Tuesday, December 14, 2004

رهان التوقيتات ومأزق الانتخابات العراقية

لعل ابرز احداث الساحة العراقية منذ انهيار صنم العبودية، في التاسع من نيسان 2003، هو انتظار الانتخابات، والنظر اليها على اساس انها الحل السحري لكل مشاكل العراق، الموروثة منها والمستجدة. واكرر ان (الحدث) الذي اشير اليه هو (ترقب) الانتخابات، وليست الانتخابات ذاتها. ذلك ان حدث الانتخابات لن يكون امرا معجزا، او حاملا للحلول النهائية للمعضلات التي استعصت على حكومة الاحتلال، ومجلس الحكم، ومن ثم على الحكومة المؤقتة.
ان هذا الترقب والانتظار ربما كان نتيجة حتمية لرغبة المواطن العادي للفرار من الواقع المزري الذي آلت اليه الامور في العراق، والذي فرض ظله على عقلية وتفكير المواطن العراقي، الذي لا يجد معنى حقيقيا لكل ما يحصل، من انتشار للفساد الاداري والسياسي، وتقصير فاضح في اداء الخدمات العامة، والاهم من ذلك، تردي الوضع الامني بشكل لا سابق له. تلك الرغبة التي عزفت عليها القوى السياسية لتنشد اغنية الانتخابات ذات الايقاع الجماعي، رغم جهل الكورس باللحن والكلمات.
في البداية ترقبنا تشكيل مجلس الحكم ليمنح الحاكم الاداري الامريكي المشورة ويمنعه من ارتكاب المزيد من الحماقات، وتعزز الامل بتشكيل الوزارات.. ثم خبا املنا بعد ان وجدنا الاحزاب الممثلة في مجلس الحكم تهيمن على تلك الوزارات وتتخذها منابر اعلامية لها. ومع افلاسها الداخلي ونضوب شعبيتها، لم تأبه تلك الاحزاب للنقد الذي اخذ يرتفع صوته رويدا رويدا، حتى اصمّ الاذان احيانا. فتدهور اداء الدوائر الحكومية، بل وزاد احيانا في فساده عن حاله تحت الحكم البائد، الذي تصورنا ساذجين انه ضرب الرقم القياسي في الفساد والافساد.
وارتسمت اولى مراحل العملية السياسية مع اصدار مجلس الحكم السابق، متآزرا مع سلطة التحالف المؤقتة، اتفاق 15 تشرين الثاني 2003، والذي حدد توقيتات لانشاء مجلس وطني، واصدار قانون اساسي للفترة الانتقالية (دستور مؤقت)، ومن ثم تشكيل حكومة مؤقتة. وبما ان مجلس الحكم لم يستطع ان يكون جماهيريا بالقدر الكافي، فانه لم يكن قادرا بالمثل على (تمرير) قراره هذا بيسر. فقد احتجت قوى بالغة التأثير، متمثلة بالمرجعيات الدينية الشيعية، على طريقة تشكيل المجلس الوطني المؤقت، وطالبت بالانتخابات. وكانت تلك اولى الدعوات المباشرة التي تطرح مقابل خطة مجلس الحكم. وكرد فعل تلقائي، رفض رجال الدين من السنة اجراء انتخابات في مثل الظروف الحالية. وكانت لكل من الطرفين حجته المقنعة. اذ ان الانتخابات هي الطريقة الوحيدة لاختيار حكومة شرعية، تمثيلية، وذات مصداقية. ومن جهة اخرى فان على تلك الانتخابات لكي تحقق تلك الصفات ان تكون شاملة ونزيهة وعادلة، وهو امر غير مؤكد.
