Wednesday, February 15, 2012

الطريق إلى دمشق لا يمر من موسكو

إذا كانت وقائع التاريخ تميل إلى تكرار نفسها، فلا أوضح دليلا على ذلك من مسلسل الأحداث الذي رافق ثورات العالم العربي، منذ بدئها في كانون الثاني من العام الماضي وحتى اليوم. فالأنظمة التي ثارت عليها شعوبها أضحت اليوم، باستثناء النظام السوري، خارج الحكم بكل الطرق الممكنة:

الرئيس التونسي هرب إلى الخارج، والرئيس المصري تنحى "طوعيا" عن السلطة وهو قيد المحاكمة، والرئيس اليمني قـَبل صفقة وساطة خليجية-عربية لخروج مُشرف من السلطة. أما الرئيس الليبي معمر القذافي فقد لقي المصير الذي بشـّر به زملاؤه قبل بضع سنين فقط: قتلا على يد الثوار. فهل كان للنظام السوري من عِظة في كل هذا؟ لا يبدو ذلك. فالرئيس السوري، الذي يريد أن يفرض سلطته بكل ما أوتي من قوة، لم يستطع أن يتفهم طبيعة المرحلة، وكيفية التعامل مع الحركات الاحتجاجية منذ بدأت. وقد اتخذ من طريقة تعامل والده حافظ الأسد مع الاحتجاجات المماثلة في الثمانينات من القرن الماضي مرشدا له دون أن يعي طبيعة التغيير الحاصل منذ ذلك الحين، خصوصا مع تقدم وسائل الاتصال وسرعة نقل الخبر، إضافة الى سرعة التواصل بين المحتجين وإمكانية تنظيم الصفوف بطريقة أكثر منهجية، وتأليب الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي. وعلى الرغم من محاولات النظام السوري إظهار نفسه بمظهر المصلح، وإقرار الرئيس بشار الأسد العلني بضرورة اجراء اصلاحات سياسية، تشمل إقرار نظام التعددية الحزبية وانهاء احتكار حزب البعث للسلطة في سوريا، إلا أن طرح هذه الإصلاحات جاء متأخرا كثيرا، وجرى تبسيط طرحها الى درجة السذاجة، كما أنها تميزت بالتعالي وعدم الاعتراف بالطرف المناوئ. إلا أن أكثر ما يدعو قوى المعارض الى الاستخفاف بها هو عدم ثقتهم بأنها حقيقية، خصوصا مع عزوفها عن مناقشة موقع الرئيس في النظام الجديد. ونتيجة لقصور الوعي لدى الفئات السياسية الحاكمة في سوريا بطبيعة المرحلة، فإن سقف المطالبات الشعبية قد ارتفع الى حد المطالبة بإسقاط النظام، وهي حركة التاريخ التي يحلو لنا أن نطلق عليها "الحتمية التاريخية". ولكن إذا كان النظام السوري يعي تلك الديالكتيكية الحتمية، فلابد انه أصبح يحاول ان يتمثل النماذج المماثلة في التاريخ، التي ربما كتب لها النجاح في ظروف معينة. فلربما يرى سياسيو دمشق أن حركة التاريخ كانت ضد نظام صدام عقب غزوه الكويت، وان كل المؤشرات في ذلك الوقت كانت تشير الى سقوطه الوشيك، لكنه استمر نيفا وعقد من الزمان بعد ذلك. وان افترضنا جدلا أن مثل هكذا سيناريو ممكن اليوم، فان من الصعب تصور بقاء نظام الأسد كل هذه الفترة الزمنية. قد يفرض توازن القوى بين الشرق والغرب، والخوف من تهديد المتطرفين إن تمكنوا من الاستيلاء على السلطة في سوريا، قد يفرض منطق "تسويف القضية"، لكنه لن يصمد طويلا. فلم تعد الحرب الباردة هاجس القوى العظمى، ولم يعد الغرب يرى في "المد الإسلامي" رديفا للإرهاب والتطرف. واليوم، مع تصاعد الحراك السياسي العربي من خلال الجامعة العربية، والعربي-الأممي عبر مجلس الأمن، فان موقف النظام السوري بات في اشد حالاته الدبلوماسية ضعفا، وهي في العادة المقدمة للمزيد من الضعف على المستويين السياسي والعسكري. واذا كانت روسيا والصين قد عرقلتا إصدار قرار مجلس الأمن الذي يمهد لانتقال سلسل وسلمي للسلطة في سوريا باستخدامهما حق النقض، فان باقي الدول الأعضاء في مجلس الامن، فضلا عن جامعة الدول العربية، لن تيأس وسوف تجد طريقة تمرر بها قرارا مماثلا من مجلس الأمن. لقد بات النظام السوري يراهن على موقف دولة واحدة يبدو أنها آلت على نفسها حماية الدكتاتوريات حتى تسقط، ألا وهي روسيا. فموقف تلك الدولة التي كانت توصف بالعظمى من سوريا اليوم ينسجم مع موقفها من كل من العراق ويوغسلافيا وليبيا تحت حكم الطغيان في السابق، ولكنها تنحت جانبا آخر الأمر لتترك الأمور تسير في مجراها الطبيعي. ومن غير الواضح سبب دعم روسيا للنظام السوري كأولوية جيوبوليتكية. فسوريا ليست دولة مصدرة للنفط أو مصادر الطاقة الأخرى، كما أنها ليست سوقا رئيسة للمنتجات الروسية، باستثناء قطاع التسليح العسكري. وسوريا ليست مجالا حيويا لروسيا، ولا تشكل بعدا امنيا لها. ومن الراجح أن روسيا إنما تسعى للحصول على مكاسب على حساب النظام السوري أكثر من سعيها لحماية "حليف إستراتيجي".
أمام النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد فرصة لتغيير مسار التاريخ. تلك هي الإعلان الواضح عن العزم على التخلي عن السلطة، والدعوة إلى جمعية وطنية تضطلع بكتابة الدستور، الذي سوف يحول البلاد الى دولة ديمقراطية. وبهذا فانه سوف يستبق الأحداث التي تصنع اليوم في مجلس الأمن، ويمنع روسيا من الحصول على مكاسب من تسويق موقفها اتجاهه، لأنها ستبيعه آجلا إن لم يكن عاجلا. إن هذا السيناريو ليس إفراطا في التفاؤل، وإنما مجرد قراءة تصحيحية للحتمية التي أقحمت القيادة السورية فيها نفسها. أما إذا رفض الرئيس السوري الانصياع لهذا المنطق البسيط، وأمعن في ممارساته التعسفية ضد شعبه، واستمر في ارتكاب المجازر التي تقشعر لها الأبدان، فان عليه أن يتوقع تخلي اقرب حلفائه عنه. وإذا كان على حاملات الطائرات إن تشد الرحال، مرة أخرى، إلى البحر المتوسط قاصدة دمشق، فلن يتعين عليها أن تمر بموسكو. فهل سوف تكون ابتسامة الأسد في مؤتمر قمة دمشق حينما قال القذافي كلمته الشهيرة: "الدور جاي عليكم"، مجرد نكتة أخرى من نكت التاريخ، ويجد بشار نفسه أمام نبوءة طالما سخر منها؟ ليس علينا أن ننتظر طويلا لنعرف الإجابة.

Thursday, January 26, 2012

سليماني يضع المالكي في امتحان عسير

لاقت تصريحات قائد فيلق القدس الايراني، قاسم سليماني، حول خضوع العراق للنفوذ الايراني عاصفة من الاحتجاجات والاستنكارات بين كافة الاطياف السياسية العراقية بدءا من ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية ومرورا بالتحالف الكردستاني وليس انتهاءا بالتيار الصدري، حيث اعتبرت هذه الاطياف ان مثل هذه التصريحات تـُعد تدخلا سافرا في شؤون العراق واساءة الى استقلاله.
لكن اللافت في تلك البيانات الطريقة التي تمت بها قراءة تصريح سليماني بما يخدم التوجهات السياسية الداخلية لكل من الفئات السياسية في العراق. ففي حين طالب النائب عن ائتلاف دولة القانون عزة الشابندر، قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بتفسير التصريحات التي أدلى بها بشأن خضوع العراق لإرادة إيران وإمكانية تشكيل حكومة إسلامية فيه، ووصفها بـ"التطاول غير المقبول" على سيادة العراق، فانه حمل القائمة العراقية مسؤولية تلك التصريحات كونها أوحت لسليماني أن إيران تمتلك جنوب العراق، وأضاف أن "الدول التي لا تعتبر أن هناك مركزية قوية في العراق تسمح لنفسها بالتدخل".
وقال المتحدث باسم القائمة العراقية حيدر الملا إن "من يعتقد أن يكون العراق تابعاً لإيران أو عمقاً استراتيجياً... فإنه ذاهب إلى الوهم"، معتبراً أن المالكي " فشل ببناء علاقة متوازنة ليس فقط مع إيران بل مع دول الجوار كافة" مؤكدا أن "سياسات المالكي مع السعودية وإيران وتركيا والكويت والاتحاد الأوروبي وحتى مع الجامعة العربية سيئة، كما أن سياسته في إثارة الأزمات على الساحة الداخلية العراقية جعلت الآخرين يطمعون بنا ومهدت الطريق أمام علاقات غير متوازنة مع دول الجوار، مما سمح للبعض منها بالتطاول على العراق بهذا الشكل السافر".
اما التحالف الكردستاني فقد جاء موقفه واضحا على لسان محمود عثمان، حيث أكد ان تصريحات سليماني تعد "تدخلا سافرا في شؤون العراق"، داعيا الحكومة العراقية إلى اتخاذ موقف حازم، مشددا على أهمية "إدانة مثل هذه التصريحات من جميع الكتل السياسية". وهاجم التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر سليماني معتبراً تصريحاته "غير مقبولة"، كما أكد أنه لن يسمح بأي ذريعة للتدخل بشؤون البلاد الداخلية.
وهكذا فان الكل اجمع على ادانة تصريحات المسؤول الايراني، لكن الاختلاف كان بين العراقية ودولة القانون في تحميل بعضها بعضا مسؤولية صدور هذه التصريحات. وعلى الرغم من اننا لا نستطيع ان نحمّل الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، وهو زعيم ائتلاف دولة القانون المسؤولية المباشرة عن صدور مثل هذه التصريحات من دولة "جارة"، الا ان تصريح الشابندر الذي اوردناه فيه تجن كبير على القائمة العراقية. فكيف يمكن للمطالبة باللامركزية ان يحث دول الجوار على التدخل في شؤون العراق؟ واذا كانت المطالبة بالفيدرالية امرا قبيحا الى هذا الحد، فلماذا اقرّه الدستور باديء الامر؟ لكننا يجب ان نذكر بان المطالبة بالفيدرالية كانت قبل بضع سنين ترد من احزاب منضوية تحت جناح التحالف الوطني، السلف الشرعي لتحالف المالكي الحالي، وبالتحديد من المجلس الاسلامي الاعلى، والذي خاض حملات مكثفة من اجل فيدرالية الجنوب، وهو الأمر الذي لم يلقَ تأييدا واسعا حينها بسبب احتمال انفصال اقليم جنوب العراق المفترض ووقوعه تحت الهيمنة الايرانية.
على ان من المحتمل ان تكون تصريحات المسؤول العسكري الايراني، في هذا الوقت الذي تزداد فيه الضغوط على الحكومة الايرانية على خلفية برنامجها النووي، محاولة لرفع الضغط عنها والتلويح باستخدام نفوذها في العراق، سواء على المستوى الرسمي من خلال علاقتها "المتينة" مع حكومة المالكي، او بدعهما للحركات المسلحة في العراق، من اجل خلق فتنة طائفية-سياسية، وربما اشعال فتيل حرب اهلية ربما يتوسع مداها لتشمل عموم منطقة الشرق الاوسط. وما تجنيه ايران من ذلك كله هو خلق حالة من الرعب لدى الدول الغربية من تعرض مصادر الطاقة في تلك المنطقة الى الخطر، وتوقف الامدادات النفطية التي تشكل نصف انتاج منظمة اوبك وربع الانتاج العالمي.
ونلاحظ ان هذا التصريح ورد على لسان مسؤول ايراني غير مصنف ضمن الهيكلية الحكومية الرسمية، بمعنى ان من الممكن ان تتنكر له الادارة الايرانية رسميا اذا دعت الضرورة لذلك، رغم انه يعكس وجهة نظرها في واقع الحال. وهذا التحايل السياسي يساعد في ارسال الرسائل المطلوبة دون الحاجة الى تحمل تكلفتها.
وليس على الحكومة العراقية ان تبحث عن تبريرات من داخل العراق عمّا يتفوه به مسؤولون في الدول المجاورة، بل عليها ان تتصدى لهذه التصريحات وتعاملها بالطريقة المناسبة مهما تكن متانة العلاقات بين البلدين. واذا كان المالكي قد فشل في مناسبات ماضية في ترويض الرغبة الايرانية بالحد من سلطته، والتقليل من هيبة الدولة العراقية، فان الفرصة سانحة اليوم ليشجب باقوى العبارات هذه التصريحات، ويستدعي السفير الايراني لتسليمه مذكرة احتجاج، بل وحتى استدعاء السفير العراقي في ايران.
اما السكوت واتخاذ موقف مهادن، والقاء المسؤولية على تلك القائمة وهذا الحزب، فسيؤكد ما ردده منتقدو الحكومة الحالية طيلة مدة عملها بانها "خاضعة للنفوذ الايراني"، مستشهدين بموقف العراق تجاه سوريا في الجامعة العربية، حينما خالف كل من العراق ولبنان اجماع الدول العربية على معاقبة وتعليق عضوية النظام السوري، الحليف المتين النظام الايراني. لعل هذا هو اكبر امتحان امام المالكي اجتيازه ليثبت قدرته على توحيد الصف العراقي، وامامه فرصة لاستعادة موقعه القيادي واحباط محاولات تنحيته، لكن عليه ان يواجه حلفاء طالما ساندوه في الماضي، وهذا امتحان عسير.

