Monday, June 27, 2005

عام على تسليم السلطة: قرارات مصيرية مؤجلة

في اواخر حزيران 2006 تمر الذكرى السنوية الاولى لتسليم السلطة في العراق من قبل الحاكم المدني السابق بول برايمر. ويجدر بنا اجراء مراجعة عامة للمشهد العراقي خلال تلك السنة الحافلة بالاحداث، وانعكاساتها على حياة ومستقبل الشعب العراقي. ورغم اننا ندرك ان مثل هذه المراجعة لا يمكن ان تحصر في مقال واحد، الا اننا نحاول هنا ان نجد خطوطا عريضة لاتجاهات الاحداث، ونتوقف عند بعض الاحباطات التي حصلت، ونستشف منها الحلول المتاحة او الممكنة في قادم الايام.
وبدءا علينا ان نسلم بان مسيرة الاحداث خلال العمليات السياسية المتتالية لم تكن وليدة اللحظة، او طارئة خلال ازمان مختلفة بشكل عفوي.. بل ان تلك الاحداث تشكلت في سلسلة متعاقبة ومتوالية من السبب والنتيجة، ثم النتيجة للنتيجة وهكذا. وربما كان السبب الاول والمحرك للعمليات السياسية التالية، هو اسقاط النظام السابق بدون خطة واضحة لاحلال سلطة وطنية بديلة. ونذكر ان رغبة الولايات المتحدة الاصلية لم تكن اطلاقا متجسدة في الحكم المباشر للعراق.. بل ان الساسة الامريكيون عملوا خلال الفترة السابقة للحرب على ايجاد سلطة وحكومة منفى من خلال مؤتمرات لندن واربيل وبيروت. وكان يفترض ان يفضي مؤتمر الناصرية الى تشكيل هذه الحكومة. ولو قدر لهذا الامر ان يحصل، فمما لاشك فيه ان العملية السياسية كانت ستتخذ منحى اخر. وقد كشفت الخلافات في هذا المؤتمر، ثم في مؤتمر بغداد بعد ذلك بشهر، ان الرغبة في الاستيلاء على السلطة كانت هاجسا كبيرا لدى الساسة العائدين من الغربة، يحدوهم طموح اكبر حتى من شعاراتهم التي رفعوها خلال العشرات من السنين.
وهكذا حدث اول تغير رئيسي في السياسة الامريكية، وهو الحكم المباشر للعراق من قبل حاكم مدني، على ان يساعده مجلس (استشاري) سمي فيما بعد بمجلس الحكم. ودوليا، عملت الولايات المتحدة على تثبيت شرعية سلطتها كدولة احتلال، مع التأكيد على (سيادة) مجلس الحكم. ولقد لاحت هنا بادرة طيبة لتولي العراقيين شؤونهم، لولا اهتمام اعضاء مجلس الحكم بمستقبلهم السياسي اكثر من الرغبة في الحصول على الاستقلال.. فلقد اعتقدوا ان الاستقلال هو امر حتمي، وهو حاصل ان عاجلا ام اجلا، بينما مواقعهم غير مؤكدة. وسرى الاعتقاد ان مجلس الحكم غير قادر على تولي شؤون البلاد بسبب (غطرسة وسيطرة) الحاكم المدني. والواقع ان مجلس الحكم اعتزل مبكرا، لا خوفا من الحاكم المدني، ولكن لان اعضاءه لم يكونوا مستعدين للتضحية بما حصلوا عليه في حال حاولوا مواجهة هذا الحاكم.
ان حكم اية دولة يجب ان يكون بموجب الدستور.. وفي حالة العراق بعد انهيار نظامه السابق، انعدم أي وجود لدستور او قانون اعلى يحكم العمليات السياسية. وبقدر ما يمكن لهذا الامر ان يكون سيئا في بيئات اخرى، فانني ارى انه كان يمكن ان يكون عنصرا داعما للعملية السياسية في العراق. ذلك ان مجلس الحكم لم يكن بلا صلاحيات كما اشير اليه، اذ لم يكن هناك أي معنى للصلاحيات طالما انها غير مكتوبة او موثقة. لقد كان بامكان مجلس الحكم ان يتولى شؤون البلاد رغم انف الحاكم المدني، الذي عليه ان يقر ان المجلس لا يتجاوز اية صلاحية منصوص عليها. وهكذا تحول هذا المجلس الى متفرج لا حول له ولا قوة. ولم يستطع ان يقدم اكثر من قانون ادارة الدولة حسب الاجندة الامريكية التي كانت – مع الاسف- اكثر توفيقا في النظر الى الشأن العراقي من مجلس الحكم. ومن سخرية القدر ان معظم رموز مجلس الحكم (السابق) سيتولون شؤون البلد في ما يلي من الزمن.
ولكن العملية السياسية رافقتها المسألة الامنية، بعد ان اخذ الوضع الامني بالتردي شيئا فشيئا، دون ان يستطيع الحاكم المدني، او مجلس الحكم ان يحد منه، خصوصا بعد ان انعكس الفساد السياسي على الادارة، من تحويل الوزارات الى مؤسسات حزبية، وتثبيت مبدأ المحاصصة، وتفاقم الحالة الاقتصادية سوءا، رغم التحسن الكبير الذي شهده المواطن خلال الاشهر الاولى من الغزو/التحرير. فادرك الامريكيون انهم لن يستطيعوا ان يستمروا في حكم العراق دون ان يتسببوا في المزيد من الخراب، سواء بسبب جهلهم بالطبيعة الاجتماعية والثقافية لهذا البلد، او لكون مجرد وجود حاكم اجنبي يعد عذرا لازدياد العمليات المسلحة التي تستهدف هذا الوجود. كما انهم رغبوا في اظهار تطور ما في الساحة السياسية لاثبات صوابهم في تلك الحرب، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الامريكية. فجاء قرار تسليم السلطة املا في ان يكون منعطفا مهما في مسيرة الاحداث، وان يفضي الى استقرار سياسي يتبعه سلسلة من المحطات في مسيرة مكتملة بدءا من الانتخابات الى صياغة الدستور ثم الانتخابات بموجب هذا الدستور المصادق عليه شعبيا.
على كل حال، تشكلت الحكومة التي تولت زمام الامور بالتوافق بين الحاكم المدني واعضاء مجلس الحكم. وكان يمكن ان تكون تلك الخطوة مفتاح الحل لو ان حكومة الدكتور اياد علاوي اتخذت القرار الاهم، وان كان الاصعب. لقد اريد لهذه الحكومة ان تكون حكومة حقيقية لتستطيع ان تنجز ما اخفق فيه مجلس الحكم والحاكم المدني، الا وهو احلال الامن في ربوع العراق. ومعلوم ان تحقيق الامن لا يتم الا بمساعدة القوات المتعددة الجنسيات. ولكن مساعدة هذه القوات لا يجب ان تكون هي الجهود الوحيدة التي تبذل في هذا الاتجاه، وانما ينبغي اعطاء قوات الامن الوطنية الفرصة لاثبات وجودها، وتحميلها المسؤولية، والا فما الفائدة من وجود حكومة وطنية اذا لم تكن تتحكم في العملية الامنية؟
لقد كان امام حكومة علاوي خيار صعب ولكنه ضروري. كان عليه ان يطلب من القوات المتعددة الجنسيات ان تلازم قواعدها، ولا تتحرك الا بطلب من حكومته. وبذلك يحمّل قوات الامن الوطنية مسؤوليتها، ويضعها امام واجباتها، مهما كانت النتائج. وفي النهاية فان المتعددة الجنسيات يمكن استدعاؤها عند الضرورة. نعم، سيكون هناك عنصر للمجازفة بالاعتماد على قوات غير مكتملة او مدربة بالشكل الكافي، ولكن ما تم انجازه لحد تلك الفترة كان ينبغي ان يكون كافيا، والا فما الداعي اصلا الى تسليم السلطة؟ لقد فشل علاوي في اتخاذ هذا القرار بسبب عدم ثقته بقواته الامنية، واستمر الوضع في التردي لان تلك القوات فقدت ثقتها بنفسها نتيجة لذلك، وبات كل شيء رهن التدخل الامريكي.. ورضخ الجميع للامر الواقع.
ان الدعوة التي وجهها المرجع الديني الاعلى للشيعة باجراء الانتخابات وجدت صدى واسعا، ليس فقط بين اتباعه من الطائفة الشيعية، ولكن ايضا من القوى الوطنية والاحزاب السياسية، علاوة على الاكراد وفئة غير يسيرة من الطائفة السنية. وحتى من عارض اجراء الانتخابات لم يفعل ذلك لعدم قناعته بها، ولكن لشكه في نجاحها ضمن التوقيتات التي رسمت لها. وعلى كل حال، فان الغالبية العظمى من الشعب العراقي اعتقدت ان تلك الانتخابات ستكون المفتاح لحل المشاكل المتفاقمة على كل الصعد الامنية والاقتصادية والاجتماعية. بينما وجدتها الولايات المتحدة فرصة مناسبة لاثبات، مرة اخرى، صواب تدخلها في العراق، وبادرة ديمقراطية غير مسبوقة في المنطقة عموما.
ورغم ان الانتخابات في الثلاثين من كانون الثاني كانت حدثا مهما، الا ان المتتبعين والمحللين السياسييين لم يتوقعوا ان تحدث تغييرا جذريا. فمن تم انتخابهم هم نفس الشخوص الذين تحكموا بالعملية السياسية منذ البداية. ومرة اخرى قفزت العملية السياسية الى الصدارة، مع اهمال ولا مبالاة غريبين بالشؤون الاكثر اهمية للمواطن العادي، ولا ادل على ذلك من استغراق تشكيل الحكومة الجديدة فترة ثلاثة اشهر، في وضع امني بالغ السوء، ناهيك عن الفساد الاداري والانهيار الاقتصادي، التي عصفت بالمواطن وجعلته في دوامة العنف والفقر وفقدان الامل.. وتحسر الكثيرون على ايام النظام السابق، كما هو شأن العراقيين بعد كل تحول.
وبمرور عام على تسليم السلطة، تولت حكومتين مختلفتين حكم العراق، دون ان يحدث أي تغيير يذكر في معالجة الخلل الامني، او في أي من النواحي الحياتية الاخرى للشعب. ورغم ان ثانيتهما كانت منتخبة ديمقراطيا، الا انها لم تستطع ان تتجاوز الخطوط التي رسمتها لها اولهما. وحينما ارادت ان تحدث تغييرا عمدت الى الهياكل الادارية في الدولة، من محافظين ومدراء شرطة ومسؤولين اخرين، فاقالت وفصلت وعزلت، دون ان يكون لهذه التغييرات اثر ملموس في تحسين الاوضاع عموما. ومن جديد فان نفس الخيار يقف امام حكومة الجعفري، عليها ان تثق بالقوات الامنية الوطنية، وتحملها مسؤوليتها.. وان تطلب من القوات المتعددة الجنسيات ان تبدأ بالانسحاب الى قواعدها، بموجب خطة مفصلة ومتفق عليها. واذا فشلت تلك الحكومة في اتخاذ هذا الاجراء فلن يكون هناك اي تغيير حقيقي الى ان تأتي حكومة تقوم به.

