Saturday, January 22, 2005

نخسر معركة، ام نخسر الحرب؟

بدأ العد التنازلي لاجراء الانتخابات، ووضعت الخطة الامنية، واصبح تأجيل اقامتها اقرب الى المعجزة بحسب تعبير حازم الشعلان، رغم تأكد عدم اشتراك اربعة محافظات فيها بحسب وائل عبد اللطيف. ورغم ان المبدأ الاساس في الانتخابات هو معرفة الناخب بالمرشحين، الا ان الدعاية الانتخابية لم تتعد اعلان ارقام واسماء القوائم مقترنة ببعض الوعود، من العمل على احلال الامن والعدل والمساواة وتوفير الخدمات الاساسية وفرص العمل وما سوى ذلك، دون ادنى تعريف بالمرشحين انفسهم، او بطرق تحقيق الاهداف المعلن عنها.
وعلى نطاق واسع تستعمل تعابير دينية كشعارات سياسية لدعم قائمة ما. فالعفاف، وحفظ الحجاب، وتجديد بيعة الغدير، وحب الامام الحسين (ع).. اصبحت شعارات ودعايات انتخابية، لم يتورع القائمون عليها من استخدامها والتصريح بها في لافتات وملصقات تملأ الشوارع والساحات في مختلف المدن العراقية.
وفي الخارج، يعكف المثقفون الداعمون والمؤيدون للانتخابات على نشر مقالاتهم على الشبكة العالمية (مواقع الانترنت) بكثير من التعصب في بعض الاحيان. وقد وصل الامر ببعضهم حد التحامل على مجمل سكان المحافظات التي لن تستطيع المشاركة في الانتخابات واتهامهم بدعم النظام البائد، وانهم انما يقاطعون الانتخابات لانها ستحرمهم من السلطة التي طالما تمتعوا بها لعقود من الزمن.
وهكذا.. فان اجراء الانتخابات اصبح على مستوى عام بمثابة تحدٍّ لقوى الظلام والارهاب، وان اجراءها يمثل انتصارا باهرا عليها. اليس هؤلاء الارهابيون هم الذين يعترضون عليها؟ الا يقومون بكل ما يستطيعون لمنع اقامتها وتأجيلها من خلال احداث الخرق الامني، والهجوم العشوائي على القوات الامنية العراقية والمدنيين على السواء؟ فان كان ذلك صحيحا، فان الوضع الامني المتردي هو السبب في عدم اقامة، او محدودية اقامة، الانتخابات في اربعة محافظات.. وهذا يعني ان تلك القوى تحقق تقدما، وتكسب جولة. ولما كان النظام الانتخابي لا يسمح بتمثيل تلك المناطق في مرحلة لاحقة، فان الانتصار الذي تحقق لهذه الجماعات لن يعد امرا هينا.
وحتى على فرض تحقيق الامن على يد الحكومة (المنتخبة) في ما يلي من الزمن.. فان مشكلة حرمان بعض المحافظات من التمثيل ستشكل خللا كبيرا، وطعنا في شرعية الانتخابات نتيجة لغياب تلك المحافظات عنها، وستتعمق هوّة الخلاف لدرجة قد يصعب تداركها. مع العلم بان تلك الانتخابات (المنقوصة) سيثمر عنها كتابة الدستور الدائم، وخلال اشهر قليلة سيكون هناك استفتاء على هذا الدستور المقترح، ووفقا لقانون ادارة الدولة المؤقت، فان اي ثلاث محافظات تستطيع نقض الدستور، وعدم القبول به، اذا صوتت باغلبية الثلثين ضده. فان حصل ذلك، وهذا احتمال وارد، فما هو الحل؟
على انه لا توجد ضمانة لمشاركة واسعة حتى في المحافظات الاربعة عشر الاخرى.. ومنها تحديدا بغداد. فان أي خرق امني، ربما يمنع الكثيرين من التصويت.. ففي النهاية لا يعلم اغلب الناخبين لماذا ولمن يصوتون. وعلى هذا السيناريو، تصوروا حكومة تنتخب بمشاركة جزء من الاغلبية، وتغيب عنها الاقلية تماما، وتتهم في كل ساعة وحين انها غير شرعية رغم حصولها على اصوات بعض الناخبين، وفوق ذلك تفشل في الحصول على التأييد على اهم اعمالها: كتابة الدستور الدائم.
ومن جهة اخرى، فان تأجيل الانتخابات يعدّ –لاشك- نصرا للارهابيين، ولكنها ليست الا معركة واحدة.. معركة كغيرها من المعارك الخاسرة التي خاضتها الحكومة المؤقتة.. فقد خسرت معركة توفير الامن الذي راهن عليه الجميع عند استلام السلطة في 30 حزيران 2004. وخسرت معركة توفير الخدمات الاساسية، وخاصة الكهرباء والوقود، وخسرت معركة تثبيت شرعيتها محليا مع توفر كل وسائل الدعم العالمي والاقليمي والعربي الذي اسبغ عليها الشرعية الكاملة.
كما ان تلك الحكومة تعترف بخسارة معركة اقامة الانتخابات في اربعة محافظات، فماذا عليها ان تنصر في معركة الانتخابات العامة، بدون اخذ كل تلك الامور بنظر الاعتبار؟ الجواب لن يكون صعبا.. فالحكومة، التي تقودها الاحزاب المشاركة في الانتخابات، لا تعبأ لكل تلك الخسارات، فالشعب هو الذي يدفع الثمن.. ولكنها غير مستعدة لخسارة معركة واحدة تكون فيها هي التي تدفع الثمن. وهي لم تنظر لهذه المعارك على انها جزء من حرب على الارهاب.. وانما حوادث متفرقة وذات غايات متباينة، والا فان أي عاقل سيقبل خسارة بعض المعارك، على ان يكسب الحرب في النهاية.