Wednesday, January 18, 2012

ما فرص نجاح المؤتمر الوطني؟

دعا السيد رئيس الجمهورية، جلال طالباني، إلى عقد مؤتمر وطني لمعالجة الوضع السياسي المتأزم في العراق إثر صدور مذكرة القبض بحق نائب الرئيس، طارق الهاشمي، وطلب رئيس الوزراء، نوري المالكي، سحب الثقة عن نائبه، صالح المطلك. القائمة العراقية رأت في هذه التطورات استهدافاً لها ومحاولة لعزلها عن الساحة السياسية، فعملت على الانسحاب من الحكومة والبرلمان احتجاجاً على ذلك.
لكن عزيمة المالكي لم تهن، وأصرّ المرة تلو الأخرى على انه إنما ينفذ أمر القضاء. فبعد أن صدرت المذكرة بتوقيع قاض واحد، وهذا كافٍ من الناحية القانونية، فان الحكومة عمدت إلى تحويلها إلى خمسة قضاة لتأكيد صحتها، ومن ثم نظر فيها أحد عشر قاضياً، وجاءت النتيجة كما المتوقع: المذكرة صحيحة. وذهب المالكي إلى أبعد من ذلك حين تحدث للقنوات الفضائية مؤكداً إن مجلس القضاء الأعلى "هدده" بإصدار مذكرة قبض بحقه إن لم ينفذ مذكرة القبض بحق الهاشمي. ومن المعروف إن القضاء لا يصدر أوامر من تلقاء نفسه، بل بطلب من جهة تنفيذية (أي المدعي بالحق العام) أو من الشخص الذي وقع عليه الضرر (أي المشتكي) بعد تقديم الأدلة الكافية، ونحن لا نعرف أياً من هؤلاء لديه الرغبة في الادعاء على المالكي بالتقصير في تنفيذ مذكرة القبض المشار إليها، أو انه يملك الدليل على ذلك.
على كل حال، إذا كان المقصود من المؤتمر الوطني "الذي رفعت جلساته للأسبوع المقبل" أن يعمل على تقريب وجهات النظر ووضع حلول للمشاكل العالقة، فان قضية الهاشمي لا يمكن أن تكون – نظرياً– إحداها. فبعد كل هذا التصعيد الإعلامي، وتأكيد كافة الأطراف على استقلالية القضاء، فان من الصعب رؤية حل سياسي ما يؤدي إلى تمييع أو حفظ أو تجميد الدعوى القضائية بحق الهاشمي. يمكن الاتفاق على إجراء المحاكمة في مكان آخر غير بغداد، ويمكن الاتفاق على شخوص القضاة، لكن هذا أكثر ما يمكن أن تحصل عليه القائمة العراقية لمساعدة أحد رموزها. ولكن ماذا عليها أن تقدم للحصول على ذلك؟ ربما يتوجب عليها إعادة نوابها إلى البرلمان ووزرائها إلى الحكومة كإجراء أولي، لكن عليها أيضا أن تتنازل عن بعض مطالبها السابقة، مثل تشكيل مجلس السياسيات العليا، وحصولها على وزارة الدفاع. لقد نجح رئيس الحكومة في دفع خصومه إلى موقع الدفاع، وبالتالي فان كل ما يمكن أن يحصل عليه هؤلاء هو محاولة استعادة جزء من موقعهم السابق. ومن ثم، فان المالكي يكون قد حصل على مكسب آخر، مهما يكن طفيفا، إلا انه مهم.
وقد كانت هذه السياسة نهجا ثابتا له منذ أن تسنم منصبه قبل ست سنوات، وظهرت بشكل جلي بعد الانتخابات الأخيرة، حيث استغرق تشكيل الحكومة برئاسته فترة حوالي عام كامل قبل أن يصادق عليها البرلمان. من بين الأزمات التي ساهم في إثارتها قضية اجتثاث بعض المرشحين، واغلبهم من القائمة العراقية، بحجة انتمائهم إلى حزب البعث المنحل. وكان من بين المجتثين السيد صالح المطلك. لكن الصفقات السياسية التي جرت خلف أبواب مغلقة قلبت هذه المعادلة، لنجد المطلك نائباً لرئيس الوزراء، وهو ما اعتبرته (العراقية) نصراً لها. والواقع إن المالكي استطاع ببراعة أن ينزع شوكة القائمة العراقية من خلال إيهامها بالحصول على مكاسب وإرغامه على القبول بشخصيات لا يحبها كثيراً. هذا الوهم الذي تلبست به (العراقية) أدى بها إلى التواني عن المطالبة بتشكيل مجلس السياسيات العليا، والإسراع بتعيين أحد مرشحيها وزيراً للدفاع.
لا يزال أمام المؤتمر الوطني فرصة للنجاح، لكنها محدودة. فأحد أهم عوامل نجاحه أن يحضر الجميع بنية الاتفاق، وان يبدأ ببحث ما يريده الشعب أولاً. فليست قضية الهاشمي هي ما يؤرق هذا الشعب المسكين، بل مشاكل أكثر عمقاً وتأثيراً من تقديم الخدمات الأساسية إلى توفير فرص العمل وإعادة الإعمار بشكل جدي. والشعب يرى أن استمرار الأزمة، كائنا من يكون مُسببها، يؤدي إلى مزيد من التقصير من جانب حكومته. نعم، يتوجب حل المشاكل السياسية من أجل تصفية الأجواء بين رموز السلطة، لكن الكل يعلم أن ليس من وصفة جاهزة لحل أزمات السلطة. لذلك قد يكون من الأجدى السعي إلى إبطال هذه الأزمات من أساسها.
وأرى أن على (العراقية) ان لا تسعى الى الحصول على صفقة للسيد طارق الهاشمي، بل إن تقدمه إلى القضاء من أجل محاكمة تكون علنيتها ضمان نزاهتها. بدلاً من ذلك على العراقية أن تطالب بتشكيل مجلس السياسيات العليا المنصوص عليه في اتفاق تشكيل الحكومة الحالية المعروف بـ(اتفاق أربيل) فوراً. وقد لا يكون هذا المجلس مهماً من الناحية القانونية، لكنه سيشكل أهمية بالغة من الناحية السياسية. فحكومة الشراكة الوطنية التي يتزعمها المالكي تعاني تفكك تلك الشراكة بفعل النزعة الانفرادية لرئيس الحكومة. وعلينا أن نعي بأن رغبة التفرد بالحكم، لدى أي حاكم وفي أي نظام، هي غريزة أساسية لا يحد منها سوى رقابة شركائه في الحكم. فان غاب دور الشركاء، فما من رادع لتلك الغريزة. كما إن على (العراقية) أن تطرح مسالة تجديد الثقة بالحكومة مكتملة خلال سقف زمني محدد.
من جانب آخر، فان من المهم الاتفاق على ايقاف التصعيد الاعلامي الذي يقض مضجع المواطن العادي من آن لآخر. فغير واحد من النواب من كل الاطراف المتصارعة خرج على شاشات الفضائيات محذرا من الفتنة الطائفية والانزلاق نحو الحرب الاهلية، والعياذ بالله. ان قول مثل هذه العبارات قد يكون مجرد تحذير يراد منه اخذ موقف سياسي من قضية ما، لكنه يقع على رؤوس افراد الشعب مثل الشهب المتساقطة من السماء. فليس بمقدور احد تصور حال البلاد ان هي ذهبت بالاتجاه الذي يرسمه لنا ساستنا البواسل، الا هؤلاء الذين خبروها وشهدوا مآسيها. يجب ان ينجح المؤتمر الوطني في ان ينزع فتيل الازمة الراهنة، ويجب ان يضع آلية لنزع فتيل اية ازمة لاحقة، وهذا افراط في التفاؤل، لكن علينا ان نكون متفائلين مقابل كل هذا التشاؤم الذي يسود الاجواء.

