Monday, October 11, 2004

لعبة الانتخابات بين القبول والرفض

منذ سقوط النظام السابق، برزت دعوات كثيرة من اجل اجراء انتخابات تراوحت بين مسؤولي الدوائر الحكومية واعضاء مجالس محلية وصولا الى انتخابات المجلس الوطني المؤقت، دون ان تـُعد اية دراسة علمية، او القيام باي جهد يذكر للتعرف على طبيعة ونتائج الانتخابات لمنصب رسمي، وتأثير ذلك على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وقد عدّ معظم المواطنين ان الانتخابات هي تجسيد للشرعية وبالتالي فهي الحل لمشاكل البلد المتفاقمة، خصوصا المشكلة الامنية، التي ربما كانت فريدة من نوعها في بلد لا يشهد –لحد الان- حربا اهلية ومع ذلك يقدم الضحايا يوميا بشكل يدعو للرثاء.
ولا يمكن الاعتراض على ان الانتخابات التي يتمخض عنها تشكيل هيئة تشريعية وسلطة تنفيذية، هي خير وسيلة لتسليم السلطة والحكم باسم الشعب. لكن المشكلة في الخطوات المعقدة لهذه الانتخابات. اذ ليست هذه العملية مجرد وضع بطاقة الترشيح في صندوق الاقتراع في يوم محدد.. والواقع ان هذه هي اخر مرحلة في العملية الانتخابية، والتي لا تمثل سوى جزء يسير منها.
فاذا اريد للانتخابات ان تؤدي الغرض المطلوب وجب ان تنفذ بالشكل الصحيح، والا فانها ستصبح بذرة لحرب اهلية حقيقية.. مع الاخذ بنظر الاعتبار ان لا مجال للخطأ والاعتذار بقلة الخبرة. ذلك ان الفائزين بالانتخابات سيصرون دوما على شرعية توليهم المناصب، مقابل اصرار معارضيهم، او منافسيهم، على فقدان هذه الشرعية. ويعلم العراقيون ان من بين الاسباب الرئيسة لتردي الوضع الامني هذه الايام انما يعود للطعن بشرعية الدولة القائمة، محليا على الاقل.
قبل فترة وجيزة صرح السيد رئيس الوزراء، الدكتور اياد علاوي، ان الانتخابات ستجرى حتى لو تخلف عنها بعض العراقيون.. واعطى ارقاما ليستدل على ان نسبة المتخلفين قليلة مقارنة بالراغبين في المشاركة. والحقيقة ان اية نسبة من المواطنين تحرم حقها في المشاركة، مهما تكن قليلة، يمكن ان تكون عاملا اساسيا في تقويض العملية برمتها. والمطلعون يعلمون انه غالبا ما تكون نتائج الانتخابات التي تجرى في جو ديمقراطي، متقاربة الى حد يصبح فيه الحسم لاصوات قليلة.
من جهة اخرى قد يكون من الصعب اقناع بعض المواطنين بالمشاركة، فهي حق خالص، ولا يجوز الزام أي مواطن على المشاركة. وفي هذه الحالة فان ذلك سيكون خيارا فرديا اتخذه المواطن بمحض ارادته. وهو امر يختلف تماما عن استثناء منطقة معينة او مدينة او محافظة من الدخول في العملية الانتخابية، تحت اية ذريعة.
ولكي نحقق انتخابات تحوز على رضا الشعب عموما، يجب ان يتم الوفاء بالمتطلبات الاساسية، ومن اهمها تبني قانون انتخابي وآلية انتخابية تلائم طبيعة المجتمع العراقي، وتضمن التمثيل السياسي المناسب لكافة شرائحه بشكل عادل. تتنوع الانظمة الانتخابية العالمية كثيرا، الا ان اكثرها شيوعا انظمة تقوم على الاغلبية واخرى تقوم على التمثيل النسبي. فانظمة الاغلبية -ببساطة- هي ان من يحصل على اغلبية الاصوات يأخذ كل شيء، سواء كانت الانتخابات بالترشيح الفردي او بالقوائم، حيث ان القائمة التي تحصل على الاغلبية تفوز بكاملها، بينما تخسر القائمة التي تنافسها بغض النظر عن عدد الاصوات التي نالتها. اما نظام التمثيل النسبي، المعمول به في اغلب الدول الديمقراطية، فيضمن نسبة من مقاعد الجمعية الوطنية مناظرة لعدد الاصوات التي تحصل عليها القوائم المتنافسة.
ان نظام الاغلبية قد يكون مناسبا لدوائر انتخابية ترشح نائبا واحدا، وتكون هذه الدوائر متجانسة الى حد كبير اجتماعيا وسياسيا، وحتى طائفيا وعرقيا. فان أي مرشح يفوز عن هذه الدائرة سيكون ممثلا لها بنفس القدر. بينما يكون نظام التمثيل النسبي مناسبا اكثر للدوائر الانتخابية الكبيرة، ومع استخدام اسلوب ترشيح القوائم، حيث يعمل على ترجمة الاصوات الى مقاعد في البرلمان بشكل يعكس تنوع الاطياف السياسية ويحافظ على وجود الاقليات وان كان -مع ذلك- يعطي الاغلبية اكثرية مقاعد البرلمان تبعا لنسبة الاصوات.
غير ان القانون الانتخابي، على اهميته، ليس العامل الوحيد لانجاح الانتخابات. فتقسيم الدوائر الانتخابية قد يكون امرا معضلا، ويغير بشكل حاسم نتيجة هذه الانتخابات. ويتوقف التقسيم على نوع النظام الانتخابي. فنظام الاغلبية يحتاج الى تقسيم البلد الى دوائر انتخابية كثيرة لاستيعاب التنوع وتحقيق اكبر قدر من التجانس في الدائرة الواحدة. ويحتاج هذا النظام الى كوادر متخصصة كبيرة وبالتالي توفير اعتمادات مالية عالية. بينما لا يقتضي النظام النسبي مثل هذا العدد، بل يمكن تقسيم البلد الى دوائر اقل عددا بحيث تسهل ادارة الانتخابات فيها، مما يخفض الكلف بشكل كبير. كما يمكن اعتبار جميع البلد دائرة واحدة، الا ان ذلك ليس بالامر المحمود العاقبة، اذا تحدثنا عن انتخابات لجمعية وطنية. ولكنه امر لا بأس به اذا كان لمنصب الرئيس مثلا، حيث يكون عدد المتنافسين فيه محدودا ومعروفا لجميع المواطنين. وسبب عدم تفضيله لانتخابات برلمانية، ان الاحزاب ستقدم قائمة بجميع مرشحيها في عموم البلاد ويسمح لها بتسمية من واحد الى عدد اعضاء الجمعية الوطنية (275 في هذه الحالة). سيقوم الناخب بالتصويت لقائمة ما قد يجهل معظم الاسماء التي تندرج فيها. وحتى في حالة ائتلاف الاحزاب ضمن قائمة واحدة فان ذلك يحرم الناخب حقه في معرفة من يصوت له، وبالتالي فان الامر يبدو وكأنه طبخة سياسية.
ومن الامور المهمة الاخرى، ضرورة وجود هيئة مستقلة للاشراف على مجمل العملية الانتخابية، وهي موجودة فعلا، وقد تم تشكيلها قبل حوالي اربعة اشهر. الا ان هذه الهئية يجب ان تدرب بشكل جيد، خصوصا بغياب الخبرة المحلية في هذا الاتجاه. كما يجب اعداد كوادر، دائمية اومؤقتة او كليهما، لادارة الانتخابات في المناطق، وتدريبها لتلافي الاخطاء التي قد تكون ذات تأثير مباشر على النتائج. كما يجب اجراء عملية تسجيل للناخبين، وليس الاكتفاء بالتعداد السكاني. حيث ان تسجيل الناخبين يعكس بشكل افضل الراغبين بالمشاركة، وبالتالي تدفع بالنتائج الانتخابية الى مستويات جيدة. بينما يكون الاعتماد الكلي على التعداد السكاني مبنيا على افتراض رغبة الجميع بالمشاركة، وهو امر غير واقعي. على ان التعداد السكاني مهم للوقوف على معلومات تتعلق ليس فقط باعداد المواطنين وانما بالمستوى الحضاري والثقافي والاقتصادي وما الى ذلك، مما يمكن ان يساعد في فهم طبيعة المجتمعات المحلية وتركيبتها السياسية، مما يؤدي الى تقسيم الدوائر الانتخابية بشكل متوازن وعادل.