Saturday, January 08, 2005

الأحزاب تعزف على وتر الانتخابات.. والأمريكان يرقصون

في الثلاثين من كانون الثاني القادم، سيتوجه الناخبون العراقيون لاختيار ممثليهم في البرلمان، الذي اطلق عليه قانون ادارة الدولة المؤقت تسمية "الجمعية الوطنية"، لكونه جمعية تأسيسية في المقام الاول، تمهد لقيام دولة المؤسسات في العراق. وتجربة الانتخابات هذه ستكون هي الاولى التي تجرى بهذا الحجم في تاريخ الدولة العراقية، والتي ستحدد، بلا شك، مصير الشعب العراقي بشكل يفترض ان يكون ديمقراطيا.
على ان هذه الصورة الوردية لا تخفي صورة اكثر قتامة في المشهد العراقي، الذي يتأرجح بين نار الارهاب الحاضرة، وجنة الديمقراطية الموعودة.. ذلك المشهد من العنف اليومي الذي يهدد مفاصل الدولة المختلفة بدءا من قواتها الامنية، ورموزها الوطنية، مرورا بطاقاتها وكفاءاتها الابداعية والفكرية، وانتهاءا بمواطنيها العاديين، عبر استهدافات عشوائية، لا تحمل من الدلالات اكثر من عرقلة مسيرة البناء والتحرر والنهوض بالامة الى المستوى الخليق بها، كمهد لحضارة عريقة وموطن لاديان سامية.
والمواطن البسيط، في غمرة الحيرة وعدم الاستيعاب لما يجري من احداث في يومه وليلته، يعرب عن امله في المستقبل، ولا يخفي خوفه من الحاضر، وفي احيان قليلة يبدي حنينه الى الماضي. ولا تجد في الجهة المقابلة، والتي تعتمد على هذا اللبنة الاساسية (المواطن)، تلك الجهة التي تشتمل على المؤسسات الحكومية، والحزبية، والدينية، والعشائرية وما سواها، لا تجد لديها اهتماما واضحا بهاجس الشارع، او بتطلعاته وآماله. بل ربما انعزل بعضها في صومعة، ومن ثم نادت بنفسها مخلصة، ومنقذة، وخيارا وطنيا.. واستغرقت في رفع الشعارات دون ان تفعل شيئا ملموسا للبرهنة على صدق النوايا وحسن التوجه.
وقد تكون الانتخابات المقبلة ميدانا لاثبات وجود التيارات السياسية المتعددة التي تعج بها الساحة العراقية، في فترة ما بعد سقوط الطاغية، حيث يكون صندوق الاقتراع حكما في شعبيتها ودرجة قبولها على الصعيد الاجتماعي. الا ان هذه الانتخابات، بالمقابل، قد لا تؤدي الا الى تكريس وجود بعض التجمعات او الاحزاب التي لا تمتلك بعدا جماهيريا، او حضورا شعبيا، كنتيجة لطبيعة النظام الانتخابي الذي يسمح باحتواء اطراف مختلفة ضمن القائمة الواحدة. ولن تكون هناك ضمانة لفوز التنظيم الذي يصوت له الناخب، طالما كان يمنح صوته لكل تلك الاطراف. وقد عبّر احد المرشحين عن خيبة امله حينما جاء تسلسله متأخرا في القائمة بقوله "الذين هم في ذيل القائمة انما يعملون من اجل فوز من هم في اعلاها، دون ان يكون لهم حظ وفير في الفوز"، وذلك بسبب النظام النسبي المتبع في هذه الانتخابات. ان كثيرا من الناخبين سيدلون باصواتهم لصالح قوائم ذات شخصيات متميزة من وجهة نظرهم، مهما يكن تسلسل تلك الشخصيات.
فاذا لم يكن توجه الناخبين نحو الافراد او الشخصيات في القوائم، وانما نحو البرامج الانتخابية للاحزاب التي تحتويها تلك القوائم، فان الصورة لن تكون اكثر اشراقا. انظر الى اللافتات التي تملأ الشوارع وتحمل شعارات تدل على البرامج الانتخابية لاصحابها. فهذا الحزب يؤكد انه سيعمل على توفير فرص العمل في حالة فوزه، وذاك سيكون همّه حلّ مشكلة الكهرباء (المزمنة)، وثالث يركز على توفير الخدمات، وهكذا.. وهم جميعا يتفقون على ان انتخابهم يعني احلال الامن، وانهاء الاحتلال باخراج القوات المتعددة الجنسيات.. وتلك –لعمري- دعاية انتخابية هزيلة، تستخف بعقل الناخب بشكل لا مثيل له. فحريّ بهذا الشعب، الذي يتوفر على طاقات فكرية تبز كثير من الشعوب الاخرى، ان يُخاطب اعلاميا بشكل اكثر وعيا، واقل اسفافا. سيّما وان من يدعي قدرته على احلال الامن، قد اتيحت له الفرصة في الماضي لاثبات ذلك، حيث انه اما كان ضمن مجلس الحكم السابق، او عنصرا في الحكومة الحالية.
اما شعار توفير الخدمات، فهو امر يعتبر بديهيا بالنسبة لاية حكومة، فما الذي يجعل الوعد به دعاية انتخابية؟ هل اصبحت قضايا مثل ازمة الوقود وندرة الكهرباء عصية على الحل الى هذه الدرجة؟ على اننا لا نعلم بلدا اخر في العالم يعاني من ازمات مماثلة، وبهذه الحدة سوى العراق، وما ذلك الا بسبب سوء ادارة الدولة او اهمالها. تلك الدولة التي تشكل الاحزاب المتنافسة في الانتخابات الحالية، ركنها الاساس.. وهي مع ذلك لا تعترف بالتقصير، بل على العكس ترى انها غير مسؤولة عن تلك الازمات، وان الامور لا تحل الا بحكومة (شرعية).. أي منتخبة ديمقراطيا.
وهذا هو كل ما استطاعوا ان يعرفوه عن الديمقراطية، عنوان واحد مستل من بين مجموعة عناوين هي في اصلها مترابطة ومتلاحمة. فالانتخابات هي الحل لمشاكل العراق لان الحكومة المتمخضة عنها ستكون شرعية، ومطلقة اليد، بناءا على ذلك، في التعامل مع جميع القضايا والاحداث بالشكل المناسب. غير ان هناك عناوين اخرى للديمقراطية ليست اقل، ان لم نقل انها اكثر، اهمية من الانتخابات ذاتها. فاين الشفافية الحكومية؟ اين دور مؤسسات المجتمع المدني؟ اين سيادة القانون واستقلاليته؟ واين تفعيل دور الاقليات في البناء الوطني؟ ثم اين دور الاعلام كسلطة رابعة؟ وغير ذلك مما لا يخفى على القاريء اللبيب.
فاما الشفافية، فقد غابت تماما. وحلّ محلها الفساد الاداري كنتيجة حتمية لهذا الغياب. وبات كل صغير وكبير في الدولة او خارجها، يتحدث عن موضوعة الفساد ويؤكد على القضاء على رموزه حال توفر الدليل.. وهكذا اخليت المسؤولية الرسمية، ووضعت على عاتق المواطن، الذي لا يملك حيلة في الامر.
واما مؤسسات المجتمع المدني، فبعضها نقابات احتفظت بجمودها المتوارث، وظلت تلعب دور المساند للسلطة او لبعض احزابها، وبعضها جمعيات انشأت للحصول على التبرعات والمنح لاعضائها اولا، ومن ثم القاء الفتات للمحتاجين، وبعضها منظمات (متخصصة) في بعض المجالات كتعليم الديمقراطية والحث على الانتخابات، وان كان معظم العاملين فيها يجهلون مباديء هذين وغيرهما.
اما العنوان الكبير في الديمقراطية المتمثل بسيادة القانون، فما من شيء اكثر منه غيابا. فالقانون نادرا ما يأخذ مجراه في موارد يكون فيها البلد احوج ما يكون لتطبيقه، كمكافحة الارهاب مثلا. وقد عبّر عن غياب القانون مسؤولون رفيعون في الدولة باعلانهم عدم جواز محاكمة مجرم القرن العشرين، الطاغية صدام، بدعوى عدم شرعية الحكومة الحالية. وعلى هذا الفرض، فما شأن القضاء بذلك؟ الا يفترض ان يكون القضاء مستقلا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ وهل نمتنع عن محاكمة المجرمين اذا لم تكن الحكومة منتخبة؟ على ان الكثيرين يعتقدون ان هذا هو احد اسباب الانفلات الامني الرئيسة، فمن امن العقاب...
والحديث عن الاعلام، ودوره الريادي، قد لا يوافق عليه البعض. اذ ان الظاهر ان الحرية التي بدأ العراقيون يتمتعون بها تجلت باوضح صورها في حرية الاعلام. لكن ذلك ليس الا وهما وخداعا. فالاعلام في حقيقة الامر علاقة ثنائية، لا تتم فقط بالتعبير عن هموم وتطلعات الشارع، وانما بالاستجابة لهذه الطروحات من جانب السلطة، والاصغاء اليها بجدية واهتمام بالغين. فهل هذا هو الحال اليوم؟ الاعلاميون يتحدثون من منابرهم حول كل شيء دون خوف من مساءلة او ملاحقة، لكن بعضهم يشعر انه انما يتحول الى اداة للاستهلاك المحلي، لا غير.
ويبقى موضوع اهمال دور الاقليات اكثر المواضيع حساسية في الوقت الراهن، تجسد ذلك مسألة المشاركة في الانتخابات. فمن الناحية النظرية تعد نتائج الانتخابات مقبولة مهما تكن نسبة المشاركة، وليس هناك اشتراط لتوفر ممثلين لكافة شرائح المجتمع العراقي في الجمعية الوطنية، لا على مستوى المحافظات ولا على مستوى الطوائف. وبينما يؤكد ممثلو الطائفة الشيعية، التي تشكل الاغلبية كما هو معروف، على اجراء تلك الانتخابات، فان الكثيرين من الطائفة الكبيرة الاخرى، وهي الطائفة السنية، بات بحكم المؤكد عدم قدرتها على المشاركة فيها.. اما بسب الخلل الامني، او للتخوف من النتائج التي ربما ستؤدي الى تهميش دورها السياسي، كونها اقلية لا تؤثر في اتخاذ القرار. وكثيرا ما تلاقى محاولات تهدئة الخواطر ومدّ الجسور للتقريب بين هاتين الفئتين بالرفض المطلق. اذ ان معظم تلك المحاولات يقتضي تأجيل الانتخابات لسقف زمني محدد، او تعديل القانون الانتخابي. والحجة في هذا الرفض حاضرة دائما، اذ لا يمكن تغيير الدستور الذي حدد الموعد للانتخابات، ولا القانون الانتخابي الذي سنّ قبل تشكيل المفوضية (من قبل سلطة الائتلاف المؤقتة)، و لا احد يمتلك صلاحية تغييره. فوا عجبا، اذ يُقدس القانون في مورد الانتخابات وان وضعه اجنبي، وينحى جانبا في مورد محاكمة المجرمين، وان كان عراقيا صرفا!! على ان الاخذ بالاقتراحات حول الانتخابات يعني تفويت الفرصة على العناصر المتحكمة في مجمل العملية الانتخابية في الوقت الحاضر، وهي الاحزاب التي شاركت في مجلس الحكم، خشية ظهور عناصر اخرى تنافسها وتحمل طروحات جديدة اقرب الى نبض الشارع، فتهوي بهم الى قاع سحيق لا مخرج منه. ولا يزال في المعادلة طرف اخر يدفع لاجراء االانتخابات باي ثمن، ذلك الطرف هو السلطة غير الرسمية للقوات المتعددة الجنسيات وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تريد ان تثبت صواب مشروعها في العراق، وانها انما تبني ديمقراطية في البلد (كنموذج يحتذى) بروباغانديا على الاقل. وهكذا اصبحت الانتخابات قيثارة تعزف على وترها الاحزاب، ويرقص على انغامها الامريكان، بينما الشعب العراقي يتفرج!!
ان ما نريده هو عملية مدروسة لاحلال الديمقراطية، من خلال تطبيق جميع مفرداتها المتبعة في الانظمة العالمية الراقية، وصولا الى نظام حكم متوازن، شفاف، مسؤول، وتمثيلي. وآخر ما نتمناه ان تستخدم بعض هذه المفردات من اجل تكريس الواقع و(تشريع) الاستيلاء على السلطة من قبل فئات بعينها، وان كلف الامر حربا اهلية لا يعلم الا الله مقدار خطرها.