Thursday, December 29, 2011

حكومة الأغلبية السياسية.. انفراد بالسلطة أم انقلاب على المحاصصة؟

بعد تسارع الاحداث السياسية في العراق إثر إصدار مذكرة القبض بحق نائب الرئيس، طارق الهاشمي، وطلب رئيس الوزراء، نوري المالكي، سحب الثقة من نائبه لشؤون الخدمات، صالح المطلك، تحدث البعض عن بوادر انفراد في السلطة يعكف رئيس الحكومة على تكريسها، بينما شدد البعض الآخر على أن المالكي إنما يسعى لإقامة دولة المؤسسات التي لا يعلو فيها شخص مهما يكن منصبه أو انتماؤه السياسي على حكم القانون.
والواقع إن توقيت إثارة هذه الأزمة ربما يزيد الأمور غموضا. فهل كان المالكي ينتظر إتمام القوات الأميركية انسحابها كي ينقض على الخارجين على القانون أم أن الأدلة على تجريمهم برزت في هذا الوقت بالذات؟ يقدم لنا رئيس الوزراء دليلا على أن اتهامه نائب الرئيس لم يكن وليد الساعة، حينما قال في مؤتمر صحفي إن لديه "ملفاً" عن الهاشمي كان قد قدمه إلى الرئيس جلال طالباني قبل ثلاث سنوات. ويبدو أن هذا الأخير لم يقتنع بما ورد في الملف فردّه عليه، كما أن الأول لم يجد حيلة في حفظ الملف وعدم اتخاذ إجراء قانوني. الأمر كما يبدو سياسي بامتياز، إذ أن واجب القائد الأعلى للقوات المسلحة أن يحارب الإرهابيين والمجرمين، وان كان لديه دليل على احدهم فحفظ ملفه لأسباب سياسية هو فشل في تنفذ الواجب المنوط به.
على كل حال، جلب النقاش حول هذه المسألة بالذات أفكارا كانت تطرح من حين لآخر، ولكنها برزت بقوة هذه المرة. فالمالكي اليوم يريد أن يحصل على حكومة أغلبية برلمانية بعد أن أعيته حكومة المشاركة الوطنية، أو (المحاصصة) كما أصبحت تعرف في الآونة الأخيرة. وهذا الطلب يجب ألا يؤخذ باستخفاف، وإنما هو حق. فالمحاصصة قيدت إلى حد كبير من قدرة الحكومة على التصرف إزاء المهمات المنوطة بها. وقد استحالت بعض الوزارات إلى حكومات بحد ذاتها، ولم يعد بإمكان رئيس الوزراء التدخل فيها بسبب القيود الموضوعة في أصل الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل الحكومة.
على أن الدستور لم ينص صراحة على توزيع المناصب بين الطوائف والأعراق بشكل محدد، ولكنه أكد ضرورة أن يتم توزيع السلطات بين كافة الأطياف حرصا على الوحدة الوطنية. وهذا هو مبدأ حكومة الوحدة الوطنية، أو المشاركة. لكن التطبيق العملي حوّل هذا اللفظ، أي (المشاركة) إلى المصطلح الأكثر بغضا لدى الشعب العراقي ألا وهو لفظ (المحاصصة).
وقد حدد الدستور كيفية انتخاب رؤساء البرلمان والجمهورية ومجلس الوزراء في مواد محددة، هي: المادة (53(، وتنص: "ينتخب مجلس النواب في أول جلسةٍ له رئيساً، ثم نائباً أول ونائباً ثانياً، بالأغلبية المطلقة"، والمادة (67) أولا، وتنص: "ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية، بأغلبية ثلثي عدد أعضائه"، والمادة (73) أولا، وتنص: "يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية"،
وهكذا، فان العقبة الرئيسة تكمن في انتخاب الرئيس، لان من الضروري الحصول على أصوات ثلثي المجلس النيابي. وهذا الأمر لن يكون سهلا إن أراد أي طرف أن يسعى إلى تشكيل حكومة الأغلبية السياسية. فعقد التحالفات بهذا الحجم للحصول على الأصوات اللازمة سوف يستغرق وقتا طويلا، وربما لا يوجد سقف للمطالبات التي سوف يتم التقدم بها. وبدون التوصل إلى انتخاب الرئيس لن يكون ممكنا تكليف رئيس للوزراء. ويمكن نظريا أن يُصار إلى انتخاب رئيس السلطة التشريعية بمعزل عن هذه التركيبة في السلطة التنفيذية، ولكن طالما كان المنصب سياديا فان تسمية من سيشغله لابد من أن يدخل في إطار مناورات تشكيل فرعي السلطة التنفيذية: رئاسة الدولة ورئاسة مجلس الوزراء. يضاف إلى هذا إن الدستور نص في المادة (67) رابعاً على: "يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف، أسماء أعضاء وزارته، والمنهاج الوزاري، على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقتها، عند الموافقة على الوزراء منفردين، والمنهاج الوزاري، بالأغلبية المطلقة". مما يجبر رئيس الوزراء على استشارة الكتل السياسية المشاركة في ائتلافه قبل تسمية أي وزير. إن هذا في نظري عيب كبير في الدستور، يجب تداركه وتعديله حتى تستقيم العملية السياسية. فإذا أريد من صاحب اكبر الصلاحيات في الدولة أن يتحمل مسؤولياته علينا أن نمكنه منها. على أن السيد رئيس الوزراء كان واعيا لهذا الأمر فطلب أن يُمنح صلاحية اختيار الوزراء من بين عدة مرشحين كل وزارة، ثم طلب تأجيل تعيين الوزراء الأمنيين، وكان له ما أراد. وحينما حصلت المصادقة على حكومته كان في الحقيقة قد اكتسب صلاحيات اكبر من التي منحها له الدستور، وهو الأساس الذي يبني عليه المدعون عليه بالتفرد بالسلطة.
من هذا يتبين لنا إن منصب رئيس الوزراء نفسه كان من ضمن المحاصصات اللازمة لتشكيل حكومة قابلة للتمرير من قبل البرلمان. فإذا أراد السيد رئيس الحكومة أن ينقلب على المحاصصة، وهو أمر مشروع، فيجب العودة بعملية تشكيل الحكومة إلى المربع الأول. اذ لا يمكن اليوم أن يتم رفض الطريقة التي وزعت بها المناصب السياسية بين الفرقاء، مع الاحتفاظ بمنصب رئيس مجلس الوزراء للسيد المالكي. لابأس في أن يبادر رئيس الحكومة في طلب سحب الثقة عن حكومته، وان يُعاد تكليفه برئاسة الحكومة الجديدة، إذا التزم بتقديم وزارته كاملة إلى مجلس النواب، الذي سيكون له القول الفصل، حسب الدستور، في قبول كل وزير أو رفضه. أما أن يعمل الآن على ترقيع حكوماته الممزقة بالنزاعات الحزبية من خلال إزاحة مناوئيه إلى موقع المعارضة، وتعيين مؤيديه بدلا منه، فلم يعد أمرا ممكنا في الظرف الراهن.
بالمقابل، فان الأحزاب والكتل التي تختار أن تحتل موقع المعارضة يجب أن تكون قادرة على ممارسة دورها في تصحيح مسار الحكومة، التي هي في هذه الحالة حكومة الأغلبية. ولابد من توافر الحد الأدنى من الثقة بين كافة الأطراف السياسية، وان تظهر التزامها بأحكام الدستور، حتى يمكن لنظام حكومة الأغلبية أن ينجح. وللأسف لا أرى أن هذين الشرطين متوافران حاليا.
لقد كانت نية مشرع الدستور أن يمنع أي مسؤول من التفرد بالقرار، خصوصا بعد أن عانى العراق من الدكتاتورية عقودا طويلة. لكن الطموح إلى السلطة تمكن من معظم المشاركين في العملية السياسية، حتى أعماهم عن إمكانية وقوع هذا الخطر بالآليات ذاتها التي تمنع وقوعه. وقبل توجيه الاتهام إلى شخص المالكي، على الأطراف السياسية أن تسأل نفسها: ما الذي جرى ليصل الأمر إلى هذا الحد؟ كيف يمكن لبلد دمرته الحروب والمآسي الطويلة، وتشرد أبناؤه في أصقاع الأرض، ونضبت خيراته الوفيرة، كل ذلك على يد شخص واحد انفرد بالسلطة، أقول كيف يمكن ألا تعمل جميع الأطراف من اجل أن تمنع حصول ذلك مجددا؟ يُقال: لولا النسيان لهلك الإنسان، وربما في حالتنا يمكن تعديل هذا القول ليصبح: لولا النسيان لهلك السلطان، فلربما نحصل على الإجابة عن تساؤلاتنا.

Wednesday, December 21, 2011

الشتاء العراقيّ تُدفّئه السجالات السياسية

بينما يمر خبر رحيل آخر جندي أميركي من العراق يوم الثامن عشر من شهر كانون الأول الجاري بدون ضجة إعلامية، أو حتى ذكر إخباري يزيد على شريط الأخبار أسفل الشاشة في معظم القنوات المحلية والعالمية، فإن أخباراً أخرى تحتل مساحة كبيرة في التغطية الإخبارية الإعلامية للشأن العراقي.حينما قرأت خبر الجلاء الكامل، جال في خاطري أن ما يلي سيكون خطابا رئاسيا، أو بيانا وزاريا، أو تصريحا برلمانيا سوف يقرأ بالمناسبة،