وفي عجالة اذكر امورا اخرى لا تقل اهمية عما سبق، منها توفير المراكز الانتخابية وحمايتها، منح الوقت الكافي للمرشحين والاحزاب للتعريف ببرامجها والدعاية الانتخابية، تثقيف مجتمع الناخبين حول مجمل العملية الانتخابية وحثهم على المشاركة، ضمان نزاهة الاقتراع وسريته، وغير ذلك مما يطول شرحه.
ومن بين جميع الامور التي اوردتها، لم يتحقق في الفترة المنصرمة غير تشكيل الهيئة الانتخابية من قبل الامم المتحدة، التي طلع علينا امينها العام، السيد كوفي عنان، ليصرح ان تأجيل الانتخابات قد يكون امرا جيدا مع استمرار الوضع الامني الراهن. فاذا اخذنا جميع العوامل اعلاه بنظر الاعتبار، فقد يكون مثل هذا التأجيل مفيدا. فما الحكمة في انتخابات متعجلة وغير مفهومة لمجتمع الناخبين؟ هل سيتم الاعتراف بنتائجها بشكل آلي؟ ماذا يمكن ان يحدث ان رفضها البعض؟ اية دوامة يمكن ان يجر البلد اليها اكثر من الدوامات التي هو فيها الان؟
اعتقد ان اجراء اية انتخابات هو عملية مماثلة لصنع طائرة، فاذا لم تتناغم جميع اجزائها عند تشغيلها، فلن نتوقع منها الطيران، وان كان شكلها الخارجي يحمل سمات الطائرة. مع ملاحظة ان الطائرة يمكن ان يعاد تصنيعها اذا فشلت في بعض التجارب، اما الانتخابات.. فهيهات.

Thursday, September 16, 2004

قانون السلامة الوطنية.. خطوة للامام وخطوتين للخلف

اصدر مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء مجتمعين في السادس من تموز 2004 قانونا للطوارئ تحت اسم (قانون الدفاع عن السلامة الوطنية) والذي جاء في الاسباب الموجبة له انه صدر "للظروف الامنية الخطيرة.. وضرورة التصدي الحازم للارهابيين والعابثين بالقانون".
ولاشك ان البلاد تمر اليوم بمرحلة دقيقة وتواجه تحديات مصيرية قلما تعرضت لها بلدان اخرى في العالم. هذه التحديات تتمثل في محاولة اجهاض الديمقراطية الوليدة في العراق، وافشال التجربة التي لو كتب لها النجاح لكانت مصدر خطر كبير على الانظمة الاستبدادية المحيطة بالعراق. فاذا كان دول الجوار هي التي تلعب الدور الرئيس في تغذية العنف والارهاب في العراق، كما تكرر التصريح الرسمي بذلك، واذا كانت التجربة الديمقراطية هي المستهدفة، فان من اللازم ان تكون التشريعات منصبة بهذا الاتجاه وليس باتجاه تضييق الحريات وتركيز السلطة، الامر الذي لو استمر على هذا المنوال لعاد بالبلاد الى الوراء.. الى عصر الديكتاتورية القمعية التي كانت –تحت ذريعة الامن- تستأثر بكل السلطات وتركزها في قمة هرم الحكم.
ومن المعروف ان هناك علاقة عكسية بين الحريات والامن، فكلما كانت التشريعات منصبة باتجاه تعزيز الامن، فان ذلك يكون على حساب الحد من الحريات. ولهذا يجب عدم التوسع في استخدام الذريعة الامنية.. اذ ان كبت الحريات سرعان ما سيتحول ذاته الى عنصر مقلق للامن قد لا يكون اقل خطرا من الانفلات والحرية المطلقة.
ان قانون السلامة الوطنية التي تؤكد ديباجته انه صدر استنادا الى قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية، إنما هو انتهاك لهذا القانون. فقد ورد في الفقرة (ب) من المادة الخامسة والعشرين من قانون ادارة الدولة (وهي المادة التي يشير اليها قانون السلامة الوطنية) ان الحكومة العراقية الانتقالية تختص بـ"وضع وتنفيذ سياسة الامن الوطني، بما في ذلك انشاء قوات مسلحة وادامتها لتأمين وحماية وضمان امن البلاد والدفاع عن العراق". ومن الواضح ان النية تتجه في هذا النص الى تقوية وتعزيز الجيش لمواجهة العدوان الخارجي، وليس التمرد الداخلي او اعمال التخريب سواء كانت من قبل عراقيين او اجانب يسكون في العراق. ان مواجهة مثل هذه الاعمال التي تتعرض للامن الداخلي لا تحتاج الى اصدار قانون خاص، بل الى تطبيق القانون الموجود اصلا. وهذا يقود الى صلب المشكلة الامنية في العراق، الا وهي الضعف الواضح للاجهزة الامنية وخصوصا اجهزة الشرطة الوطنية، والى عدم تطبيق القوانين السارية بحق المجرمين، او حتى ابسط المخالفين (مثلا منع قيادة السيارات التي تكون عجلة القيادة فيها على اليمين، رغم وجود قانون صريح بذلك).
من جهة اخرى، فانه لا يمكن اصدار قانون يمنح رئيس الوزراء صلاحيات واسعة (مع امكانية تخويل صلاحياته الى قادة اخرين) بحجة ان ذلك يقع ضمن "وضع وتنفيذ سياسة الامن الوطني" التي تشير اليها المادة 25، اذ ان ذلك يُعدّ توسعا في التفسير لا مبرر له. فاذا اعتمدت تفسيرات مثل تلك، فسيكون هناك في المستقبل قوانين كثيرة استنادا الى هذه المادة التي تحدد الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية. ولفظ (حصرا) يجب ان يفسر باتجاه تحديد الصلاحيات، وليس باتجاه توسيعها.
لابد من الاقرار ان هناك حاجة ماسة مواجهة التدهور الامني في الوقت الراهن، ولكن ليس بالضرورة ان يكون تصريف جميع الامور بيد رئيس الوزراء كما تريد المادة الثالثة من قانون السلامة الوطنية ان تصرح. فقد خولت هذه المادة صلاحيات "وضع قيود على حرية المواطنين والاجانب في العراق في الجرائم المشهودة". فاذا كانت الجرائم مشهودة والتهم ثابتة، فما الحاجة الى تدخل رئيس الوزراء؟ لماذا لا يتخذ القانون مسلكه الطبيعي، فيجري احتجاز المشتبه بهم وتقديمهم الى القضاء حسب الاصول؟
ان قائمة صلاحيات رئيس الوزراء التي تنص عليها المادة الثالثة، هي قائمة مرعبة حقا، وتشمل حق احتجاز المشتبه بسلوكهم ووضع القيود على حريات الانتقال والتجوال والتجمع والتجمهر والمرور والسفر، وهي حريات ضمنها قانون ادارة الدولة. كما يمكن لرئيس الوزراء فرض حظر التجوال (وان كان لفترة قصيرة) على المنطقة التي يرى انها تشهد تهديدا للامن. ويمكنه فرض قيود على الاموال ومراقبة الطرود والرسائل البريدية والبرقيات ووسائل الاتصالات ووسائل النقل والمواصلات. وقد خبر الشعب العراقي طويلا هذه المراقبات، ولا يبدو انها كانت لاسباب مختلفة جوهريا.
غير ان اكثر هذه الصلاحيات غرابة ما ورد في الفقرة السادسة من المادة الثالثة، التي تجيز لرئيس الوزراء مراقبة اعمال ووضع الحراسات على مؤسسات المجتمع المدني، وامكانية حلها او ايقافها مؤقتا. ان هذه الصلاحيات محددة بكون تلك المؤسسات قد ثبتت صلتها بالجرائم الارهابية. ومرة اخرى، لا اجد مبررا ان يكون ذلك عن طريق رئيس الوزراء، وليس القاضي المختص ضمن الرقعة الجغرافية. ان مبدأ فصل السلطات هو احد اهم مباديء الديمقراطية، والذي يعني ان تكون السلطة القضائية مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية. نعم.. هناك تأكيد على استحصال قرار قضائي في هذا القانون، وفي هذه الحالة فان السلطة التنفيذية يجب ان تنفذ هذا القرار. أي ان تنفيذ القرار القضائي هو واجب السلطة التنفيذية، وليس صلاحية لها.