Sunday, January 02, 2005

هل ان العراق وفلسطين حالة واحدة؟

كثرت في الآونة الأخيرة مقارنة القضية الفلسطينية بـ( القضية العراقية)، وظهر منظرون كثيرون تصدوا لبيان اوجه الشبه بينهما، وعناصر الترابط التي تقود الى مخطط عام يشمل ما هو اوسع من العراق وفلسطين، ولتصبح القضية قضية العرب، والإسلام.. ولشرح نظريات محكمة عن معسكرين متنافسين في حالة مواجهة مصيرية، خصوصا اذا تم ادراج القضية (الأفغانية) ضمن الصورة.
ولا شك ان هناك بعضا من التشابه بين واقعي العراق وفلسطين، وبشكل رئيسي في لغة العنف والسلاح غير المنضبط او المسيطر عليه، وان كان الكثيرون يعتقدون ان كلا من هاتين القضيتين تغذى وتدفع بتدخلات خارجية، قد تكون هي نفسها في الحالتين. وحتى نضع الأمور في سياقها الصحيح فان موضوعة الاحتلال التي تمثل عمق المأساة في الحالة الفلسطينية يجب ان لا تقارن بأي شكل بحالة (الاحتلال) الطارئة في الواقع العراقي. فـ(اسرائيل) تخالف بشكل مستمر قرارات الشرعية الدولية وترفض الانسحاب من الأراضي الفلسطينية بشتى الذرائع والحجج، بينما اصدرت نفس تلك الشرعية الدولية قرارات ملزمة لتأطير حالة الاحتلال في العراق وجدولتها زمنيا، وبالتالي فان مفهوم المقاومة المسلحة يكتسب شرعية قانونية وأخلاقية في حالة فلسطين، بينما يدعو الى التساؤل عن الغاية الحقيقة منها في الحالة العراقية. ذلك ان كل ما تؤدي اليه الأعمال المسلحة في العراق هو اطالة امد الاحتلال بدلا من انهائه. اذ لا يستطيع عاقل ان يطلب من القوات الأمريكية والمتحالفة معها الخروج من العراق اليوم او غدا، بسبب النتائج الوخيمة لهذا الانسحاب واحتمال حدوث حرب اهلية ونزاع مرير على السلطة، خصوصا مع تواجد هذا الكم الهائل من المليشيات المسلحة والأسلحة والذخائر الحربية المنتشرة في ارجاء العراق، والتي لا تخضع بأي شكل الى الحكومة المركزية، ان لم تكن موجهة ضدها اصلا.
والغريب ان (اسرائيل) تتعرض للنقد اللاذع والمستمر لقرارها الانسحاب من جزء من الأراضي المحتلة، وهو قطاع غزة، بسبب عزمها على هذا الانسحاب من طرف واحد، أي بدون اجراء أي ترتيبات او مفاوضات مع الجانب الفلسطيني.. بينما يراد للقوات الأمريكية ان تنسحب فورا من العراق حسب اجندة (المقاومة العراقية)!
ان التدخل الخارجي كان واحدا من اهم اسباب تعقيد القضية الفلسطينية، خصوصا بعد قيام السلطة الفلسطينية. فقد ادى دعم الفصائل المسلحة الى اضعاف تلك السلطة، وفقدانها التوازن احيانا في التعامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي. فاللغة التي يتكلم بها السلاح هي لغة الغوغاء، وهي لا تحتكم الى منطق ولا يردعها رادع. فإذا كانت تلك الأطراف الخارجية قد نجحت في توجيه الأنظار الى خارج بلدانها وصرف مواطنيها عن مسائلتها.. فان نفس تلك الأطراف تسعى اليوم الى تعزيز تلك التوجهات من خلال خلق (القضية العراقية)، والتي اصبحت تمثل بالنسبة لها منفذا للتنفيس السياسي لمواطنيها المحرومين، والمُضللين على حد سواء. وصار العراق ساحة لتصفية الحسابات واستعراض القوى، وميدانا لحرق المعارضة الداخلية، تحت شعارات القضية الكبرى، وحروب المصير وما شابه.
ومن ناحية اخرى فان المشروع الديمقراطي في العراق لابد ان يكون مصدر ازعاج لدول الحزب الواحد والقائد الضرورة المحيطة بالعراق. تلك التي قهرت شعوبها لعقود من الزمن وعملت على استنزاف مقدراته في خدمة مصالحها الذاتية.. بل ربما انفقت تلك المقدرات، على شحتها احيانا، في دعم (قضية) هذا البلد او ذاك، تحت شعارات المصير المشترك.
في بداية الثمانينيات، خضت مناقشة مع طالب فلسطيني زميل لي في الجامعة، وكان يطالب العرب بدعم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب المركزية، وان حلّ هذه القضية يقع على عاتق العرب عموما، نظرا لظلم الاحتلال الإسرائيلي وكوارثه والجرائم التي تحلّ بالشعب الفلسطيني نتيجة هذا الاحتلال. وقد تعاطفت معه وأيدته في طرحه بشأن العمل العربي المشترك. وقلت له: ان البلدان العربية، وان لم تكن مُحتلة من قوى خارجية، الا انها تواجه احيانا ظلما على يد حكامها قد يفوق ما يتعرض له الشعب الفلسطيني.. فأجاب على الفور: هذا شأن داخلي، ولا شأن لنا به!
ان هذا الرأي المُصرّح به من طالب جامعي انما هو رأي كل مسؤول عربي في ذلك الوقت، واعتقد انه لا يزال، بشيء من التحفظ. فأن يتعرض الشعب العربي في هذا البلد او ذاك الى القهر على يد حكامه فهو امر داخلي، ولا شأن للبلدان العربية به، بخلاف ما قد يواجه بلد عربي ما من قوى اجنبية. ولكن هل هذا هو رأي الشعوب العربية؟ هل سأل احد معتقلا أيُّ السياط اشدُّ عليك، سياط بلدك، ام سياط المحتلين؟
ولكن الحكام العرب تواطؤا على تعريفات محددة، لأنهم جميعا كانوا يستفيدون منها، ولم يكلفوا انفسهم عناء سؤال شعوبهم.. ومع مرور الزمن اصبحت التعريفات بديهيات تدرس للشعب نصف الجاهل، ثم غزت افكار التطرف تلك الشعوب المُتعبة، لتنقل الواقع المزري الى احلام طوباوية، والوعد ببديل سماوي عن العذاب الأرضي، ولن يكون هناك فرق عند التضحية بالنفس، طالما كانت هذه التضحية طريقا الى الخلود. ونظرت بعض القيادات العربية الى مثل هذه الأفكار بعين الرضا، بل وقدمت لها التسهيلات والدعم.. طالما كان نتائج اعمالها على المدى المنظور ستكون خارج الحدود، وتأخذ العناصر المرشحة للثورة عليها الى محرقة بعيدة، فتضرب عصفورين بحجر.
لقد قال صدام يوما: "العراق وفلسطين حالة واحدة"، وأصبح هذا القول شعارا فيما بعد، وترتبت عليه نتائج يعرفها العراقيون. ولكي يكون العراق وفلسطين حالة واحدة، يجب ان يكون العراق ومصر حالة واحدة، والكويت وسوريا حالة واحدة.. الخ. لا يمكن تجزئة الحالات بداعي الهجمة الأجنبية، فالموت والتعذيب والقهر والحرمان والامتهان واحد في فهم الشعوب، لا فرق عن أي جهة صدر.

Monday, December 27, 2004

صلاحية النظرية التأمرية.. الايمان اول اثبات

هل تستطيع نظرية واحدة اثبات كل شيء؟ هل يمكن تفسير الكون بقانون فيزيائي واحد؟ تلك مسائل شغلت الفلسفة والعلم قرونا، وعمل عليها العديد من العباقرة عبر قرون التطور الفكري البشري. ولا تزال الاجابة غامضة، وغير كاملة، وغير مفهومة. ولا تزال هذه الاسئلة محل بحث.
اذاً كيف يمكن ترتيب النظريات، باعتبارها تفسيرات لظواهر معينة، بحيث تتساوق منطقيا؟ وهل يمكن استبعاد اية نظرية فقط لاننا لا نحبها؟ بالمقابل هل يجب اعتماد النظريات التي تعجبنا كاولوية اولى؟ بالطبع توقع النتائج هو ما يرجح نظرية على اخرى.
غير ان النظرية الشاملة، او التي تقترب من الشمولية، تستطيع في كل الاحوال توقع نتائج محددة. فلن يكون العرّاف محط اعجاب كثير اذا توقع ان تكون نصف المواليد للفترة القادمة من الذكور. لكنه سينال الكثير من التكريم اذا توقع ان يرزق الملك وريثا للعرش. فهل تقطع رقبته اذا جاء الخبر بانثى؟ سيجد تفسيرا، ولن ينال تكريما.
والتفسير لظاهرة ما ليس تكهنا، او رجما بالغيب. لكنه دائما يبدأ بهاجس. فما الذي يحمل على توقع نتيجة معينة غير الشعور، غير المفسر، بان هناك تسلسلا للاحداث يفضي في عقل الباحث الى مثل هذه النتيجة. ان العقل البشري يتفوق على نفسه في تجليات للعبقرية عبر مراحل زمنية متفاوتة. هذا التفوق ليس في نمط التفكير، وانما في توجيه التفكير نفسه. ان اعتبار ان للضوء وزنا، هو امر مفرط في الخيال بدرجة لا تحتمل التصديق.
هل يستطيع جميع البشر استيعاب فكرة ما؟ لا معنى للسؤال، فالاستيعاب، امر لا يعني الجميع. لنعد صياغة السؤال، هل يستطيع جميع البشر تقبل فكرة ما؟ ليس لديهم الخيار في ذلك. اما لانهم لا يستطيعون اثبات العكس، او لانهم، مرة اخرى، غير معنيين. النتائج وحدها هي التي تعني معظم بني الانسان.. فهل علينا ان نفهم النظرية النسبية لنرى تأثير القنبلة الذرية؟ الجميع يعتقد انها صحيحة بالقدر الكافي، فقط لانها ذات نتائج ملموسة.
لست هنا بصدد البحث في الفيزياء النظرية. ولكن العلم ممتد وحصين بدرجة تجعله مؤهلا لتفسير حتى امكانية تآمر العرّاف ليعلن جنس المولود. وهذا المدخل يقودني الى فرضية صلاحية تفسير النتائج، او الاحداث على انها نتائج، باستخدام نظرية موضوعة مسبقا كعنوان، وليس مطلوبا منها ان تتوقع او ان تتنبأ بتلك النتائج، على عكس المنهج العلمي.
المؤامرة، فكرة اقترنت مع نمط التفكير الشرقي عموما، وهي اول تفسير لحدث ما.. ليس لغياب التفسيرات الاخرى، ولكن لملائمتها، بطبيعتها الطوباوية، مع النهج الخيالي في مجتمعاتنا، العربية والاسلامية. ذلك النهج الذي اعتبره مسؤولا، الى حد كبير، في منع الاستنارة الفكرية من غزو الشارع. وليس الذنب في ذلك دائما واقعا على عاتق رجل الشارع، بل الى الدعاية المنسقة والمنظمة التي لا تعبأ بالحقائق، والتي تشوه تلك الحقائق، لخدمة مصلحة جهة متنفذة، في السلطة او خارجها.
ان اهم ميزة في المجتمع الشرقي هي الروحانية، وهي قوة مقابلة لقوة العقل، لا تنفيه ولكن تبادله الادوار احيانا. وعند وضع الايمان مقابل العقل، لا يمكن تحديد الجهة التي سيميل اليها الميزان. ان نفس المنهج العلمي، كما اسلفت، يعتمد هاجسا في عقل الباحث يدفعه للبحث في اتجاه معين.. هذا الهاجس هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الايمان. ان قوة العقل حاسمة، ولكن المسائل ليست كذلك. وتعدد المؤثرات في قضية ما يجبر الباحث على الاختيار.
وهكذا فان الايمان بان حدث ما يجب ان يكون وراءه جهة ما، سرعان ما سينضج نظرية تأمرية تلقى قبولا واسعا. ان هذا الايمان يستبدل جزءا من التفكير المنطقي لصالح النتيجة المرجوة. وحتى المشككون لن يستطيعوا الصمود طويلا، لان النقاط المجردة عن المعنى، يمكن ان تتجمع لتشكل صورة لها معنى حقيقي.
ولكن رسم تلك الصورة انما يتم باستخدام العقل، موجها بالنتيجة المرتقبة. فاذا كان الحدث سابقا للتوقع، فلان الصورة قد تتغير في بعض التفاصيل، الا انها تبقى تحمل نفس السمات. الايمان يستطيع ان يستخدم العقل، ولذلك لا يعمل على الغائه. والعقل يتيه بين الخيارات، فلا مناص من اعتماد الايمان منطلقا للتفسير. والجدلية تتجسد دائما في الرغبة للتوصل الى حلول. ورجل الشارع، عماد تلك الجدلية، غير مستعد للتقييم، بل للتفاعل.
قبل احداث سبتمبر بفترة بسيطة كانت هناك حادثة اخرى، كان يمكن ان تفسر بالشكل الصحيح كمقدمة لتلك الاحداث. ذلك ان طائرة مصرية سقطت في المحيط الاطلسي بعد فترة وجيزة من اقلاعها من احد المطارات الامريكية. واوضحت التحقيقات ان مساعد الطيار وهو مصري الجنسية، عمد الى اسقاط تلك الطائرة لسبب غامض. وانتشرت في ذلك الوقت نظريات مؤامرة تنسب اسقاط تلك الطائرة الى الموساد، او المخابرات الامريكية، دون ان يتم اثبات ذلك، او نفيه. ولو حللت تلك الحادثة بالشكل العملي، لكانت النتيجة البسيطة ان هناك عملية تجنيد لطيارين انتحاريين، وهو ما شكّل احداث سبتمبر الدامية.
ان نظرية المؤامرة تبقى قادرة على التفسير، طالما كان العقل مشتتا بكثرة الخيارات. ولمحاولة كسر الاطار، فان اول من ينبغي فعله هو تقليل تلك الخيارات امام العقل. بمعنى ان يتم تبني منهجا علميا في التفسير، يعتمد تسلسل الاحداث، ويستخدم الهاجس الذاتي بفاعلية منطقية، ويحدد الحكم المسبق المبني على افتراضات، تحولت بسبب طول التداول الى بديهيات او مسلمات. وتلك مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتتأكد بالدعم الحكومي. فهل آن الاوان للحكومات العربية ان تتقدم خطوة للامام، وان تشرع في الاصلاح؟ لنأمل ان تلك الحكومات قد وعت ان نظرية المؤامرة تشملها ايضا، وتسبب لها المزيد من الكوارث حتى على المستوى الداخلي، لطرحها وقائع دولية واقليمية، مشروعا وطنيا ومحليا.

