Wednesday, October 31, 2007

التطويع السياسي للاسطورة المدنية

حينما تطلع بنو الانسان القدماء الى السماء وجدوا عددا كبيرا من النجوم التي تتفاوت في شدة لمعانها تدور، في تراتبية زمنية سنوية لا تتغير، حول الارض كما بدا لهم. ولما كانت طبيعة البشر التساؤل، فقد افترضوا ان ذلك كله لابد ان يكون له معنى. ولم تكن لديهم اجهزة او مناظير تقرب لهم الكون الفسيح، فقاموا بتجميع النجوم في ابراج ومجاميع سموها اسماء مختلفة واعطوا لكل منها قصة، اضحت فيما يلي اسطورة توضح الغاية والمعنى من وجود المجوعات النجمية، وقبلها وجود النجوم في السماء، وسبب حركة الكواكب نسبة الى النجوم الثابتة. لقد كانت الاسطورة التي ترويها مجموعة المرأة المسلسلة مثلا حقيقة بالنسبة للناس بنفس القدر الذي تكون فيه النجوم ذاتها حقيقية. لم تكن مجرد اسطورة، بل كانت تفسيرا لظاهرة ومشاهدة لم تتوافر لهم طرق قياس علمية قادرة على رصدها.
غير ان الاسطورة ليست متعلقة فقط في امور نجهلها في السماء، بل انها تمتد لتشمل كل ما نجهل، وكل ما يخرج عن حدود علمنا المحسوس او النظري. بل انها تسشتري حتى مع وجود افكار تنظيرية ومحاولات فلسفية لايجاد تفسيرات علمية. فليس العلم المجرد الا ترفا للانسان العادي، وحتى العلم التجريبي بادواته متفاوتة التعقيد ليس الا ميدانا يخوض فيه القلة الذين عليهم ان يشرحوا بابسط العبارات نتائج عملهم، والاكثر اهمية معنى الظاهرة تحت التجربة، والتطبيقات المفيدة لها او كيفية تجنب مساوئها. وربما يلجأ بعض العلماء الى الميثولوجيا في محاولة شرح ظاهرة ما تعزيزا لوجهة نظر او اسنادا لفكرة. فالميثولوجيا التي تضم اساطير قديمة ليست الا تلخيصا لرغبات ومخاوف البشر، ومحاولات اولية لفهم ما يجري ضمن اطار ادراكي موحد.

الاسطورة مخزن الافكار
يمكن قبول فكرة ان الاساطير هي البديل العملي لغياب التفسير العلمي بشكل مبدئي. ولكن يتوجب الحذر في اطلاق مثل هذه الاحكام. ففي العديد من الاحوال تكون القصة الاسطورية موجهة لخدمة غرض سياسي او ديني او حتى اجتماعي. والسبب في ذلك يعود الى قدرة ورغبة البشر على حفظ ونقل وتبادل الاخبار غير المألوفة على وجه الخصوص. والحديث ان امور غيبية تحدث لابطال ضخام الحجم، واكسير الحياة، والرحلات الى عالم غير معروف، وغير ذلك تنقل الفكر البشري الى مستوى مختلف من الوعي، المستوى الذي يحول الواقع المفروض الى خيال مرغوب، ويمنح الافكار التربة الخصبة لتنمو، فمنها مبدع وفاتن وجذاب ومشوق، ومنها ما لايعدو ان يكون مجرد هلوسات. سوف تقوم الخبرة الجمعية بتمييز الغث من السمين، ولن تتناقل الاجيال –اذا تركت لوحدها بدون نتدخل خارجي– الا تلك القصص المحببة التي تشرح وتبين الاسباب الكامنة وراء الاشياء، وتثبت من العبرة التي تحملها انها افضل وسيلة اتيحت للبشر خلال الفترة السابقة لعصور التنوير للتعليم ونقل المعرفة.
وعلى هذا فان الاسطورة تمثل جزءا من كيان الانسان وتراثه، ولن يكون التفسير العلمي لوحده قادرا على منع الايمان بها. بل ان الاسطورة يمكن لها ان تتغلغل في صلب النظرية العلمية لتملأ الفراغات التي لم تستطع النظرية ان تشرحها، او تركتها لحين توفر معلومات اكثر حول الموضوع. الاسطورة مثل الاعشاب التي تنمو لوحدها في اي مكان تقريبا، وتحت اي ظروف. لكن بعضا من هذه الاعشاب مفيد. ومتى ما كان تدخل الانسان واردا، فانه يحاول ان يحد من العشب الضار ويزيد من العشب النافع. وقد وجدت التجربة الانسانية ان هناك طريقة ناجعة في حمل الناس على الايمان بمبدأ او مثال اعلى من خلال تسطيره وتلقينه عبر الاجيال. تلك الاساطير، حتى في عصر غزو الفضاء وشبكة المعلومات الدولية، ليست الا حكمة موجهة تنذر وتحذر من عواقب تصرف خاطيء، او تحث وتبشر بمردود تصرف صائب. ومعلوم ان الخطأ والصواب هنا انما تكتسب معناها من ممارسة المجتمع لها، ومقدار المنفعة او المضرة العامة التي تنجم عنهما. وليس معنى ذلك ان الخير والشر نسبيان، بل ان النفع والضرر هما اللذان ينسبان الى المكان والزمان.
وقبل ان نحاول سبر التأثير السياسي على الاسطورة، سنعرض فيما يلي الى مجموعة من الاساطير الحديثة، التي يطلق عليها ايضا مصطلح الاساطير المدنية Civil Legends ونحاول ان نتفهم الغاية منها والدرس والحكمة التي تحاول ان تطلقها:

السائق الساذج
استأجرت امراة حامل على وشك الولادة سيارة اجرة لايصالها الى مستشفى الولادة. ولانها وحيدة ترجوه ان يرافقها في المستشفى لحين الوضع، ويقبل السائق ان يقدم المساعدة مدفوعا بالشفقة عليها وحبا في فعل الخير. غير ان المرأة تصرح ان والد ابنها المولود حديثا هو الرجل الذي رافقها عند دخولها المستشفى. وتثور ثائرة الرجل الذي يأبى ان يفرض عليه ابنا بهذه الطريقة، فتقوم المرأة بتقديم شكوى الى المحكمة، التي تأمر بفحص خصوبة الرجل. وهنا يأتي الجزء الاكثر تشويقا، وهو ان نتائج الفحص تؤكد ان الرجل عقيم ولا يمكن ان يكون له اولاد. ان ذلك كاف لاثبات برءاته من دعوى المرأة، ولكنه سوف يفتح ابوابا ما كان لها ان تفتح ابدا، فالرجل متزوج وله اولاد وبنات. يحمل الرجل الخبر الذي برأه ليلقيه على زوجته كالصاعقة، والتي لا تجد مناصا من الاعتراف بانه ليس والد ايا من ابنائه.
هذه القصة الاسطورية محبوكة لتنقل لنا العديد من القيم، نوجزها فيما يلي:
1- لايمكنك ان تخبيء سر الى الابد، سيظهر شيء ما في وقت ما يفضحك.
2- لا تثق بالنساء، فالتي تريد مساعدتها قد تفتري عليك، والتي تعيش معها قد تخونك.
3- لا تكن طيبا الى درجة السذاجة، اذا كانت المرأة حاملا مـُقربا فلابد ان هناك من يرافقها سواك.
4- يمكن لحادثة واحدة ان تغير حياتك بشكل ملحمي، بحيث تتمنى لو لم تحدث ابدا. ربما عليك ان ترفض فحص الخصوبة اذا كانت ابا بالفعل، الا ترى نتيجة ذلك؟

الشرطي المتفاني
يمر الناس الواحد تلو الاخر في طريقهم الى الدخول الى المبنى الحكومي المحصن عبر بوابة ضيقة يشرف عليها شرطي يقوم بتفتيش الوافدين بيده. وبينما هو يتفحص احدهم يتعرف الى ملامح حزام ناسف يحمله ذلك الشخص، وبينما يحاول ان ينزع هذا السلاح الرهيب يسارع الانتحاري الى اطلاق الصاعق، فما يكون من الشرطي الا ان يحتضنه ويرمي به ونفسه جانبا ليموت واياه مقللا الخسائر، ان لم يكن بالامكان منعها اصلا.
جوهر القصة ينطوي على المعاني التالية:
1- الانتحاري سلاح لا يمكن تجنبه وان أمكن كشفه.
2- الشرطة متفانون لدرجة التضحية بالنفس ان استوجبت الضرورة.
3- الارهابيون يسبقون القوى الامنية بخطوة واحدة على الاقل تتمثل في استغلالهم للانتحاريين الذين ليس لديهم شيء يخسروه.