اعتزازا بالمناسبة الوطنية المميزة، فهذا اليوم هو يوم الجلاء واستعادة السيادة. لكن ما تردد من أخبار كان مختلفا للغاية.
فهذا رئيس الوزراء يحيل نائبه إلى البرلمان لإقالته بدعوى عدم اللياقة.. وماهي إلا يومان حتى يُعلن عن إصدار مذكرة إلقاء القبض بحق نائب رئيس الجمهورية بدعوى رعاية الإرهاب.
سبحان الله كيف ينقلب السحر على الساحر بين ليلة وضحاها. فبعد أن كان كلا الرجلين قطبين أساسيين في كتابة وإقرار الدستور الذي يفترض أن يكون أساس العملية السياسية الجارية في العراق، أصبحا طريدين من قبل الحكومة وخارجين على القانون.
يرى البعض أن رئيس الوزراء يتعمد أن يثير ضجة مع رموز القائمة العراقية بين الفينة والفينة لكي يغطي على فشل حكومته الذريع في حل المشاكل المستعصية التي يعانيها الشعب، من تهالك خدمات الكهرباء والماء والمجاري والطرق، إلى تفاقم مشاكل السكن والبطالة وتعطيل الصناعة والزراعة، وليس انتهاء بالخروقات الأمنية الفاضحة من آن لآخر.
بمعنى آخر إن رئيس الحكومة يعمل على صرف الانتباه عن مسؤوليته المتمثلة بزعامته للحكومة بالادعاء انه ضحية هذه الحكومة (المفروضة عليه) وفق توافقات سياسية لايد له فيها.
وإذا كان هذا الأمر صحيحا، فأين دور الشركاء في العملية السياسية؟ لماذا انزووا إلى أقبيتهم فلا ينبسون ببنت شفة للتعبير عن سخطهم من سياسة الحكومة التي هم جزء منها؟ لماذا يفاجأ الشعب بإعلان كبار مسؤولي الدولة مطلوبين للعدالة بلا مقدمات أو حتى بوادر أزمات تقدمت هذه الإعلانات؟ أما كان ينبغي لهم أن يخرجوا للعلن فيتحدثوا لنا عن هذه الاحداث وموقفهم منها؟
الظاهر إن طول جلوسهم خلف المكاتب الفارهة قد تمكن منهم حتى افقدهم حناجرهم، وأسقط أنيابهم، وقلّم أظفارهم، فما عاد بإمكانهم ان يهتفوا ضد اعتقالهم، أو يعضّوا من يحاول ذلك.
ومن يذكر مؤتمراتهم قبل أشهر قليلة، فإنهم لا تعوزهم الفصاحة في التعبير عن خلجاتهم، وانتقاد المواقف السياسية التي لا يرتضونها من الحكومة حتى صاروا جزءا منها، لهم ما لها وعليهم ما عليها.
إذا كان المالكي ينفرد بالحكم فان شركاءه هم المسؤولون عن ذلك. فلابد من أن اتفاقاتهم غير المعلنة حملت في طياتها تسليما غير مشروط لرئيس الحكومة أملا في الحصول على المناصب ذوات المردودات المالية والمعنوية العالية، والتي من شأنها أن تضمن مستقبلهم إذا آن أوان الرحيل.
قبل سبع سنوات سعى حزب طارق الهاشمي إلى إقرار الدستور في محافظة نينوى بعد أن أسقطته محافظتا الأنبار وصلاح الدين وبات على وشك السقوط كليا إن لم تمرره نينوى، حسب نصوص الدستور التي تشترط عدم اعتراض أغلبية ثلاث محافظات عليه في الاستفتاء العام حتى يمر.
وكانت الصفقة حينها أن يُصار إلى تعديل الدستور خلال أربعة أشهر. لم يحدث هذا الأمر، ولا يبدو انه سيحدث.
فالرجل بات مطلوبا للعدالة، ولن يكون هناك موجب للإيفاء بوعد مع (مجرم).
أما صالح المطلك فهو جنس من الناس يسكت دهراً لينطق كفرا، لكن هذا الأمر طرأ عليه مؤخرا. فحينما كان عضوا في لجنة كتابة الدستور لم يكن يجد أن البعثيين ربما كانوا أناسا صالحين، بل وافق عن تجريمهم ومنع حزبهم من العمل السياسي إلى الأبد، وما إلى ذلك من الفقرات الدستورية التي لا جدال في معاداتها حزب البعث وأفكاره ومنهجه. ثم فجأة أضحى المدافع عن البعثيين وعن حزب البعث، حتى طاله الاجتثاث، ليستثنى بعد ذلك في مساومة سياسية بغيضة تهزأ بعقل الناخب الذي لم يعد يفهم ما يجري. على كل حال، أنيط بالمطلك أكثر الملفات أهمية بالنسبة للمواطن العراقي: ملف الخدمات.
وطبعا، ليس بمقدوره أن يعمل على تحسين الخدمات الأساسية لأنه اكتشف أن رئيس الحكومة (دكتاتور).
أما مرجعية هذين الرجلين، القائمة العراقية، فان موقفها كان على الدوام التهديد من الانسحاب من مجلس النواب، حتى نفّذوا ذلك، وكأن هذا الأمر من حقهم. فهل انتخب الشعب ممثلين عنه ليغيبوا عن جلسات البرلمان احتجاجا على الحكومة؟ أليس هناك من طرق دستورية لمحاسبة ومساءلة الحكومة، بل سحب الثقة عنها، وإجبارها على الانصياع إلى رغبة المشرعين، وأولها أن يعين وزير لكل من الوزارات الأمنية الشاغرة الثلاث؟ بلى. لكن طرق الإثارة الإعلامية أسهل، وهي الستراتيجية التي دأبت كل من الحكومة ومعارضتها على انتهاجها. وكل منهما إنما يغطي فشله بلجوئه إلى التصعيد الإعلامي.
الشتاء قدم مبكرا هذا العام، لكن حرارة الاحداث سوف تجعله دافئا وان غاب الكهرباء عن سخاناتنا، والنفط عن مدفآتنا، وجلسنا حول موقد الفحم نتحادث عن تسعيرة الوظائف في هذه الوزارة أو تلك. ربما ستبقي لنا الفكاهات التي نتندر بها في تلك الجلسات بعض الأمل أن ما هو آت خير مما مضى.

Sunday, December 18, 2011

شكرا ايها الجندي الاميركي

ذكرت وسائل اعلام غربية ان السياسيين العراقيين لم يستطيعوا الاتفاق على تقديم الشكر الى الجيش الاميركي تقديرا لجهوده في تحرير العراق من براثن الطغيان، واحلال مباديء الديمقراطية والحرية محل الدكتاتورية والاستعباد التي رزح تحت نيرها شعب العراق ما يزيد على اربعة عقود. ومضت هذه المصادر الى القول بان العراقيين يكونون بهذا "ناكرين للجميل."
لا والله، لسنا ناكرين للجميل، ولسنا انتهازيين نصطاد فرصنا في الماء العكر. نحن شعب يحب السلام، وإن كان بيننا من يقرع للحرب طبولا، او خرج من بين ثنايانا من يدعو الى الفرقة طمعا في الوصول الى السلطة. نحن شعب ذاق القهر والحرمان دهرا طويلا، ولا نريد الا ان ننطلق في مسارنا لاعمار بلدنا وبناء وطننا. ومنذ قدمتَ الينا، ايها الجندي الاميركي، بدأنا نبصر بصيص امل بعد ان كاد الامل ينقطع عن ناظرينا الى الابد.
لا ريب في انك قدمتَ الينا غير مدعو، ولكن ليس عليك ان تغادر غير مشكور. وان كانت قيادتك جلبتك الى هنا وحمـّلتك اخطاءها، فنحن نعلم انك فعلت ما في وسعك لتجنب ان ترتكب اخطاء اخرى، ولكي تصحح ما امكنك من الخطأ الاستراتيجي الاول: القدوم الينا بلا خطة محكمة، وبلا غطاء دولي من مجلس الامن.
لكن هل علينا ان نذكر لماذا جئت، وما الذي تمخض عن ذلك؟ ربما. لنعد بالزمن الى الوراء. الى يوم قرر طاغية العراق المقبور ان يغزو الى الكويت، وقبلها خاض غمار حرب مدمرة ضد ايران دامت ثماني سنوات. نعم، كنا نحن غزاة ذات يوم. وهكذا، يصدر مجلس الامن تفويضا باخراج قوات الدكتاتور باية وسيلة، ولكنه يأبى الا ان يقود البلاد الى حرب دامية خاسرة حتى من يوم بدئها. كان شعور الشعب العراقي بالمذلة نتيجة تلك الهزيمة اكبر من خوفه من بطش الطاغية، فكانت ثورة شعبية تعمّ العراق من شماله الى جنوبه. وكانت اعلانا بالرفض لم يألفه النظام الذي تعود على الاستماع الى قصائد المديح المطولة في صالات قصوره الفارهة. ولم يوفر الطاغية جهدا في اخماد هذه الثورة.. هل سمعت بالمقابر الجماعية؟ نعم، لازالت الارض تئن بالمئات منها تتضرع الى الله ان يمنّ برحمته على اولئك الذين اهيل عليهم التراب احياء، لا لشيء الا لأنهم رفضوا الخضوع لنير الطغيان. وهو لم يتورع عن استخدام كل الوسائل المتوفرة لديه في اسكات الثورات الشعبية، حتى الاسلحة الكيميائية.. اما سمعت بـ(حلبجة)؟ يا ويلاه على اطفال ونساء ورجال وشيوخ احرقهم لهب قادم من السماء دون ان يكون لهم ملاذ منها، ارسله اليهم من كان ينبغي ان يحميهم منه.
ولكن ذلك النظام ما كان ليكتفي بكل ما سلف من المآسي، فقد عمد الى المواجهة مع المجتمع الدولي من اجل اطالة امل الحصار الاقتصادي، ليمدّ من عمر نظامه الاستبدادي البغيض، حتى تحطمت البُنى التحتية والفوقية لبلادنا ووصلت الى حافة الانهيار، وأنهك الشعب في توفير لقمة العيش وقنينة الدواء.. بات الشعب العراقي –بفعل سياسيات نظام الطغيان– الافقر في العالم، على الرغم من كونه الاغنى في الثروات المادية والبشرية.
ويوم شهدت امهات ثكلى حبل المشنقة يلتف على عنق صدام، بعد ان أخرجتَه من جحره وجلبتَه امام العدالة، صلـّيْنَ الى الله ليحميك، ايها الجندي الاميركي، وينير طريقك الذي مابرح يزداد عتمة منذ أتيتَ الى بلادنا، حتى تضافرت جهودك مع جهود ابناء القوات المسلحة العراقية فانتصرت على قوى الظلام.
كان الطريق مظلما، لان اعداء الحرية حطموا مصابيحه. وكانت كل تضحية قدمتَها شمعة تكسر هذه الظلمة، فتسيرَ ونسيرُ من ورائك، ونجري فنسبقك، ثم نبطيء فننتظرك. لقد احترت فينا، ولكنك صبرت علينا. فشكرا لك لصبرك الجميل، ولتضحيتك الكريمة.
شكرا لك لانك وضعت روحك على كفك لتحارب التمرد الذي عادى الشعب وحكومته قبل ان يعاديك. شكرا لك لانك سهرت على تدريب عناصر القوى الامنية العراقية حتى صارت قوية بما يكفي للذود عن حياض الوطن. شكرا لك لانك انفقت الاموال الطائلة في محاولة اعادة بناء البنى التحية المنهارة في وطني. شكرا لك لاخذك بيد الشعب العراقي نحو الحرية. شكرا لك لانك كشفت الفاسدين بين صفوف قواتك، ولم تخجل من ان تعلن ذلك للعلن، وتعتذر عن افعال هؤلاء المشينة، بل انك اصررت على ان تأخذ العدالة مجراها، وحاكمتَهم، والقيتَ بهم في السجن، بعد ان كانوا حراسا للسجون.
شكرا لسرجنت كرستينا، التي وقفت في ساعة متأخرة من الليل تحرس مركزا للشرطة تعرض لاطلاق نار من مسلحين مجهولين. شكرا للملازم مارك الذي قاد فصيلا للقبض على عصابة من المطلوبين الخطرين. شكرا للميجر غريغ الذي عكف على مساعدة القضاة في محاكمة المجرمين. شكرا للجنرال أدمز لانه أمر فرقته بحراسة القرى والبلدات قرب قاعدته العسكرية، فسير الدوريات ليلا ونهارا. وشكرا للدبلوماسي تشاك الذي تواصل بجد واخلاص مع الحكومتين المحلية والوطنية وقدم لهما النصح والارشاد الذي كانا بامس الحاجة اليه.
شكرا لكم ايها الرجال والنساء الذين تركتم خلفكم ازواجا وامهات وابناء لا يكاد يغمض لهم جفن خوفا عليكم، ولكنكم ابيتم الانصياع الى الخوف، ومشيتم الدرب الى آخره، وسلمتم العراق الى شعبه قادرا وأبيا كما كان وسيكون الى الابد.
الشعب العراقي غير ناكر للجميل، ولكنه خائف، فاعذرنا. نحن لازلنا خائفين من ان ينقلب السحر علينا ونعود الى الدياجير التي انقذتَنا منها بمشيئة الخالق عز وجل. ولكننا تعلمنا ان نتغلب على مخاوفنا، ونعدك باننا سوف لن نجعلك تندم على ما قدمته لنا. سوف نستمر في سعينا الى بناء وطننا وحمايته وصون حريتنا حتى تبقى فخورا بنا. شكرا لك اليها الجندي الاميركي، وانت تغادر عائدا الى وطنك، وليباركك الله.