Thursday, June 02, 2005

الدعم الحكومي للمواد الأساسية: تدمير للاقتصاد وتأخير للتنمية

من بين الكثير من الأوضاع الشاذة التي أصبحت قاعدة في العراق على يد النظام السابق تبرز مسألة الدعم الحكومي للمواد الأساسية التي تمس حياة المواطن، وبالذات المواد الغذائية. فقد درجت الدولة على توزيع المواد الغذائية والأدوية والملابس والأدوات الاحتياطية للسيارات وغيرها بأقل من أسعارها الحقيقية تحت طائلة الدعم الحكومي معتبرة ذلك إنجازا وتسهيلا لحياة المواطن.
وفي الحقيقة فان هذا الدعم لم يسهل حياة المواطن، بل جعلها أكثر صعوبة. فقد أصبح احتكار الدولة لقطاع التجارة، علاوة على القطاعات الأخرى، سلاحا فعالا للسيطرة على حياة المواطنين بشكل مباشر، وقتلت روح المبادرة الفردية والتنافس الحر، العاملان الرئيسان في تطوير الاقتصاد الوطني، وإقامته على أسس متينة تستطيع أن تساير الحركة الاقتصادية العالمية.
وحينما وجدت الدولة أنها ستعرقل الحركة الاقتصادية باستمرارها في تقديم الدعم، فتحت الباب أمام كمية محدودة ومنتقاة من التجار لممارسة عمليات الاستيراد والتصدير، وان كان تحت إشراف الدولة أيضا. وخلق استمرار تقديم الدعم المادي للبضائع الأساسية مع وجود بضائع تجارية حالة من الازدواجية التي لم يستطع الشعب أبدا أن يفهمها. وكانت النتيجة أن غالبية الشعب العراقي اعتقد بفشل نظام الاقتصاد الحر، لما شهده من ممارسات غير شرعية ولا إنسانية من الكثير من التجار الذين كانوا في الحقيقة ربائب للنظام نفسه.
ولما جاء الحصار الاقتصادي في التسعينات كأحد نتائج السياسة المتهورة لهذا النظام، ابتدع فكرة البطاقة التموينية التي تعطي حصة لكل فرد من مجموعة محدودة من المواد الأساسية. ثم أصبحت تستغل سياسيا للضغط على فئات معينة من الشعب، والتهديد بقطعها، وتخفيض محتوياتها دون إيجاد البديل المناسب. ومع الإبقاء على مستوى الدخل الفردي متدنيا إلى ابعد حد، وغياب الحركة التجارية الفعالة، وتأخر الصناعة والزراعة بشكل مأساوي، لم يعد أمام المواطن البسيط سوى الاعتماد على هذه البطاقة التي تبقيه حيا، ولكن لا تقدم له أي شيء يليق بامكانات بلد ثري.
لقد صرف النظام البائد أموالا طائلة في دعم البطاقة التموينية بدل أن يوفر فرص العمل، ويرفع الحالة المعاشية للمواطنين.. ومن المفجع أن جزءا كبيرا من تلك الأموال كان يذهب كمصاريف إدارية، ورشاوى، وعقود وهمية، وشراء ذمم وتصرفات كثيرة غير شرعية، خصوصا بعد أن تبنتها الأمم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء، أو النفط مقابل الولاء إن شئت.
واليوم وبعد تحرر العراق من قبضة ذلك النظام الفاسد، يجدر بنا مراجعة وضع الدعم الحكومي، سواء للبطاقة التموينية أو للأشياء الأخرى التي تقدمها الدولة، كالوقود والخدمات البلدية والماء والكهرباء.. فهي تستنزف ثروة البلد في قضايا استهلاكية بدل أن توجه تلك الثروة لبناء قاعدة اقتصادية متينة تحسن وضع الفرد وتوفر فرص العمل لشريحة واسعة من المواطنين. صحيح أن إيقاف التوزيع المجاني لمفردات البطاقة التموينية سوف يؤثر سلبا على بعض المواطنين العاجزين عن توفير ابسط مستلزمات المعيشة الكريمة، إلا أن ذلك يمكن تلافيه أو الحد منه بشكل كبير، بإيجاد نظام مدروس للضمان الاجتماعي للطبقة المعوزة، أو العاجزة عن العمل. سيما وان معظم دوائر الدولة لا تعمل الآن إلا بجزء بسيط من إمكانياتها، نظرا للظروف الأمنية ولطغيان العملية السياسية على كل ما سواها. يجب البدء بالتفكير حول كيفية رفع العراق إلى مستوى الأمم الناضجة، التي تعتمد شعوبها على جهودها الذاتية في كسب قوتها، وليس على اقتناء مستلزماتها الحياتية بشكل آلي. ولا شك أن إيقاف الدعم الحكومي سيسبب ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية، والمواد الأخرى بشكل كبير، ولكنه قد لا يكون أمرا سيئا كما يبدو. فقد قال لي احد المحللين الاقتصاديين إن ارتفاع الأسعار دلالة على قوة الاقتصاد، إذا رافقه ارتفاع في القدرة الشرائية.. ونلاحظ في هذا المقام أن الدول ذات الاقتصاد القوي كاليابان والولايات المتحدة وألمانيا والأمارات العربية المتحدة وغيرها تكون ذات مستوى أسعار أعلى من غيرها.. وبالتالي تستقطب رؤوس الأموال وتشجع التجارة وتزيد الاقتصاد قوة إلى قوته. وليس معنى ذلك أن كل ارتفاع للأسعار هو أمر جيد، فالارتفاع الناتج عن شحة المعروض هو أمر بالغ السوء. وتلك نقطة مهمة، فيجب قبل اتخاذ الإجراء الحاسم بوقف الدعم الحكومي التأكد من أن المعروض يزيد على الطلب المحلي لفترة مناسبة، مما يمنع الارتفاع الجنوني للأسعار.
ومن ناحية أخرى، فان المواطن سيسعى إلى استغلال البضاعة أو الخدمة التي يدفع تكلفتها الحقيقية بالشكل الامثل، ويرشد في استهلاك الطاقة، مما سيقلل الهدر المستمر للثروة الوطنية منذ عقود من الزمن. ويمكن أن يؤدي استقرار السوق المحلية بأسعار موازية للأسعار العالمية إلى زيادة الثقة بالاستثمار المحلي دون خوف من نكسة تسببها الدولة بتدخل غير محسوب في إدارة الدفة الاقتصادية.
إن استمرار الدعم الحكومي هو هدر لمقدرات البلد، وتأخير لعجلة التنمية، كما انه يكبح الحركة التجارية ويقيد الصناعة والزراعة بشكل كبير. ورغم أن هذا القرار لن يكون سهلا على أية قيادة، كما إن فهمه سيكون غاية في الصعوبة لمعظم أفراد الشعب، لكن اتخاذه سيكون خطوة تاريخية مهمة في رسم مستقبل العراق وبناء اقتصاده بشكل حضاري ومنفتح، بحيث لا تسيطر عليه الدولة فيصبح أداة للقهر والاستبداد من جديد.

Sunday, May 29, 2005

الإرهاب: فعلٌ في غياب اليقين

من الأمور التي باتت شائكة وصعبة إلى حد كبير موضوعة تعريف معنى المقاومة في مقابل مصطلح الإرهاب الذي يزداد استخدامه بشكل كبير. وهذا التعريف الذي يحاول إيجاده المسؤولون الحكوميون، على اختلاف مستوياتهم، من خلال المؤتمرات والندوات واللقاءات الثنائية أو العامة، يصدم دائما بحجر الرغبة الشخصية أو الذاتية أو المصلحة الضيقة لأحزاب السلطة الحاكمة، أو حتى أحزاب المعارضة التي تروم الحصول على السلطة في ما يلي من الزمن. يضاف إليه مساهمة وسائل الأعلام في طريقة عرض المواضيع المتصلة، وإطلاق الأوصاف تبعا لأجندتها وسياستها، أو بالأحرى سياسة مموليها.
والأمر لا يقل صعوبة لدى المثقفين والمفكرين الذين يسعون إلى فصل معنى الفعل الواحد إلى معنيين، متناقضين ظاهريا، باختلاف الظروف التي تحيط الفعل، والنتائج التي تتمخض عنه، أو المرجوة من إتيانه. وقد واجه أفلاطون مثل هذا التناقض في دعوته للعمل الصالح. فمتى يُعد فعلٌ ما صالحا، ونفسه قد يُعد غير صالح في أحيان أخرى؟ فالقتل –استنادا إلى أفلاطون- أمر سيء وخطيئة كبرى، لكنه قد يُعد فضيلة إذا ما وجّه إلى الأعداء، أو المجرمين قصاصا لما ارتكبوه من أفعال شنيعة. وإذا كان فعل القتل في الحالين واحد، وأثره واحد، فلماذا يُعد قتل الأعداء فضيلة؟ تترتب هنا عدة مسائل لجعل هذا الفعل صالحا (أو جائزا إن شئت)، أولها أن يكون العدو محاربا، مضمرا الأذى لنا، وان يكون غير اعزل حين تعرضه للقتل، كما انه يجب أن لا تكون هناك وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا بالقضاء على هذا المحارب الذي يسعى للقضاء علينا. وهذه المعطيات تشكل ما يعرف بـ"الحرب العادلة".
وبالمقابل، يجب أن يحصل المجرمون على محاكمة عادلة، وان يتم إثبات جرمهم بما لا يدع مجالا للشك بأنهم ارتكبوا تلك الأفعال التي تستوجب سلبهم حياتهم. ومع ذلك فقد ارتكب القضاء، ونحسب أن سيرتكب في المستقبل، أخطاءا تجعل المرء يتساءل عن جدوى إعدام أي شخص يحتمل ولو بنسبة ضئيلة براءته، أو كون مسؤوليته جزئية عن الفعل الإجرامي المتهم به. ليس في نيتي الدعوة إلى رفع عقوبة الإعدام، ولست مناقشا ذلك في هذا المقام. ولكنني وددت أن أشير إلى معضلات كبرى واجهت البشرية منذ أطلت برأسها على هذا الكوكب.
إذا هاجمك احدهم منزلك بغية السرقة، ولم يكن من وسيلة لدفع هذا الأمر إلا بقتله، فلن تجد من يلومك لقيامك بهذا الفعل. وإذا هاجم لص مزرعتك لقطف بعض الفاكهة، فلن يكون لك الحق بقتله، خصوصا إذا ما ولى دبره هاربا. ولكن إذا قامت عصابة منظمة بمهاجمة المزرعة بغية سلب المحاصيل، جاز لك قتلهم جميعا إن استطعت. ورغم أن النتيجة واحدة في الحالتين الأخيرتين، إلا إن مبرراتهما مختلفة. فالسرقة من اجل سد الرمق، أمر يدعو للرثاء والشفقة على الفاعل أكثر منه إلى تجريمه. ولكن السطو على المنزل، يعد مفسدة وتجاوز على الحرمات.. وشبيه به تآمر العصابة لقطع الرزق.
وعلى هذا فانك بطل إذا قـُتلت شهيدا دفاعا عن بيتك أو مزرعتك في القتال مع العصابة التي هاجمتك. وهنا يأتي تعريف آخر علينا تحديده بدقة، تعريف الشهيد. لاشك إن من يموت من اجل المباديء السامية هو شهيد، وان من يقاتل الشر فيهلك دونه هو شهيد. ولكن كيف يمكن إثبات أن من نقاتلهم هم فعلا (أشرار)، وان المباديء التي ندعو إليها هي فعلا (سامية)؟ وهل وصل أي إنسان –إلا من أراد له الله ذلك بالبينة المعجزة- إلى يقين يوما؟ إذا كان يمكن أن يُترك لص المنزل يهرب، فهل يجب قتله، مع احتمال عودته؟ كيف لي أن اعرف انه سيهرب، أو انه لن يعود؟ إن قتله ينهي المسألة، ولكن إبقاؤه يجعلها مفتوحة باستمرار.
إن جمع هذه المفردات الثلاثة في مقام واحد قد يظهر حجم المعضلة التي نواجه:
مقاومة + شهادة + إرهاب
فرياضيا يجب أن تكون هناك نتيجة ما لهذا الجمع، فماذا عساها تكون؟ هناك ثلاث فرضيات، الأولى: مقاومة + شهادة = إرهاب
الثانية: مقاومة = شهادة + إرهاب
الثالثة: شهادة = مقاومة + إرهاب
ولكنها جميعا خاطئة باعتبار احتوائها على النقيضين: المقاومة والإرهاب
لنجعل المعادلة بإضافة المعطيات السابقة كالتالي:
مقاومة (لابد منها) = شهادة
مقاومة (لا جدوى منها) = إرهاب
فالمقاومة موجودة في الحالتين، ولكن التناقض يتضح في معنيي الشهادة والإرهاب، ويقود إلى نتيجة سطحية:
الشهادة = الإرهاب
ذلك أن كلا من (لابد منها) و(لا جدوى منها) لا يمكن إثباته مطلقا.
لقد كان مثالنا عن حالة تعرضنا لاعتداء، لكن الأمر مختلف إذا شعرنا أننا ضحية، وأن علينا المبادرة لرد الاعتداء أو منع اعتداء متوقع، وهو ما يعرف بـ(الجهاد). والجهاد في الحقيقة صورة عن المقاومة تتخذ وضعا ايجابيا، أي يمكن أن يحل محلها في المعادلات لتصبح:
جهاد = مقاومة = شهادة
دون الحاجة إلى تمييز بين من هو لابد منه، وما لا جدوى منه. والواضح أننا سنصل إلى نفس النتيجة السطحية بالإحلال:
جهاد = إرهاب
إن هذا التحليل الرياضي مبسط جدا. ولكن الموضوع أكثر تعقيدا، والنتائج ليست دائما بهذا الوضوح. غير أن احتمالا بسيطا بان يكون ذلك صحيحا، يقودنا إلى مفتاح لحل المعضلة. فإذا لم يكن لديك اليقين الكامل (ولا نحسب انه متوفر لأحد)، فلن تستطيع بان تصف عملك بالمقاومة (أو الجهاد)، وتضحيتك بالشهادة.. خصوصا إذا نجم عن فعلك إزهاق أرواح، وتدمير ممتلكات، وتعطيل لمسيرة الحياة. فإذا كنت تروم الشهادة لذاتها، فلربما لن تحصل عليها أبدا. فالشهادة نتيجة لفعل واجب في لحظة معينة، ولم تكن أبدا مطلوبة لذاتها، لا دينا، ولا عرفا.
إن من يهاجم جمعا ما (لأي سبب كان) مفجرا نفسه فيهم، إنما هو إرهابي، بغض النظر عن أية نتائج محتملة لفعله. فإذا أعلنت القوات المحتلة (أية قوات في أي مكان في العالم) أنها ستنهي احتلالها غدا، تحت وطأة العمليات الانتحارية (أو الجهادية)، فان تلك العمليات ليست بطولية، ومن قاموا بها ليسوا شهداء. فقد قاموا بالتصرف منفردين، وقرروا قتل آخرين، بالإضافة إلى أنفسهم استنادا إلى قناعة غير يقينية.. وما بني على الباطل، فهو باطل شرعا وقانونا، ولا يعتد به.
إن غياب اليقين عن أفعال الإنسان أمر مألوف، فأنت تسعى من اجل اكتساب الرزق، مع إيمانك بان الرزق مكفول لجميع الدواب (التي ينتمي إليها الإنسان). وأنت تتأمل في الخلق، وتجادل في عظمة الخالق.. ولو كنت على يقين تام لما احتجت إلى أية مجادلة. وبنو البشر يحيكون المؤامرات آناء الليل وأطراف النهار، وينهش بعضهم بعضا، وان كانوا متدينين ورعين يرجون الدار الآخرة. فلو كان لأحد أن يكون على يقين تام، لتوقف عن مخالطة الناس، ولأعتزل في صومعة يرجو أن تصيبه رحمة ربه، فان رزقه فليبقيه حيا، وإلا فليقربه منه.
فكيف، والحال هذا، يجزم أي إنسان بـ(يقين) يصل حد إنهاء حياته من اجل قضية ما؟ إذا تواجه جيشان فان احتمال الموت في المعركة يكون كبيرا، ولكنه ليس محتما. وفي الواقع إن احتمالية الموت ربما تكون متعاكسة مع درجة الإيمان التي يتمتع بها الجنود في تلك المعركة، فكلما ازداد إيمانهم كلما تعاظمت فرصة نصرهم، وبالتالي نجاتهم. وربما تفانى بعضهم غير مبال بحياته في القتال، أو ربما عرض نفسه للقتل عمدا من اجل إحراز هذا النصر، لكنه لا يُعد عملا إرهابيا، ففرص الجميع متساوية، والوضع افلاطوني بحت: العدل في قتل الأعداء في ساحة المعركة، دون القتل المطلق.
لقد تطورت وسائل القتال، وباتت المواجهات في كثير من الأحيان مواجهات تقنية أكثر منها عقائدية. وقد ينشأ إحباط لدى الفريق الأضعف تقنيا، يدفعه إلى التصرف بطريقة مغايرة لطبيعة الإنسان، التي تأمره بالحفاظ على النفس، وبالتالي يحقق تقدما على العدو. ولكن تفكير الإنسان قد تطور أيضا، وصار أكثر وعيا ومسؤولية. وقد أثبتت وقائع التاريخ الحديث أن القوة اقل أهمية من السياسة، وان التعاضد الاجتماعي أهم وسيلة للخلاص. فإذا كنا نريد النصر على (العدو)، فعلينا أن نطور فكرنا ليلحق بفكره (أو يسبقه) قبل أن ننصب أنفسنا شراكا، دون أن نعلم على وجه اليقين خاتمة ما نفعل، وما إذا كانت أفعالنا مجرد عبث غير مستند إلى حقيقة جوهرية.