وتنص المادة السادسة من قانون السلامة الوطنية على انه "ترتبط القوات المسلحة وقوات الطوارئ والقوات الخاصة والدفاع المدني والاجهزة الامنية والاستخباراتية والمخابراتية في المنطقة محل الطواريء برئيس الوزراء مباشرة" وهذه مخالفة صريحة لنص المادة التاسعة والثلاثون (الفقرة ب) من قانون ادارة الدولة التي تعطي رئيس الوزراء القيادة العملياتية للقوات المسلحة فقط. وهنا اشارة اخرى الى مركزية لا داعي لها. وفي الحقيقة فان الاتجاه العام لقانون السلامة الوطنية هو نحو تعزيز المركزية وتقويض اللامركزية، خلافا للمادة الثانية والخمسين من قانون ادارة الدولة التي تنص على انه "يؤسس النظام الاتحادي بشكل يمنع تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية". ومن ذلك ما ورد في المادة السابعة من قانون السلامة الوطنية التي تحدد مهمات للمحكمة الجنائية (المركزية) واخرى للمحاكم الجزائية (في المناطق على ما يبدو)، فاذا لم يكن ذلك نابع عن عدم الثقة بالقضاة المحليين، فهو بالتأكيد يصب في تكريس المركزية وتركيزا للسلطة في الحكومة (الاتحادية).
كما ان القانون لا يعطي أي دور الى حكومات الاقاليم والمحافظات (ما عدا اقليم كردستان). بل ان اكثر من هذا ان المادة التاسعة اعتبرت المجلس الوطني المؤقت (الذي يجري تشكيله حاليا)، هو (جمعية استشارية) لها الحق فقط في مراقبة تنفيذ الاجراءات، خلافا للقسم الثالث من ملحق قانون ادارة الدولة الذي يمنح المجلس الوطني حق نقض الاوامر التنفيذية باغلبية الثلثين. وفي المقابل تمنح نفس المادة من قانون السلامة الوطنية صلاحيات الغاء اجراءات رئيس الوزراء الى محكمة التمييز والمحكمة الاتحادية العليا، دون ان يكون هناك اساس لذلك في قانون ادارة الدولة. ان عكس الادوار هذا يؤدي الى تباطؤ في اتخاذ اجراءات لمنع التعسف. ان اللجوء الى القضاء يحتاج الى من يحرك الدعوى اصوليا، وتستغرق الاجراءات القضائية وقتا غير قصير. بعكس دور المجلس الوطني الذي يمكنه التفاعل سريعا مع الاحداث، واتخاذ اجراءات مناسبة في وقت قصير نسبيا. ان هذه التشريعات تطلق يد رئيس الوزراء بشكل كبير، وهو خطر على العملية الديمقراطية من ناحية الاخلال بالتوازنات الضرورية في السلطات.
غير ان قانون السلامة الوطنية لم يتعرض لحرية الاعلام بشكل مباشر، الا اذا اعتبرت مؤسساته واقعة تحت طائلة الفقرة 6 من المادة الثالثة التي اسلفنا ذكرها. كما انه شدد على تطبيق بعض الحقوق الاساسية مثل وجوب ان يمثل المتهم امام قاضي التحقيق خلال 24 ساعة (المادة الرابعة). ومنع القانون رئيس الوزراء من الغاء بعض او كل قانون ادارة الدولة (المادة الحادية عشرة)، وعدم امكانية استخدام الامر لتعطيل اجراء الانتخابات في المدة المحددة (المادة الثانية عشرة).
ان قانون السلامة الوطنية، رغم الترحاب الشعبي والرسمي الذي حظي به، هو قانون متعجل وغير مبرر وغير دستوري. ويمكن لتأثيره النفسي ان يعود بفائدة ما على الشعب العراقي، ولكن على حساب تحديد الحريات وفرض سلطة الدولة على مؤسسات المجتمع المدني، وتركيز السلطة بدلا من اشاعة اللامركزية. واغفل القانون الفدرالية تماما الا بما يتعلق بكردستان (وهو امر يبعث على الريبة).
وبالمقابل نقترح ان يتم الاعتماد اكثر على القوات المسلحة لحماية الحدود، واعطاء الدور الاساسي للمجالس المحلية والحكومات في المحافظات لمعالجة المشاكل المستعصية، من خلال دعم اجهزة الشرطة فيها ومنحها التخصيصات والمعدات المناسبة. والعمل على احلال دولة القانون، والاسراع ببناء المؤسسات الديمقراطية، فهي الضمانة الاكيدة للشعب العراقي ضد عودة التسلط والديكتاتورية.

Tuesday, May 25, 2004

كيف نبني الديمقراطية.. ولماذا؟

ربما يحمل تساؤل العنوان تناقضا ضمنيا.. فاذا كنا نفكر في طرق بناء الديمقراطية، فما الداعي لبيان ضرورتها؟ وإذا كنا نشك في هذه الضرورة فلماذا علينا التفكير في بناء الديمقراطية أصلا؟
الواقع إن الديمقراطية تكون هشة في مرحلة البناء، وتزداد صلابة مع ترسيخ مبادئها. ولذلك يحتاج بناؤها إلى الكثير من التأني في العمل، ويستغرق زمنا ليس بالقصير لإرساء مفاهيم جديدة وتغيير مفاهيم أخرى نشأت عليها أجيال متعاقبة من الشعب العراقي تحت وطأة الدكتاتورية والحكم الفردي.. وطيلة هذه المدة لن يكون للديمقراطية ثمار قريبة، بل على العكس ربما حملت عملية البناء معها الكثير من السلبيات التي تؤدي الى الشك في فائدة التطبيق، وما إذا كانت تستحق فعلا العناء. لذلك سأحاول أن ابدأ بالإجابة على التساؤل الثاني.. لماذا علينا ان نبني الديمقراطية؟
لاشك ان العراقيين عانوا طوال عقود من الزمن من أهوال حكم تسلطي فردي يصنع القرار فيه خلف أبواب مغلقة وينأى صانعوه عن المسائلة، حتى تحولت الدولة الى ساحة تجارب لقرارات فئة من غير المتعلمين والغير صالحين لتولي المسؤوليات العامة، الذين لم تكن مؤهلاتهم أكثر من قربهم من شخص (الرئيس) أو لأنهم اثبتوا ولائهم له عن طريق كبت الأصوات المعارضة بالنار والحديد إذا اقتضى الأمر. والأنكى من ذلك ان معظم هذه القرارات أصبحت تصدر عن (القائد الضرورة) شخصيا، بعد ان تلاشت المعارضة له على كافة المستويات.. وبالتالي أصبحت شطحات فكره (الملهم) نبؤات واجبة التطبيق وعلى الجميع ان يصفق لها مهما كانت النتائج المحتملة وبيلة.. حتى أن بعضها أدى إلى تقويض نظامه نفسه.
نعم.. ان الديمقراطية هي البديل عن الوضع المأساوي الذي آل اليه شعب ودولة العراق بسبب الحكم الفردي. غير ان تساؤلا آخر سرعان ما يجد طريقه. ففي دول عديدة مجاورة ليست الديمقراطية هي الخيار المطروح، بل بضعة مفاهيم منتقاة منها. فهل يجب تطبيق الديمقراطية بالمفهوم الغربي؟ وهل تصلح للتطبيق في مجتمع شرقي محافظ كالمجتمع العراقي؟
قدمتُ أن طريق تطبيق الديمقراطية كمفاهيم عليا سيكون شاقا باعتبار اننا نبدأ من الصفر (او ربما تحته) ولكننا لا نملك خيار آخر. فحتى محاولة اقتباس مفاهيم مثل مفهوم حقوق الإنسان دون أخرى مثل مفهوم الحرية الفردية، سيؤدي في النهاية الى إلغاء دور المُقتبس. وفي الدول التي تخضع لنظم حكم فردية تحاول تطبيق بعض المفاهيم بدعوى الإصلاح، إنما يكون ذلك تحت رقابة مشددة للتأكد من أن أية مساحة إضافية للحرية قد يكتسبها الشعب يجب ان لا تؤدي إلى تهديد نظام الحكم القائم. ولن تتردد قيادات هذه الدول في إيقاف أي إصلاح سيؤدي إلى مسائلة القيادة العليا، أو هز صروح السلطة وتعريضها للخطر.