Tuesday, December 14, 2004

الجهاد كنظرية اممية

لا يشك أي مسلم في مكانة (الجهاد) كأحد اصول الدين الإسلامي، وضرورته عبر مراحل ظهور وانتشار هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها. كما وتتضافر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة على الحض على الجهاد ووصف مكانة الشهيد كنتيجة لفعل الجهاد، في الدنيا والآخرة. ولعل اكثر الأمنيات قربا للقلب لدى الكثرة الغالبة من المسلمين هي الموت استشهادا، في سوح الجهاد المقدس.
والجهاد، كما هو معروف، هو أي فعل يقدم عليه الإنسان المسلم من اجل الدفاع عن دينه في وجه الهجوم او الاعتداء الخارجي الذي يستهدف انهاء او تحديد او تهميش الدين الإسلامي وهو ما يسمى بجهاد الدفع. كما يعني ايضا المبادرة الى الحرب والسعي لفتح الأراضي والبلدان (الكافرة) من اجل هديها الى نور الدين الإسلامي الحنيف وهو ما يصطلح عليه بجهاد الطلب. وهذا يعني ان لدينا نوعين من الجهاد حسب التعريف الفقهي، نوع للدفاع ونوع للمبادرة. هذا ما كان في بداية ظهور وانتشار الدين الإسلامي، والذي مازال يصلح في نظر البعض الى هذا الوقت، بل وهو صالح الى يوم الدين كما يؤكد السلفيون.
ولست هنا بصدد البحث في صلاحية مبدأ الجهاد الدفعي او الطلبي.. او حتى من اجل اثبات صحة او خطأ ايا منهما. اذ ان من الثابت ان الجهاد في سبيل الله كان هو المبدأ الأساسي وراء الفتوح الكبرى في عصر صدر الإسلام والتي ادت الى انتشاره في بقاع شتى من المعمورة، وبالتالي تغيير الخارطة السياسية والديموغرافية التي استمرت لقرون طوال قبل ظهور الإسلام. ولان مبادئ الدين الإسلامي وروح التسامح التي اتسم بها رافقت المجاهدين في غزواتهم، لم يلق ناشرو الدين الأوائل عنتا شديدا في اقناع الناس المفتوحة اراضيهم في اعتناق الدين الجديد، بل والمحاربة في صفوفه. لقد انتشر الدين برغبة المجاهدين الجامحة للاستشهاد، وبقوة الفكر وسحر المنطق القرآني، وبالمبادئ السامية التي حملوها الى الأمم في اقطار الأرض.
وبينما توقف الفتح الحربي، وانحسرت حتى بعض البقاع المفتوحة كالأندلس، استمر الفتح الفكري، واستمرت امم تدلف الى حضرة الدين الإسلامي طواعية ودون اكراه، اقتناعا بفكر رجاله، او تمثلا بأعمالهم الجليلة. وخلال قرون من الزمن، تكونت خارطة ديموغرافية جديدة، وارتسمت خطوط معينة وحدود فاصلة، كانت الأديان عنصرا فيها وان كان عنصرها الأول القوميات. لم تكن الحروب الصليبية في حقيقتها الا حروبا سياسية استخدمت فيها الشعارات الدينية لخداع شعوب اوربا وتوحيدهم حول قضية ما، ثم جرّت عليهم بسبب ذلك الكثير من الويلات، والمزيد من الفرقة. وهكذا بعد اكثر من خمسمائة عام من ظهور الدين الإسلامي، بدأت اولى المواجهات بين الدينين العظيمين، الإسلامي والمسيحي.. بدأت تحت اهداف سياسية معروفة، وانتهت بإشعار كل من الفريقين مدى قوة الآخر، والاهم من ذلك، حدوده المقدسة.
وهكذا لم يعد هناك من ينادي بجهاد (الطلب) اليوم، فليس هناك من يفكر حتى في خوض حرب لجعل فرنسا مثلا تصبح بلدا مسلما. وانتهى على هذا الأساس مبدأ الجهاد بالطلب، او بالمبادرة. ولكن بقي النوع الثاني، الجهاد للدفع. ولاشك ان الدفاع عن النفس والعرض والأرض والمال والوطن ضد الاعتداء الغاشم، هي مبادئ سامية وحقوق مقدسة في كل اقطار الأرض، وتحث عليها جميع الأديان والشرائع السماوية والأرضية. ولكن مورد استخدام هذا الحق، مقيد بقانون ومحدد بنطاق. فأما القانون فهو العجز عن استحصال الحق او دفع الضرر الا بالقتال، وأما النطاق فهو مدى شمولية الاعتداء. فليس من الحكمة افناء النفس في الدفع منفردا ما يمكن دفعه بدون تضحيات، او بتضحيات اقل، اذا اجتمع عليه.
ورغم وضوح النيات السياسية دائما وراء الشعارات الدينية، الا ان العامة عادة ما تنخدع بها المرة تلو الأخرى.. تارة لأنها لا تفهم الا لغة الوعد الديني، وطورا لأنها اخذت تقطف بعض ثمار هذا الوعد، دنيويا على الأقل. وهذا امر عام، استخدمه البابوات في حملاتهم الصليبية، وهناك من يستخدمه في رد ما يدعي انه حملات صليبية.. وصدّام مثال حاضر في الأذهان.
فلو تصورنا ان متطرفين مسيحيين، على الشاكلة التي كانوا عليها في القرون الوسطى، من الذين نظروا الى الدين الإسلامي على انه دين (الكفر والإلحاد)، وان بيت المقدس مدنسة بيد هؤلاء (الزنادقة) وما الى ذلك من النظريات والشعارات التي استخدموها في شن الحروب الصليبية، لو تصورنا طائفة متنفذة من هؤلاء تدعو اليوم الى ابادة المسلمين كما كان يفعل اسلافهم، فماذا يمكن ان يكون عليه الحال؟ لو كانت هناك حركات تكفيرية مسيحية كما تظهر لدى المسلمين اليوم مثل تلك الحركات، فكيف سيكون شكل الجهاد، وتعرفيه لدى كل فرقة؟ اذا كانت غاية المرء المسلم، حسب نظريات التكفير المعاصرة، ان يموت شهيدا في عملية (انتحارية) ضد (كافر) ما، فماذا ستكون غاية المسيحي الورع الذي عليه ابادة (الكفرة) بأية وسيلة؟
لقد ارتكبت الحكومات الغربية، خلال تاريخها الطويل الكثير من الفضائع، التي لا ينسبها احد اليوم على الدين المسيحي.. كما ارتكب بعض الحكام المسلمين مثل تلك الفضائع دون ان تعتبر تشويها للدين الإسلامي. فالدين والسياسة سارا عبر التاريخ في خطين متوازيين، وشكلت نقاط التقاطع منعطفات كبرى غير مسار التاريخ. ويجب مع زيادة استنارة العقل البشري، العمل على الحد من التقاطع، الذي لن ينجم عليه وفق توازن القوى الراهن الا انتكاسة عظيمة لا يعلم الا الله مدى خطرها.