Monday, November 14, 2011

خريف النظام السوري لا يوقفه الامتناع العراقي

توصلت الجامعة العربية، في دورتها الوزارية الاستثنائية، الى قرار بتجميد عضوية سوريا في تلك المنظمة التي ظلت على مدى عقود طويلة داعمة لأنظمة اعضائها بغض النظر عن الطريقة التي يحكمون بها شعوبهم. واذا كان الربيع العربي قد أثر على بعض تلك الانظمة، وأسقط بعضه الآخر، فانه قد ترك بصمة واضحة على الجامعة العربية وحولها من مجرد منتدى للملوك والرؤساء العرب الى مؤسسة شعبية تنظر في قضايا الشعوب العربية المقهورة بمزيد من التمعن والإدراك للحال البائسة التي آلت إليها.
وقد صوتت لهذا القرار ثماني عشرة دولة عضو في المنظمة، من بينها دول تحررت للتو من نير الدكتاتورية مثل تونس ومصر، ودول مازال زعماؤها يحكمون قبضتهم على مقاليد الامور فيها مثل السودان. اما الدول التي عارضت القرار فلم يكن موقفها غريبا. فاليمن يمر بنفس المرحلة التي يمر بها النظام السوري، وهو ايضا مرشح للمزيد من الضغط العربي والدولي ليفسح المجال امام شعبه الطامح الى الحصول على حق تقرير المصير، ولكي يوقف محاولاته المستميتة من اجل وضع البلاد على شفا حرب اهلية في سعيه للتشبث بالسلطة بأي ثمن.
وبالمثل، فان الحكومة اللبنانية قد أثبتت في الماضي ولاءها للنظام السوري من خلال موقفها من قرار مجلس الأمن الذي صدر بإدانة استخدام العنف ضد المتظاهرين في سوريا قبل اشهر قليلة، والذي امتنعت عن التصويت عليه، في ظاهرة غريبة تصدر عن دولة كانت تعتبر من اعرق الديمقراطيات في العالم العربي والشرق الاوسط ككل.
لكن المستعصي على الفهم هو موقف العراق. فامتناع العراق عن التصويت لصالح قرار تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية ربما يُعد رفضا للقرار اكثر منه مجرد النأي بنفسه عن الخوض في قضية سوريا. فلو كانت المسألة نزاعا بين دولتين لكان الامر مفهوما. اما ان يمتنع العراق عن الادلاء بصوته ضد القمع والطغيان والتعذيب والتهجير والقتل وانتهاك المحرمات فهذا امر عجيب. الم يعان العراق من الاضطهاد على يد نظامه السابق اربعين عاما ذاق فيها الشعب الامرين من ويلات الحروب والحصار والعزلة الدولية؟ الم يعمد ذلك النظام الى اعادة العراق نصف قرن الى الوراء وتسبب في قتل الملايين وتهجير ملايين اخرى فرّوا بجلودهم من بطشه؟ ثم، الم يكن من بين المهجرين والمهاجرين اولئك الذين تربعوا على كراسي الحكم في العراق الان بعد تحرره من سطوة النظام السابق؟ اذا، لماذا لا يتذكرون ايام سلكوا الشعاب والطرق الخطرة وتعرضوا الى شتى المخاطر في سعيهم للفرار من نظام لا يفترق كثيرا عن النظام السوري؟
تلك اسئلة محيرة. واقر باني لا اكاد استطيع ان افهم او افسر موقف العراق. يقول البعض ان موقف الحكومة العراقية انما يمثل امتدادا للاثر الايراني في المنطقة ككل وفي العراق على وجه الخصوص. والحقيقة اني لا ارى ان الحكومة العراقية مجرد بيدق في رقعة الشطرنج الايرانية. ربما تكون هناك بعض المناسبات التي يجامل فيها المسؤولون العراقيون النظام الايراني، إما لعلاقتهم الشخصية برموزها، او لكسب ود ذلك النظام وضمان عدم اسقاطهم سياسيا من قبل اولياء النظام الايراني في العراق. أي ان الاثر السياسي لايران في العراق لا يتعدى ولاءات متناثرة لا تمثل مجتمعة نسبة وافية لاحداث أثر في السياسة العراقية. كما ان هناك خصومات داخل اطراف الحكومة العراقية تجعل من الصعب على الحكومة ان تتخذ موقفا مميزا في قضية مثل دعم النظام السوري، دون ان يكون هناك توافق بينها.
واللافت ان الحكومة العراقية الحالية قد تعرضت للنظام السوري بالقدح والذم والاتهام في غير مناسبة. وهي اتهمت ذلك النظام بتغذية أعمال العنف في العراق المرة تلو الاخرى، حتى وصل الامر الى رفع شكوى ضده في المحافل العربية والدولية، وظلت العلاقة بين البلدين في حال من التلبد والجمود لفترة ليست بالقصيرة. كما ان العراق طالب النظام السوري بتسليم المطلوبين بتهم تمس امن الدولة العراقية ومنها التخطيط والتمويل لاعادة حزب البعث الى الحكم وخلخلة الوضع الامني. وفي المقابل ليس هناك موقف ضد المعارضة السورية لا في الداخل ولا في الخارج. بمعنى ان العراق لم يكن يرى في تلك المعارضة ما يهدد امنه وسيادته واستقراره، بينما كان النظام السوري على الدوام متهما بكل ذلك واكثر.
ومن كل ما تقدم فان الارجح ان موقف الحكومة العراقية يعكس وجهة نظر اغلبية الاحزاب المشاركة فيها. ذلك ان هناك تخوفا واضحا من حصول انقلاب سياسي في سوريا قد لا تكون عقباه حميدة على الوضع في العراق، من وجهة نظر الحكومة العراقية. كما ان التصعيد الدولي قد يقود الى تدخل عسكري اجنبي، وهو ما قد يفتح بابا آخر للعنف في دولة مجاورة ربما يتضرر العراق من شظاها. او قد تكون سيطرة المد الديني - الاسلامي على حركة الشارع العربي، بضمنه الرأي العام السوري، وما يحمل في ثناياه من اثارة للطائفية، هو هاجس القيادة العراقية.
وأياً يكن الامر، فان الاهم يتقدم على المهم. والاهم في هذه الحالة هو نصرة قضايا الحرية والديمقراطية والتعددية وصون حقوق الانسان. ان من الحكمة ان يقف المرء موقفا محايدا في قضايا لا تهمه. ولكن ان تقف الدول على الحياد في امور تمس معتقدها السياسي فهو نفاق واضح. وربما يؤدي مثل هذا الموقف الى فقدان الثقة بالحكومات واسقاطها سياسيا وشعبيا. فكيف لك ان تقنعني بانك غير متعطش للسلطة اذا كنت تؤازر متشبثا بها؟ والمثل العراقي يقول: "حشرٌ مع الناس عيد"، أي ان عليك ان تساير الناس في الامور التي لا تمسك مباشرة. وهو الحال مع النظام السوري، فبقاؤه ليس افضل من رحيله. وحركة التاريخ تشير الى هذا التغيير الوشيك، فهل علينا ان نقف ضد هذه الحركة الحتمية؟ لا اظن ان الحكومة العراقية قد وعت آثار الربيع العربي حتى الآن. ومن سخرية القدر ان العراق، حسب رؤية الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش، هو واحة الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط. لكنه فشل حتى الان في اثبات ان الديمقراطية التي يحمل لواءها هي النظام الامثل للحكم. وهو فشل آخر لاميركا في منطقة الشرق الاوسط ككل وليس في العراق فحسب.

Thursday, November 03, 2011

دعوة للقضاء على الفساد الإداري من خلال النيو ميديا

من المؤسف أن يستمر ذكر العراق في صدارة الدول التي تعاني الفساد الإداري سنة تلو الأخرى. ولكن الأمر الأكثـر إيلاماً هو أن ترى مسؤولي الدولة في حالة نكران كامل لهذه القضية المهمة، إن لم تكن الأهم في الوقت الراهن. بل أنهم نادراً ما يتناولون موضوعة الفساد الإداري في إطار الحلول المطروحة أو أن يشرحوا لنا خطتهم في التصدي لتلك الظاهرة الخطيرة.