Monday, April 18, 2005

انحراف الديمقراطية: مناقشات سرية للجمعية الوطنية

انعقدت الجلسة الخامسة للجمعية الوطنية قبل فترة، وناقشت نظامها الداخلي دون اقراره في نفس الجلسة.. لتتحول مسألة النظام الداخلي فيما يلي من الزمن الى قضية تأخذ حيزها من الوقت والمناقشات كأي قضية اخرى اعترضت الجمعية، سواء قبل انعقادها او بعده. ويبدو ان الطابع السياسي الذي سيسم المرحلة القادمة من عمل الجمعية هو: ناقش وناقش ثم ناقش. على ان المناقشات، رغم اهميتها، الا انها في الواقع ليست صلب عمل الجمعية الوطنية كمجلس تشريعي.
المطلوب من اي مجلس تشريعي هو اتخاذ قرار، وهذا هو مقياس نجاح اعمال ذلك المجلس. فليست النقاشات امرا سيئا، ولكن الاقتصار عليها سيكون امرا بالغ السوء. فرجل الشارع، وربة البيت، والعامل في مصنعه، والموظف في مكتبه.. وكافة شرائح المجتمع الاخرى، يمكنها ان تناقش القضايا التي تثار في الساحة السياسية، وهو الحال ايضا في القضايا الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن للناس العاديين اقتراح حلول للمشاكل، وايجاد اليات للعمل على كافة المجالات تقريبا، في كثير من الاحيان. الا ان عضو البرلمان يتمتع بميزة اضافية. فهو لديه القدرة على اتخاذ قرار يضع هذه الحلول او الاليات المقترحة موضع التنفيذ.
وهكذا، فان اتخاذ القرار هو ما يؤدي الى حلول انية او بعيدة الامد للمشاكل التي يعاني منعا بعض او كل افراد الشعب. ومقياس عمل الجمعية الوطنية، كما اسلفنا، هو كمية القرارات التي اتخذتها. فاذا اجتمعت الجمعية خمس مرات، واتخذت عشرة قرارات فذلك قد يعد دليل صحة. اما اذا اجتمعت عشرات المرات دون قدرة على اتخاذ قرارات، فماذا الذي سيستفيد منه الشعب؟ سينتقل النقاش من الجميعة الى الشارع، وسيتخذ طابعا حزبيا توجيهيا في بعض الاحيان، او استخدام اطراف سياسية داخل الجمعية لضغوطات مصطنعة في الشارع، من المظاهرات والتحشيد الاعلامي الدعائي (البروباغاندا). ثم ما يلبث المجلس ان يتحول الى اداة لتنفيذ سياسيات جهة متنفذة فيه باغراقه بالعشرات من القضايا الخلافية للتمويه على قضية اساسية، ويمرر القانون اخيرا في غفلة من النواب، الذين تعبوا من المناقشة، ورضخوا للضغوط التي تصوروها، او صورت لهم.
واللافت من اجتماع الجمعية الخامس قيام رئيس الجمعية بتحويل الجلسة العلنية الى جلسة سرية اثناء انعقادها، وطلب من وسائل الاعلام المغادرة. وقد نوهت احدى فقرات النظام الداخلي الذي لم يكن قد اعتمد بعد، على حق الجمعية في الانعقاد سرا، وفي هذه الحالة يطلب عدم حضور وسائل الاعلام، او حتى موظفي الجمعية ويناط بنواب رئيس الجمعية مسوؤلية اعداد المحاضر وماسواها. وهذا امر غريب، فما الداعي في اي حال الى اجتماع الجميعة سريا؟ اذا كان الاجتماع هو لمناقشة امر ما، مهما يكن مهما او حرجا، فلماذا يعزل الشعب عنه، وكيف سنعرف اذا كان القرار الذي سيتخذ بناء مثل هذه الجلسات سيكون مبررا بشكل كاف؟ ولكن هل ستعلن نتائج هذا الاجتماع (السري) والقرارات المتمخضة عنه اصلا؟
في الديمقراطيات العالمية الرائدة، تعرف نوعان من الاجتماعات، الاجتماعات العلنية التي تكون متاحة لوسائل الاعلام والشعب فور حصولها. والاجتماعات المغلقة، تلك التي يطلب من وسائل الاعلام عدم نقلها، ولكن تعلن نتائجها فورا، وتعلن محاضر اجتماعتها بعد حين من الزمن، يوم او اسبوع او شهر.. ولكن ليس هناك مصطلح (اجتماع سري). وغالبا ما تكون الاجتماعات المغلقة لرفع الضغط الآني عن الاعضاء الذين يشعرون بعدم التمكن من اتخاذ موقف نتيجة لحملة سياسية تقاد ضدهم. وليس المقصود منها ان تناقش قضايا حساسة لا يجدر بالشعب، او حتى اقرب المقربين، المشاركة فيها. فكل مناقشة هي عامة.. وهي تبدأ من الشعب لتصل الى قبة البرلمان.. المكان الصحيح لاتخاذ اجراء بصددها. ويخيل اليّ ان الاجتماعات السرية هي اول وسيلة لعزل الشعب عن القرار بدواعي حساسية الموقف، والعذر الشائع المستخدم في هذه الحالات هو الموقف الامني الحرج.
ومع ذلك، فليست الجمعية الوطنية، كمجلس نيابي ممثل للشعب، هي من يخرق اولى قواعد الشفافية الحكومية. فعملها الرقابي يتضمن ان تطالب السلطة التنفيذية بكشف اوراقها ومساءلتها عن الامور التي يبدو انها لا تسير بشكل حسن، وبيان الاجراءات التي تتخذها الحكومة لمعالجة مشاكل ما، والخطوات التي تتخذها من اجل تنفيذ قرارات الجمعية. وكل هذه الامور تنصب في مقولة الشفافية الحكومية. فكيف ستكون السلطة التنفيذية شفافة اذا لم تكن السلطة التشريعية كذلك؟
وربما يعتقد بعض اعضاء الجمعية الوطنية انهم متميزون عن باقي الشعب، كونهم يطلعون على امور لا تتاح لبقية افراد الشعب. ولذلك فانهم ربما عليهم كتم هذه الامور للمصلحة العامة. وهذا خطأ فادح. فالمصلحة الوطنية العليا يقررها الشعب بنفسه، ويجب ان يحاط علما بكل شيء، الا اذا كان الاعلان عن بعض الحقائق يؤدي الى استفادة اطراف معادية للشعب منها وبالتالي تفويت الفرصة للتمكن منها. وهذه الامور تقرر من قبل السلطة التنفيذية عادة، وسيكون عليها ان تبرر سبب حجب الحقائق اذا ما تكشفت فيما يلي من الزمن. ولم يكن مطلوبا يوما ان تعلن اجتماعات مجلس الوزراء او اية سلطة تنفيذية اخرى، لا في العراق ولا في اي بلد من بلدان العالم.
ان من اهم مبادي الديمقراطية مبدأ الشفافية الحكومية، وهو ما نتوقعه من السلطة التنفيذية، والتي ستكون لاول مرة منتخبة في العراق. اما ان نفتقده في المجلس التشريعي المنتخب فتلك انتكاسة اخرى للديمقراطية. ويجب رفض اية صيغة للاجتماعات السرية، فما يصلح ان يطلع عليه 275 عضو، يصلح ان يطلع عليه خمس وعشرون مليون نسمة. ويجب شطب هذه الكلمة من نظام الجميعة الوطنية الداخلي، واحلال مصلطح الاجتماع المغلق بديلا عنها، على ان تعلن محاضر الجلسة المغلقة في وقت لاحق، ويكون جدول اعمال الاجتماع معلوما ومعلنا مسبقا، حتى يتاح للشعب الاطلاع عليه وتقييم اداء هذا المجلس.
واخيرا، فان صيغة الاجتماعات السرية (وحتى المغلقة) لم ترد في قانون ادارة الدولة، بل حددت المادة الثالثة والثلاثون (أ): "تكون اجتماعات الجمعية الوطنية علنية وتسجل محاضر اجتماعاتها وتنشر، ويسجل تصويت كل عضو من اعضاء الجمعية الوطنية ويعلن ذلك، وتتخذ القرارات في الجمعية الوطنية بالاغلبية البسيطة، الا اذا نص هذا القانون على غير ذلك." ومن الواضح ان المقصود بـ"هذا القانون" هو (قانون ادارة الدولة) وان الاستثناء هو بشأن التصويت على انتخاب مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء واعادة القانون الذي نقضه مجلس الرئاسة وماشابه، وليس المقصود استثناء علنيّة الاجتماعات او تسجيل محاضرها ونشرها.