وربما شعر الكثيرون، اننا قد نكون اسعد حظا إذا طبقنا نظاما مشابها للنظام المصري، او الجزائري، او حتى النظام الأردني. وكل تلك الأنظمة كانت بالمقارنة مع النظام السابق في العراق أنظمة معتدلة تستطيع ان توفر بعض الأمن والرفاهية لشعوبها. لكن المشكلة الحقيقة تكمن في ان هذه الأنظمة تأسست عبر عقود من الزمن، مرت خلالها بمراحل تحول جعلها توزان -إلى حد ما- بين الرغبة في الاحتفاظ بالسلطة وبين مصلحة الشعب، ولو في حدودها الدنيا. وقد كان بمقدور نظام صدام فسح المجال لبعض الحريات وبعض المشاركة في صنع القرار، وهو ما كان كفيلا بمنع المآسي التي حدثت من حروب وتهجير وحصار، واحتلال آخر الأمر. ولكن نرجسية صدام وعنجهيته منعته من التفكر بالنتائج بعقل منفتح.. وحدث ما حدث. فماذا علينا أن نفعل؟ أن ننصب رئيسا يكون اقل تسلطا، ولكن ليس بالضرورة أكثر ديمقراطية؟ أم أن نقيم نظاما يطبق مباديء معينة دون اخرى، مثل الانتخابات الدورية مع تقييد حرية التعبير عن الرأي؟
ومن جهة أخرى فان الشعوب في الدول مثار الجدل ليست بأحسن حالا من الشعب العراقي، لا سابقا ولا حاليا. فعنصر الأمن الذي يشكل هاجس الشعوب الأول، هو نفسه هاجس حكومات تلك الدول. فالشعوب ترغب في الأمن العام كطريق لبناء الرفاهية العامة، بينما ترغب الحكومات في الأمن لنفسها. ومتى كان هناك تهديد لأمن الناظم الحاكم، فلن يكون الأمن العام محل اهتمام كبير.
وهكذا فان انهيار نظام الحكم في العراق، برّز بشكل واضح أهمية نظام متماسك لا يكون فيه فصل بين السلطة الحاكمة والشعب، لان الحكومة تكون (من الشعب) وتعمل (لأجل الشعب) وليس لبقائها وتسلطها على حساب المصلحة العامة. وهذه هي أولى المفاهيم في النظم الديمقراطية، والتي تكرسها الانتخابات الدورية الحقيقية وغير الصورية كما هو الحال في كثير من الدول التي قد يود البعض اقتباس تجربتها.
تتضمن الديمقراطية آليات معينة تضمن تقسيم السلطات وإيجاد توازن بينها منعا لتسلط فئة او فرد، وهذه محددة بقانون أعلى (الدستور) يكون له صفة الثبوتية وان كان يمكن تعديله، إذا كانت هناك ضرورة قاهرة. ومن المباديء المهمة مبدأي سيادة القانون واستقلال القضاء. وفي جميع الدول تجد اشارات الى جميع هذه المباديء، وان كان تطبيقها صوريا فقط في الكثير منها.
ولا أريد هنا أن اسرد المباديء التي تقوم عليها الديمقراطية، ثقة بان معظم العراقيين اليوم يعلمون جلّها. ولكن ما أريده هو أن أبين كيفية جعل هذه المباديء أسسا مشتركة للعمل. فالدستور ضمانة ومرجع، ويجب أن يكتب بكثير من التمحيص وان يراجع مرات عديدة. كما يجب أن يكون الاستفتاء عليه شفافا وحرا ونزيها. يجب أن يكون لدى كل عراقي قناعة بان هذا الدستور يمثل هويته وانتماءه بقدر شعوره بأنه يمثل المصلحة الوطنية. إن شعوب العالم الديمقراطي تفخر بدساتيرها، وهو ما يجعلهم يتمسكون به.. وهذه هي أولى مراحل البناء.
ويمكن اعتبار الانتخابات بموجب الدستور المرحلة الثانية للبناء الديمقراطي. ولكن علينا أن نلاحظ مسألة مهمة هنا. فالانتخابات مهما كانت نزاهتها لا يمكن أن تضمن وصول الأصلح إلى مواقع المسؤولية. نعم، يمكن وضع الشروط والمؤهلات، ولكن لا يمكن تغيير طبيعة بعض الأفراد الجامحين إلى السلطة، والذين إذا قدر لهم التمكن منها بطريق الانتخاب دون ردعهم باليات مناسبة، فلربما ينقلبون عليها ويستأثرون بالسلطة، مما سيلحق نكسة للديمقراطية قد لا تتمكن من تجاوزها. لذلك يجب العمل على إيجاد توزان للسلطات الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث لا يمكن لأحدها أن تنفرد بالسلطة.
إن تعدد طوائف واثنيات الشعب العراقي، والتي ربما كانت حالة متميزة في المنطقة، تجعل من الصعب إيجاد نظام متجانس على أساس الانتماء العرقي أو المذهبي. ولكن إذا اتجه التفكير إلى تشكيل تجانس يعمل لصالح المصلحة الوطنية العليا فلن يكون الأمر بهذه الصعوبة. وهذا يقتضي منا أن نفكر بمبدأ أساس في النظم الديمقراطية وهو مبدأ إمكانية التوصل إلى الحلول الوسط. وقد يعتبر البعض أن سياسة الحلول الوسط غير سليمة، باعتبار أن التسويات تعني التنازلات.. ولكن ذلك هو جوهر المشكلة، فبدون تقديم بعض التنازلات كيف يمكن التوصل إلى صيغ مرضية للجميع؟ لقد عانى الشعب العراقي، من حيث يدري أو لا يدري، من مشكلة التعنت ورفض الحلول الوسط، التي لو قدر التوصل لها لكان حاله على غير ما هو عليه الآن.
وهكذا فان الديمقراطية، بكل ما تحمله من مباديء وأسس، إنما ترجع إلى ركيزتين أساسيتين: المشاركة وإمكانية التوصل إلى حلول وسط. فالمشاركة تبدأ من صنع القرار إلى تطبيقه، من خلال الانتخابات والشفافية والمسائلة وتنمية دور وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.. بينما يكون دور إيجاد الحلول أثناء عملية صنع القرار، عن طريق فسح المجال للرأي والرأي الأخر، واحترام حقوق الأقليات، والاهم من ذلك تقديم المصلحة الوطنية على مصلحة القوميات والجماعات والأحزاب وحتى المصلحة الشخصية.
لقد قطعت عملية بناء الديمقراطية في المجتمع العراقي شوطا كبيرا، ولازال هناك الكثير من العمل من اجل رفع البناء وزيادة تماسكه ولن يكون ذلك ممكنا إلا إذا اتفق العراقيون على ضرورة هذا البناء واقروا عن قناعة بأن الدولة الديمقراطية المؤمل إقامتها في العراق والتي ينعم أبناؤها بالمساواة والحرية والرفاهية والأمن، تستحق كل هذا العناء.

Wednesday, May 05, 2004

التطرف والارهاب في الميزان

منذ اقدم عصور التاريخ، كانت لدى الانسان على الدوام نزعة للخوف من المجهول، عبر عنها باشكال مختلفة ووسائل متباينة. وكان المجهول بالنسبة اليه كل ما لا يستطيع التعرف الى منشئه او سبب وجوده، او مجرد عدم فهم كنهه. فالزلازل والفيضانات والبراكين والعواصف وغيرها من الكوارث الطبيعية تشكل التهديد الاكبر لوجوده كونها تمس الكائن البشري كفرد، كما تحطم كيانه كمجتمع احيانا. وكان تفسيره الاولي لهذه الكوارث انها نتيجة غضب قوى خفية لافعال قام بها افراد من المجتمع، بعد ان اخذ يطور عقائد دينية اتخذت الشكل الوثني عموما. فعمد الى استرضاء الالهة اولا بتجسيدها كأصنام، فاله الشمس واله الريح واله الخصب واله البحر واله الزلازل وغيرها ما هي الا تعبير عن رغباته ورهبته من تلك القوى الخفية التي شعر انها تستطيع سلبه حريته او رزقه او ربما حياته. واتخذت العبادات اشكالا مختلفة، من التقرب والصلاة، الى النذور والقرابين. وربما كانت القرابين البشرية هي اشد حالات العبادة تطرفا.