يتحدث بعض الناس، عند تناولهم موقف الحكومة الرسمي من الفساد الإداري، عن أمور مثل السماح لبعض المسؤولين بتفشي الفساد عمدا بين داوئرهم من اجل التغطية على ممارساتهم الفاسدة هم أنفسهم. بينما يقول آخرون: إن الفساد يخدم بعض الأحزاب المتنفذة لغرض الإبقاء عليها في السلطة من خلال التمويل المنتظم الذي ما كانوا ليحصلوا عليه من طريق آخر.
لكن الظاهر أن هذه الآراء، وإن حملت بعض الأجوبة، لا تستطيع أن تقدم تفسيرا شاملا لاستشراء الفساد الإداري بما يتجاوز المعدل المتعارف عليه في دول فقيرة ومتخلفة قياسا بالعراق. وهي أيضا لا توضح تخاذل الحكومة، المكونة من أحزاب متصارعة دأبت على إظهار مواطن العيب لدى بعضها البعض الآخر.
لهذا فلابد من وجود أسباب أكثر عمقا جعلت من هذه القضية عسيرة على الحل إلى هذه الدرجة. وربما يكون أهم هذه الأسباب هو كون هذه الظاهرة موروثة من النظام السابق، الذي سقط إثر الغزو الأميركي عام 2003. فقد عملت أجهزة ذلك النظام على رعاية الفساد الإداري بشكل ممنهج، بسبب عجز الدولة عن توفير ابسط سبل العيش لموظفيها. فقد كان معدل دخل الموظف العادي الشهري، على سبيل المثال، لا يكفي لسد نفقات نقله إلى دائرته أو مدرسته أو ما سواهما. واذكر أن نائبا في مجلس العموم البريطاني زار العراق إبّان فترة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق، وتحدث في مؤتمر صحفي من مستشفى، مشيدا بالأطباء العراقيين الذين قبلوا أن يعملوا في مستشفياتهم براتب لا يزيد على "ثمن بيضة في اليوم الواحد". ومن الواضح أن مثل هذا الأجر لا يقيم أودا ولا يسد رمقا. ولم يكن لدى الأطباء العراقيين من سبيل سوى العمل في المستشفيات حسب قانون التدرج الطبي، ولكنهم وجدوا موردا آخر للعيش من خلال العيادات الخاصة. أما غيرهم من الموظفين فإنهم قلما أتيح لهم العمل في القطاع الخاص، الذي عانى هو الآخر من مشاكله الخاصة نتيجة الحصار الاقتصادي.
وهكذا لجأ الكثير من الموظفين إلى ممارسات تندرج تحت مسمى الفساد الإداري، وإن لم يعدها جميع الشعب كذلك. مثال ذلك دفع مبالغ مالية، قد لا تكون كبيرة، من اجل تجاوز الدور، أو استحصال موافقات روتينية لغرض تمشية المعاملات التي، ما عدا ذلك، ليس هناك من داع لإيقافها. وتطور الأمر إلى زيادة التعقيدات الإدارية والروتينية لحمل المزيد من الناس على الدفع وتخليص معاملاتهم. وإذا لم يكن هناك ضرر مباشر على المصلحة العامة نتيجة لهذه الممارسات، فان ضررها المتراكم كان اكبر من كل قضايا الفساد المألوفة، مثل الاختلاس والرشوة والمحسوبية. لقد أدى شيوع ثقافة تجاوز الروتين الحكومي عن طريق دفع الأموال للموظفين العموميين إلى شرعنة هذه الممارسة حتى بات من الصعب إقناع كل من طرفي المعاملة، المواطن والموظف، إنها خطيئة كبيرة. فكم مرة سمعت، عزيزي القارئ، عن ممارسات مثل استحصال إجازة قيادة بدون حتى الذهاب إلى دائرة المرور؟ ومثلها لحالات جواز السفر؟ أنا واثق من أن لديكم الكثير من الأمثلة التي تغني عن المزيد من الإيضاح.
إن شيوع هذه الثقافة قد انعكس على النظام الجديد بكامل صورته، وان تغيرت الأحوال. نعم، لم يعد الموظف بحاجة إلى "الإكرامية"، بعد أن تحسنت أحوال معظم الموظفين المالية. ولكن الكثير من الموظفين كانوا في الخدمة قبل التغيير واستمروا بعده. وإذا كان هناك أمر (شرعي) تحت ظرف ما، فسيبقى شرعيا تحت كل الظروف. لان المبدأ الأساس في الأخلاق هو أنها غير نسبية. فالسرقة سرقة سواء أنفقتها على الموبقات أو لغرض إطعام الفقراء. وانه لمن دواعي الأسف الشديد أن معظم الناس يتفقون على أن الرشوة أمر خاطئ وحرام لكن الكثير منهم لا يتوانى عن دفعها من اجل الحصول على غايتهم بشكل ميسر. وهم يتفقون على تحريم السرقة والغصب وأكل مال الغير، ولكنهم لا يجدون أن الرشوة هي فعل يضم هذه الأمور الشنيعة اجمعها.
لذلك إن أردنا أن نتصدى إلى الفساد الإداري يجب علينا أن نبدأ من القاعدة: من صغار الموظفين وعامة الشعب. طبعا نحن ندرك وجود جهات متخصصة بهذا الشأن مثل هيئة النزاهة، ودوائر المفتش العام في الوزارات وديوان الرقابة المالية، وحتى منظمات المجتمع المدني. لكن الممارسات الصغيرة لا تصل في العادة إلى تلك الجهات. وحتى إن وصلت فلربما لا تجد اهتماما كافيا لكون تلك الجهات مشغولة بقضايا فساد اكبر. وبالتالي فان استمرار هذه الممارسة يعني ترسخها واستشراءها أكثر فأكثر.
إن ما ندعو إليه هو حملة منسقة، لا تقودها مؤسسات الحكومة أو البرلمان، بل يقودها المواطنون أنفسهم. تلك الحملة تشرح للناس أن تقديم الإكرامية هي عملية سرقة بشكل أو آخر، وهي غصب لحق شخص آخر، وهي بكل تأكيد أمر شنيع لا يقل عن الفساد في عقود الكهرباء أو النفط أو السلاح. فالأمر الخاطئ لا يكون صحيحا إذا كانت قيمته اقل من دينار أو ألف أو مليون مثلا.
هذه الحملة يجدر أن تروج باستخدام وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف والاذعات والفضائيات، ولكن بشكل أكثر تفاعلا من خلال وسائل (نيو ميديا) وهو تعبير عن وسائل الإعلام الجديدة التي بات الناس العاديون محررين فيها مثل ما هم قراء. ومن الأمثلة على ذلك مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، وكذلك المدونات الشخصية المعروفة بـ(بلوغ). والسبب في اعتقادنا بان مثل هذه الحملة يمكن أن تؤدي في آخر الأمر الى تأخير موقع العراق على قائمة الدول التي تعاني الفساد، وذلك بأن يتحدث الناس فيها بالطريقة التي يشعرون بأنهم جزء منها، أي أنهم سوف يكونون رعاة للحملة أكثر من كونهم مجرد هدف لها. وهكذا فانك تجد من الصعب أن تخالف ما تعظ به، لكنك ربما تجد من المغري أن تخالف الوعظ الذي يلقى عليك.
وسوف أبدأ بان اطلب من كل إنسان شريف أن يقول معي "الإكرامية مثل الرشوة وكلاهما عيب وحرام".

Friday, October 28, 2011

فشل قطاع المقاولات الانشائية.. الاسباب والنتائج

تحدث السيد رئيس الوزراء، نوري المالكي، لدى زيارته الى محافظة بابل مؤخرا، عن تأخر تنفيذ المشاريع التي تقوم بها المحافظة، وحتى توقفها بشكل كامل. وقال انه أُحيط علما بتلك المشاريع وانه على ثقة ان هناك مشاريع اخرى متوقفة، ومع ذلك برأ الحكومة المحلية من أي تقصير وان السبب الاساسي في توقف المشاريع يعود الى التنافس بين المقاولين عند تقديمهم عطاءاتهم، ما ادى الى خفض الاسعار بشكل كبير. وما ان يبدأ المقاول في تنفيذ العمل، بحسب المالكي، حتى يكتشف المقاول الذي تحال بعهدته مقاولة المشروع ان الاسعار التي تقدم بها خاسرة فيعمد الى التقصير في العمل وحتى الهروب من تنفيذ المقاولة الامر الذي يؤدي الى توقف العمل في المشروع تماما.
ان وجهة النظر هذه ليست مقتصرة على شخص السيد رئيس الوزراء، ولكن ربما يصرح بها بين الاونة والاخرى مسؤولون في الدولة على تعدد مستوياتهم، وهي ايضا وجهة النظر الشائعة بين عموم المواطنين الذين لا يرون في عملية تنفيذ المشاريع سوى المقاول. وفي الحقيقة، فانه قليلا ما يجري التطرق الى دور الدوائر المشرفة على المشاريع، والى تقصير بعض هذه الجهات الحكومية في الاشراف والمتابعة، وكذلك اعداد الكشوفات التخمينية المناسبة، والمخططات الهندسية المتكاملة، وتحليل الاسعار التي يتقدم بها المقاولون حتى لا تتم احالة المقاولة باسعار تعتبر عمليا خاسرة. يضاف الى ذلك تعقد سلسلة المراجع الى درجة يصبح من الصعب الوصول الى قرار من شأنه دفع عجلة العمل عند تعرضه الى ظروف تستوجب اجراء تغييرات او احتساب مستحقات للمقاول لم تكن واردة في الكشوفات الاصلية للمقاولة.
لقد اضحى قطاع المقاولات ضحية سهلة لكل اتهام بتقصير او فساد او اختلاس او ما شابه، وعبّر العديد من المقاولين عن سخطهم لهذا الوضع حتى قال احدهم: "هل جفت ارحام العراقيات عن انجاب مقاولين شرفاء، بينما هي خصبة في انجاب سياسيين نجباء؟" وهذا تساؤل اجده حق، لان من العدل عدم اخذ الكل بجريرة البعض. واذا كان وضع قطاع المقاولات الانشائية اليوم يُعد سيئا، فانه ربما شهد عصره الذهبي في فترة السبعينيات من القرن الماضي، على الرغم توجه الدولة آنذاك نحو الاشتراكية والحد من سطوة "الطبقة البرجوازية". فقد نجت هذه الفئة من عمليات المصادرة والتأميم التي شملت المعامل الكبرى للشركات "الاحتكارية" والمزارع المملوكة لكبار "الاقطاعيين" لصالح القطاع العام، حيث يكون للدولة القول الفصل في عمليات الانتاج والتسويق على مختلف مراحلها. وقد يكون السبب في هذا الى عدم قدرة الدولة على حصر رؤوس الاموال المستثمرة في قطاع المقاولات الانشائية، وايضا صعوبة الاستعانة بالقدرات الحكومية الناشئة للحلول محل القطاع الخاص في هذا المجال.
على كل حال، لم يتمتع "المقاول" بالسمعة الحسنة في ذلك الوقت كذلك كونه يمثل خطا معاكسا لتوجهات الدولة في الاستحواذ على كل مقدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، كما استحوذت على شؤونه السياسية من خلال سياسة الحزب الواحد وتمجيد الشخصية ونسبة جميع الانجازات الى شخص "القائد الضرورة".
ورغم تغير السياسات الاقتصادية في العقود التالية واتجاهها نحو الخصخصة وتشجيع دور القطاع الخاص بعد ثبوت فشل القطاع العام لوحده في دفع الاقتصاد الى امام، الا ان وضع "المقاول" لم يتحسن كثيرا. فقد ولج الى هذا القطاع العديد من المغامرين الذين لم يكن لديهم خبرة كافية في هذا المجال، ولم يدفعهم الى الاستثمار في هذا القطاع سوى الرغبة في الحصول على الربح السريع من خلال تنفيذ اعمال بسيطة نسبيا باسعار عالية، وساهم في هذا الامر تفشي ظاهرة الفساد الاداري والمالي في دوائر الدولة، خصوصا في فترة التسيعينيات وما رافقها من حصار اقتصادي اصاب مقتلا لدى فئة الموظفين الحكوميين على وجه الخصوص، ومنهم من يتولى الاشراف على تنفيذ الاعمال الانشائية التي يقوم بها هؤلاء المقاولون. وهكذا اضحى قطاع المقاولات الانشائية ارضا خصبة لفساد واسع النطاق غضت الدولة طرفها عنها فاستفحل حتى صار سمة مرادفة للمقاول، وعانى من ازمة ثقة على المستويين الشعبي والرسمي، وصار من المعتاد التشكيك في نيات المقاول بالربح بغض النظر عن المصلحة العامة او التقيد بالشروط والمواصفات المعتمدة في هذا المجال.
وبعد زوال النظام السابق، وتولي القوات الاميركية زمام الامور في العراق، ظهرت بوادر اعتماد متزايد على المقاولين المحليين في تنفيذ مشاريع الاعمار الكبيرة منها والصغيرة. غير ان قصور فهم القوات الاميركية لطبيعة هذا القطاع وعدم امكانيتهم تمييز المتخصصين في هذا المجال من المُدعين، بالاضافة على التقصير الواضح في ادارة المشاريع والاشراف عليها، ادى كل ذلك على تزايد النقمة على المقاولين بدون تمييز، وحتى التجريح في وطنيتهم بعد هروب الكثير منهم الى الخارج اثر حصولهم على ارباح طائلة في فترة وجيزة.
وهكذا لم يأت تغيير النظام الا بمزيد من الويلات على قطاع المقاولات الانشائية ودفع بالمقاولين الى اتخاذ مواقف حذرة ان لم تكن سلبية من مجمل عملية اعادة الاعمار. وترك العديد من المقاولين ذوي الخبرة العمل في هذا القطاع ليمارسوا نشاطات تجارية او سواها تفاديا للنظرة السلبية تجاههم.
من كل ما تقدم يتبين لنا ان هناك ازمة ثقة تجاه المقاولين الانشائيين انعكست على طبيعة الدور الاشرافي من قبل الجهات الرقابية المناط بها تدقيق الاعمال المنجزة ما حدا بها الى وضع ضوابط صارمة لصالح تنفيذ الاعمال الانشائية بما يتوائم مع متطلبات الشروط والمواصفات الفنية. واتخذت الاجراءات الادارية طابعا روتينيا معقدا بدءا من اجراء الفحوصات المختبرية على المواد الانشائية المستعملة في التنفيذ وتدقيق الاعمال المنجزة او قيد الانجاز، مرورا بمنح التمديدات الزمنية واوامر الغيار، وصولا الى صرف السلف والمستحقات المالية، وليس انتهاءا بعملية الاستلام الاولي والنهائي للمشاريع المنجزة. ويبدو ان ما يدور في خلد الجهات الحكومية ان المقاول لا يدخر جهدا في خداعها للحصول على المزيد من الارباح.
ونظرا لرغبة الجهات الهندسية المشرفة على الاعمال التي يجري تنفيذها في درء التهمة المطروحة سلفا بالتواطؤ مع المقاول، فقد عمدت هذه الجهات الى وضع آليات معقدة من اللجان المتعددة المستويات بحيث تعمل كل منها على التحقق من عمل اللجنة الاقل مستوى من خلال الحلول –عمليا– محلها وليس مجرد تدقيق الاوليات للتأكد من مطابقة الارقام والنتائج لواقع الحال. وخلقت هذه العملية سلسلة طويلة من الاجراءات التي تستغرق وقتا طويلا قبل الوصول الى قرار يصب في مصلحة العمل.
وهكذا فليست هناك وصفة سحرية للنهوض بواقع تنفيذ الاعمال الانشائية من خلال المقاولين المتخصصين يمكن تطبيقها بين ليلة وضحاها. لكن من الممكن رسم خارطة طريق يمكن ان تفضي في نهاية المطاف الى تحسين وضع هذا القطاع المهم وتعزيز دوره في اعادة اعمار البلاد. وبغية وضع مثل هذا المخطط، لابد من التخلي عن النظرة السلبية اتجاه المقاولين، والبدء في النظر الى هذه الشريحة على اساس انها ليست فقط مكملة بل اساسية من اجل عملية اعادة الاعمار، وان المقاولين وان كان غرضهم الربح، شأنهم في ذلك شأن كل فئة عاملة، الا انهم لا يقلون وطنية عن اقرانهم من ابناء الشعب.
وبالمثل، يجب النظر جديا في اجراءات الاشراف الفني على المقاولة ومحاسبة الجهات الهندسية التي يحدث تقصير في تنفيذ المشاريع التي تقوم عليها، على اعتبار ان التقصير في تنفيذ الاعمال ليس مسؤولية المقاول لوحده، وانما هناك دور اساسي للدوائر المشرفة عليه. ومن الممكن ان يصار الى تشكيل لجان تحكيم دائمية تعمل على النظر في المنازعات التي قد تنشأ بين المقاول وبين الجهات المشرفة عليه بشكل عاجل، ويكون لها القول الفصل في حل هذه المنازعات. واذا ثبت ان المقاول او من يشرف عليه قد تعمد الحاق الاذى بالمشروع، فهذه جريمة خيانة عظمى، اذ لا مبرر لان يقوم أي انسان بالاضرار بالمصلحة العامة مهما كانت الاسباب الشخصية. وعلينا ان نتذكر على الدوام انه اذا استمر الوضع الحالي للمقاولين، فلن تصبح لدينا شريحة واعية مسؤولة تتولى تنفيذ المشاريع الهندسية، بل لن يتصدى لمثل هذه الاعمال سوى مغامرين وشذاذ الآفاق الذين لا يأبهون لشيء سوى الحصول على الربح باسرع وسيلة. ويجب على الدولة ان تأخذ دورها بتصحيح المسار، لا ان تعمد الى القاء التهم على المقاولين والدفاع عن كوادرها، بدون ان يتم النظر مليا في الاسباب التي أدت الى فشل المشروع تلو الاخر.