Wednesday, April 06, 2005

فدرالية ام حكم ذاتي: مسألة امام الدستور الدائم

حينما اصدر مجلس الحكم السابق قانون ادارة الدولة المؤقت، انتقل العراق لاول مرة منذ عقود الى دولة الدستور والقانون. وكان هذا التحول هو الابرز بين العديد من التحولات الديمقراطية التي شهدها منذ انهيار النظام الشمولي تحت مطرقة الحرب الامريكية ضد الارهاب. وقد حمل هذا الدستور الانتقالي لمحات فريدة شكلت انتقالة بالقانون الدستوري في العراق، وان تضمن بعض السلبيات. وقد يكون ذلك مفيدا، حيث ان المناقشات بشأن الدستور، والتي يفترض ان تشغل الحيز الاكبر خلال الفترة القادمة، لابد ان تنطلق من هذين الامرين: محاسن ومساويء قانون ادارة الدولة الانتقالي.
وقد اقر هذا القانون الاساسي مبدأ الفدرالية، او النظام الاتحادي، على اساس "الحقائق الجغرافية والتاريخية". ولعل تفسير هذه العبارة يمر عبر مضائق التحديد (العرقي) لنوع الفدرالية. ورغم ان المادة الرابعة، التي حددت هذا المبدأ، قد وضحت ان هذا النظام لا يقوم على اساس "الأصل أو العرق أو الاثنية أو القومية أو المذهب"، الا ان الحقائق الجغرافية في العراق، ببساطة، تحدد تجمعات عرقية او اثنية او قومية او مذهبية. ولعل هذا التناقض هو الذي يجعل الموقف الشعبي من الفدرالية متناقضا كذلك.
فالبعض يرى ان الفدرالية تفضي الى التقسيم، على اعتبار انها تفصل مكونات الشعب العراقي الرئيسة بعضها عن بعض مما سيؤدي في خاتمة المطاف الى انشاء دويلات عرقية ومذهبية تحطم وحدة العراق وتمحو هذا الاسم من قائمة الدول. على ان هناك اخرون يعتقدون ان الفدرالية خيار الشعب العراقي للبقاء تحت خيمة الوطن الواحد طالما اختارت فئاته طواعية ان تبقى فيه مع توفير خصوصيات لاطيافه المتعددة ضمن اقاليمها دون ان يؤدي ذلك الى انفصالها عن الوطن الام. اذ يبقى المصير المشترك لكل هذه الاطياف والمصالح المتبادلة بينها هاجسها الدائم ودافعها الرئيس في السعي للمحافظة على الوحدة الوطنية.
على ان الفدرالية لم تكن يوما خيارا للحكم الذاتي، لطائفة او عرق او مذهب. فهي في الحقيقة مجرد ايجاد الية محلية في المناطق، تناظر وتوازن السلطة المركزية من اجل ضمان التمثيل العادل لسكان تلك المناطق والمطالبة بحقوقهم. ويبقى الاقليم خاضعا للحكومة المركزية ضمن صلاحيات تحدد في دستوره، الذي يحدد بالمقابل صلاحيات الحكومات المحلية. وهذا ما حدد بوضوح في قانون ادارة الدولة في العديد من المواد منها المادة الخامسة والعشرون التي حددت الصلاحيات الحصرية للحكومة المركزية، والمادة الثانية والخمسين وما بعدها والتي فصلت صلاحيات حكومات الاقليم.
ومن جهة اخرى، فان الدولة الفدرالية تكون مكونة من اثنين او اكثر من الاقاليم.. اذ لا معنى لان يكون احد الاقاليم فدراليا، بينما لا يكون غيره كذلك. اما الاقاليم التي تتمتع بالحكم الذاتي، فالامر ليس كذلك. فالحكومة المركزية عادة لا تتمتع بنفس السلطات الفدرالية، وتكون المنطقة ذات الحكم الذاتي مكونة من غالبية من عرق او طائفة ما، وهي مناطق ذات وضع خاص لا يشمل حالها جميع مناطق البلاد.
وفي مسيرة التاريخ، نجد الكثير من المناطق ذات الحكم الذاتي ربما تمردت لاحقا مطالبة بانفصالها. اذ غالبا ما تلتف الحكومات المركزية على وضع هذه الاقاليم وتمارس نوعا من التضييق وانتهاك المعاهدات التي بموجبها وضع هذا الحكم الذاتي موضع التنفيذ. او يحدث ان يسيطر بعض الطموحين على مقاليد الامور في هذه الاقاليم، حيث يدفعهم هذا الطموح الى الاستقلال على اختلاف الطرق المتبعة لتحقيق ذلك.
ومن المعروف ان المطالبة بالفدرالية في العراق جاءت بالدرجة الاولى من الاكراد العراقيين، الذين اعتبروها ضمانة ضد اضطهاد (العرب) لهم مجددا. وتنشأ المخاوف لدى (باقي العراقيين) من كون منطقة الاكراد قد تمتعت بالفعل بالحكم الذاتي طيلة عقود، وان كان صوريا احيانا، مما ميز هذه المنطقة بوضع خاص. ويزيد من الامر تعقيدا ان الاكراد لا يسعون الى تهدئة هذه المخاوف، الا لماما.. بالتصريحات التي يطلقها زعماؤهم بين حين واخر حول رغبتهم (الطوعية) للبقاء ضمن الخيمة الوطنية العراقية. بينما تشهد الوقائع على الرغبة الجادة في الانفصال، والتي من اوضحها الاستفتاء الذي اجري في اقليم كردستان بالتزامن مع الانتخابات الماضية، والذي تمخض عن رغبة غالبية الشعب الكردي في الانفصال. كما ان الاكراد لايخفون رغبتهم الشديدة في ضم كركوك الى منطقتهم ويطالبون بحصص من عائدات النفط، بل انهم يحتفظون بجيشهم الخاص ويرفضون تواجد الجيش الوطني على ارضهم!
ربما يدعي البعض ان هذه المطالبات هي مرحلية وناشئة عن اضطهاد الاكراد من قبل الحكومات (العربية) المركزية طوال عهود من الزمن، وهي لا تعدو كونها ردة فعل لا اكثر. الا ان هذا مردود بان من مارس الاضطهاد ضد الاكراد قد مارسه ضد غيرهم ايضا.. ولا تكاد تكون هناك فئة في الشعب العراقي لم ينالها نصيب من الظلم والجور والحيف، يناظر او ربما يفوق ما تعرض له الاكراد. وتلك الحكومات السالفة وان كان (عربية) الا ان افعالها ليست تلبية لشعارات او استحقاقات (عربية) او شعبية باي حال. على ان طبيعة النظام الجديد تختلف كليا عن جميع الانظمة الماضية التي تولت الحكم في العراق. فالنظام الديمقراطي يشتمل على اليات محكمة، تمنع سيطرة فئة ما على مقاليد الحكم، وبالتالي تعرض الفئات الاخرى الى اي نوع من الاضطهاد.
وفي الحقيقة، فاننا نجد اشارات سلبية من موقف الاكراد كما يبدو لنا من خلال وسائل الاعلام. فهم بحكم كونهم قد نالوا قسطا وافرا من الحرية قبل باقي اخوانهم العراقيين بعقد من الزمن، وقد تمكنوا من بناء ديمقراطيتهم الخاصة في تلك الفترة واختبروها وهذبوها من خلال الانتخابات الدورية. ولكنهم رغم ذلك، لا يبدون مهتمين جدا في نشر تلك الخبرة الى باقي العراق، بل ويتصرفون على عكس تلك المباديء الديمقراطية. ولا اجد مبررا لذلك سوى الرغبة في الانفصال، سواء الان او بعد حين.
اننا في مرحلة كتابة الدستور، ولذلك يجب ان نعي حقيقة اساسية: اذا كنا نسعى الى عراق فدرالي، فيجب ان تتواجد مناطق فدرالية دستورية، يكون اقليم كردستان احدها. او على الاقل تعامل جميع مناطق العراق ما عدا كردستان على انها اقليم مناظر. بمعنى ان يكون لها مجلس اقليم وحاكما للاقليم وصلاحيات دستورية لكليهما. اما اذا اذا اتجهت النية الى منح اقليم كردستان وضعا خاصا، فيجب ان يكون ذلك ضمن اتفاقية حكم ذاتي، لا كونها اقليما فدراليا. ويجب الانتباه الى ان اتفاقية للحكم الذاتي سوف تحرم الاكراد من حقهم في المشاركة في الحكومة الوطنية، مقابل حصولهم على قدر اكبر في ادارة شؤون منطقتهم. والحكم الذاتي ربما يكون نظاما موروثا عن حقبة سابقة، ولم تثبت التجارب العالمية تجاحه على نطاق واسع. فلا نجد مبررا لاعتماد هذا الاسلوب.. ولكننا نحذر من الخلط بين الفدرالية التي يمكن لها ان تكون بين اي تجمعات سكانية ذات مصالح مشتركة، وبين خصوصيات معينة وجدت تحت عنوان الحكم الذاتي.

