؤسسة مجتمع مدني تشتمل على نشطاء يعملون لقضية عامة بغض النظر عمن يسجل فيها ويحمل بطاقاتها التعريفية. والاكثر من ذلك ان النقابة التي تدعي الوصاية على الصحفيين رفضت منح العضوية (او جعلته امر في غاية الصعوبة) للكثير ممن استشهدوا او اصيبوا في عملهم الصحفي بينما هي تتبجح الان بالمخاطر التي يتعرض لها الصحفيين، وان لم تعترف باحترافيتهم اصلا.
بيد ان النقابة تمضي الى اخذ المسالة على عاتقها الى ابعد من ذلك حيث يقتضي مشروع القانون في مادته الثانية ان: "لايعتقل الصحفي او يلقى القبض عليه بسبب عمله الصحفي الاعن طريق القضاء وبعد اعلام نقابة الصحفيين العراقيين وحضور ممثلها في التحقيق". ومرة اخرى تقرر النقابة من يشمله القانون وكيفية تطبيقه.
على كل حال، لا اجد المواد الثالثة والرابعة والخامسة مخالفة لعرف العمل الصحفي، وهي تتعلق بمنح الصحفي "حق الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الدوائر الحكومية والهيئات العامة لنقلها الى الجمهور"، وتعترف بحق الصحفي في "عدم الافصاح عن مصادر معلوماته"، كما انها تطالب بان لايتم "مصادرة ادوات عمل الصحفي الا باذن من المحكمة". غير ان المخالفة ترد فيما يلي في المادة السادسة التي تنص: "تتكفل الدولة بانشاء قوة فعالة لحماية الصحفيين ووسائل الاعلام"، حيث لا ارى كيف يعمل الصحفي مع وجود قوة حكومية مرافقة له. في الواقع فان مثل هذا الاجراء سوف يقيد الصحفي بالقوة التي تحميه وليس العكس. كما ان مثل هذه القوة كفيلة بان تمّكن السلطة التنفيذية من فرض سيطرة حقيقة على اداء الصحفي والوسيلة الاعلامية. تصور منع القوة المرافقة من الخروج في جولة ما ينوي الصحفي ان يقوم بها لاجراء تحقيق صحفي عن فساد دائرة ما، او لشبهة حول مسؤول حكومي، او غير ذلك من الامثلة التي ستقيد عمل الصحفي وتمنعه من الوصول الى اذيال الحقيقة وان توافر لديه بعض الامن (وهو غير مضمون قطعا).
ويؤكد ذلك نص المادة السابعة التي تطلب السماح "للصحفيين باداء عملهم دون تدخل من قبل القوات الامنية"، لكنها تستدرك بان هذا السماح مشروط بـ" مالم يكن هناك مسوغ شرعي". ولن تعدم القوات الامنية سببا لايجاد هذا المسوغ الشرعي. لقد تعرضت شخصيا ومجموعة من الصحفيين الاخرين الى اطلاق نار من قبل الشرطة (التي تعرفت علينا ودققت هوياتنا قبل ذلك) حينما هممنا ان ندخل موقعا لتفجير انتحاري في مدينة الحلة. وقد استوجب الامر تدخلا من مسؤولين حكوميين للسماح لنا بتصوير الانفجار المروع، فيما يبدو انه يصب في مصلحتهم لكشف افعال القاعدة في البلاد، اكثر من الرغبة في اتاحة الفرصة للاعلام الحر لنقل الحقيقة للعامة.
وطبعا فان المادة السابعة التي تقرر انه "على الاجهزة الامنية اجراء تحقيقات فورية في حالة تعرض اي صحفي لاي نوع من التهديد او الاذى وان تبذل الجهود لمعاقبة الجناة" هي من نافلة القول، لان هذا هو بالضبط عمل الاجهزة الامنية فيما يخص جميع المواطنين على السواء بغض النظر عن مهنتهم او انتمائهم الحرفي.
واكاد اتفق مع نصوص المواد التاسعة والعاشرة والحادية عشر التي تفرض على الدولة ان تكفل "رعاية عوائل شهداء الصحافة"، و"تخصيص راتب للصحفيين الذين يتعرضون الى الاعاقة" و"الرعاية الصحية للصحفيين وتتكفل بعلاجهم على نفقتها داخل وخارج البلاد اذا كانت الاصابة او الاعاقة بسبب العمل الصحفي" بشرط ان يكون ذلك توجها عاما للدولة فيما يخص ضحايا الاعمال الارهابية، وليس على سبيل التأمين المسبق لشريحة معينة بغية كسب ودها.
لكنني اختلف بشدة مع المادتين الثانية عشر والثالثة عشر واللتين تمنحان النقابة، من جديد، سلطة تنفيذية فيما يخص العقود مع المؤسسات الاعلامية المحلية والاجنبية العاملة في العراق وعمل الصحفي ضمن مؤسسته الاعلامية. ومصدر الاختلاف ليس نابعا من اعتراض على دور للنقابة في كل ذلك، لكن على حصر هذا الدور بها. فمن حق الصحفيين ان ينتسبوا الى اتحاد آخر غير النقابة الحالية وتبقى لهم حقوقهم القانونية المترتبة على العمل مع الوسيلة الاعلامية وحالات التعرض الى الفصل التعسفي وغيره. وذلك يجب ان ينظم بقانون اشمل للعمل وليس اخص بمهنة واحدة. غير انني ابدي اعجابا برغبة النقابة في منع الحيف عن الوقوع على الصحفي، لكنني اشعر انها غير قادرة فعلا على ذلك بسبب عدم تمكين اغلب الصحفيين، الذين يمارسون المهنة في الوقت الراهن، من الانتماء الى النقابة (او الحصول على مرتبة العضوية فيها). سيكون مدهشا حقا ان تجادل النقابة وسيلة اعلامية حول قرارها فصل محررين مثلا قاما بتغطية لم ترض المؤسسة، لكنها في الواقع ستجادل عن المنتمي لها حسب هذا القانون وتترك الاخر (الذي ربما ينظر قرار ادراجه في سجل العضوية سنوات عديدة).
واخيرا فان المادة الخامسة عشر قد وضعت النقاط على الحروف بالقول: "الصحفيون لاسلطات عليهم في اداء عملهم لغير القانون"، لكن هذا القانون ذاته وضع سلطة النقابة فوق جميع السلطات، وبذلك يمكن قراءة النص بالشكل التالي: "ان لم تكن عضوا في نقابة الصحفيين فلست صحفيا، وان كنت عضوا فيها فانت تحت رحمتنا".