رهان التوقيتات ومأزق الانتخابات العراقية

لعل ابرز احداث الساحة العراقية منذ انهيار صنم العبودية، في التاسع من نيسان 2003، هو انتظار الانتخابات، والنظر اليها على اساس انها الحل السحري لكل مشاكل العراق، الموروثة منها والمستجدة. واكرر ان (الحدث) الذي اشير اليه هو (ترقب) الانتخابات، وليست الانتخابات ذاتها. ذلك ان حدث الانتخابات لن يكون امرا معجزا، او حاملا للحلول النهائية للمعضلات التي استعصت على حكومة الاحتلال، ومجلس الحكم، ومن ثم على الحكومة المؤقتة.
ان هذا الترقب والانتظار ربما كان نتيجة حتمية لرغبة المواطن العادي للفرار من الواقع المزري الذي آلت اليه الامور في العراق، والذي فرض ظله على عقلية وتفكير المواطن العراقي، الذي لا يجد معنى حقيقيا لكل ما يحصل، من انتشار للفساد الاداري والسياسي، وتقصير فاضح في اداء الخدمات العامة، والاهم من ذلك، تردي الوضع الامني بشكل لا سابق له. تلك الرغبة التي عزفت عليها القوى السياسية لتنشد اغنية الانتخابات ذات الايقاع الجماعي، رغم جهل الكورس باللحن والكلمات.
في البداية ترقبنا تشكيل مجلس الحكم ليمنح الحاكم الاداري الامريكي المشورة ويمنعه من ارتكاب المزيد من الحماقات، وتعزز الامل بتشكيل الوزارات.. ثم خبا املنا بعد ان وجدنا الاحزاب الممثلة في مجلس الحكم تهيمن على تلك الوزارات وتتخذها منابر اعلامية لها. ومع افلاسها الداخلي ونضوب شعبيتها، لم تأبه تلك الاحزاب للنقد الذي اخذ يرتفع صوته رويدا رويدا، حتى اصمّ الاذان احيانا. فتدهور اداء الدوائر الحكومية، بل وزاد احيانا في فساده عن حاله تحت الحكم البائد، الذي تصورنا ساذجين انه ضرب الرقم القياسي في الفساد والافساد.
وارتسمت اولى مراحل العملية السياسية مع اصدار مجلس الحكم السابق، متآزرا مع سلطة التحالف المؤقتة، اتفاق 15 تشرين الثاني 2003، والذي حدد توقيتات لانشاء مجلس وطني، واصدار قانون اساسي للفترة الانتقالية (دستور مؤقت)، ومن ثم تشكيل حكومة مؤقتة. وبما ان مجلس الحكم لم يستطع ان يكون جماهيريا بالقدر الكافي، فانه لم يكن قادرا بالمثل على (تمرير) قراره هذا بيسر. فقد احتجت قوى بالغة التأثير، متمثلة بالمرجعيات الدينية الشيعية، على طريقة تشكيل المجلس الوطني المؤقت، وطالبت بالانتخابات. وكانت تلك اولى الدعوات المباشرة التي تطرح مقابل خطة مجلس الحكم. وكرد فعل تلقائي، رفض رجال الدين من السنة اجراء انتخابات في مثل الظروف الحالية. وكانت لكل من الطرفين حجته المقنعة. اذ ان الانتخابات هي الطريقة الوحيدة لاختيار حكومة شرعية، تمثيلية، وذات مصداقية. ومن جهة اخرى فان على تلك الانتخابات لكي تحقق تلك الصفات ان تكون شاملة ونزيهة وعادلة، وهو امر غير مؤكد.
ثم عمد مجلس الحكم الى مناورة سياسية تمثلت باصدار قانون ادارة الدولة، الذي حدد موعد الانتخابات التشريعية بنهاية كانون الثاني 2005 كحد اقصى، وهو موعد يسبق بشهرين فقط موعد تلك الانتخابات حسب اتفاق 15 تشرين الثاني! ومع ذلك فانه لم يشر الى الوسيلة التي ستسلم بها السلطة. وظل الامر قيد الترقب حتى فترة وجيزة قبل موعد الثلاثين من حزيران، ليصدر مجلس الحكم (ملحقا) بقانون ادارة الدولة يحدد الكيفية التي ينشأ بها المجلس الوطني المؤقت.. وهي لا تختلف من حيث الجوهر عن الالية الاولى، بل لعلها كانت اقل شمولية، واقل تمثيلية للقوى السياسية العراقية. ويذكر العراقيون انتظارهم لتاريخ 30 حزيران وكأنه تاريخ التحول الاكبر، ذلك الذي سيعمل على تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة حديثة التشكيل.. ثم يتذكرون كيف اصابتهم خيبة الامل من اداء الحكومة الجديدة، التي واصل شخوص مجلس الحكم السابق التأثير فيها لكونهم نواة تلك الحكومة.
ولان مجلس الحكم السابق لم يضع في اولوياته المواطن العادي، فانه عمل على رسم شكل السلطة القادمة بالطريقة التي تضمن بقاؤه فيها. تجلى ذلك في فرض اعضاءه السابقين اعضاءً في المجلس الوطني المؤقت، لكي يبقوا في موقع الصدارة ويعملوا على منع الجهات غير المرغوب فيها من احتلال المناصب الرفيعة، وينأوا بانفسهم عن الاقصاء نتيجة افعالهم، كما هو شأن النظام الديمقراطي.
ولما كان كل شيء مؤقتا، او هكذا تم تصويره، فان مثل هذه الخدع والألاعيب السياسية لم تواجه بمعارضة شديدة، خصوصا مع احتواء المعارضة حينا، واغفالها احيانا اخرى. نعم، لم يكن مجلس الحكم جلادا ادخل الشعب العراقي زنزانات التعذيب، ولكنه لم يكن بالمقابل يهمه تضور الآلاف من مواطنيه جوعا، ولم يشعر بآلامهم ولم يتفهم قلقهم
وقبيل حل سلطة التحالف المؤقتة ومجلس الحكم، اصدرا قرارات تتعلق بتأسيس المفوضية العليا للانتخابات، والقانون الانتخابي، وتنظيم الاحزاب. ولم يطرح ايا من هذه القرارات على النقاش العلني، ولم يستشر فيه ايا من الخبراء سواء على الصعيد الوطني او الدولي. ذلك ان تلك التشريعات هدفت بالدرجة الاولى الى توجيه الانظار على الاحزاب اكثر من الشخصيات، وبالتالي تلافي السقوط السياسي المحتمل. فجاء النظام الانتخابي بطريقة القوائم ذات التمثيل النسبي، وهو امر لابأس به لولا اعتماد العراق منطقة انتخابية واحدة. اذ يمكن في هذه الحالة تجاهل اية مناطق عازفة عن الاشتراك في الانتخابات دون ان يظهر لذلك تأثير مباشر في نتائجها. كما يمكن اختيار العناصر (الموالية) ضمن القائمة دون النظر في الكفاءة والمقدرة الشخصية. فلا نجد الاحزاب، حين تطرح قوائمها للانتخابات، مهتمة كثيرا بالبرامج الانتخابية التي يفترض ان تقدمها للناخب.. فكل ما يهمها هو كيفية تشكيل تحالفات تحظى بالقدر الاكبر من الاصوات، على اساس تحزبي، او عشائري، او حتى طائفي.
واليوم تتصاعد الدعوات لتأجيل الانتخابات، ومرة اخرى لفترة محددة.. لينتقل (الترقب) من تاريخ 30 كانون القاني المقبل إلى تاريخ لاحق، ربما يمتد لستة اشهر بعده. فهل سيكون التأجيل بحد ذاته حلا لهذه الاشكالات؟ لا اعتقد. ربما سيكون المناخ بعد تلك فترة افضل من ناحية امنية، بناء على ما استطاعت تحقيقه الحكومة من تقدم في هذا المجال. ولكن علينا ان نتذكر ان الظروف الامنية كانت افضل قبل توليها السلطة، ولست بصدد تحميل الحكومة مسؤولية التردي الامني، حيث نعلم جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها مقارنة بقصر الفترة الزمنية التي اتيحت لها. غير ان العبرة المستفادة من المسيرة غير السارة لمجلس الحكم، وللحكومة الانتقالية التي خلفته، ان الشخوص السياسية الممسكة بخيوط الاحداث، لم تكن بمستوى الوطنية المطلوب للعهد الجديد.. ليس لانها لا تمتلك تاريخا نضاليا، او انها تفتـقر إلى الكفاءة السياسية، بل لانها قدمت المصلحة الحزبية الضيقة على المصلحة العامة.
ان الرهان على الزمن لم يكن في صالح الشعب فيما سبق، فهل يمكن ان يكون في صالحه هذه المرة؟ ذلك ممكن، اذا لم يكن رهانا على التوقيت فحسب. فاذا اردنا الاصلاح ودفع عجلة الديمقراطية إلى امام، فلن يكون ذلك بتأجيل الانتخابات، ولكن باعادة النظر في النظام الانتخابي، وهو ليس من ضمن مواد قانون ادارة الدولة، أي يمكن تعديله عن طريق مجلس الوزراء وبموافقة مجلس الرئاسة والمجلس الوطني المؤقت. والتعديل المقترح هو اما بجعل كل محافظة دائرة انتخابية، بحيث تضمن كل محافظة عددا محددا من المقاعد الانتخابية يتناسب وتعداد نفوسها، او باشتراط جعل المرشحين في كل قائمة موزعين على جميع المحافظات وبنسبة السكان ايضا. ان الاقتراح الثاني قد يبدو غير عملي بالنسبة للاحزاب المحلية، او القوائم التي تشمل محافظة واحدة او مجموعة محافظات. ولكن ذلك يمكن حله باتباع طريقة حسابية تفرض على القائمة ان لا يتجاوز عدد مرشحيها المقدار المسموح لكل محافظة ممثلة فيها. فعلى سبيل المثال، لنقل ان عدد ممثلي محافظة بابل 15، والنجف 12، وكربلاء 13. فاذا تضمنت القائمة اسماء من هذه المحافظات الثلاثة فقط، فيكون اكثر عدد مسموح لها هو 40 مرشحا، وهو مجموع ممثلي هذه المحافظات. وبالطبع يمكن فرض تسلسل تسجيل المرشحين ضمن القائمة ليحقق عدالة التوزيع في حالة فوز القائمة (كما هو متوقع) باقل من النسب الكاملة. اما اذا اخذ بالاقتراح الاول، فسيكون الامر غاية في السهولة، حيث تصوت كل محافظة ضمن رقعتها الجغرافية على قوائمها الخاصة وترسل ممثليها إلى الجمعية الوطنية حسب نسبة سكانها.
ربما يقال ان الوقت غير كاف لاجراء تغييرات مثل تلك التي اقترحها، وهذا رهان اخر للتوقيتات علينا ان نواجهه بحذر. ولكن اذا تقرر اجراء التغيير لصالح دفع كل اطياف الشعب العراقي للاشتراك بالانتخابات، فلا بأس بالتأجيل عندها.. فليس التوقيت هو ما يهم في نهاية الامر، انما جدوى العملية برمتها. وعلينا التذكير ان مقدار نجاح الانتخابات هو مقياس شرعية الحكومة المشكلة بموجبها. وعلامة النجاح ليست في حضور عدد معين من الناخبين إلى الاقتراع، بل في مشاركة الجميع سواء على مستوى الطوائف او الاحزاب او المحافظات.. وهو ما يضمن قبول النتائج، والانخراط في العملية الديمقراطية الاهم: كتابة الدستور الدائم.