Saturday, September 17, 2011

الثورات العربية وهاجس المد الديني

صدرت في الاونة الاخيرة تحليلات سياسية عن بعض المحللين الغربيين تعبر عن القلق من ان تؤدي الحركات الشعبية المطالبة بالحريات في منطقة الشرق الاوسط الى ظهور تيار ديني ووصوله الى سدة الحكم في بلدان المنطقة، وهو ما قد يقود الى انظمة سلفية متشددة ربما تغذي الحركات المتطرفة التي تسعى الى تقويض الانظمة الغربية وفرض رؤيتها الضيقة عليها.

وربما يُعد وصول حركة طالبان الى الحكم في نهاية القرن المنصرم مثالا على الطريقة التي تستطيع بها حركات ذات نزعة شمولية ان تستحوذ على تأييد واسع بين مواطنيها مشكلة تيارا سياسيا واسع النفوذ على الرغم ضيق افكار هذه الفئة وعدم نضجها سياسيا لقيادة البلاد باسرها.

لكن سقوط حركة طالبان السريع عقب احداث الحادي عشر من ايلول، نتيجة ايوائها تنظيم القاعدة ودعمها له، وافتقارها الى منهج سياسي-دبلوماسي للتعامل مع الدول الاخرى، لهو اوضح مثال على عدم اهلية التيارات الدينية المتشددة في التصدي للقيادة السياسية، بدءا من التنظير الى التنظيم وحتى التطبيق، بسبب ابتعادها النسبي عن هموم الشعب اليومية وترفـّعها عن الخوض في مسائل حياتية مثل توفير العيش الآمن والمرفه لمواطنيها، وتوجهها الكامل الى منطق الحروب المصيرية وفرض افكارها على شعبها اولا ومن ثم بقية الشعوب.

ولا شك ان هناك مدا دينيا يقف وراء بعض الحركات الشعبية في العالم العربي، ومنطقة الشرق الاوسط ككل، ربما يكون قد تكوّن كرد فعل عن فشل العلمانية المعتدلة في تحقيق طموحات الشعوب، او نتيجة لتفشي الفساد في مفاصل دول المنطقة، وانتشار البطالة والمحسوبية وضعف ادارة الموارد الطبيعية والبشرية لصالح تحقيق تنمية حقيقة في تلك البلاد. هذا المد الديني وجد في العودة الى الاصول اجابة مبسطة تدعو الى تطبيق المباديء الاساسية للدين المتمثلة بالعدالة والمساواة والاخاء والتسامح. وعلى الرغم من الحركات العلمانية تؤمن بمثل هذه المباديء السامية، الا انها لا تبدو، بنظر المواطن العادي، مقيدة بقانون الهي يمنعها من تجاوزها على العكس من الحركات ذات الايديولوجية القائمة على اساس تشريعية سماوية مقدسة.

ففي مصر، على سبيل المثال، طالما خرجت المظاهرات والاعتصامات لفترة طويلة سابقة لما اصطلح على تسميته بالربيع العربي. ونادت هذه الحركات ذات الطابع العلماني بمحاربة الفساد واطلاق الحريات والاصلاح السياسي. وقد واجهت السلطات المصرية مثل هذه الحركات الشعبية بطرق لا تختلف كثيرا عن تلك التي استخدمتها في مواجهة الاحداث الاخيرة. وهي قد نجحت في قمع الحركات التحررية كلها باستثناء ثورة يناير التي أدت في آخر الامر الى الاطاحة بالنظام الحاكم. فما الذي حدث هذه المرة، ولماذا لم تنجح السلطة في قمع المظاهرات المناوئة لها، وهو امر خبرته على مدى عقود من الزمن؟

المفتاح للاجابة على هذا السؤال تكمن في الطريقة التي تطورت بها الحركات الدينية، ممثلة بحركة الاخوان المسلمين، التي كانت محظورة بشكل رسمي وان كانت حاضرة في المشهد السياسي المصري في كل الاوقات. فتلك الحركة وجدت لنفسها سبيلا للمصالحة غير المعلنة مع السلطة من خلال اعلانها نبذ العنف وادانتها لكل العمليات الارهابية التي شهدتها مصر في السنوات الاخيرة، وهو ما حسّن من صورتها ورفعها الى مستوى الحزب السياسي المنفتح ايديولوجيا، بدلا من الحركة المتطرفة ذات الافق الضيق. وقد ساهم هذا الامر، بالاضافة الى ايلائها بعض الاهتمام لما يشغل بال مواطنيها، في توسيع قاعدتها الوطنية وتحولها الى مؤسسة ذات بعد وطني وشعبي متجذر.

ومع ذلك، فان حركة الاخوان المسلمين فضلت البقاء في الظل طوال فترة المظاهرات التي طالبت باسقاط النظام المصري برئاسة حسني مبارك، وانضوت تحت العلم المصري الموحد، رافضة استخدام اعلامها وشعاراتها في تلك الحركة الشعبية. ومن الواضح ان سياسة الاخوان تلك قد ساهمت في التخفيف من المخاوف الغربية حول احتمال وصول حركات دينية متطرفة الى سدة الحكم في مصر إثر الحركة الشعبية التي انطلقت في يناير/كانون الثاني من هذا العام، ومن ثم اصبح من الممكن استحصال الدعم الغربي لتغيير النظام. لقد كانت النتيجة نصرا ساحقا ومفاجئا لحركة الاخوان المسلمين، الذين لم يكن يرتاب احد في حضورهم ضمن الحركة الشعبية المناوئة للنظام المصري السابق، ان لم يكونوا على رأس هذه الحركة.

واذا كان الاخوان قد قدموا لانفسهم بمثل هذه الطريقة لضمان عدم اثارة المخاوف الغربية، او حتى الاقليمية، فانهم ان استطاعوا الوصول الى السلطة بطريق الاقتراع والوسائل الديمقراطية سوف يكونون اكثر حرصا على تهدئة الهواجس المرافقة لحركتهم. ويجدر بنا تذكر ان الكثير من عناصر القاعدة قد نشأ بين احضان حركة الاخوان المسلمين وتغذى من افكارها، قبل ان تتخلى هذه الحركة عن تنظيرها السابق. وبالمثل، فقد ظهر من بينهم العديد من المتطرفين الذين نفذوا عمليات صنفت على انها ارهابية سواء في مصر او خارجها. لذلك فان مجرد اعلان نبذ العنف قد لا يكون كافيا لتحسين صورتها عالميا. وهكذا فانهم بعد ان تتاح لهم فرصة تسنم السلطة في مصر سوف يبذلون كل ما في وسعهم لاثبات اعتدالهم، لانهم يدركون انهم بدون هذه السياسية لن يكون لهم بقاء طويل الاجل، وانهم سوف يخاطرون بفقدان الدعم الشعبي ان هم قادوا البلاد الى طريق يفضي الى العزلة الدولية.

وفي اليمن تختلط الايديولوجيات بحيث لا يمكن فرز تيار سلفي او ديني متشدد او معتدل من بين الحركات التي تقف وراء تحريك الشارع اليمني ضد النظام الحاكم. لكن يبدو ان القول الفصل في ادارة تلك الحركات يكمن لدى الزعماء القبليين، وهم ليسوا بالضرورة قادة دينيين، ناهيك عن كونهم متشددين. نعم هناك حضور قوي للقاعدة في اليمن، لكن لا يبدو ان هناك دعم واسع لتلك الحركة الارهابية، وانها انما تعمل على استغلال الظرف السياسي المضطرب، وضعف الدولة المزمن، من اجل ايجاد ملاذ آمن لها هناك.
ومثل هذا الامر ينطبق على ليبيا التي حكمها معمر القذافي بالنار والحديد على مدى اربعة عقود، ولكن اركان نظامه لم يتورعوا عن التهديد بالتحالف مع الحركات الدينية المتشددة في مواجهة الثورة الليبية التي انطلقت في شهر فبراير/شباط الماضي ونجحت في تحرير معظم انحاء ليبيا من براثن الطغيان، وهي على الطريق للتحرير الكامل خلال وقت قصير. وحتى هذا الوقت لم يظهر دليل على ضلوع المتطرفين في الحركة الشعبية لتحرير البلاد وان كانت هناك توجهات ذات مسحة دينية بين الثوار.