التطرف.. محاولة للفهم
ان التطرف الذي احاول ان اجد تعريفا له، انما هو حالة انسانية متأصلة، يعبر بها بعض ابناء البشر عن تفسير للظواهر غير المألوفة، وعن خوفه من المجهول. فحتى في الديانات السماوية الثلاثة، نجد انماطا من العبادة المتطرفة، من الرهبنة والتصوف، التي تدعو الى كبت الشهوات والزهد في الحياة.. وتصل الى حد محاربة الذات في طريق ارتقائها الى الكمال.
ورغم ان الذين سلكوا مسلكا دينيا متطرفا كانوا قلة، الا انهم عبر العصور استطاعوا كسب تقدير اغلب ابناء جلدتهم، وكانوا امثلة تحتذى وعلامات جديرة بالتقديس. وكانوا في اغلب الاحيان اناسا مسالمين يدعون الى عبادة هادئة مطمئنة، ويأملون في اقامة مدينة فاضلة تحمل ميزاتهم، وان كانوا يدركون استحالة جمع كل بني الانسان تحت خيمة الفضيلة. ان محاربة النزعات الفطرية المتمثلة بحب الذات واشباع الشهوات وغيرها، انما هي عمل خارق يحتاج الى ارادة جبارة وعقل منفتح.
واذا كان الانسان في طريق التطور العلمي استطاع التوصل الى تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية، بحيث لم يعد تبريرها بالغضب الالهي مقنعا للكثيرين، فقد ظلت ظواهر اخرى تحير العقول، خصوصا ما يتعلق بالحياة والموت وعجز الطب الحديث عن ايجاد علاجات لامراض تفتك باعداد غير قليلة من البشر. وبدلا من التحول عن الدين – نتيجة التطور العملي– فقد ازداد الاقبال عليه بسبب الشعور الداخلي بعقم التوجه العلمي، خصوصا في المجتمعات الاكثر فقرا وحرمانا.
ان مشكلة الشباب –كما يقول افلاطون– هي الانتقال من تطرف الى تطرف مقابل. والفضيلة انما تكمن بين رذيلتين. فالشجاعة فضيلة بين رذيلتي الجبن والتهور، والكرم فضيلة بين البخل والتبذير.. وهكذا. وكثيرا ما تجد اناسا كانوا في الماضي من مرتكبي الموبقات وانهم ربما ارتكبوا كل فاحشة ممكنة، ولكنهم تحولوا في لحظات نورانية الى دعاة لنبذ جميع الشهوات، حتى الفضلى منها، كوسيلة للخلاص الابدي والسعادة الدائمة، التي يرون انها لن تتحقق يوما في هذه الحياة الدنيا.
الارهاب وتطوره تاريخيا
ان محاولة ايجاد تعريف لمصطلح الارهاب تكتنفها صعوبات كثيرة. فالكثيرون يعتقدون ان الارهاب انما هو الاتيان بافعال ذات طابع عدواني، لفرض وجهة نظر معينة، او التنبيه حول قضية، وان من يقوم به انسان غير عابيء بما ينتج عن هذه الافعال من تدمير وخراب او قتل وجرح وتشريد. وعلى هذا فهو فعل شائن مهما كانت دوافعه او مقاصده. بينما يرى اخرون ان الارهاب انما يكون فعلا شائنا اذا قصد به الحاق الاذى بالابرياء بطريقة مستهترة غير مسؤولة. ورغم كل الاختلافات، فان افعالا مثل تفجير قطار ركاب او عمارات سكنية او ما شابه هي افعال مستنكرة على نطاق واسع.
ولما كان التدمير الواسع هدف بحد ذاته لمن يقوم بهذه العمليات، سواء من ارتكبها بنفسه، او من يحث عليها.. فان الاستنتاج يقفز الى الذهن ان هذه العمليات التي توصم بالارهاب هي اشياء مستحدثة وليست ذات جذور تاريخية، باعتبار ان التدمير باستخدام المتفجرات شيء حديث نسبيا.
غير ان حقائق التاريخ تكشف ان الارهاب قديم ايضا. فرغبة البشر في فرض عقائدهم بالقوة، سواء كانت دينية ام سياسية، ادت الى ممارسات لاضطهاد فئات معينة تخالفهم، وبالتالي اجبارها على اعتناق هذه العقائد باستخدام سيل الموت والتعذيب والتشريد الجارف.
وربما شجعت الفجوة بين الحضارات القديمة على قيام الاقل تحضرا بالهجوم على جيرانهم المنعمين بالحضارة، كما هو الحال في هجمات العيلاميين على البابليين، والهكسوس على المصريين، والمقدونيين على الاثينيين.. وهجوم المغول الكاسح على الحضارة الاسلامية اليانعة. وحتى الثورات الكبرى في التاريخ، ارتكبت اعمالا تعد ارهابية في تعبير عصرنا الحاضر، كما هو الحال في الثورتين الفرنسية والروسية البلشفية. صحيح ان بعض هذه الامثلة هي لدول تحارب دولا اخرى، الا ان الدول المهاجمة كانت في اغلب الاحيان تحت حكم دكتاتوري فردي لملك او زعيم قبيلة، وان العمليات تدبر حسب خططه وحده، وتمثل وجهة نظره وايدولوجيته.
ان مقابلة بسيطة بين الحوادث التاريخية وما يجري اليوم تثبت ان الرغبة في فرض الرأي على الاخرين، والحسد، والخوف من ضياع الهوية، هي دوافع ذات ارضية واسعة يمكن –اذا توفرت لها فرصة الظهور والتمكن– ان تنتج فئة تأتمر بامر قائد يعد رمزا لنضالها وعنوانا لرغبتها في تغيير المنهج المستهدف الى منهج متشدد لا يؤمن الا بحقائق قليلة ولا يلزم نفسه الا بالقليل من القواعد التي تعارف عليها الاخرون.
جدلية التطرف والارهاب
لا يمكن الاستنتاج بصورة مباشرة ان عدم التوصل الى علاج ناجع لمرض الايدز لحد الان هو سبب لتفجير عمارات سكنية في روسيا، ولا يدعي احد ذلك. ان متطرفا ما يستطيع ان يثبت ان ابتعاد بني البشر عن القيم السماوية ادى الى شيوع امراض فتاكة تهدد الجنس البشري، ولكنه لن يدعو الى افنائهم باستخدام اسلحة فتاكة.
من جهة اخرى، فان قادة المجموعات التي توصف بالارهابية كثيرا ما يعبرون عن غطرسة الحضارة الغربية، وعن ظلمها للشعوب الاكثر فقرا، ولذلك ابتليت بكوارث شتى منها الاوبئة التي لا يمكن علاجها.
وهكذا فان المتطرفين والارهابيين قد يلتقون عند نقطة، ولكن ليس بالضرورة ان تكون افكارهم متطابقة في غيرها. غير ان هذا الالتقاء قد يستثمر لايجاد تعاطف واسع مع القضايا التي تدعو اليها المجموعات (الارهابية)، مستغلة التعاطف الفطري مع القضايا التي يدعو اليها (المتطرفون).
ان التطرف لا يؤدي الى الارهاب.. لكنه يمهد ارضية لقيامه. واذا كان لنا ان نضع ميزانا، فان ميزان التطرف يميل نحو الخير بشكل متمهل، بينما يميل ميزان الارهاب نحو الشر بشكل حاد. والحقيقة التي يعيها البشر عموما، ان الموازين يمكن ان تتأرجح بحيث تجعل الامور ضبابية، وذلك يجعل الحكم عليها امرا بالغ الصعوبة احيانا.