البقال اليهودي
جلس البقالون في سوق الخضار متعجبين من تزاحم المتبضعين حول محل البقال اليهودي الذي يبيع الطماطم. ورغم انهم يعرضون نفس النوع وبذات الجودة الا انهم لا يكادون يبيعون شيئا منها. وحينما استطلعوا الامر وجدوا ان البقال اليهودي كان يبيع الطماطم بسعر التكلفة، مما اثار تساؤلات عن الغاية من ذلك، ولماذا يقوم هذا الرجل ببذل جهده في التجهيز والعرض والوزن والبيع ليجد نفسه غير رابح لشيء في النهاية. وفي آخر النهار قرروا ان يواجهوه باسئلتهم ليفهموا ما يجري وكيف لهم ان يتصرفوا ازاء ذلك. وبالفعل توجه نفر منهم عندما اقترب مغيب الشمس ليسألوه عن سبب بيعه المحصول بلا ربح، فاجاب ببساطة: من قال اني لا اربح؟ قالوا: كيف لك ان تربح وانت تبيع بسعر التكلفة؟ قال: الامر بسيط، انا اربح من بيع الصناديق الفارغة! وطالما انه يبيع اكثر من غيره، لانه يبيع ارخص من غيره، فان عدد الصناديق الفارغة سيكون كبيرا وبالتالي سيكون الربح وفيرا.
هذه القصة، التي تحكي عن عصر مميز من التنوع العرقي والديني في العراق، ربما تضمنت الاهداف التالية:
1- قد لا يكون الربح دائما بحسابات تقليدية، عليك ان تكون خلاقا في ايجاد وسائل للتنافس الاقتصادي.
2- الشخص الذكي شخص مختلف، يهودي في هذه الحالة.
3- كما ان الشخص الذكي قد يكون مكروها، رغم الحاجة اليه، تمثلها الكراهة التقليدية لليهود.

هذه ثلاثة اساطير تمثل ثلاثة خطوط: اجتماعي، وسياسي-امني، واقتصادي. ونحن نستطيع ان نجد من تلك القصص امورا مشتركة، نوردها فيما يلي:
1- تشكل الاسطورة الملحمية العنصر الاساس فيها، حيث لا يتوجب تقديم دليل ما على صحة ما ورد فيها.
2- هناك عبرة مستخلصة، تفوق الحبكة الدرامية للقصة، تجعلها محط التركيز والاهتمام، وبما يفوت الفرصة على النقد وحتى التشكيك في امكانية وقوع الحدث بالشكل المروي.
3- انكار وقوع مثل هذه الاحداث لا يغير من الامر شيئا. يمكن دائما تصور وقوعها ولو على سبيل الفرض، وبالتالي فافتراض صحة وقوعها يطغى على ما سواه، ومن ثم تكون غاية الرواية اولى بالاعتبار.

من الاسطورة الى الامثال الشعبيةان هذه العناصر تشكل معنى الاسطورة وروحها، وتمثل دروسا توجيهية للمجتمع، بمختلف مراحله العمرية، وتمايزاته الاقتصادية، وتنوعه الثقافي وحتى الاثني. هذه الاساطير تمثل احد تجارب المجتمع التراكمية التي تتحول بتقادم الزمن الى امثال تـُقال، ثم تـُشرح فيما يلي بالقصة التي بسببها قيلت. فمثلا يمكن ان يضرب المثل بسائق سيارة الاجرة (ولنطلق عليه اسما ما مثل كريم) فيقال، بعد عقود من السنين: "اكثر سذاجة من كريم السائق"، وعن زوجته: "أخون من زوجة كريم السائق". وربما يذهب الشرطي الشهيد مثلا بالقول: "أشجع من شرطي التفتيش"، واليهودي في الذكاء: "اذكى من اليهودي البقال".

