Monday, January 07, 2008

اشكالية الاعلام الحر في مواجهة اعلام الدولة

عطفا على مقال الاستاذ عبد الزهرة زكي المنشور في المدى (العدد 1119 الصادر في 29 كانون الاول 2007) والموسوم "الاستقطاب والخلافات الحادة تعيق استقلال الاعلام"، اود الاشارة الى قضيتين تمثلان عقبة كأداء في تطور الاعلام كصناعة وتقضيان على امال استقلالية السلطة الرابعة، حتى بعد ان تتحرر البلاد من نير الارهاب والعصابات الاجرامية.

القضية الاولى: اعلام الحكومة
لقد كان تشكيل شبكة الاعلام العراقي نقطة تحول في ايجاد نظام اعلامي غير خاضع لسلطة الدولة وان كان يتلقى تمويله منها، متخذا هيئة الاذاعة البريطانية مثالا يحتذى في هذا المضمار. لكن ظروف توفير التمويل والنزاعات حول تعيين قياداتها متمثلة في رؤوساء مؤسساتها الاعلامية أنحت جانبا الهدف المرجو منها والمتمثل في اعلام مستقل يعمل على اصلاح شؤون الدولة كموسسة شبه دستورية محمية بمفهوم حرية التعبير، لتحدد اهدافا مرحلية طغت عليها الظروف الخاصة والحرب الشرسة ضد الارهاب.
وقد سعت الشبكة فيما يلي الى استقطاب وسائل الاعلام المطبوعة المحلية التي نشأت بعد تغيير النظام والتي كانت بأمس الحاجة الى الاعانات للاستمرار نظرا لغياب التمويل الذاتي من الاعلانات (كما اوضح الاستاذ عبد الزهرة في مقاله). وبما ان القسم الاعظم من صحفيي قبل التغيير كانوا موظفين في وزارة الاعلام المنحلة، وانهم فقدوا مورد عيشهم نتيجة هذا الاجراء، فقد كان تعيينهم على كادر الشبكة يمثل بديلا مناسبا. غير ان ذلك ادى الى عواقب غير حميدة. فقد بدأت الصحف والاذاعات المحلية تفقد خصوصيتها بالتدريج عبر تحولها الى منفذ لسياسة شبكة الاعلام العراقي، بل انها حولت حتى وارادتها المتواضعة الى الشبكة لكي تغطي جزءا من تكاليفها.
ان المطالع لواقع المؤسسات الاعلامية اليوم يستطيع ببساطة ان يستنتج ان تلفزيون العراقية، واذاعة جمهورية العراق، وجريدة الصباح، وقسما كبيرا من صحف المحافظات انما تمثل وجهة النظر الحكومية الرسمية. ويظهر ذلك جليا في تبني القضايا المختلفة في سياق بروباغاندي تعبوي، يبتعد عن النقد البناء والرقابة الدستورية على الاداء الحكومي، ليقترب من لغة التلميع والتبرير والخطاب الموجه الفاقد لاسس التعليم الاجتماعي لمصلحة التغييب الجمعي خلف تهديدات الحفاظ على الكيان والمنجزات.

القضية الثانية: اعلام الطوائف
ربما كان تحول شبكة الاعلام العراقي عن غايتها المرجوة قد دفع اقطاب المعارضة، سواء المعترف بها كأحزاب برلمانية او خارج البرلمان ام تلك التي تبنت العنف وسيلة لتحقيق مآربها غير المعلنة في اكثر الاحيان، دفعها الى تأسيس وسائلها الاعلامية بنفس الهيكيلة تقريبا. فالمتتبعون اليوم يعرفون تبعية كل جريدة او اذاعة او تلفزيون، ويستطيعون ان يحللوا موادها الاعلامية استنادا الى ذلك، رغم انها في الغالب لا تفصح عن هويتها وانتماءها الحزبي او الطائفي. ولعل السبب في اخفاء الهوية لا يكمن في عدم الثقة في الجهة التي تتحدث باسمها بقدر ما يتعلق بالرغبة في مصادرة الرأي والقضية وتصويرها على انها ممثلة لكل العراق. وليس في ذلك من ضير ان تم في النور، وبعد تعريف الانتماءات احتراما لشخصية المواطن، وتقديسا لمعنى الرأي والرأي الاخر.

وهكذا فبين اعلام حكومي موجه، يلمع صورة الاداء الحكومي ويدلس مواطن الفشل فيها، وبين اعلام محكوم بعقيدة الرفض الجازم لكل ما يتأتى من الحكومة، ضاعت المهنية والتبس على المواطن فهم الحقيقة، التي هي قبل ذلك مشوشة بما يكفي لاربكاه، وبالتالي فقد ثقته في معظم وسائل الاعلام المحلية وييم وجهه شطر الصحافة العربية والاجنبية يتخذها مصدرا لمعلوماته، وينصت لتحليلاتها المقتضبة حينا والمسهبة احيانا حول امور كان الاحرى ان تناقش على قناة فضائية او في صحيفة تصدر في العراق.
كل ذلك قاد جيلا من الصحفيين الشباب الى اللجوء الى الوسائل الاعلامية الاجنبية رغبة في تحقيق هدف الاستقلالية والمهنية الذي يصبو اليه اي صحفي جاد. ويجب الاعتراف ان ذلك يسجل تراجعا عن مكتسبات ازاحة النظام القمعي السابق، حينما كان امثال هذا الجيل يغادرون البلاد طمعا في فرصة افضل بشروط اعدل.