Monday, November 29, 2004

ليست بالاغلبية وحدها تنجح الانتخابات

توصل الباحثون من استطلاع للرأي قامت به احدى الصحف الامريكية نشر قبل فترة وجيزة، الى ان ما يزيد على 70% من الشعب العراقي يعتقدون ان الانتخابات القادمة في العراق هي لانتخاب رئيس للجمهورية. واذا صحت مثل هذه الاستطلاعات وافترصنا انها تحمل درجة ما من المصداقية، بحيث يمكن تحليل تلك المعلومات، فاننا يجب ان نتوقف قليلا لبحث اسباب جهل العامة بالعملية الانتخابية القادمة.
والواقع انك اذا اجريت مسحا بسيطا لغرض مقارنة البيانات تجد ان الكثير من الناس يجهل العملية برمتها بسبب عدم وضوحها منذ البداية، منذ اعلان قانون ادارة الدولة، ومن ثم تشكيل حكومة مؤقتة، فـ(انتخاب) مجلس وطني مؤقت، وتعيين مفوضية عليا للانتخابات، وصولا الى اعلان بدء تسجيل الناخبين والمرشحين اوائل الشهر القادم. في حين ان هناك فئة اخرى من الناس لا تكترث لمثل هذه العملية، وذلك امر طبيعي يحصل في كل بلدان العالم الديمقراطي. غير ان عدم الاكتراث هذا قد يكون ناتجا ايضا عن جهل في العملية الديمقراطية، اذ نادرا ما يكرس الانسان جزءا من وقته لفهم امر ما ثم يعزف عنه بالمرة.
ولما كانت الشفافية شعارا ومفردة مهمة في العملية الديمقراطية، التي تنتمي اليها مفردة الانتخابات الدورية، فان من دواعي العجب ان لا تحظى المسيرة الانتخابية بالاعلام الكافي. ويمكن ان نستنتج ان الاعلان عن بدء العملية الانتخابية، لم يكن لتثقيف الناخبين كما ينبغي ان يتم، بل لاعلان جدول زمني للفعاليات الانتخابية دون اكتراث لشرح النظام الانتخابي، وحمل الناخب على فهمه وبالتالي حثه على المشاركة.
والمشكلة ان هناك ناخبين مؤهلين ربما يرفضون المشاركة، لاعتقادهم ان الوقت غير مناسب لاجراء الانتخابات، من جهة بسبب تردي الوضع الامني، ومن جهة اخرى لضبابية الموقف السياسي، وخصوصا موقف المدن المضطربة، التي يعتقد الكثيرون ان الانتخابات التي تجرى بدون اشراكها ستكون بابا لمَشكلة الوضع السياسي للحكومة، وتدويم جو الازمة امام الحكومة التي ستتمخض عنها تلك الانتخابات. والانكى من ذلك ان القانون الانتخابي المزمع تطبيقه، يعتمد العراق كله منطقة انتخابية واحدة، وباستخدام قوائم ذات تمثيل نسبي. الامر الذي يعني انه يمكن دائما اهمال اية منطقة او مدينة او محافظة تحت اية ذريعة. فقوائم الاحزاب لن يشترط فيها التمثيل المتكافيء للمحافظات، وقوائم المستقلين لن تجد لها طريقا الى الفوز بسبب صعوبة التنافس مع الاحزاب على مستوى العراق اجمع، اذ لا يتوقع مثلا ان يصوت اهالي الموصل الى مرشح مستقل من ذي قار، مهما بذل من دعاية انتخابية. وسيكون الاولى بالنسبة لكل الناخبين التصويت لصالح قائمة يكون فيها عدد من الاسماء التي يعرفونها وان جهلوا القسم الاعظم منها.
ورغم هذا وذاك، يكاد يعلن كل مسؤول في الدولة عن عزمها في المضي قدما في العملية الانتخابية، مهما تخلف عنها، ومهما كانت غير واضحة للناخبين. والرهان يقوم في الواقع على ان الاطراف المتحكمة في تلك العملية هي الاطراف المستفيدة منها. واقصد الاحزاب الكبرى من جهة، والشيعة كأغلبية من جهة اخرى. وربما قال قائل، وما الضير في ان يصر الشيعة على اجراء الانتخابات، حتى وان كانوا اغلبية؟ والحق ان الاصرار على اجراء الانتخابات هو امر رائع، ولكن يجب ان يكون متناغما. لا تستطيع اية فئة ان تعمل على ايجاد الظروف المؤاتية لها دون ان تنظر في امكانية الفئات الاخرى على توفير مثل تلك الظروف. ان مبدأ سيادة الاغلبية يصطدم في النظم الديمقراطية دائما بمدأ اخر هو حماية حقوق الاقليات. وهذا يعني ان الاغلبية لا تستطيع ان تقرر كل شيء، فقط لانها اغلبية. ومن ناحية اخرى، فان الاقليات، وان كان يجب احترام حقوقها، الا انها لا يجب ان تسعى لـ(فيتو) كل قرارات الاغلبية. والمعادلة قائمة على محاولة الاقناع ومد الجسور وسياسة الحل الوسط. وبالطبع ستكون هناك اوقات للقرار الحاسم، وعندها سيكون مثل هذا القرار مُبررا بشكل كاف.
وفي حالة الانتخابات، والتي يعلم الجميع ان الكثير من السنة قد يرفضون الاشتراك فيها، كما يبدو جليا من تصريحات كبار رجال الدين السنة، فان من الواجب بحث الامر معهم بتعمق. يجب ان يصار الى عقد مؤتمرات مشتركة، واجراء حوارات بناءة على كافة المستويات، وخاصة على المستوى الشعبي. فهل ان الحكومة مستعدة لمثل هذه الفعاليات؟ لو كانت العملية شفافة في البداية، لكان الامر اهون الان.. ولكن للاسف، فان مجلس الحكم السابق، الذي يأبى ان يتنازل عن السلطة، او ان يوسع المشاركة فيها، يعمل بكل جهد لايجاد اليات تخدم مصالح الاحزاب المشتركة في ذلك المجلس، وربما بضعة احزاب او تيارات لم تكن مشاركة فيه، ومن ثم اغلاق العملية السياسية على هذا القدر، بحث لا يوجد متسع للمستقلين، وان كانوا نظريا يتمتعون بكافة الحقوق للترشح. وفي خضم هذا لا يبدو ان تلك الاحزاب مهتمة جدا باقناع او حمل جميع العراقيين على التصويت، طالما كانت على ثقة من الحصول على نسبة كافية من المشاركة تمنع الطعن بالشرعية لمن يفوز بها مستقبلا.ان الانتخابات هي امر معقد وبالغ الصعوبة، ولا يجب الاستهانة بكل جهد يبذل لانجازه، بل على العكس، يستحق العاملون على انجاحها الشكر والعرفان. غير ان النجاح لا يكون فقط ببذل الجهود على اتجاه واحد، بل بمحاولة التحرك باتجاهات مختلفة طلبا للنجاح على كافة الصعد، وليس على صعيد دعم الاغلبية فقط.