Sunday, March 27, 2005

انحراف الديمقراطية: مناقشات خارج الجمعية الوطنية

اسفرت الانتخابات الاخيرة عن فوز ثلاث كتل رئيسة، قائمة الائتلاف العراقي الموحد، التي توصف بالقائمة (الشيعية)، وقائمة التحالف الكردستاني، والقائمة العراقية التي يقودها رئيس الوزراء الحالي اياد علاوي. وهذه النتائج لا تعكس بطبيعة الحال نسب التوزيع السكاني ذاتها، فقد غاب (السنة) عن التمثيل بسبب المقاطعة او عدم القدرة على المشاركة، كما حصلت الاحزاب والاطياف الاخرى على تمثيل ضئيل لا يعتد به. وباتت الساحة العراقية حكرا على القوائم الفائزة، كما هو متوقع من اي طرف يحصل على مقاعد برلمانية.
وربما كان تأخر انعقاد الجمعية الوطنية امرا غير صحي، كون هذه الجمعية تمثل في نظر معظم العراقيين، سواء الذين شاركوا في الانتخابات او الذين لم يشاركوا، المخرج والمنقذ لحالة الفوضى الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد. وعبّر الكثير من المواطنين عن مرارتهم واسفهم لعدم تولي النواب المنخبين مسؤولياتهم، والاسراع في تشكيل الحكومة واحراز تقدم حاسم في العملية السياسية. الا ان جذور المشكلة تكمن في العملية الانتخابية ذاتها، وما آلت اليه من نتائج، وما افرزت من قوى سياسية.
فمنذ اعلان النتائج قبل اكثر من شهر، وربما حتى قبل ذلك دارت مفاوضات اولا ضمن قائمة الائتلاف الموحد، ثم بين الكتل الثلاثة لتسمية رئيس الوزراء، ورئيس الجمعية الوطنية، ورئيس الجمهورية ونوابه. ولم يبد احد اهتمامه بتحديد موعد انعقاد الجمعية بزعم انهم يريدون التوصل الى نتائج قبل اجتماع الجمعية، ليكون لدى الجمعية ما تتفق عليه. وهذا امر غريب تماما، فالمطلوب من الجمعية ان تناقش القضايا وتجري المفاوضات وتتخذ القرارات تحت قبة البرلمان، كأي برلمان اخر في العالم، لا ان تكون تلك المفاوضات في البيوت والمضايف والمساجد والمقار الحزبية. وتقتضي مباديء الديمقراطية، ومنها مبدأ الشفافية ان يحاط الشعب علما بما يجري، من خلال نشر وقائع اجتماعات الجمعية في وسائل الاعلام، ومنها التلفزيون، وبشكل مباشر كلما امكن.. فبهذه الطريقة يكون اعضاء الجمعية مسائلين امام الشعب، ويُضمن ولاؤهم للوطن اكثر من الكتلة او الحزب او الطائفة.
على ان الشفافية ربما كانت ثقافة جديدة علينا، ومفردة غريبة نوعا ما. فلم يكن مجلس الحكم شفافا، ولم تكن الحكومة المنصرفة شفافة، ولن نتوقع بكل بساطة ان تكون الحكومة المقبلة كذلك. ان ثقافتنا تقوم على اساس ان لدينا قادة علينا ان نثق بهم، وهم سيتخذون القرار المناسب في الوقت المناسب. ومن الواضح ان ذلك يعتمد اساسا على حسن النوايا، وسلامة التوجه، واحكام التدبير. فاذا كان لنا نفترض وجود هذه الصفات في شخص الان، فاننا لا نستطيع الجزم بدوامها عنده فيما بعد. فقد اثبتت وقائع التاريخ، الشرقي والغربي، ان الناس كثيرا ما يتغيرون بعد تبوأهم مراكز في السلطة. وقد اوجدت الديمقراطية الغربية آليات لضمان توفر الصفات الاساسية المؤهلة للمرشحين، ومن ثم استمرار توفرها لديهم.
وقد يقال ان ذلك انما ينطبق على الديمقراطية الغربية التي يتميز مواطنوها بغياب عنصر الثقة بين الافراد، وبالتالي غياب الثقة عن الحكومة.. اما المجتمعات الشرقية فهي ذات صلات اوثق، ومعايير اكثر رسوخا، وبالتالي فان الافراد والحكومات ملتزمون بوعودهم، وجديرين بالثقة. وجزء من هذا الاعتراض صحيح، وليس كله. فالمغامرة بالثقة الزائدة على اساس التربية الشرقية كثيرا ما حملت نتائج وخيمة. فالحكومات العربية قاطبة، وهي نتاج مجتمعات شرقية، غير مهتمة بالقدر الكافي بشعوبها. وليس هناك من مثال واحد على حاكم مخلص لقضية وطنه، وعامل من اجل سعادته ورفاهيته. وحتى وان وجد ذلك الحاكم، فان جميع اخطاءه ستعتبر مبررة تحت هذه الذريعة، اي كونه سليم النية.
على كل حال، فان الجمعية ربما تكون انعقدت الان، ولكن القضايا الرئيسة التي اخرت انقادها لم تحل. اذ ان قائمة الائتلاف الموحد، التي اتخذت رغبتها في كتابة الدستور على اسس سليمة، دعاية انتخابية، تصر على ترشيح السيد ابراهيم الجعفري لمنصب رئيس الوزراء، على اساس ان القائمة الحائزة على الاغلبية تستحق ان تنال هذا المنصب، الذي لا يتطلب سوى اغلبية الجمعية للموافقة عليه. الا انه يجب ان يُرشح من قبل مجلس الرئاسة الذي ينتخب بقائمة واحدة وباغلبية الثلثين. وهكذا، يجب على قائمة الائتلاف ان تأتلف مع قائمة اخرى للحصول على ثلثي اصوات الجمعية. واتجه نظر قائمة الائتلاف الى القائمة الكردية، الكتلة الثانية تمثيلا في الجمعية. وجاءت الفرصة للاكراد على طبق من ذهب للمطالبة بكل شيء، ولتكشف زيف الشعارات الوطنية التي حملتها جميع الاطراف.
ولان المناقشات لم تكن تحت قبة البرلمان، فهي لم تكن (شعبية)، اي يشارك فيها الشعب اما مباشرة، او من خلال ممثليه المنتخبين. ومن غير المعقول ان يشارك جميع النواب في المناقشات التي تجرى خارج الجمعية، بسبب الطبيعة الحزبية التي تفرض ان يتولى المفاوضات قياديو هذه الاحزاب. وحرم الشعب من ابداء رأيه، مرة اخرى.
والمتتبع للاحداث والاشخاص منذ انهيار نظام الاستبداد، وانفلات الحرية، يجد ان انها تتكرر المرة تلو الاخرى في غضون اشهر. فالحكومة التي استلمت زمام الامور من قوات الاحتلال، كانت في مجملها ضمن دائرة مجلس الحكم، والحكومة التي يجري التفاوض بشأنها تدور في نفس الدائرة تقريبا. بينما تبقى وتيرة العنف اليومي، وتوقف العجلة الاقتصادية، على حالها، ان لم تكن تسير نحو الاسوأ. فهل لنا ان نتوقع ان تتحسن الامور بمجيء الحكومة الجديدة؟ تلك التي سيكون عليها الوفاء باتفاقيات تجاه الاكراد نجهل طبيعتها حتى الان.
اننا اذ نرتاب بالمطالب الكردية خارج البرلمان، نرحب بها للمناقشة داخله. فمطالب جميع اطياف العراقيين مُرحب بها، شرط ان تحمل صفة الوطنية، ودلالة ذلك ان لا تكون (صفقة) سياسية تجري وراء ابواب مغلقة، وبدون مشاركة شعبية في صنع القرار. واذا كان لمثل هذه الصفقة ان تعقد، فالكرة ستنتقل الى ملعب قائمة الائتلاف، فاي وفاء بمتطلبات صفقة سياسية، ذات نتائج مصيرية، سيكون مسؤولية هذه القائمة اكثر من المطالبين انفسهم. ونرجو ان لا يتم التآمر على العراق تحت رغبة طرف او اخر في الوصول الى السلطة، وان كان اكثر الناس اهلية للحكم.
يبقى ان قائمة الائتلاف امامها خيار اخر للتخلص من عبء المطالب الكردية، والمسؤولية التاريخية عنها. وذلك بترشيح الدكتور الجعفري رئيسا للجمهورية، والدكتور اياد علاوي رئيسا للوزراء، وان كان كلاهما (شيعيا)، فقد كانت النتائج منذ البداية غير منصفة. لقد كان فوز قائمة الائتلاف كاسحا، وهو ما يحمّلها مسؤولية تمثيل الجماهير التي صوتت له على خير وجه.. ونكران الذات ليس امرا هينا، ولكنه يكون واجبا في حالات مثل انقاذ الوطن ووحدته وسيادته. على ان نيل منصب رئيس الجمهورية، لا يعد نكران للذات، ولا تضحية باي حال.. فصلاحيات الرئيس ليست محدودة، وهو ليس رئيسا شرفيا كما يصور احيانا.
ان الديمقراطية لازالت تحبو في وطننا العزيز، وما نتمناها هو ان تكبر وزهر وتثمر بصحة وعافية.. وذلك لا يتم الا على اسس سليمة وآليات محكمة. وهي ضمانة اكيدة ضد عودة الديكتاتورية اذا احترمت مؤسساتها وآلياتها، واذا اشيعت مبادئها، والتي من اهمها حق الشعب في ان يعرف، وحقه في مساءلة الحكومة، بشقيها التنفيذية والتشريعية.

Saturday, January 22, 2005

نخسر معركة، ام نخسر الحرب؟

بدأ العد التنازلي لاجراء الانتخابات، ووضعت الخطة الامنية، واصبح تأجيل اقامتها اقرب الى المعجزة بحسب تعبير حازم الشعلان، رغم تأكد عدم اشتراك اربعة محافظات فيها بحسب وائل عبد اللطيف. ورغم ان المبدأ الاساس في الانتخابات هو معرفة الناخب بالمرشحين، الا ان الدعاية الانتخابية لم تتعد اعلان ارقام واسماء القوائم مقترنة ببعض الوعود، من العمل على احلال الامن والعدل والمساواة وتوفير الخدمات الاساسية وفرص العمل وما سوى ذلك، دون ادنى تعريف بالمرشحين انفسهم، او بطرق تحقيق الاهداف المعلن عنها.
وعلى نطاق واسع تستعمل تعابير دينية كشعارات سياسية لدعم قائمة ما. فالعفاف، وحفظ الحجاب، وتجديد بيعة الغدير، وحب الامام الحسين (ع).. اصبحت شعارات ودعايات انتخابية، لم يتورع القائمون عليها من استخدامها والتصريح بها في لافتات وملصقات تملأ الشوارع والساحات في مختلف المدن العراقية.
وفي الخارج، يعكف المثقفون الداعمون والمؤيدون للانتخابات على نشر مقالاتهم على الشبكة العالمية (مواقع الانترنت) بكثير من التعصب في بعض الاحيان. وقد وصل الامر ببعضهم حد التحامل على مجمل سكان المحافظات التي لن تستطيع المشاركة في الانتخابات واتهامهم بدعم النظام البائد، وانهم انما يقاطعون الانتخابات لانها ستحرمهم من السلطة التي طالما تمتعوا بها لعقود من الزمن.
وهكذا.. فان اجراء الانتخابات اصبح على مستوى عام بمثابة تحدٍّ لقوى الظلام والارهاب، وان اجراءها يمثل انتصارا باهرا عليها. اليس هؤلاء الارهابيون هم الذين يعترضون عليها؟ الا يقومون بكل ما يستطيعون لمنع اقامتها وتأجيلها من خلال احداث الخرق الامني، والهجوم العشوائي على القوات الامنية العراقية والمدنيين على السواء؟ فان كان ذلك صحيحا، فان الوضع الامني المتردي هو السبب في عدم اقامة، او محدودية اقامة، الانتخابات في اربعة محافظات.. وهذا يعني ان تلك القوى تحقق تقدما، وتكسب جولة. ولما كان النظام الانتخابي لا يسمح بتمثيل تلك المناطق في مرحلة لاحقة، فان الانتصار الذي تحقق لهذه الجماعات لن يعد امرا هينا.
وحتى على فرض تحقيق الامن على يد الحكومة (المنتخبة) في ما يلي من الزمن.. فان مشكلة حرمان بعض المحافظات من التمثيل ستشكل خللا كبيرا، وطعنا في شرعية الانتخابات نتيجة لغياب تلك المحافظات عنها، وستتعمق هوّة الخلاف لدرجة قد يصعب تداركها. مع العلم بان تلك الانتخابات (المنقوصة) سيثمر عنها كتابة الدستور الدائم، وخلال اشهر قليلة سيكون هناك استفتاء على هذا الدستور المقترح، ووفقا لقانون ادارة الدولة المؤقت، فان اي ثلاث محافظات تستطيع نقض الدستور، وعدم القبول به، اذا صوتت باغلبية الثلثين ضده. فان حصل ذلك، وهذا احتمال وارد، فما هو الحل؟
على انه لا توجد ضمانة لمشاركة واسعة حتى في المحافظات الاربعة عشر الاخرى.. ومنها تحديدا بغداد. فان أي خرق امني، ربما يمنع الكثيرين من التصويت.. ففي النهاية لا يعلم اغلب الناخبين لماذا ولمن يصوتون. وعلى هذا السيناريو، تصوروا حكومة تنتخب بمشاركة جزء من الاغلبية، وتغيب عنها الاقلية تماما، وتتهم في كل ساعة وحين انها غير شرعية رغم حصولها على اصوات بعض الناخبين، وفوق ذلك تفشل في الحصول على التأييد على اهم اعمالها: كتابة الدستور الدائم.
ومن جهة اخرى، فان تأجيل الانتخابات يعدّ –لاشك- نصرا للارهابيين، ولكنها ليست الا معركة واحدة.. معركة كغيرها من المعارك الخاسرة التي خاضتها الحكومة المؤقتة.. فقد خسرت معركة توفير الامن الذي راهن عليه الجميع عند استلام السلطة في 30 حزيران 2004. وخسرت معركة توفير الخدمات الاساسية، وخاصة الكهرباء والوقود، وخسرت معركة تثبيت شرعيتها محليا مع توفر كل وسائل الدعم العالمي والاقليمي والعربي الذي اسبغ عليها الشرعية الكاملة.
كما ان تلك الحكومة تعترف بخسارة معركة اقامة الانتخابات في اربعة محافظات، فماذا عليها ان تنصر في معركة الانتخابات العامة، بدون اخذ كل تلك الامور بنظر الاعتبار؟ الجواب لن يكون صعبا.. فالحكومة، التي تقودها الاحزاب المشاركة في الانتخابات، لا تعبأ لكل تلك الخسارات، فالشعب هو الذي يدفع الثمن.. ولكنها غير مستعدة لخسارة معركة واحدة تكون فيها هي التي تدفع الثمن. وهي لم تنظر لهذه المعارك على انها جزء من حرب على الارهاب.. وانما حوادث متفرقة وذات غايات متباينة، والا فان أي عاقل سيقبل خسارة بعض المعارك، على ان يكسب الحرب في النهاية.