Thursday, March 25, 2004

نحو الدستور الدائم: الدستور المؤقت.. لمحات وافكار

لاشك ان صدور "قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية"، او ما يعرف بالدستور المؤقت، يعد خطوة مهمة في عملية نقل السلطة وبناء المؤسسات الديمقراطية. وهو الوثيقة الاساسية التي ستحدد مستقبل العراق، وترسم الخطوط العريضة للدستور الدائم. واذا كانت جميع البلدان في العالم، سواء التي تتمتع بنظام ديمقراطي حر، او تلك التي لازالت ترزح تحت نير نظام استبدادي، اذا كانت جميع هذه البلدان تمتلك وثيقة تستند اليها في اصدار التشريعات وتحديد الصلاحيات لجميع فئات السلطة، فان الشعب العراقي ممثلا بمجلس حكمه استطاع التوصل الى وثيقة مميزة وتحمل سمات، قد لا تكون فريدة، ولكنها رائدة في منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي على الاقل.
ان هدف هذا البحث هو محاولة استكشاف العناصر التي تجعل من قانون ادارة الدولة العراقية وثيقة مميزة، وفيما اذا كان يحقق رغبات الشعب، للمرحلة الراهنة.
واول تلك الاشارات اعطاء صفة الديمومة على الدستور (حتى وان كان مؤقتا). فقد نصت المادة الثالثة (أ) من الباب الاول الذي يبين المباديء الأساسية، على انه "لا يجوز تعديل هذا القانون الا بأكثرية ثلاثة ارباع اعضاء الجمعية الوطنية، وإجماع مجلس الرئاسة". وهذا الشرط يجعل من تعديل الدستور امرا بالغ الصعوبة، ولكن هناك فرصة لإنجاز ذلك إذا كانت هناك ظروف قاهرة تدعو لمثل هذا التعديل. ومثل هذه الديمومة كفيلة بمنع التعديل وفقا لأهواء وضغوطات قد لا تكون مبنية على أساس متين من الدراسة والبحث.
وتشير المادة الرابعة الى ان نظام الحكم في العراق "جمهوري، اتحادي (فيدرالي)، ديمقراطي، تعددي" وتستعمل مصطلحا جديدا في قواميس المنطقة وهو "تقاسم السلطات". ان هذا الاصطلاح هو في حد ذاته قفزة الى مستوى لم تبلغه أي دولة مجاورة، حيث نجد ان السلطة مركزة في الغالب في مركزية تتراوح شدتها بين بلد وآخر. ولكن هل ان تقاسم السلطات واللامركزية هو ما يطمح اليه الشعب العراقي؟ لقد عملت الحكومات المتتالية في العراق على تكريس النظام المركزي الذي تسبب في إيجاد نظام صدام القمعي. غير ان النظام المركزي له ميزة السيطرة على جميع مجريات الامور، بضمنها الناحية الامنية، وبالتالي فهو اقدر على الاستجابة للضرورات الملحة. وطالما كان هناك تهديد امني على بلدنا، ربما كان الاجدى البحث عن نظام مركزي يستطيع فرض النظام وتعقب المجرمين. ومن ناحية ثانية فان النظام المركزي، ان عاجلا او آجلا، سيؤدي الى انتاج طغاة ونظم حكم استبدادية، تعمل على إسكات أي صوت للمعارضة، وبدلا من التهديد الامني من عصابات مجرمة تتسلل عبر الحدود، سيكون التهديد من عصابات مجرمة تتربع على السلطة. ان النظام الفيدرالي الذي يجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم او المحافظات، هو الضمانة الاكيدة ضد ظهور دكتاتورية تكون اشد خطرا من اية فوضى مرحلية قد يسببها تطبيق اللامركزية.
ولعل اكثر مواد هذا القانون اثارة للجدل المادة السابعة (أ) التي نصت على ان "الإسلام دين الدولة الرسمي ويعد مصدرا للتشريع" وليس (المصدر). المعروف ان هناك خمسة مذاهب رئيسية يتوزع عليها المسلمون. وقد بلغ الاختلاف بينها حدا يجعل من الصعب توحيد الرأي في بعض المسائل، رغم انه ليست هناك خلافات في جوهر العقيدة. غير ان التشريع يبحث في جزئيات محددة، ليتوصل الى ايجاد حل لمسالة ما. ان هذه المادة تلزم المشرعين بالعمل وفق الشريعة الاسلامية بخطوطها العريضة وثوابتها دون ان تلزمهم بالدخول في نزاعات مذهبية لترجيح حل أي مشكلة بالاستناد الى فكر مذهب معين.
كما ان الفقرة (ب) من نفس المادة نصت على ان ".. الشعب العربي فيه (العراق) جزء لا يتجزأ من الأمة العربية"، الامر الذي قد يثير حفيظة البعض باعتبار ان الغالبية في العراق هم من العرب، وعليه يجب بيان ان الشعب العراقي –وليس العربي في العراق- جزء من الامة العربية. ولكن ذلك غبن واضح لحقوق الاقليات. فليس الشعب الكردي فالعراق وحده اقلية في العراق، بل هناك اقليات اخرى، من تركمان وكلدواشوريون وغيرهم، ممن يستحق الاحترام وعدم طمس الهوية القومية لهم ودمجهم مع القومية العربية جزافا.
ان هذه المادة بفقرتيها الغت مبدأ غير عادل طالما تبجحت به الحكومات السابقة، من كون العراق بلد مسلم عربي. ان هذا المبدأ جعل هوية الأغلبية هوية للجميع. وعلينا اذا اردنا نظاما ديمقراطيا ان نقر ان حق الاغلبية يجب ان لا يتعارض مطلقا مع حقوق الاقليات. وقد عملت الاليات التالية في هذا القانون على ايجاد مثل هذا التوازن الذي هو اساس الاستقرار والتعايش السلمي.
وفي حين أقرت المادة التاسعة مبدأ "اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق"، فإنها ذهبت الى حد المساواة في طبع "الأوراق النقدية وجوازات السفر والطوابع"، وهو أمر غريب، قد يسبب تطبيقه إرباكا شديدا.
وفي الباب الثاني، الذي اختص بالحقوق الاساسية، نجد وصفا مميزا للحريات والحقوق التي يتمتع بها المواطن العراقي، من حرية التعبير، والاجتماع السلمي، وتشكيل النقابات والأحزاب، والتنقل والسفر، والتظاهر والإضراب السلمي، وحريات الفكر والضمير وممارسة العقائد الدينية، وتحريم العبودية وأعمال السخرة، والحق بالأمن والتعليم والعناية الصحية والضمان الاجتماعي، ومسؤولية الحكومة في توفير الرفاه وفرص العمل للشعب، والحماية من الاعتقال التعسفي وانتهاك الحرمة الفردية، وضمان المحاكمة العادلة العلنية السريعة، وعدم جواز محاكمة المدني امام محاكم عسكرية او إنشاء محاكم خاصة، وتحريم التعذيب الجسدي والنفسي، وحرمة الأموال العامة وصيانة الملكية الخاصة، والحق الكامل في التملك في كافة أنحاء العراق. ونقطة الاعتراض الرئيسية قد تكون في اعادة الجنسية العراقية الى المواطنين العراقيين الذين حرموا منها كما بينت ذلك بنود المادة الحادية عشرة. وهل في ذلك أي ظلم؟ الم يعمل النظام السابق على تهجير وتسفير وسلب حق المواطنة من الملايين من ابناء هذا الشعب المهضوم؟ غير ان التخوف من اعادة الجنسية الى اليهود المرحلين في عهود سابقة ليس له أساس، فالمواطنة لم تبن يوما على الانتماء الديني او المذهبي او العرقي. كما ان اليهود عاشوا في العراق مئات السنين، وليسوا حالة طارئة على الشعب العراقي. وهم موجودون في بلدان عربية واسلامية اخرى دون ان يكون لهم الدور الأساس، باعتبارهم أقلية، في إدارة شؤون بلدانهم. وليس هناك في الدين الاسلامي ما يمنع التعايش مع اليهود او الاديان الاخرى.
أما إذا كان التخوف من (الصهيونية) فتلك مسألة اخرى. فليست إعادة الجنسية العراقية هي التي ستؤدي الى غزو (صهيوني) للعراق، بل ان ذلك -ان قدر له ان يحصل- فبسبب قلة وعي الافراد، وعدم شعورهم بالمسؤولية، اكثر مما يسببه قانون يسعى الى احقاق الحق ورفع الحيف عن مجموعة كبيرة من ابناء الشعب العراقي، لا يشكل اليهود بينهم سوى أقلية ضئيلة لا يعتد بها.