Sunday, November 28, 2004

من المستفيد من غسل الدماغ العربي؟

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء، ظهر توازن جديد للقوى على الساحة الدولية، فلم يعد الاستعمار التقليدي والرغبة في السيطرة على طرق التجارة بالاضافة الى مصادر الثروات، لم تعد هذه هي اسباب الحروب، بل تحولت الى صراع ايديولوجي تدميري يدعو كل طرف الى افناء الطرف المقابل. ونتيجة لهذا الهاجس المخيف عملت القوتان الرئيستان منذ اوائل الخمسينات وحتى زوال احدهما –الاتحاد السوفيتي– في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، عملت هاتان القوتان على خوض سباق شامل وليس في التسلح فقط، بل امتد الى التدخل في الصراعات الاقليمية ودعم الحكومات الموالية.. بحيث اصبحت اغلب بلدان العالم اما منحازة لاحدهما، او منطقة نفوذ له.. وتجد في كلتا الحالتين معارضة، قد تكون مسلحة، مدعومة من الطرف الاخر.
ان توازن القوى هذا خلق واقعا جديدا في عموم العالم، يقوم اما على مسخ الشخصية الوطنية من اجل البقاء، او على تقديم القرابين البشرية كضحايا للحروب المستمرة من اجل تلك الشخصية والهوية الوطنية. وكلا الامرين افرز نتائج عبثية وفوضوية في الشعوب، وعدم الثقة في المستقبل، وانهيار القيم التي تدعو لها الاطراف المتنازعة امام كثرة ضحايا الحروب ومشاهد الرعب والفزع لدى الابرياء.
وفي محاولتها خوض الحروب على كافة المستويات، فقد سلكت مخابرات القوتين العظميين طرقا شائنة في نظرنا الحاضر للفوز بمعارك مخابراتية، تقوض سلطة واسناد احدهما على حساب الاخر. وظهرت قصص خيالية في بعض الاحيان عن القدرات العالية لتلك المخابرات سواء على الصعيد القومي، او على الصعيد الاممي. وشاعت رهبة تلك المخابرات لدى عامة الناس، بحيث اصبح هناك اعتقاد شائع على قدرتها على تغيير الانظمة.. بل ان جميع الانظمة لابد ان تكون عميلة والا فانها ستستبدل فورا.
ولما كانت نظريات من هذا النوع تخدم اغراض الحرب الباردة، على الاقل من ناحية زرع الخوف في نفوس الفريق المقابل، فقد عملت دوائر مخابرات الطرفين على تغذيتها بشكل مستمر وباستخدام كافة القنوات، بدءا من المستوى الشعبي ومرورا باستخدام وسائل الاعلام المختلفة وانتهاءا بالمستوى القيادي للشعوب والامم.
ولازلت اذكر فلما شهيرا عرض خلال فترة السبعينات، في اوج الحرب الباردة، ضمن مجموعة من افلام التجسس التي وجدت لها ارضا خصبة واعتمادات هائلة. ذلك الفيلم هو (تلفون) بطولة النجم الشهير (تشارلز برونسن).. والذي يقوم بدور عميل مخابرات سوفييتي يعمل من اجل منع عميل اخر خائن يستغل معرفته ببعض الاسرار ليوجهها ضد اهداف حيوية في الولايات المتحدة. الفيلم يعكس مزاج التصديق في تلك الفترة، لان قصته تقوم على تدريب اناس عاديين ليكونوا انتحاريين باستخدام التنويم المغناطيسي، بحث اذا سمع احدهم من خلال التلفون بمقاطع شعرية معينة، غط في سبات عميق وذهب لتنفيذ العملية الانتحارية بدون شعور. واليوم، نعرف ان التنويم المغناطيسي وان كان يحرر العقل الباطن لدى الانسان، الا انه لا يستطيع ان يغير قناعاته الراسخة، وقيمه العليا.. والتي منها الرغبة في الحفاظ على النفس، تلك الغريزة االمتأصلة، وبالتالي لن ينجح أي تنويم مغناطيسي على حمل الانسان –على غير ارادته– على الانتحار.
ان افلاما كهذا، وكتب ومقالات ومنشورات، وبرامج تلفزيونية ومقابلات صحفية، وندوات ثقافية ومؤتمرات علمية، كانت تركز طيلة تلك الفترة على النشاط الاستخباراتي، وعلى قدرة التجنيد الخارقة التي يتمتع بها الفريقان، وعلى امكانية تحقيق الاهداف المنشودة من خلال تلك الحرب غير الباردة ولكن غير المنظورة ايضا. وانعكست هذه الدعاية الشاملة على مجتمعنا العربي بكل ثقلها. ففي اوائل القرن الماضي، لم تكن دولة واحدة عربية يحكمها اهلها، بل كانت مستعمرات يحكمها الانجليز والفرنسيون والايطاليون فضلا عن الاتراك. وحين انهزمت الامبراطورية العثمانية، اصبحت الدول العربية مستعمرات صريحة للدول التي ستشكل فيما يلي اقطاب الحربين الكبيرتين المدمرتين. ثم ينتصف القرن على تبدل اخر، حيث نشأت طبقات مثقفة في الدول العربية بدأت تطالب بالتحرر من الاستعمار، متأثرة الى حد كبير بالدعاية السوفيتية حول حرية الشعوب والشعارات البراقة من المساواة الى الحرية. وسرعان ما كانت الانقلابات المسلحة في تلك البلدان تأتي الى السلطة باناس اعتنقوا مذهب (الثورة لمن يصنعها) وبالتالي اصبحوا خلال نصف القرن التالي الصناع الوحيدين لقرارات الامة، واخمدوا كل معارضة بكافة الوسائل المتاحة.. ولم تصب الشعوب العربية بالصدمة اولا، لانها لم تدرك مقدار الخدعة التي تعرضت لها. ولكنها حين استفاقت ووجدت حالها بعد التحرر من الاستعمار ليس احسن، ان لم نقل اسوأ، من حالها قبله.. فبدأ السؤال يطرح بجرأة اكثر: ما الجدوى من كل ما يحدث؟
ربما لن تتم اجابة أي سؤال مثل هذا ابدا، فالجهل صفة الصق بالانسان من صفة العلم. وطالما كانت الامور تجري بشكل غير مفهوم لنا، فهي بالتأكيد ستكون مفهومة لاخرين، صناع السياسة ودهاقنتها، ووكالات الاستخبارات وعملائها، واجهزة الحكم الوطنية منها والعميلة. ان هؤلاء وغيرهم يمتلكون اجابات محددة، ولديهم تصورات كاملة وخطط شاملة لما حدث ويحدث وما قد يحدث في أي وقت في المستقبل. وبالطبع فان فكرة عامة مثل هذه الفكرة تخدم اهداف اجهزة الحكم الوطنية، والتي اقنعت الشعوب بعدم جدوى الثورة ضد الانظمة الفاسدة، المحمية جيدا بعلاقاتها الحميمة مع مصادر صنع القرار في الدول الكبرى، والتي ستعمل على حماية هذه الانظمة ضد أي عمل يستهدف ازاحتها عن السلطة.
لا انكر ان اسناد الانظمة العربية من الخارج كان واقعا ملموسا، غير ان المبالغة بهذا الاسناد هو ما سبب حالة اليأس والقنوط التي تحولت اليها الشعوب العربية، بحيث انطوت الى ممارسات اكثر خصوصية، ورفضت العمومية السياسية، ولجأت الى الدين كمنفذ اخير لتحرير شخصيتها المكبوتة.. ولم يكن جهاز السلطة غائبا عن مثل هذه التحولات، فعمل على الاستفادة منها مجددا.. واستعمل قضايا اقليمية، في حملات اعلامية منسقة لتبدو قضايا مصيرية، وركز الانظار حولها.. واستجابت الشعوب المغلوبة من جديد لهذه الخدعة، وانساقت مرة اخرى تحت تأثير تنويم مغناطيسي لا يعمل على الضد من الانا الاعلى، بل يستغل هذا الانا الاعلى لتقديم دفعة جديدة تنعش الفرد في لحظات الاندماج العضوي مع المجتمع.
لقد تعرض الدماغ العربي، خلال فترة النصف القرن الماضية، الى اكبر عملية غسل دماغ، بدأته قوى الاستعمار البائدة، واستأنفته بجدارة انظمة حكمه المحلية، وغذته الحرب الباردة بدون قصد. ولازالت الشعوب العربية ترزح تحت نير الجهل السياسي الذي يطبق عليها من طرفي الحكومة المعمرة، ومعارضتها المُضَللة.. وفي محاولتها للتعلم ترتكب الكثير من الاخطاء، والتي اولها التسرع في التحليل وافتقار الرؤية الواضحة، والاعتماد على فئات محددة لرسم صورة الاحداث.. لقد كانت الشعوب العربية نتيجة الضغط الاعلامي المنسق الذي تعرضت له عاجزة في اغلب الاحيان عن تصور الاحداث بدون ان يكون الفرد العربي ذاته، او المجتمع العربي مركزا له. واذا اردنا ان نخرج المواطن العربي من متاهات الافكار القبلية، ونظريات المؤامرة المستولية على العقول العربية، فعلينا ان نحمله على التفكير في سياق الاحداث كاحتماليات وارجحيات، بدلا من التفكير فيها على اساس بديهيات ومسلمات.. وهذا يعني ان هناك مجالا لحدوث امور بغير اتفاق، وليس عليه ان يعتبرها موجهة ضده. فليس العرب، وان كانوا احيانا اثرياء، هم مركز الكون، الذي تدور حوله الافلاك.

Sunday, November 21, 2004

نظرية في فوز بوش بالانتخابات الرئاسية

في يوم الانتخابات الامريكية، الثلاثاء 2 تشرين الثاني، نشرتُ في احد المواقع الالكترونية على الانترنت مقالا تنبأت به بفوز الرئيس الحالي جورج دبليو بوش في تلك الانتخابات، وبنيت هذا الاستنتاج على حقيقة ظهور اسامة بن لادن في شريط مصور موجها كلمته الى الشعب الامريكي.
ولا ادعي انني الوحيد الذي تكهن بنتيجة الانتخابات استنادا الى هذا الحدث بالذات.. فقد نشرت في مواقع عديدة، وفي بعض الصحف المطبوعة، تكهنات مماثلة في النتيجة، وان كانت مختلفة في طريقة التناول. فقد عزى الكثير من الباحثين ظهور ابن لادن في هذا الوقت إلى تخطيط مسبق مع القيادة الامريكية لمساعدة الرئيس بوش على اعادة صور احداث ايلول وبطلها ابن لادن الى الواجهة، وطالما كانت رهان بوش الاول والاخير يقوم على حربه على ما يسمى بالارهاب، الذي يفترض ان يكون ابن لادن زعيمه المطلق، فان مثل هذا الشريط كفيل باحداث اكبر الاثر على الناخبين باتجاه التصويت لبوش.
والواقع انني لا املك دليلا حسيا يفند هذه النظرية، ولا اعتقد ان احدا يستطيع ذلك باي حال. ذلك ان التآمر يقوم اساسا على تحقيق غاية ما باستخدام اساليب ووسائل قد لا تكون سليمة او حتى معقولة. فبالامكان دائما رد أي نتيجة او حدث الى تخطيط تأمري مسبق.. ونادرا ما استطعت ان اثبت لمن يجادل باستخدام مثل هذه النظريات ان نظرية المؤامرة ليست صالحة دائما لتفسير المعطيات والحوادث. الا انني اتفق انها، على تعقيدها في بعض الاحيان، تساعد معتنقها على الوصول الى راحة نفسية من جهة معرفة الاسباب على الاقل.
ولكنني لا اجد مبررا كافيا للاعتماد على نظرية المؤامرة في تفسير الاحداث التي يمكن تفسيرها بشكل اكثر سلاسة بالطرق الطبيعية. واشير هنا الى نظرية علمية تقول ان أي تفسير (علمي) لحدث ما يجب ان يكون (سهلا)، واذا كانت هناك نظريتان لتفسير حدث واحد، فالاصح منهما هي (الاسهل)، أي التي تعتمد طرقا بسيطة وغير معقدة في التفسير. فاذا قلت لصاحبي الذي ينتظرني في الطابق الارضي من بناية ما انني (سأنزل) اليه، فربما سينتظرني عند السلم، رغم ان هناك وسائل اخرى (للنزول)، منها التدلي بالحبال مثلا.
وبالعودة الى موضوعة فوز بوش بناءا على شريط ابن لادن، فان التفسير البسيط الذي اعتمدته ان ابن لادن رغب فعلا في ازاحة بوش عن السلطة، وان الرسالة وصلت الناخب الامريكي على هذا النحو وبالتالي دفعت بعض المترددين الى التصويت لصالح بوش، واستدللت بتغير اسلوب اسامة بن لادن في الخطاب الحماسي الثوري. ولو كان بوش هو من طلب من ابن لادن فعل ذلك، لطلب منه ان يظهر كما عهده الشعب الامريكي، مهددا متوعدا مزمجرا، لا هادئا ساكنا بل ووديعا ايضا.
كما ان مروجي نظرية المؤامرة لا يقولون لنا لماذا يعرفون هم تلك (الحقائق) التي يدعون معرفتها على وجه اليقين، ولا يعرف غيرهم بها، خصوصا أولئك الذين تمسهم بشكل مباشر (الامريكيون في هذه الحال).. اذ لماذا لا يتهم احد الرئيس الامريكي انه يقيم علاقات مع الارهابيين وانه يستخدمهم في حملته الانتخابية؟ اليس اثبات مثل هذا الاتهام كفيل باسقاط ترشيحه؟ بلى، لو استطاع معارضو الرئيس الامريكي، او مؤيدو خصومه اثبات هذه النظرية، ولو من جهة كونها نظرية صالحة للبحث، لما ترددوا في ذلك ابدا.
ان الفشل في تفسير الاحداث على المدى القريب، واساليب الدعاية الموروثة عن الحرب الباردة، والتعتيم وعدم الشفافية الذي تتميز به الانظمة العربية، واستخدام كل وسيلة ممكنة لابعاد تفكير المواطن العربي عن واقعه غير السار.. هي باعتقادي مسببات رئيسة لاعتناق نظرية ترجح عمل تآمري، بدل استكناه الحدث وتحليله منطقيا للوصول الى مسببات حقيقية للاحداث. وطالما وجد من يؤمن يتلك النظريات فلن يكون ممكنا البحث في الواقع العربي بشكل عام.. فالنتيجة التي يصلها اولئك (المحللون) ان هذا شيء مخطط له، وان ما سيأتي بعده مخطط له ايضا، وهكذا دواليك.. ولسنا الا احجارا في رقعة الشطرنج الكبيرة التي يلعب بها الكبار. فهل هناك واقع اكثر بؤسا من تصور حال الشعوب لا حول لها ولا قوة؟ ومن يستفيد من غسل الادمغة هذا؟