Saturday, January 08, 2005

الأحزاب تعزف على وتر الانتخابات.. والأمريكان يرقصون

في الثلاثين من كانون الثاني القادم، سيتوجه الناخبون العراقيون لاختيار ممثليهم في البرلمان، الذي اطلق عليه قانون ادارة الدولة المؤقت تسمية "الجمعية الوطنية"، لكونه جمعية تأسيسية في المقام الاول، تمهد لقيام دولة المؤسسات في العراق. وتجربة الانتخابات هذه ستكون هي الاولى التي تجرى بهذا الحجم في تاريخ الدولة العراقية، والتي ستحدد، بلا شك، مصير الشعب العراقي بشكل يفترض ان يكون ديمقراطيا.
على ان هذه الصورة الوردية لا تخفي صورة اكثر قتامة في المشهد العراقي، الذي يتأرجح بين نار الارهاب الحاضرة، وجنة الديمقراطية الموعودة.. ذلك المشهد من العنف اليومي الذي يهدد مفاصل الدولة المختلفة بدءا من قواتها الامنية، ورموزها الوطنية، مرورا بطاقاتها وكفاءاتها الابداعية والفكرية، وانتهاءا بمواطنيها العاديين، عبر استهدافات عشوائية، لا تحمل من الدلالات اكثر من عرقلة مسيرة البناء والتحرر والنهوض بالامة الى المستوى الخليق بها، كمهد لحضارة عريقة وموطن لاديان سامية.
والمواطن البسيط، في غمرة الحيرة وعدم الاستيعاب لما يجري من احداث في يومه وليلته، يعرب عن امله في المستقبل، ولا يخفي خوفه من الحاضر، وفي احيان قليلة يبدي حنينه الى الماضي. ولا تجد في الجهة المقابلة، والتي تعتمد على هذا اللبنة الاساسية (المواطن)، تلك الجهة التي تشتمل على المؤسسات الحكومية، والحزبية، والدينية، والعشائرية وما سواها، لا تجد لديها اهتماما واضحا بهاجس الشارع، او بتطلعاته وآماله. بل ربما انعزل بعضها في صومعة، ومن ثم نادت بنفسها مخلصة، ومنقذة، وخيارا وطنيا.. واستغرقت في رفع الشعارات دون ان تفعل شيئا ملموسا للبرهنة على صدق النوايا وحسن التوجه.
وقد تكون الانتخابات المقبلة ميدانا لاثبات وجود التيارات السياسية المتعددة التي تعج بها الساحة العراقية، في فترة ما بعد سقوط الطاغية، حيث يكون صندوق الاقتراع حكما في شعبيتها ودرجة قبولها على الصعيد الاجتماعي. الا ان هذه الانتخابات، بالمقابل، قد لا تؤدي الا الى تكريس وجود بعض التجمعات او الاحزاب التي لا تمتلك بعدا جماهيريا، او حضورا شعبيا، كنتيجة لطبيعة النظام الانتخابي الذي يسمح باحتواء اطراف مختلفة ضمن القائمة الواحدة. ولن تكون هناك ضمانة لفوز التنظيم الذي يصوت له الناخب، طالما كان يمنح صوته لكل تلك الاطراف. وقد عبّر احد المرشحين عن خيبة امله حينما جاء تسلسله متأخرا في القائمة بقوله "الذين هم في ذيل القائمة انما يعملون من اجل فوز من هم في اعلاها، دون ان يكون لهم حظ وفير في الفوز"، وذلك بسبب النظام النسبي المتبع في هذه الانتخابات. ان كثيرا من الناخبين سيدلون باصواتهم لصالح قوائم ذات شخصيات متميزة من وجهة نظرهم، مهما يكن تسلسل تلك الشخصيات.
فاذا لم يكن توجه الناخبين نحو الافراد او الشخصيات في القوائم، وانما نحو البرامج الانتخابية للاحزاب التي تحتويها تلك القوائم، فان الصورة لن تكون اكثر اشراقا. انظر الى اللافتات التي تملأ الشوارع وتحمل شعارات تدل على البرامج الانتخابية لاصحابها. فهذا الحزب يؤكد انه سيعمل على توفير فرص العمل في حالة فوزه، وذاك سيكون همّه حلّ مشكلة الكهرباء (المزمنة)، وثالث يركز على توفير الخدمات، وهكذا.. وهم جميعا يتفقون على ان انتخابهم يعني احلال الامن، وانهاء الاحتلال باخراج القوات المتعددة الجنسيات.. وتلك –لعمري- دعاية انتخابية هزيلة، تستخف بعقل الناخب بشكل لا مثيل له. فحريّ بهذا الشعب، الذي يتوفر على طاقات فكرية تبز كثير من الشعوب الاخرى، ان يُخاطب اعلاميا بشكل اكثر وعيا، واقل اسفافا. سيّما وان من يدعي قدرته على احلال الامن، قد اتيحت له الفرصة في الماضي لاثبات ذلك، حيث انه اما كان ضمن مجلس الحكم السابق، او عنصرا في الحكومة الحالية.
اما شعار توفير الخدمات، فهو امر يعتبر بديهيا بالنسبة لاية حكومة، فما الذي يجعل الوعد به دعاية انتخابية؟ هل اصبحت قضايا مثل ازمة الوقود وندرة الكهرباء عصية على الحل الى هذه الدرجة؟ على اننا لا نعلم بلدا اخر في العالم يعاني من ازمات مماثلة، وبهذه الحدة سوى العراق، وما ذلك الا بسبب سوء ادارة الدولة او اهمالها. تلك الدولة التي تشكل الاحزاب المتنافسة في الانتخابات الحالية، ركنها الاساس.. وهي مع ذلك لا تعترف بالتقصير، بل على العكس ترى انها غير مسؤولة عن تلك الازمات، وان الامور لا تحل الا بحكومة (شرعية).. أي منتخبة ديمقراطيا.
وهذا هو كل ما استطاعوا ان يعرفوه عن الديمقراطية، عنوان واحد مستل من بين مجموعة عناوين هي في اصلها مترابطة ومتلاحمة. فالانتخابات هي الحل لمشاكل العراق لان الحكومة المتمخضة عنها ستكون شرعية، ومطلقة اليد، بناءا على ذلك، في التعامل مع جميع القضايا والاحداث بالشكل المناسب. غير ان هناك عناوين اخرى للديمقراطية ليست اقل، ان لم نقل انها اكثر، اهمية من الانتخابات ذاتها. فاين الشفافية الحكومية؟ اين دور مؤسسات المجتمع المدني؟ اين سيادة القانون واستقلاليته؟ واين تفعيل دور الاقليات في البناء الوطني؟ ثم اين دور الاعلام كسلطة رابعة؟ وغير ذلك مما لا يخفى على القاريء اللبيب.
فاما الشفافية، فقد غابت تماما. وحلّ محلها الفساد الاداري كنتيجة حتمية لهذا الغياب. وبات كل صغير وكبير في الدولة او خارجها، يتحدث عن موضوعة الفساد ويؤكد على القضاء على رموزه حال توفر الدليل.. وهكذا اخليت المسؤولية الرسمية، ووضعت على عاتق المواطن، الذي لا يملك حيلة في الامر.
واما مؤسسات المجتمع المدني، فبعضها نقابات احتفظت بجمودها المتوارث، وظلت تلعب دور المساند للسلطة او لبعض احزابها، وبعضها جمعيات انشأت للحصول على التبرعات والمنح لاعضائها اولا، ومن ثم القاء الفتات للمحتاجين، وبعضها منظمات (متخصصة) في بعض المجالات كتعليم الديمقراطية والحث على الانتخابات، وان كان معظم العاملين فيها يجهلون مباديء هذين وغيرهما.
اما العنوان الكبير في الديمقراطية المتمثل بسيادة القانون، فما من شيء اكثر منه غيابا. فالقانون نادرا ما يأخذ مجراه في موارد يكون فيها البلد احوج ما يكون لتطبيقه، كمكافحة الارهاب مثلا. وقد عبّر عن غياب القانون مسؤولون رفيعون في الدولة باعلانهم عدم جواز محاكمة مجرم القرن العشرين، الطاغية صدام، بدعوى عدم شرعية الحكومة الحالية. وعلى هذا الفرض، فما شأن القضاء بذلك؟ الا يفترض ان يكون القضاء مستقلا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ وهل نمتنع عن محاكمة المجرمين اذا لم تكن الحكومة منتخبة؟ على ان الكثيرين يعتقدون ان هذا هو احد اسباب الانفلات الامني الرئيسة، فمن امن العقاب...
والحديث عن الاعلام، ودوره الريادي، قد لا يوافق عليه البعض. اذ ان الظاهر ان الحرية التي بدأ العراقيون يتمتعون بها تجلت باوضح صورها في حرية الاعلام. لكن ذلك ليس الا وهما وخداعا. فالاعلام في حقيقة الامر علاقة ثنائية، لا تتم فقط بالتعبير عن هموم وتطلعات الشارع، وانما بالاستجابة لهذه الطروحات من جانب السلطة، والاصغاء اليها بجدية واهتمام بالغين. فهل هذا هو الحال اليوم؟ الاعلاميون يتحدثون من منابرهم حول كل شيء دون خوف من مساءلة او ملاحقة، لكن بعضهم يشعر انه انما يتحول الى اداة للاستهلاك المحلي، لا غير.
ويبقى موضوع اهمال دور الاقليات اكثر المواضيع حساسية في الوقت الراهن، تجسد ذلك مسألة المشاركة في الانتخابات. فمن الناحية النظرية تعد نتائج الانتخابات مقبولة مهما تكن نسبة المشاركة، وليس هناك اشتراط لتوفر ممثلين لكافة شرائح المجتمع العراقي في الجمعية الوطنية، لا على مستوى المحافظات ولا على مستوى الطوائف. وبينما يؤكد ممثلو الطائفة الشيعية، التي تشكل الاغلبية كما هو معروف، على اجراء تلك الانتخابات، فان الكثيرين من الطائفة الكبيرة الاخرى، وهي الطائفة السنية، بات بحكم المؤكد عدم قدرتها على المشاركة فيها.. اما بسب الخلل الامني، او للتخوف من النتائج التي ربما ستؤدي الى تهميش دورها السياسي، كونها اقلية لا تؤثر في اتخاذ القرار. وكثيرا ما تلاقى محاولات تهدئة الخواطر ومدّ الجسور للتقريب بين هاتين الفئتين بالرفض المطلق. اذ ان معظم تلك المحاولات يقتضي تأجيل الانتخابات لسقف زمني محدد، او تعديل القانون الانتخابي. والحجة في هذا الرفض حاضرة دائما، اذ لا يمكن تغيير الدستور الذي حدد الموعد للانتخابات، ولا القانون الانتخابي الذي سنّ قبل تشكيل المفوضية (من قبل سلطة الائتلاف المؤقتة)، و لا احد يمتلك صلاحية تغييره. فوا عجبا، اذ يُقدس القانون في مورد الانتخابات وان وضعه اجنبي، وينحى جانبا في مورد محاكمة المجرمين، وان كان عراقيا صرفا!! على ان الاخذ بالاقتراحات حول الانتخابات يعني تفويت الفرصة على العناصر المتحكمة في مجمل العملية الانتخابية في الوقت الحاضر، وهي الاحزاب التي شاركت في مجلس الحكم، خشية ظهور عناصر اخرى تنافسها وتحمل طروحات جديدة اقرب الى نبض الشارع، فتهوي بهم الى قاع سحيق لا مخرج منه. ولا يزال في المعادلة طرف اخر يدفع لاجراء االانتخابات باي ثمن، ذلك الطرف هو السلطة غير الرسمية للقوات المتعددة الجنسيات وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تريد ان تثبت صواب مشروعها في العراق، وانها انما تبني ديمقراطية في البلد (كنموذج يحتذى) بروباغانديا على الاقل. وهكذا اصبحت الانتخابات قيثارة تعزف على وترها الاحزاب، ويرقص على انغامها الامريكان، بينما الشعب العراقي يتفرج!!
ان ما نريده هو عملية مدروسة لاحلال الديمقراطية، من خلال تطبيق جميع مفرداتها المتبعة في الانظمة العالمية الراقية، وصولا الى نظام حكم متوازن، شفاف، مسؤول، وتمثيلي. وآخر ما نتمناه ان تستخدم بعض هذه المفردات من اجل تكريس الواقع و(تشريع) الاستيلاء على السلطة من قبل فئات بعينها، وان كلف الامر حربا اهلية لا يعلم الا الله مقدار خطرها.