من الاشاعة الى الاسطورةان الاسطورة المدنية تمثل حاجة اجتماعية ووسيلة تعليمية غير مؤذية عموما، ما لم تستخدم بشكل واع ومتعمد لاثارة مخاوف وهواجس الناس، بغية السيطرة عليهم وتوجيههم بالطريقة التي يراها مروجوها، سواء كانت السلطة الحاكمة او احزاب او تنظيمات سياسية معينة تسعى للهيمنة على المجتمع في سعيها لتولي السلطة. وهي بذلك تتحول الى ما نطلق عليه الاشاعة، وتضيع القيمة التعليمية والخلاصة المعنوية لصالح اهداف مرحلية وغايات سياسية لا تعيش اكثر من عمر اصحابها. وربما تدوم القصص الموجهة سياسيا اكثر من ذلك بسبب تركزها في عقول الناس وبالتالي تتحول الى اداة سلبية تحبط من العزم، وتثبط الهمم، وتشيع جوا من السوادوية والكآبة والشعور بالذنب والرغبة في جلد الذات، او حتى عقدة النقص الجمعية وتقديس تفوق الاخر كنتيجة لذلك.
هذا الخطر الذي تنطوي عليه مثل هذه الاشاعات التي تتحول الى اساطير مدنية سلبية لا يقل باي حال عن منع التعليم عن الاطفال في المدارس، فهو اضافة الى ذلك، اشاعة للجهل لدى الراشدين كذلك. وفي مجتمع قابل للخضوع بسهولة لمثل هذه الاساطير تكون مسؤولية التنوير ورفع الوعي العام كبيرة من قبل اجهزة الدولة (المبنية ديمقراطيا)، ولكن بنفس الدرجة ايضا على المثقفين والمبدعين ووسائل الاعلام. ونحن نجد ان قسما كبيرا من هذه الفئات اليوم يؤمن بنظرية المؤامرة، التي هي ليست الا انعكاس اخر لاسطورة سلبية لا يمكن التحقق منها ومع ذلك توصل غاية تعليمية مفادها ان الآخر عدو مهما فعل ومهما بذل في سبيل التقرب الينا. وعلى هذا فان مسؤولية المثقف يجب ان تكون نقدية قبل ان تكون (ترديدية)، بمعنى ان الواجب، في ضوء ما تقدم اعلاه، ان نفحص القصص المتواردة، خصوصا الاقرب الينا تاريخا، لنسبر الغاية منها، ونتعرف على اتجهاها العام، وفيما اذا كانت مجرد تجربة اجتماعية تتطور الى اسطورة ومن ثم حكمة ملخصة بلاغيا على شكل مثل او قول ماثور، ام انها وضعت عن عمد متخطية السلسلة الثقافية الطبيعية للمجتمع، ومن ثم تـُسير سياسيا للسيطرة على هذه السلسلة ذاتها واخضاع المجتمع لتوجهات محددة تفرضها قوى داخلية او خارجية او مشتركة بينهما، تعمل على خفض مستوى الادراك والتقليل من حجم المعارضة المحتملة من خلال تغييب الوعي العام. هذه المسؤولية ينبغي ان تكون ذاتية اولا قبل ان تكون تضامنية او تكافؤية. ومع اعتبار الكل منفعلا، فلابد من وجود اجزاء غير منفعلة تماما، تكون لها القدرة على ان تكون فاعلة مقابل اجزاء اخرى قدّر لها ان تكون فاعلة دوما.