ثم عمد مجلس الحكم الى مناورة سياسية تمثلت باصدار قانون ادارة الدولة، الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية بنهاية كانون الثاني 2005 كحد اقصى، وهو موعد يسبق بشهرين فقط موعد تلك الانتخابات حسب اتفاق 15 تشرين الثاني! ومع ذلك فانه لم يشر الى الوسيلة التي ستسلم بها السلطة. وظل الامر قيد الترقب حتى فترة وجيزة قبل موعد الثلاثين من حزيران، ليصدر مجلس الحكم (ملحقا) بقانون ادارة الدولة يحدد الكيفية التي ينشأ بها المجلس الوطني المؤقت.. وهي لا تختلف من حيث الجوهر عن الالية الاولى، بل لعلها كانت اقل شمولية، واقل تمثيلية للقوى السياسية العراقية. ويذكر العراقيون انتظارهم لتاريخ 30 حزيران وكأنه تاريخ التحول الاكبر، ذلك الذي سيعمل على تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة حديثة التشكيل.. ثم يتذكرون كيف اصابتهم خيبة الامل من اداء الحكومة الجديدة، التي واصل شخوص مجلس الحكم السابق التأثير فيها لكونهم نواة تلك الحكومة.
ولان مجلس الحكم السابق لم يضع في اولوياته المواطن العادي، فانه عمل على رسم شكل السلطة القادمة بالطريقة التي تضمن بقاؤه فيها. تجلى ذلك في فرض اعضاءه السابقين اعضاءً في المجلس الوطني المؤقت، لكي يبقوا في موقع الصدارة ويعملوا على منع الجهات غير المرغوب فيها من احتلال المناصب الرفيعة، وينأوا بانفسهم عن الاقصاء نتيجة افعالهم، كما هو شأن النظام الديمقراطي.
ولما كان كل شيء مؤقتا، او هكذا تم تصويره، فان مثل هذه الخدع والألاعيب السياسية لم تواجه بمعارضة شديدة، خصوصا مع احتواء المعارضة حينا، واغفالها احيانا اخرى. نعم، لم يكن مجلس الحكم جلادا ادخل الشعب العراقي زنزانات التعذيب، ولكنه لم يكن بالمقابل يهمه تضور الآلاف من مواطنيه جوعا، ولم يشعر بآلامهم ولم يتفهم قلقهم
وقبيل حل سلطة التحالف المؤقتة ومجلس الحكم، اصدرا قرارات تتعلق بتأسيس المفوضية العليا للانتخابات، والقانون الانتخابي، وتنظيم الاحزاب. ولم يطرح ايا من هذه القرارات على النقاش العلني، ولم يستشر فيه ايا من الخبراء سواء على الصعيد الوطني او الدولي. ذلك ان تلك التشريعات هدفت بالدرجة الاولى الى توجيه الانظار على الاحزاب اكثر من الشخصيات، وبالتالي تلافي السقوط السياسي المحتمل. فجاء النظام الانتخابي بطريقة القوائم ذات التمثيل النسبي، وهو امر لابأس به لولا اعتماد العراق منطقة انتخابية واحدة. اذ يمكن في هذه الحالة تجاهل اية مناطق عازفة عن الاشتراك في الانتخابات دون ان يظهر لذلك تأثير مباشر في نتائجها. كما يمكن اختيار العناصر (الموالية) ضمن القائمة دون النظر في الكفاءة والمقدرة الشخصية. فلا نجد الاحزاب، حين تطرح قوائمها للانتخابات، مهتمة كثيرا بالبرامج الانتخابية التي يفترض ان تقدمها للناخب.. فكل ما يهمها هو كيفية تشكيل تحالفات تحظى بالقدر الاكبر من الاصوات، على اساس تحزبي، او عشائري، او حتى طائفي.