اما في سوريا، فان الحركات الشعبية لا تخفي اصطباغها بالصبغة الدينية، كما يظهر ذلك من انطلاقها من الجوامع والمساجد واتخاذها من بعض رجال الدين رموزا لها. لكن الصبغة الدينية لا تعني بالضرورة لجوءها الى ايديولوجية متطرفة، بل قد تكون هي السبب في استمرارها رغم القمع الوحشي الذي مارسه النظام ضدها على مدى الشهور الخمسة الماضية. اذ ان الاحساس بالمهانة وفقدان الكرامة الوطنية الذي اثار الانتفاضة الشعبية قد رافقه شعور بالقيمة العليا للشهادة من اجل المباديء السامية، وان كان على الطريقة الدينية. أي ان استرخاص الارواح بداعي الشهادة قد غذى هذه الحركات اكثر مما لو كانت مجرد حركات ناجمة عن القهر والحرمان وما سواها.

وعلى هذا، فاني لا اجد مبررا كافيا للخوف من تولي متطرفين اسلاميين مقاليد السلطة في سوريا ان نجحت الثورة في الاطاحة بالنظام الحاكم. ولابد من الاشارة الى ان النظام السوري طالما دعم الحركات الارهابية المسلحة في العراق. وقد عملت السلطات السورية على فتح الحدود العراقية-السورية امام حركة السلاح والتمويل والافراد المتوجهة الى الارهابيين الذين كانوا يرومون تنفيذ عملياتهم في العراق. كما ان هذا النظام قد آوى كبار قادة الجماعات المسلحة العاملة في العراق بالاضافة الى رموز النظام العراقي السابق المطلوبين للعدالة. لذلك فان النظام السوري ليس في حالة حرب مع حركات متشددة، بل انه على النقيض من ذلك قد قدم لها الدعم المالي واللوجستي اللازمين للابقاء عليها سواء في العراق او في دول اخرى في المنطقة. وبالمقابل، فانه ليس هناك من دليل على وجود متشددين ضمن الحركة الشعبية المناوئة للنظام في سوريا، لا على المستوى الشعبي ولا على المستوى القيادي كما يتمثل ذلك في رموز المعارضة في داخل وخارج سوريا.

لقد نجمت الحركات الشعبية العربية عن عقود من الكبت والاذلال واستئثار السلطة لدى فئة محدودة عملت على استنزاف مقدرات الشعوب وتركها تعاني من الفقر والجهل والحرمان. وعلى الرغم من حضور الفكر الديني في ادبيات هذه الحركات، الا ان من المرجح انها ليست حركات دينية متطرفة، بل هي على العكس من ذلك تماما حركات معتدلة تجنح نحو العلمانية اكثر من جنوحها نحو التشدد الديني. واذا تمكنت التخلص من طغاتها فانها ستعمل على الاغلب على تحسين صورة الاسلام السياسي وفرض منطق الاعتدال الذي نادى به الدين الاسلامي الحنيف، وستعمل على استئصال شأفة التطرف والتشدد الذي عاد على منطقة الشرق الاوسط بمزيد من الحروب والمآسي والعزلة الدولية.

Friday, August 12, 2011

الصمت الذي يقتل السوريين يقتل الحرية في العالم العربي

اخيرا خرج مجلس التعاون الخليجي عن صمته ازاء المذابح التي تجري يوميا في سوريا على يد النظام المتجبر الرافض لاصوات الاصلاح والتغيير. وجاء البيان الخليجي مدينا لعنف السلطة المفرط ضد الشعب السوري بعد مضي قرابة خمسة اشهر من بدء الاحتجاجات السلمية للشعب السوري الذي الهمه ربيع الثورات العربي فهب مطالبا بالحق الاول: الحرية.

وبالمثل، فان البيان الخليجي انتظر بيانا امميا صادرا عن مجلس الامن يدين لجوء السطلة السورية الى العنف لاسكات الاصوات المطالبة بالحرية والاصلاح، لكي لا يُعد محرضا للدول الغربية للتدخل في الشأن السوري كما حدث في حالة ليبيا حينما بادرت بعض الدول الخليجية الى تبني موقف المعارضة الليبية مما سهل صدور قرار مجلس الامن الذي سمح لدول الناتو في القيام بضربات جوية "لحماية المدنيين" من بطش قوات القذافي.

لكن بطء التحرك الخليجي اتجاه الاحداث في سوريا ليس وحده ما يثير العجب، بل عدم وجود أي تحرك يذكر من قبل دول اخرى خرجت للتو من نير الدكتاتورية، مثل مصر وتونس، ودولة كان ينبغي ان تكون مثالا للديمقراطية الناشئة في الشرق الاوسط، الا وهي العراق. واكثر غرابة من ذلك ان تتخذ دولة تجذرت فيها الاعراف الديمقراطية منذ زمن طويل موقفا يناهض كل المباديء الاساسية للحرية والديمقراطية. فمن العجب ان تنآى لبنان العضو في مجلس الامن بدورته الحالية عن البيان الذي يدين النظام السوري، باعتبار ان هذا البيان يشكل تدخل في الشؤون الداخلية ولن يؤدي الى حل أي مشكلة في سوريا. الا يعد كل بيان يصدره مجلس الامن بخصوص احداث تقع في أي دولة عضو في الامم المتحدة تدخلا في شؤون تلك الدولة؟ اليس مبدأ "مجلس الامن الدولي" هو التدخل من اجل احلال الامن في أي مكان في العالم والتحرك الفاعل لمنع الصراعات التي من شأنها ان توقع خسائر في ارواح المدنيين وتهدد السلم والامن العالميين؟ لكن حكومة لبنان الحالية تأبى الا ان تبرهن عن ما يتهمه بها معارضوها: انها تابعة للنظام السوري واذنابه في المنطقة بكل بساطة.

ويقال ان دول الخليج انما اختارت الصمت عن احداث سوريا مقابل الصمت عن الاحداث في البحرين. واذا كان ذلك صحيحا، فلابد ان السياسيون العرب مازالوا يعيشون في القرن الماضي. فلم يعد بالامكان ان يتم تقايض الحريات في البلاد العربية، او في الشرق الاوسط عامة، بين السطات على طريقة "شيلني واشيلك" بعد ان قررت الشعوب ان تنتظم بطريقة ما كانت لتخطر على بال قبل سنوات قليلة مضت. فهاهي الشعوب تلجأ الى وسائل الاتصال العصرية لكي تطرح رؤيتها على الملأ وتناقشها وتتوصل بطريقة جميعة الى نقل احتجاجاتها الى الشوارع، وهي اللغة التي تفهمها الانظمة الاستبدادية التي لا تريد مشاركة او اعتراضا اوصلاحا بعد ظنت انها "ضرورية للمرحلة الراهنة" وانها "تخوض الحرب المصرية" وغير ذلك من الشعارات التي تسترت بها لتمجيد رموزها وبقاءهم على سدة الحكم الى اجل غير مسمى.

لماذا لا تخرج مظاهرة في مصر او تونس او العراق تندد بعنف السطات في سوريا ضد شعبها الاعزل؟ هل لان هذه الشعوب مستغرقة كليا في مشاكلها الداخلية بما يمنعها من الالتفات الى الشعوب الشقيقة في محيطها الاقليمي ومواساتها في محنتها؟ لطالما اشتكى العراقيون من التجاهل العربي لمشاكله بعد الغزو الاميركي عام 2003، وتباطؤ الدول العربية في الاعتراف بالنظام الجديد فيه. اذا، لماذا لا تبادر السلطات العراقية الى اتخذا موقف حازم اتجاه السطات السورية، موقفا ينبع من التجربة العراقية الطويلة تحت الاستبداد والقمع والقتل والتشريد وكافة وسائل الاضطهاد التي شهدها العراقيون على مدى عقود طويلة من الزمن؟

لقد كانت الاحداث في كل من مصر وتونس من صنع شعوبها بلا شك، لكن النظام في كل منهما كان هو المستفيد منها. فان كان هناك من تغيير، فهو انما حدث في رأس السلطة فيهما، وربما امتد الى بعض الرموز فيها. اما طبيعة النظام فلم تتغير جذريا. وهكذا فان موقف الانظمة فيهما قد لا يكون بالضرورة مناهضا لاستخدام العنف ضد المتظاهرين في المدن والقرى السورية، او حتى مؤيدا لمطالب هذه الفعاليات الشعبية. وليس هناك من جواب سهل على موقف هذه الدول بخصوص الاحداث في سوريا.

لكن قد يكون هناك جواب سهل على موقف العراق من الاحداث في سوريا، بسهولة تحليل موقف لبنان من سوريا، وهو التأثير الايراني على كل من هذه الدول الثلاث. فايران لا تريد ان ترى حليفا قويا في المنطقة العربية يسقط ويتحول الى نظام تعددي حر. وايران مازالت لم تفق من كابوس الديمقراطية في العراق، الذي عملت بلا كلل وملل من اجل التقليل من شأنه واعاقته بكل صورة ممكنة. كما ان النظام الايراني عانى هو الاخر من انتفاضة شعبه قبل عامين والتي خرجت داعية للاصلاح. وهي لاتريد بكل تأكيد ان ترى نظاما منفتحا في سوريا يمثل الهاما آخر لشعبها للخروج مرة ثانية الى الشوارع والمطالبة بالحرية والتعددية.

بيد ان هناك امورا اخرى، ليست فقط على المستوى الحكومي بل على المستوى الشعبي ايضا. فقد يكون هناك قلق في العراق من تحول سوريا الى دولة سلفية تكون حليفا للسنة في العراق مقابل تحالف الشيعة مع ايران، وبالتالي فان الصراع التالي قد يكون مضنيا وصعبا وغير مضمون، خصوصا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان باقي الدول في غرب العراق كلها ذات اغلبية سنية. قد لا يصرح احد بذلك خوفا من ان يوصم بالطائفية، لكن غض النظر قد لا يكون امرا حكيما حينما يراد منك ان تفتح ناظريك على كل ما يجري حولك.

لقد حدثت الانتفاضات العربية في زمن وجيز، يقل كثيرا عن قدرة الشعوب وحكامها على فهمها والتعامل معها. ولهذا فان ردات الفعل ربما تتأخر، وربما لا تأتي ابدا. ولا اتصور ان يخرج وزير الخارجية العراقي، مثلا، ببيان يدين قمع السطات السورية لشعبها. فاذا نجحت السلطات السورية في اسكات شعبها آخر الامر، فان على العراق التعامل مع حكومة جارة عدوة، اما اذا نجحت الانتفاضة السورية فانها ستكون بحاجة ماسة الى الدعم من دول الجوار الاقليمي ولن تعمل على تقييم المواقف السابقة، وبالتالي فان هذا الصمت سوف لن يكون له عواقب، ليس سوى مقتل بضعة مئات او الاف او اكثر من ذلك او اقل من ابناء الشعب السوري. واذا كان قتل الشعوب ليس مبررا كافيا للتدخل فهل يعقل ان نطالب بالتدخل لحماية الحرية؟ ليس ان كنا لا نؤمن بها حقا، والحقيقة البسيطة، ان حكومة العراق ليست اكبر دعاة الحريات في العالم العربي والشرق الاوسط، وليست مثالا للديمقراطية في المنطقة. ومن سخرية الاقدار ان حكومة العراق ربما تود ان ينتصر الطغيان في سوريا وان كانت عانت من مثيله في العراق.