Sunday, November 07, 2004

التوافق وطريق الفوز بالانتخابات

قبل سقوط النظام البائد، كانت المعارضة العراقية تعقد اجتماعاتها في المنفى، في لندن وبيروت وحتى في اربيل. ولم تكن تسير هذه الاجتماعات دائما على نحو طيب، فالنزاعات والخلافات كانت موجودة ولم تكن خفية حتى قبل استلام مقاليد السلطة. ولم يستطع المجتمعون ان ينتخبوا حكومة منفى، التي لو قدر لها ان تتشكل لتداركت الكثير مما حدث في العراق نتيجة قصر نظر القيادة الامريكية.
على كل حال، ان ذلك امر اصبح في ذمة التاريخ. ولكني اذ استذكره الان، فلأن اطراف المعارضة الرئيسة اصبحت فيما يلي مجلسا للحكم، ومن ثم نواة المجلس الوطني. وهي القوى الرئيسة الفاعلة في الساحة السياسية العراقية اليوم، والتي يتوقع ان تفوز بمعظم مقاعد الجمعية الوطنية عند اجراء الانتخابات في بداية العام المقبل. ان هؤلاء المختلفين بلا سلطة، قد أئتلفوا اليوم بعد ان آلت اليهم السلطة، فما الذي حدث؟
اذا القينا نظرة على انظمة الحكم عبر تطورها وجدنا انها اما انظمة فردية او جماعية، ديمقراطية او متسلطة. وهذا يعني انه ليس شرطا ان يكون الحكم الجماعي ديمقراطيا (كما هو حال الانظمة الشيوعية). كما ان الانظمة الارستقراطية الاقطاعية ليست احسن حالا وان لم تحكم بايديولوجية صارمة. والفارق بين هذه الانظمة والانظمة الديمقراطية، هو مقدار فسحة الاختلاف، ففي الانظمة الاستبدادية تكون المعارضة في درجاتها الدنيا، بينما تتصاعد درجة المعارضة مع تصاعد الوتيرة الديمقراطية. والواقع، ان القوى السياسية في الدول الديمقراطية نادرا ما تتفق، ليس فقط نتيجة لطموحاتها، ولكن ايضا لطبيعة تمثيل الناخبين المختلفين التي تحملها هذه القوى، والبشر مختلفون طبيعة. ولكن يحدث في بعض الاحيان ان يتفق حزبان او اكثر في حكومة ائتلافبة، وهذا يكون بعد معرفة وزن كل من هذه الاحزاب من خلال صندوق الاقتراع.
لقد كانت خلافات المعارضة العراقية في المنفى، خلافات صحية.. وكانت حدوثها يدل على ترسيخ لمباديء الديمقراطية.. وان كان الثمن الفشل في تشكيل حكومة المنفى. لقد ظننا حين تم تشكيل مجلس الحكم ان تلك التجارب سوف تنعكس ايجابيا على اداء المجلس بحيث تكون تلك الخلافات بناءة وهادفة، وتسير في اتجاه تثبيت اركان الديمقراطية. وفي مناسبة واحدة، اظهر مجلس الحكم خلافاته الى العلن: اصدار قانون ادارة الدولة المؤقت. وقامت الدنيا ولم تقعد، ثم تم التوقيع على هذا القانون بكل هدوء وبدون أي تغيير بعد مرور بضعة ايام فقط. وكان الامر مدعاة للعجب والاستغراب. وكان بعض المقربين من مجلس الحكم يفاخرون بان القرارات لا تتخذ بالتصويت بل بـ(التوافق) وهو نظام عمل جديد افهم منه ان بعض الاعضاء يوافقون على اصدار قرار معين اذا وافق اعضاء اخرون على اصدار قرار اخر (شيلني واشيلك).. ولان دور مجلس الحكم لم يكن رياديا كما كنا نتمنى فقد تأخر تسليم السيادة سنة كاملة. ولكن مجلس الحكم ضمن انه باق في سدة الحكم قبل ان يحل نفسه.
واليوم لم تعد هناك خلافات بين الاحزاب الرئيسة، بل توافقات تضمن لكل طرف جزءا من (الكعكة). هذا الامر ادى الى الغاء دور المسائلة في تحسين ورفع واقع عمل مؤسسات الدولة، فمثلا ليس هناك نقد من المجلس الوطني الى وزارة ما، ناهيك عن رئاسة الوزارة او الرئاسة. فقد يكلف هذا النقد غاليا في المستقبل ويخسر الاعضاء المنتقدون حليفا، سيكون مُهماً مَهما قلّ شأنه. ان التحالفات التي تجري اليوم ليست قائمة على تمثيل الناخبين، وانما على قاعدة التوافق التي اسكتت المعارضين، ولكنها لم تقنعهم. هذه التحالفات التي تعقد دون استشارة الناخبين لا تكترث باصدار برنامج انتخابي، او خوض حملة انتخابية، فليس على الناخب ان يقتنع بجدوى برنامج حزب او كيان سياسي، بل ان عليه ان يصوت بالطريقة التي سيحمل عليها حملا، وباستعمال كافة الوسائل الدنيوية وغيرها.
حينما بدأت المعارضة السابقة في الاتفاق، ولم يعد هناك اختلاف، ارتسمت لي صورة مفادها اننا ننتقل من عصر استبداي فردي الى عصر استبدادي جماعي. وليس من شك، ان رموز المعارضة السابقة هم اناس وطنيون وعانوا من تعسف وظلم النظام البائد. الا ان الساحة يجب ان لا تقتصر عليهم، فمن بقي في العراق ربما كان اكثر تعرضا للظلم، ويستحق ان يأخذ فرصته في الترشح وتمثيل الشعب بكل حرية.. وهذه هي مسؤولية تاريخية تتحملها العناصر المتنفذة للقوى السياسية الحالية. عليها ان تفتح الباب امام الجميع، لا ان تفكر في احتكار السلطة.. في هذه المرحلة على الاقل.

Tuesday, November 02, 2004

اعرف من سيفوز في الانتخابات الامريكية

اليوم يقرر الشعب الامريكي من سيكون رئيسه لفترة الاربع سنوات القادمة. فهل سيجدد الثقة بالرئيس الحالي جورج دبليو بوش، ام سيفضل اختيار المرشح الديمقراطي جون كيري؟ ربما ليس عليّ ان اتسائل كثيرا، فقد تكون الاجابة على بعد ساعات قليلة فقط. الا انني اردت ان اخمن في تلك اللحظات الاخيرة بناء على ما يبدو لي انه المنطق..
فخلال ما يقارب العشرة اشهر من الدعاية الانتخابية توفرت للناخب الامريكي فرص وافرة للحكم على المرشح الافضل من خلال ادائه في تلك الحملات الدعائية.. ومن خلال تمحيص سيرته وما قدمه في الفترة التي كان يشغل فيها منصب عام، سواء الرئيس او عضو مجلس الشيوخ. وكانت هناك الكثير من المبادرات والبرامج السياسية التي عرضها المرشحان، والتي تبادلا خلالها الاتهامات حول صدق نيتهما، او حتى امكانيتهما على تنفيذها، وحللت تلك السياسات والمناهج تحليلا دقيقا، ليس فقط من قبل الفريقين المتخاصمين، وانما من طرف ثالث مكمل واساسي في اللعبة: وسائل الاعلام.
ان نظرة شاملة على مجمل العملية الانتخابية قد توصل المرء الى نتيجة ان الشعب الامريكي قد لا يكون مخيرا في الاختيار، بل ربما يكون مجبرا على هذا الاختيار في بعض الاحيان. والسبب هو الضغط الاعلامي الهائل على الفرد بما يجعله مستلب الارادة وخائر القوى امام هذا الكم الضخم من المعلومات عن المرشحين سواء الجيدة او غير الجيدة منها، والتي تحيره وتربكه وتجعله غير قادر على التركيز. وحتى برامج المرشحين تبدو متداخلة في بعض الاحيان ولا يفصل بينها الا خيط بسيط ربما يكون غير مفهوم للمواطن العادي.
الا ان الذي يحملني على الاعتقاد انني حزرت من سيتولى مهام الرئاسة للفترة التالية، حدوث امر غير اعتيادي، وان لم تركز عليه وسائل الاعلام. ذلك هو تصويت اسامة بن لادن في تلك الانتخابات، من خلال شريطه الموجه للشعب الامريكي. فعلي حين غرة، ظهر الرجل الذي يخشاه الامريكيون اكثر ما يخشون، هادئا ساكنا، غير مهدد ولا متوعد.. ليس من مظاهر مسلحة، وليس من استشهاد بالآي الحكيم، ولاذكر لجهاد ولا لغزو.. من يكون هذا الرجل؟ يتسائل المواطن العادي. تأتيه الاجابة: انه شيخ المجاهدين، اسامة بن لادن.. فيعجب المواطن الذي اطلع فيما مضى على اشرطة اكثر تهديدا، وعلى رجل اكثر صلابة. فيقفز الاستنتاج الى ذهنه مباشرة. اذن فالمطلوب ان لا اصوت لبوش، هذه هي رسالة غريمه.. فان خسر بوش، فان القاعدة وابن لادن سيفرحون اشد الفرح.. وطالما كنت مواطنا امريكيا، ويحزنني ان ارى مثل هؤلاء يشمتون، فلن ادعهم يفعلون. سأصوت لبوش.
طبعا، انا لا اتوقع ان يفوز بوش بنسبة التسعات، ولا حتى بنسبة تفوق الـ60%، ولكنني اتحدث عن فئة من الامريكيين، لا تلتزم بالحزبية، ولا بتحليل البرامج السياسية، ولا تتابع وسائل الاعلام كثيرا بحيث باتت تلك تقرر لهم تقريبا ما ينبغي فعله.. وهؤلاء في الحقيقة هم من يشكل الفارق الحاسم، والذي سيرجح بوش، غريم ابن لادن، على كيري.. الذي لا يعرفه ولا يستطيع ان يجاريه ويلاعبه كما فعل ويفعل جورج دبليو بوش.