وقد عبر البعض عن امتعاضهم من نص المادة الثالثة عشرة (أ) من ان "الحريات العامة والخاصة مصانة" باعتبار ان ذلك يعطي الفرد الحق بتجاوز الاداب العامة. وذلك مردود بنفس النص. حيث ان الحرية العامة، التي تتطلب المحافظة على الاداب العامة، مصانة بنفس القدر الذي تصان به الحرية الخاصة.
ويبين القانون في بابه الثالث (المادة الرابعة والعشرون) كيفية بناء الحكومة الانتقالية، التي ستتكون من الجمعية الوطنية كسلطة تشريعية، ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء كسلطة تنفيذية، كما تشدد على فصل السلطات، وهو احد اهم المباديء الديمقراطية، والذي يحول دون تركز السلطة، وينمي دور المسائلة في تحقيق رغبات الشعب، ويمنع –قدر الامكان- تفشي الفساد الاداري والسياسي. والملاحظ ان المادة الخامسة العشرين قد حددت اختصاص الحكومة الفيدرالية بسبعة فقرات فقط، وهذا يعني ان هناك مديات واسعة لتصرف حكومات الاقاليم والمحافظات. وهذا الامر يتيح التحول الجاد نحو اللامركزية. والتشريع المحلي متاح على ان لا يتعارض مع المصلحة الوطنية المبينة في الصلاحيات المحدودة للحكومة الفيدرالية، التي من اهمها رسم السياسية الخارجية، ورسم السياسة الاقتصادية والنقدية، والكمارك والتجارة الخارجية، ووضع الميزانية العامة، والدفاع، وتنظيم المقاييس والاوزان، وادارة ثروات العراق وتوزيعها بين الاقاليم والمحافظات، والجنسية، والاتصالات.
ومما تجدر الإشارة اليه ما ورد في الفقرة (ج) من نفس المادة ".. وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات في العراق" باعتبار ذلك من اختصاص الحكومة الاتحادية. وفي الواقع فان هذه الفقرة تضع ميزانا دقيقا لعلاقة الاقاليم والمحافظات بعضها مع بعض ومع الحكومة الاتحادية. فطالما كانت الحركة التجارية واقعة ضمن نفس الاقليم فلا يمكن للحكومة الاتحادية ان تتدخل. الا ان انتشار الحركة التجارية بين المحافظات او الاقاليم قد يتعرض الى العراقيل بسبب اختلاف القوانين والتشريعات بين الاقاليم، وفي هذه الحالة يكون القانون الاتحادي هو الحكم. ان هذه الموزانة تكفل بقاء الحكومة الاتحادية قادرة على التصرف وفرض السلطة على المحافظات بنفس القدر الذي يمنعها من الاستيلاء الكامل على الصلاحيات في هذه المحافظات.
ونصت الفقرة (ب) من المادة السابعة والعشرين على انه "لا يجوز تشكيل قوات مسلحة وميليشيات ليست خاضعة مباشرة لإمرة القيادة للحكومة العراقية الانتقالية، إلا بموجب قانون اتحادي"، الأمر الذي سيؤدي الى حل جميع المليشيات غير المنخرطة في الجيش الوطني. ولا يخفى حجم الخطر الذي يمثله بقاء مليشيات مستقلة، وتهديدها للامن الوطني من جهة، وامكانية نشوء نزاع طائفي او عرقي من جهة اخرى.
وفي الباب الرابع، يتم تحديد شكل السلطة التشريعة، وبيان ان وظيفتها اصدار القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية كما نصت عليه المادة الثلاثون. غير ان الفقرة (ج) من هذه المادة ضمنت نسبة 25% من مقاعد الجمعية الوطنية للنساء. والحقيقة ان هذه الفقرة وان كانت تهدف الى تشجيع دور المرأة في الحياة السياسية، الا انها ميزت ضد المرأة بشكل غير منصف، وهي تتعارض مع نص الفقرة (ب) من المادة العشرين "لا يجوز التمييز ضد أي عراقي لأغراض التصويت في الانتخابات على أساس الجنس أو الدين أو المذهب أو العرق أو المعتقد أو القومية أو اللغة أو الثروة أو المعرفة بالقراءة والكتابة". ان احتساب اية نسبة لن يعطي المرأة دورها الكامل، طالما كانت الفرصة متاحة لها للتنافس مع الرجال حسب مؤهلاتها. والامر المؤسف الذي قد ينتج عنه تطبيق هذا القانون ان العديد من المرشحات قد لا يكن مؤهلات بالقدر الكافي لعضوية الجمعية الوطنية. ورغم ان احتمال ترشح غير المؤهلين من الرجال وارد ايضا، الا ان ذلك لن يكون بدعم مباشر من قانون ادارة الدولة المؤقت. ومن يدري، فقد تفوز النساء بنسبة تزيد على هذا التحديد، وعندها لن تجد عراقيا واحدا يمانع في ذلك.
ونصت المادة السادسة والثلاثين على انه "يتم انتخاب مجلس الرئاسة بقائمة واحدة وبأغلبية ثلثي اصوات الاعضاء". وفي رأيي فان هذا الشرط من الصعوبة بمكان. اذ ان اتفاق ثلثي الاعضاء على شخص واحد هو امر غير يسير، فما بالك باتفاق الثلثين على ثلاثة أشخاص سوية؟ وما لم يتم اجراء تسويات وعقد صفقات سياسية، فلا أرى إمكانية لانتخاب مجلس الرئاسة.
وأعطت الفقرة (ج) من المادة الثالثة والثلاثون، ضمن الباب الخامس الذي يحدد شكل السلطة التنفيذية، الصلاحية الحصرية لإعداد الميزانية العامة الى مجلس الوزراء، ولكن يجوز اجراء التعديلات عليها من قبل الجمعية الوطنية وتخفيضها، دون زيادتها. ففي هذه الحالة عليها ان تقترح ذلك على مجلس الوزراء. ومثل ذلك ما نصت عليه المادة السابعة والثلاثين من انه "يمكن لمجلس الرئاسة نقض أي تشريع تصدره الجمعية الوطنية"، والتي عليها اعادة النظر في هذه القوانين وقبولها نهائيا (بدون نقض) باغلبية الثلثين. وذلك يندرج تحت طائلة الموازنات الضرورية في الصلاحيات. فمجلس الرئاسة ليس منفذا للقوانين فقط ولكن يمكن ان يكون له دور في قبولها، غير انه لا يمكن له ان يرفضها قطعيا. فنلاحظ هنا ان هناك تداخلا جزئيا في عمل هاتين السلطتين، وهو الامر الذي يمنع استئثار أي منهما في صنع القرار او تنفيذه.
وأقرت المادة التاسعة والثلاثين مبدأ تعيين قضاة المحكمة العليا، وهو الامر الذي يكفل بقائهم بعيدا عن المتغيرات السياسية، اذ ان الحكومات المنتخبة تتغير غير ان القضاة باقون في مناصبهم، دون ان يكون هناك تأثير يذكر على قراراتهم بناء على رغبات السلطة التنفيذية، وان كانت هي التي عينتهم في تلك المناصب. بالاضافة الى ذلك، لايمكن عزل القاضي الا اذا ادين بجريمة او اصيب بعجر دائم، كما ورد في المادة السابعة والاربعون، اي ان القضاة يبقون في مناصبهم مدى الحياة.
واعطت المادة الحادية والاربعين صلاحية اقالة الوزراء الى رئيس الوزراء، غير انها قرنت ذلك بموافقة الجمعية الوطنية. وفي ذلك ضمان واضح ضد تعسف رئيس الوزراء تجاه الوزراء الذين لا يتفقون معه في الرأي، مما يسمح للوزير ان يكون بموقع مسؤول وليس تابع يعبر عن رغبات رئيسه.
وفي بابه السادس يبين القانون هيكلية السلطة القضائية الاتحادية، ويشدد على استقلالية القضاء حتى عن وزراتي العدل والمالية، كما نصت على ذلك فقرات المادة الثالثة والاربعين، بان جعلت ميزانية القضاء من اختصاص الجمعية الوطنية.
وبموجب المادة الرابعة والاربعين سيتم تشكيل محكمة اتحادية عليا (دستورية) تعمل حصريا على النظر في الدعاوى بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم، وفي دستورية أي قانون صادر عن اية حكومة اتحادية او اقليمية، وفي كل الاحوال يجب ان تتخذ المحكمة قراراتها باغلبية الثلثين، وهو الامر الذي يبين اهمية هذا القرار الذي يفصل في النزاع بين السلطة الاتحادية وسلطة المحافظة او الاقليم.