واليوم تتصاعد الدعوات لتأجيل الانتخابات، ومرة اخرى لفترة محددة.. لينتقل (الترقب) من تاريخ 30 كانون القاني المقبل إلى تاريخ لاحق، ربما يمتد لستة اشهر بعده. فهل سيكون التأجيل بحد ذاته حلا لهذه الاشكالات؟ لا اعتقد. ربما سيكون المناخ بعد تلك فترة افضل من ناحية امنية، بناء على ما استطاعت تحقيقه الحكومة من تقدم في هذا المجال. ولكن علينا ان نتذكر ان الظروف الامنية كانت افضل قبل توليها السلطة، ولست بصدد تحميل الحكومة مسؤولية التردي الامني، حيث نعلم جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها مقارنة بقصر الفترة الزمنية التي اتيحت لها. غير ان العبرة المستفادة من المسيرة غير السارة لمجلس الحكم، وللحكومة الانتقالية التي خلفته، ان الشخوص السياسية الممسكة بخيوط الاحداث، لم تكن بمستوى الوطنية المطلوب للعهد الجديد.. ليس لانها لا تمتلك تاريخا نضاليا، او انها تفتـقر إلى الكفاءة السياسية، بل لانها قدمت المصلحة الحزبية الضيقة على المصلحة العامة.
ان الرهان على الزمن لم يكن في صالح الشعب فيما سبق، فهل يمكن ان يكون في صالحه هذه المرة؟ ذلك ممكن، اذا لم يكن رهانا على التوقيت فحسب. فاذا اردنا الاصلاح ودفع عجلة الديمقراطية إلى امام، فلن يكون ذلك بتأجيل الانتخابات، ولكن باعادة النظر في النظام الانتخابي، وهو ليس من ضمن مواد قانون ادارة الدولة، أي يمكن تعديله عن طريق مجلس الوزراء وبموافقة مجلس الرئاسة والمجلس الوطني المؤقت. والتعديل المقترح هو اما بجعل كل محافظة دائرة انتخابية، بحيث تضمن كل محافظة عددا محددا من المقاعد الانتخابية يتناسب وتعداد نفوسها، او باشتراط جعل المرشحين في كل قائمة موزعين على جميع المحافظات وبنسبة السكان ايضا. ان الاقتراح الثاني قد يبدو غير عملي بالنسبة للاحزاب المحلية، او القوائم التي تشمل محافظة واحدة او مجموعة محافظات. ولكن ذلك يمكن حله باتباع طريقة حسابية تفرض على القائمة ان لا يتجاوز عدد مرشحيها المقدار المسموح لكل محافظة ممثلة فيها. فعلى سبيل المثال، لنقل ان عدد ممثلي محافظة بابل 15، والنجف 12، وكربلاء 13. فاذا تضمنت القائمة اسماء من هذه المحافظات الثلاثة فقط، فيكون اكثر عدد مسموح لها هو 40 مرشحا، وهو مجموع ممثلي هذه المحافظات. وبالطبع يمكن فرض تسلسل تسجيل المرشحين ضمن القائمة ليحقق عدالة التوزيع في حالة فوز القائمة (كما هو متوقع) باقل من النسب الكاملة. اما اذا اخذ بالاقتراح الاول، فسيكون الامر غاية في السهولة، حيث تصوت كل محافظة ضمن رقعتها الجغرافية على قوائمها الخاصة وترسل ممثليها إلى الجمعية الوطنية حسب نسبة سكانها.
ربما يقال ان الوقت غير كاف لاجراء تغييرات مثل تلك التي اقترحها، وهذا رهان اخر للتوقيتات علينا ان نواجهه بحذر. ولكن اذا تقرر اجراء التغيير لصالح دفع كل اطياف الشعب العراقي للاشتراك بالانتخابات، فلا بأس بالتأجيل عندها.. فليس التوقيت هو ما يهم في نهاية الامر، انما جدوى العملية برمتها. وعلينا التذكير ان مقدار نجاح الانتخابات هو مقياس شرعية الحكومة المشكلة بموجبها. وعلامة النجاح ليست في حضور عدد معين من الناخبين إلى الاقتراع، بل في مشاركة الجميع سواء على مستوى الطوائف او الاحزاب او المحافظات.. وهو ما يضمن قبول النتائج، والانخراط في العملية الديمقراطية الاهم: كتابة الدستور الدائم.