Sunday, January 02, 2005

هل ان العراق وفلسطين حالة واحدة؟

كثرت في الآونة الأخيرة مقارنة القضية الفلسطينية بـ( القضية العراقية)، وظهر منظرون كثيرون تصدوا لبيان اوجه الشبه بينهما، وعناصر الترابط التي تقود الى مخطط عام يشمل ما هو اوسع من العراق وفلسطين، ولتصبح القضية قضية العرب، والإسلام.. ولشرح نظريات محكمة عن معسكرين متنافسين في حالة مواجهة مصيرية، خصوصا اذا تم ادراج القضية (الأفغانية) ضمن الصورة.
ولا شك ان هناك بعضا من التشابه بين واقعي العراق وفلسطين، وبشكل رئيسي في لغة العنف والسلاح غير المنضبط او المسيطر عليه، وان كان الكثيرون يعتقدون ان كلا من هاتين القضيتين تغذى وتدفع بتدخلات خارجية، قد تكون هي نفسها في الحالتين. وحتى نضع الأمور في سياقها الصحيح فان موضوعة الاحتلال التي تمثل عمق المأساة في الحالة الفلسطينية يجب ان لا تقارن بأي شكل بحالة (الاحتلال) الطارئة في الواقع العراقي. فـ(اسرائيل) تخالف بشكل مستمر قرارات الشرعية الدولية وترفض الانسحاب من الأراضي الفلسطينية بشتى الذرائع والحجج، بينما اصدرت نفس تلك الشرعية الدولية قرارات ملزمة لتأطير حالة الاحتلال في العراق وجدولتها زمنيا، وبالتالي فان مفهوم المقاومة المسلحة يكتسب شرعية قانونية وأخلاقية في حالة فلسطين، بينما يدعو الى التساؤل عن الغاية الحقيقة منها في الحالة العراقية. ذلك ان كل ما تؤدي اليه الأعمال المسلحة في العراق هو اطالة امد الاحتلال بدلا من انهائه. اذ لا يستطيع عاقل ان يطلب من القوات الأمريكية والمتحالفة معها الخروج من العراق اليوم او غدا، بسبب النتائج الوخيمة لهذا الانسحاب واحتمال حدوث حرب اهلية ونزاع مرير على السلطة، خصوصا مع تواجد هذا الكم الهائل من المليشيات المسلحة والأسلحة والذخائر الحربية المنتشرة في ارجاء العراق، والتي لا تخضع بأي شكل الى الحكومة المركزية، ان لم تكن موجهة ضدها اصلا.
والغريب ان (اسرائيل) تتعرض للنقد اللاذع والمستمر لقرارها الانسحاب من جزء من الأراضي المحتلة، وهو قطاع غزة، بسبب عزمها على هذا الانسحاب من طرف واحد، أي بدون اجراء أي ترتيبات او مفاوضات مع الجانب الفلسطيني.. بينما يراد للقوات الأمريكية ان تنسحب فورا من العراق حسب اجندة (المقاومة العراقية)!
ان التدخل الخارجي كان واحدا من اهم اسباب تعقيد القضية الفلسطينية، خصوصا بعد قيام السلطة الفلسطينية. فقد ادى دعم الفصائل المسلحة الى اضعاف تلك السلطة، وفقدانها التوازن احيانا في التعامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي. فاللغة التي يتكلم بها السلاح هي لغة الغوغاء، وهي لا تحتكم الى منطق ولا يردعها رادع. فإذا كانت تلك الأطراف الخارجية قد نجحت في توجيه الأنظار الى خارج بلدانها وصرف مواطنيها عن مسائلتها.. فان نفس تلك الأطراف تسعى اليوم الى تعزيز تلك التوجهات من خلال خلق (القضية العراقية)، والتي اصبحت تمثل بالنسبة لها منفذا للتنفيس السياسي لمواطنيها المحرومين، والمُضللين على حد سواء. وصار العراق ساحة لتصفية الحسابات واستعراض القوى، وميدانا لحرق المعارضة الداخلية، تحت شعارات القضية الكبرى، وحروب المصير وما شابه.
ومن ناحية اخرى فان المشروع الديمقراطي في العراق لابد ان يكون مصدر ازعاج لدول الحزب الواحد والقائد الضرورة المحيطة بالعراق. تلك التي قهرت شعوبها لعقود من الزمن وعملت على استنزاف مقدراته في خدمة مصالحها الذاتية.. بل ربما انفقت تلك المقدرات، على شحتها احيانا، في دعم (قضية) هذا البلد او ذاك، تحت شعارات المصير المشترك.
في بداية الثمانينيات، خضت مناقشة مع طالب فلسطيني زميل لي في الجامعة، وكان يطالب العرب بدعم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب المركزية، وان حلّ هذه القضية يقع على عاتق العرب عموما، نظرا لظلم الاحتلال الإسرائيلي وكوارثه والجرائم التي تحلّ بالشعب الفلسطيني نتيجة هذا الاحتلال. وقد تعاطفت معه وأيدته في طرحه بشأن العمل العربي المشترك. وقلت له: ان البلدان العربية، وان لم تكن مُحتلة من قوى خارجية، الا انها تواجه احيانا ظلما على يد حكامها قد يفوق ما يتعرض له الشعب الفلسطيني.. فأجاب على الفور: هذا شأن داخلي، ولا شأن لنا به!
ان هذا الرأي المُصرّح به من طالب جامعي انما هو رأي كل مسؤول عربي في ذلك الوقت، واعتقد انه لا يزال، بشيء من التحفظ. فأن يتعرض الشعب العربي في هذا البلد او ذاك الى القهر على يد حكامه فهو امر داخلي، ولا شأن للبلدان العربية به، بخلاف ما قد يواجه بلد عربي ما من قوى اجنبية. ولكن هل هذا هو رأي الشعوب العربية؟ هل سأل احد معتقلا أيُّ السياط اشدُّ عليك، سياط بلدك، ام سياط المحتلين؟
ولكن الحكام العرب تواطؤا على تعريفات محددة، لأنهم جميعا كانوا يستفيدون منها، ولم يكلفوا انفسهم عناء سؤال شعوبهم.. ومع مرور الزمن اصبحت التعريفات بديهيات تدرس للشعب نصف الجاهل، ثم غزت افكار التطرف تلك الشعوب المُتعبة، لتنقل الواقع المزري الى احلام طوباوية، والوعد ببديل سماوي عن العذاب الأرضي، ولن يكون هناك فرق عند التضحية بالنفس، طالما كانت هذه التضحية طريقا الى الخلود. ونظرت بعض القيادات العربية الى مثل هذه الأفكار بعين الرضا، بل وقدمت لها التسهيلات والدعم.. طالما كان نتائج اعمالها على المدى المنظور ستكون خارج الحدود، وتأخذ العناصر المرشحة للثورة عليها الى محرقة بعيدة، فتضرب عصفورين بحجر.
لقد قال صدام يوما: "العراق وفلسطين حالة واحدة"، وأصبح هذا القول شعارا فيما بعد، وترتبت عليه نتائج يعرفها العراقيون. ولكي يكون العراق وفلسطين حالة واحدة، يجب ان يكون العراق ومصر حالة واحدة، والكويت وسوريا حالة واحدة.. الخ. لا يمكن تجزئة الحالات بداعي الهجمة الأجنبية، فالموت والتعذيب والقهر والحرمان والامتهان واحد في فهم الشعوب، لا فرق عن أي جهة صدر.