وتؤسس المادة الخمسين من الباب السابع لهيئة وطنية تعمل على حماية حقوق الانسان، ولها صلاحيات التحقيق في تصرفات السلطات الحكومية التي تجري خلافا للقانون. وهذه تمثل انتقالة متميزة لحماية المواطن العراقي من اي ظلم او استبداد او انتهاك للحقوق.
وفي الباب الثامن، الذي تفرد في مؤسسات الحكم المحلي، تنص المادة الثانية والخمسين بشكل لا لبس فيه على انه "يؤسس تصميم النظام الاتحادي في العراق بشكل يمنع تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية". ولزيادة التأكيد على التحول الى اللامركزية تمنع الفقرة (أ) من المادة الخامسة والخمسين اقالة اي عضو في الحكومة المحلية على يد الحكومة الاتحادية، كما لا يكون اي محافظ، او اي عضو في مجالس المحافظات (او حتى المجالس البلدية والمحلية) خاضعا لسلطة الحكومة الاتحادية، الا قدر تعلق الامر بالصلاحيات الحصرية المبينة في المادة الخامسة والعشرين، او اذا حصل نزاع قانوني بين حكومة المحافظة والحكومة الاتحادية، والذي يجب ان يحل عن طريق المحكمة العليا بموجب المادة الثالثة والاربعين.
وفي المادة السادسة والخمسين تفصيل للصلاحيات الممنوحة لمجالس المحافظات، خصوصا في فرض الضرائب والرسوم، والمبادرة بانشاء المشروعات (الفقرة (أ)). اي ان مجلس المحافظة سيكون له ميزانيته المستقلة المكونة من الواردات الاتحادية (الميزانية العامة التي تقسم على عموم المحافظات) بالإضافة الى الضرائب والرسوم (التي يجب ان تفرض بقانون حسب نص المادة الثامنة عشرة). وفي نفس المادة (الفقرة (ب)) اشارة الى اشاعة اللامركزية في المستويات الأدنى، كمجالس الاقضية والنواحي، والتي يمكن لها ان تعمل على جباية الضرائب والمبادرة بانشاء مشاريع محلية. وسيكون بموجب الفقرة (ج) من هذه المادة على الحكومة الاتحادية ان تتخذ "اجراءات لمنح الادارات المحلية والاقليمية والمحافظات سلطات اضافية وبشكل منهجي". ان نطاق صلاحيات الحكومة المحلية غير محدد الا بالصلاحيات الحصرية للحكومة الفيدرالية، كما نصت على ذلك المادة السابعة والخمسين.
وربما سببت فقرات المادة الثالثة والخمسين بعض الارباك. ففي حين اكدت الفقرة (أ) انه "يعترف بحكومة اقليم كردستان بصفتها الحكومة الرسمية للاراضي التي كانت تدار من قبل الحكومة المذكورة في 19 آذار 2003 الواقعة في محافظات دهوك واربيل والسليمانية وكركوك وديالي ونينوى"، نصت الفقرة (ج) على انه "تبقى حدود المحافظات الثمانية عشرة بدون تبديل خلال المرحلة الانتقالية". وربما ورد احتجاج بان محافظات كردستان كانت ثلاثة فاصبحت ستة بموجب هذا القانون. والواقع ان "الاراضي التي كانت تدار" تعني اجزاءا من المحافظة وليست عموم المحافظة. والاشارة في الفقرة (ج) الى عدم تغيير حدود المحافظات انما قصد به التأكيد على ان الاراضي الواقعة خارج محافظات كردستان الثلاثة ليست ضمن كردستان وانما تدار من قبل "حكومة كردستان"، لاغير.
وتحدد المادة الثامنة والخمسون اجراءات مفصلة لرفع الحيف عن المتضررين من النظام السابق جراء التهجير والترحيل والنفي وتغيير القومية وما شابه. وهي اجراءات لابد منها وان كانت تتطلب وقتا اطول –في واقع الحال- من مدة سريان هذا القانون. غير ان الفقرة (ب) تفترض عدم حصول اجماع من الرئاسة، وبالتالي يصار الى التحكيم او ربما تدخل الامم المتحدة. هذه الفقرة تبدو مبالغا بها، خاصة وانها الاشارة الوحيدة في هذا القانون الى حل معين في حالة عدم اجماع الرئاسة. على كل حال، فان الفقرة (ج) تؤجل النظر في مسالة كركوك الى ان يتم اقرار دستور دائم، وهو امر يبعث على الارتياح ويؤكد ان الفقرة (ب) ليست مصممة لـ(كركوك) خصوصا.
وفي المادة التاسعة والخمسين المفتتحة للباب التاسع، المخصص للمرحلة ما بعد الانتقالية وصفا لكيفية تعامل العراق مع (القوات المتعددة الجنسيات) ضمن الفترة الانتقالية، حيث "ستكون القوات المسلحة العراقية مشاركا رئيسيا في القوة المتعددة الجنسيات العاملة في العراق تحت قيادة موحدة وفقا لقرار مجلس الامن رقم 1511"، ولكن ذلك محدد الى "حين المصادقة على الدستور الدائم وانتخاب حكومة جديدة وفقا لهذا الدستور"، كما ورد في الفقرة (ب). كما تنص الفقرة (ج) على انه "ستكون للحكومة العراقية الانتقالية الصلاحية لعقد الاتفاقيات الدولية الملزمة بخصوص نشاطات القوة المتعددة الجنسيات العاملة في العراق، تحت قيادة موحدة، وطبقا لشروط قرار مجلس الامن التابع للامم المتحدة رقم 1511". والتشديد على ذكر قرار مجلس الامن 1511 في كلتا الفقرتين دلالة على كونه الاساس القانوني لاي اتفاق يجري بين حكومة العراق واية قوات اجنبية عاملة في العراق، وهذا القرار انما وضع لتنظيم وضع العراق تحت الاحتلال، ولن يكون ذي معنى بعد انتخاب حكومة وفقا للدستور الدائم، وتجسيد السيادة والشرعية الكاملة.
ولا اعتقد ان هناك فقرة اشهر من الفقرة (ج) من المادة الحادية والستون، التي تنص على انه "يكون الاستفتاء العام ناجحا، ومسودة الدستور مصادقا عليها، عند موافقة اكثرية الناخبين في العراق، واذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات او اكثر". وقد اعترض الكثيرون على ذلك باعتبار ان هذا يعني ان اقلية من ثلاثة محافظات تستطيع الغاء قرار الاغلبية. والموضوع فيه تأمل. إن رأي ثلاثة محافظات معتبر، بل ورأي محافظة واحدة معتبر. فالقانون الاساسي في المسيرة الديمقراطية هو حق الاغلبية في القرار مع مراعاة حقوق الاقليات. حق الاغلبية مجسد في أن يُـقبل قرارهم إذا صوتوا بالموافقة بنسبة تزيد على 51%، غير ان الاقليات، اذا ارادت ان تعترض على مسودة الدستور الدائم، فعليها التصويت بالرفض بنسبة لا تقل عن 67%. وذلك يعني انه يجب التأني في كتابة الدستور بحيث لا يمنع حقوق جوهرية لاي من الطوائف والاقليات، مما يحفزهم على التصويت -بنسبة عالية- بالرفض. ان الاقلية لها الحق في رفض القرار اذا كان مجحفا، ولكن ذلك لا يعني انهم يملون على الاغلبية ارادتهم.
ان قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، هو (دستور) متميز، رغم بعض الهفوات التي نأمل تجاوزها في (الدستور الدائم)، يهدف الى وضع اسس متينة للديمقراطية، من خلال احترام حقوق الانسان، ومباديء سيادة القانون وفصل السلطات، والمسائلة، واستقلالية القضاء، وإشاعة اللامركزية، وبناء مؤسسات المجتمع المدني، والعمل الفوري على رفع الظلم عن طائفة واسعة من ابناء هذا الشعب الذي عانى لعقود من الظلم والاستبداد والتعسف، هذا الشعب الذي يستحق العيش بسلام وامن والتمتع برفاهية تتناسب مع امكانات العراق المادية والبشرية.