Monday, December 27, 2004

صلاحية النظرية التأمرية.. الايمان اول اثبات

هل تستطيع نظرية واحدة اثبات كل شيء؟ هل يمكن تفسير الكون بقانون فيزيائي واحد؟ تلك مسائل شغلت الفلسفة والعلم قرونا، وعمل عليها العديد من العباقرة عبر قرون التطور الفكري البشري. ولا تزال الاجابة غامضة، وغير كاملة، وغير مفهومة. ولا تزال هذه الاسئلة محل بحث.
اذاً كيف يمكن ترتيب النظريات، باعتبارها تفسيرات لظواهر معينة، بحيث تتساوق منطقيا؟ وهل يمكن استبعاد اية نظرية فقط لاننا لا نحبها؟ بالمقابل هل يجب اعتماد النظريات التي تعجبنا كاولوية اولى؟ بالطبع توقع النتائج هو ما يرجح نظرية على اخرى.
غير ان النظرية الشاملة، او التي تقترب من الشمولية، تستطيع في كل الاحوال توقع نتائج محددة. فلن يكون العرّاف محط اعجاب كثير اذا توقع ان تكون نصف المواليد للفترة القادمة من الذكور. لكنه سينال الكثير من التكريم اذا توقع ان يرزق الملك وريثا للعرش. فهل تقطع رقبته اذا جاء الخبر بانثى؟ سيجد تفسيرا، ولن ينال تكريما.
والتفسير لظاهرة ما ليس تكهنا، او رجما بالغيب. لكنه دائما يبدأ بهاجس. فما الذي يحمل على توقع نتيجة معينة غير الشعور، غير المفسر، بان هناك تسلسلا للاحداث يفضي في عقل الباحث الى مثل هذه النتيجة. ان العقل البشري يتفوق على نفسه في تجليات للعبقرية عبر مراحل زمنية متفاوتة. هذا التفوق ليس في نمط التفكير، وانما في توجيه التفكير نفسه. ان اعتبار ان للضوء وزنا، هو امر مفرط في الخيال بدرجة لا تحتمل التصديق.
هل يستطيع جميع البشر استيعاب فكرة ما؟ لا معنى للسؤال، فالاستيعاب، امر لا يعني الجميع. لنعد صياغة السؤال، هل يستطيع جميع البشر تقبل فكرة ما؟ ليس لديهم الخيار في ذلك. اما لانهم لا يستطيعون اثبات العكس، او لانهم، مرة اخرى، غير معنيين. النتائج وحدها هي التي تعني معظم بني الانسان.. فهل علينا ان نفهم النظرية النسبية لنرى تأثير القنبلة الذرية؟ الجميع يعتقد انها صحيحة بالقدر الكافي، فقط لانها ذات نتائج ملموسة.
لست هنا بصدد البحث في الفيزياء النظرية. ولكن العلم ممتد وحصين بدرجة تجعله مؤهلا لتفسير حتى امكانية تآمر العرّاف ليعلن جنس المولود. وهذا المدخل يقودني الى فرضية صلاحية تفسير النتائج، او الاحداث على انها نتائج، باستخدام نظرية موضوعة مسبقا كعنوان، وليس مطلوبا منها ان تتوقع او ان تتنبأ بتلك النتائج، على عكس المنهج العلمي.
المؤامرة، فكرة اقترنت مع نمط التفكير الشرقي عموما، وهي اول تفسير لحدث ما.. ليس لغياب التفسيرات الاخرى، ولكن لملائمتها، بطبيعتها الطوباوية، مع النهج الخيالي في مجتمعاتنا، العربية والاسلامية. ذلك النهج الذي اعتبره مسؤولا، الى حد كبير، في منع الاستنارة الفكرية من غزو الشارع. وليس الذنب في ذلك دائما واقعا على عاتق رجل الشارع، بل الى الدعاية المنسقة والمنظمة التي لا تعبأ بالحقائق، والتي تشوه تلك الحقائق، لخدمة مصلحة جهة متنفذة، في السلطة او خارجها.
ان اهم ميزة في المجتمع الشرقي هي الروحانية، وهي قوة مقابلة لقوة العقل، لا تنفيه ولكن تبادله الادوار احيانا. وعند وضع الايمان مقابل العقل، لا يمكن تحديد الجهة التي سيميل اليها الميزان. ان نفس المنهج العلمي، كما اسلفت، يعتمد هاجسا في عقل الباحث يدفعه للبحث في اتجاه معين.. هذا الهاجس هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الايمان. ان قوة العقل حاسمة، ولكن المسائل ليست كذلك. وتعدد المؤثرات في قضية ما يجبر الباحث على الاختيار.
وهكذا فان الايمان بان حدث ما يجب ان يكون وراءه جهة ما، سرعان ما سينضج نظرية تأمرية تلقى قبولا واسعا. ان هذا الايمان يستبدل جزءا من التفكير المنطقي لصالح النتيجة المرجوة. وحتى المشككون لن يستطيعوا الصمود طويلا، لان النقاط المجردة عن المعنى، يمكن ان تتجمع لتشكل صورة لها معنى حقيقي.
ولكن رسم تلك الصورة انما يتم باستخدام العقل، موجها بالنتيجة المرتقبة. فاذا كان الحدث سابقا للتوقع، فلان الصورة قد تتغير في بعض التفاصيل، الا انها تبقى تحمل نفس السمات. الايمان يستطيع ان يستخدم العقل، ولذلك لا يعمل على الغائه. والعقل يتيه بين الخيارات، فلا مناص من اعتماد الايمان منطلقا للتفسير. والجدلية تتجسد دائما في الرغبة للتوصل الى حلول. ورجل الشارع، عماد تلك الجدلية، غير مستعد للتقييم، بل للتفاعل.
قبل احداث سبتمبر بفترة بسيطة كانت هناك حادثة اخرى، كان يمكن ان تفسر بالشكل الصحيح كمقدمة لتلك الاحداث. ذلك ان طائرة مصرية سقطت في المحيط الاطلسي بعد فترة وجيزة من اقلاعها من احد المطارات الامريكية. واوضحت التحقيقات ان مساعد الطيار وهو مصري الجنسية، عمد الى اسقاط تلك الطائرة لسبب غامض. وانتشرت في ذلك الوقت نظريات مؤامرة تنسب اسقاط تلك الطائرة الى الموساد، او المخابرات الامريكية، دون ان يتم اثبات ذلك، او نفيه. ولو حللت تلك الحادثة بالشكل العملي، لكانت النتيجة البسيطة ان هناك عملية تجنيد لطيارين انتحاريين، وهو ما شكّل احداث سبتمبر الدامية.
ان نظرية المؤامرة تبقى قادرة على التفسير، طالما كان العقل مشتتا بكثرة الخيارات. ولمحاولة كسر الاطار، فان اول من ينبغي فعله هو تقليل تلك الخيارات امام العقل. بمعنى ان يتم تبني منهجا علميا في التفسير، يعتمد تسلسل الاحداث، ويستخدم الهاجس الذاتي بفاعلية منطقية، ويحدد الحكم المسبق المبني على افتراضات، تحولت بسبب طول التداول الى بديهيات او مسلمات. وتلك مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتتأكد بالدعم الحكومي. فهل آن الاوان للحكومات العربية ان تتقدم خطوة للامام، وان تشرع في الاصلاح؟ لنأمل ان تلك الحكومات قد وعت ان نظرية المؤامرة تشملها ايضا، وتسبب لها المزيد من الكوارث حتى على المستوى الداخلي، لطرحها وقائع دولية واقليمية، مشروعا وطنيا ومحليا.

Tuesday, December 14, 2004

الجهاد كنظرية اممية

لا يشك أي مسلم في مكانة (الجهاد) كأحد اصول الدين الإسلامي، وضرورته عبر مراحل ظهور وانتشار هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها. كما وتتضافر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة على الحض على الجهاد ووصف مكانة الشهيد كنتيجة لفعل الجهاد، في الدنيا والآخرة. ولعل اكثر الأمنيات قربا للقلب لدى الكثرة الغالبة من المسلمين هي الموت استشهادا، في سوح الجهاد المقدس.
والجهاد، كما هو معروف، هو أي فعل يقدم عليه الإنسان المسلم من اجل الدفاع عن دينه في وجه الهجوم او الاعتداء الخارجي الذي يستهدف انهاء او تحديد او تهميش الدين الإسلامي وهو ما يسمى بجهاد الدفع. كما يعني ايضا المبادرة الى الحرب والسعي لفتح الأراضي والبلدان (الكافرة) من اجل هديها الى نور الدين الإسلامي الحنيف وهو ما يصطلح عليه بجهاد الطلب. وهذا يعني ان لدينا نوعين من الجهاد حسب التعريف الفقهي، نوع للدفاع ونوع للمبادرة. هذا ما كان في بداية ظهور وانتشار الدين الإسلامي، والذي مازال يصلح في نظر البعض الى هذا الوقت، بل وهو صالح الى يوم الدين كما يؤكد السلفيون.
ولست هنا بصدد البحث في صلاحية مبدأ الجهاد الدفعي او الطلبي.. او حتى من اجل اثبات صحة او خطأ ايا منهما. اذ ان من الثابت ان الجهاد في سبيل الله كان هو المبدأ الأساسي وراء الفتوح الكبرى في عصر صدر الإسلام والتي ادت الى انتشاره في بقاع شتى من المعمورة، وبالتالي تغيير الخارطة السياسية والديموغرافية التي استمرت لقرون طوال قبل ظهور الإسلام. ولان مبادئ الدين الإسلامي وروح التسامح التي اتسم بها رافقت المجاهدين في غزواتهم، لم يلق ناشرو الدين الأوائل عنتا شديدا في اقناع الناس المفتوحة اراضيهم في اعتناق الدين الجديد، بل والمحاربة في صفوفه. لقد انتشر الدين برغبة المجاهدين الجامحة للاستشهاد، وبقوة الفكر وسحر المنطق القرآني، وبالمبادئ السامية التي حملوها الى الأمم في اقطار الأرض.
وبينما توقف الفتح الحربي، وانحسرت حتى بعض البقاع المفتوحة كالأندلس، استمر الفتح الفكري، واستمرت امم تدلف الى حضرة الدين الإسلامي طواعية ودون اكراه، اقتناعا بفكر رجاله، او تمثلا بأعمالهم الجليلة. وخلال قرون من الزمن، تكونت خارطة ديموغرافية جديدة، وارتسمت خطوط معينة وحدود فاصلة، كانت الأديان عنصرا فيها وان كان عنصرها الأول القوميات. لم تكن الحروب الصليبية في حقيقتها الا حروبا سياسية استخدمت فيها الشعارات الدينية لخداع شعوب اوربا وتوحيدهم حول قضية ما، ثم جرّت عليهم بسبب ذلك الكثير من الويلات، والمزيد من الفرقة. وهكذا بعد اكثر من خمسمائة عام من ظهور الدين الإسلامي، بدأت اولى المواجهات بين الدينين العظيمين، الإسلامي والمسيحي.. بدأت تحت اهداف سياسية معروفة، وانتهت بإشعار كل من الفريقين مدى قوة الآخر، والاهم من ذلك، حدوده المقدسة.
وهكذا لم يعد هناك من ينادي بجهاد (الطلب) اليوم، فليس هناك من يفكر حتى في خوض حرب لجعل فرنسا مثلا تصبح بلدا مسلما. وانتهى على هذا الأساس مبدأ الجهاد بالطلب، او بالمبادرة. ولكن بقي النوع الثاني، الجهاد للدفع. ولاشك ان الدفاع عن النفس والعرض والأرض والمال والوطن ضد الاعتداء الغاشم، هي مبادئ سامية وحقوق مقدسة في كل اقطار الأرض، وتحث عليها جميع الأديان والشرائع السماوية والأرضية. ولكن مورد استخدام هذا الحق، مقيد بقانون ومحدد بنطاق. فأما القانون فهو العجز عن استحصال الحق او دفع الضرر الا بالقتال، وأما النطاق فهو مدى شمولية الاعتداء. فليس من الحكمة افناء النفس في الدفع منفردا ما يمكن دفعه بدون تضحيات، او بتضحيات اقل، اذا اجتمع عليه.
ورغم وضوح النيات السياسية دائما وراء الشعارات الدينية، الا ان العامة عادة ما تنخدع بها المرة تلو الأخرى.. تارة لأنها لا تفهم الا لغة الوعد الديني، وطورا لأنها اخذت تقطف بعض ثمار هذا الوعد، دنيويا على الأقل. وهذا امر عام، استخدمه البابوات في حملاتهم الصليبية، وهناك من يستخدمه في رد ما يدعي انه حملات صليبية.. وصدّام مثال حاضر في الأذهان.
فلو تصورنا ان متطرفين مسيحيين، على الشاكلة التي كانوا عليها في القرون الوسطى، من الذين نظروا الى الدين الإسلامي على انه دين (الكفر والإلحاد)، وان بيت المقدس مدنسة بيد هؤلاء (الزنادقة) وما الى ذلك من النظريات والشعارات التي استخدموها في شن الحروب الصليبية، لو تصورنا طائفة متنفذة من هؤلاء تدعو اليوم الى ابادة المسلمين كما كان يفعل اسلافهم، فماذا يمكن ان يكون عليه الحال؟ لو كانت هناك حركات تكفيرية مسيحية كما تظهر لدى المسلمين اليوم مثل تلك الحركات، فكيف سيكون شكل الجهاد، وتعرفيه لدى كل فرقة؟ اذا كانت غاية المرء المسلم، حسب نظريات التكفير المعاصرة، ان يموت شهيدا في عملية (انتحارية) ضد (كافر) ما، فماذا ستكون غاية المسيحي الورع الذي عليه ابادة (الكفرة) بأية وسيلة؟
لقد ارتكبت الحكومات الغربية، خلال تاريخها الطويل الكثير من الفضائع، التي لا ينسبها احد اليوم على الدين المسيحي.. كما ارتكب بعض الحكام المسلمين مثل تلك الفضائع دون ان تعتبر تشويها للدين الإسلامي. فالدين والسياسة سارا عبر التاريخ في خطين متوازيين، وشكلت نقاط التقاطع منعطفات كبرى غير مسار التاريخ. ويجب مع زيادة استنارة العقل البشري، العمل على الحد من التقاطع، الذي لن ينجم عليه وفق توازن القوى الراهن الا انتكاسة عظيمة لا يعلم الا الله مدى خطرها.