Sunday, July 22, 2007

هل من فائدة في رفع سعر الدينار مقابل الدولار؟

يسعى البنك المركزي العراقي، بتوجيه من وزارة المالية، منذ عدة اشهر الى دعم سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الامريكي بالتدريج. وقد اوضح وزير المالية ان ارتفاع قيمة الدينار مقابل الدولار يمثل نصرا ومكتسبا للحكومة، اضافة الى كونه انجازا لوزارته بالذات.
ولا يختلف اثنان ان ارتفاع قيمة الدينار تمثل مؤشر ايجابي لاداء الحكومة لو انه حدث بشكل طبيعي. فالواقع ان سعر صرف العملة في الدول التي تعتمد نظام السوق الحرة يحدده مقدار الطلب والعرض. اي ان العملة تخضع لنفس قوانين السوق كونها "سلعة" معروضة للتداول. لكن الاختلاف يكمن في مدى تدخل الدولة في تقدير سعر الصرف من ناحية تأثير ذلك على "حرية" السوق كقاعدة اساسية لنظام تكافؤ الفرص، وسلطة الدولة ممثلة بالاتجاهات السياسية التي سوف يتاح لها ان تتحكم في اتجاهات السوق، ابتداءا بسعر صرف العملة وليس انتهاءا باسعار الفائدة.
ويقال لنا بين اونة واخرى ان سياسية "تسعير" العملة او تحسين قيمتها تقع ضمن قائمة شروط صندوق النقد الدولي ونادي باريس لتخفيض والغاء الديون العراقية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. وحيث انه لم يتم نشر هذه الشروط او نص الاتفاقية للاطلاع العام، فان معرفة تلك الشروط تبقى حكرا على النخبة ممن اتيح لهم الوصول اليها بطريقة او باخرى. وهذا يعني اننا في الواقع نستقريء تلك الاتفاقيات حسب طريقة عرضها من قبل الحكومة.
وبغض النظر عن الدافع لمثل هذا الاجراء، وعما اذا كانت عملية رفع سعر الدينار "منجزا وطنيا" او "شرطا مفروضا من الخارج"، فاننا سنحاول القاء الضوء فيما اذا كانت تلك العملية تخدم المصلحة الوطنية وتدفع عجلة التنمية المتثاقلة، ام انها عامل اخر في تعطيل الاقتصاد الوطني. ولنبدأ من مبدأ تدخل الدولة في تحديد سعر صرف عملتها. فقد كانت السلطة في النظام السابق تتبع هذا المبدأ منذ توليها زمام الامور نهاية الستينات، وكان ذلك متماشيا مع الفكر الاشتراكي الذي اعتنقه الحزب الحاكم. حيث عمل البنك المركزي على تثبيت سعر صرف الدينار لفترة طويلة، ولم يتح التعامل الحر بالعملة الصعبة الا في اضيق الحدود. وحتى مع اجراء بعض الاصلاحات لاتاحة المجال ام القطاع الخاص في استيراد بعض السلع المطلوبة للاستهلاك المحلي، كان يتوجب عليهم ان يحولوا مبالغ الاستيراد عن طريق البنك المركزي وضمن حدود معينة. وكان يجري تسعير الدينار حسب خطة الدولة. بمعنى آخر ان سعر الدينار في السوق العالمي كان مختلفا (اقل بكثير) عن سعره في البنك المركزي. نشأ عن ذلك ان البضائع المستوردة عن طريق الدينار المدعوم اصبحت مدعومة بالنتيجة، مما ادى الى منافسة غير منصفة مع الانتاج المحلي، وبالتالي انصرف كثير من الصناعيين والمنتجين عن اعمالهم لعدم القدرة على المواجهة. كما تزايدت النزعة الاستهلاكية بسبب رخص البضاعة المطروحة من مناشيء عالمية. غير ان رخص الاسعار كان ظاهريا فقط، وكشف عنه التضخم الشديد ابان سنوات الحصار وتراجع قدرة الفرد على الاستهلاك، واقتصاره على الضروريات، التي كانت هي الاخرى مدعومة من الدولة.
تلك التجربة التي عاشها العراقيون قبل فترة لم تتعد سنوات قليلة، اثبتت ان التحكم في سعر صرف الدينار قاد الى عواقب وخيمة حينما عجزت الدولة عن الاستمرار في تقديم الدعم المطلوب، وعندما واجه الاقتصاد تحدٍ خطير يتمثل في القدرة على تحقيق الموازنة في ميزان الاستيراد والتصدير. لقد شيدت الدولة آنذاك اقتصادها على تصدير النفط، ولم تولي عناية كافية لتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة الحرة.
من ناحية اخرى، فان تقديم الدعم للدينار يعني تخصيص مبالغ مالية هائلة من الواردات الوطنية، كان يمكن استثمارها في انعاش الاقتصاد باقامة مشاريع انتاجية حيوية، بحيث يساهم انتاجها في توفير السلع محليا والتقليل من استيرادها كما يوفر فرص عمل كثيرة تخفف من وقع البطالة وتحيي الامل في المستقبل.
ولكن بدلا من ذلك نرى ان الحكومة الحالية ماضية في هذه السياسة دون اعتبار لاي متغيرات اقتصادية تتفاعل مع تلك السياسة. وكمثال على ذلك، لفنترض ان سعر صرف الدينار بلغ 1250 دينار للدولار الواحد، وقد كان 1470 قبل ستة اشهر، فماذا يعني ذلك؟ ان ذلك يعني ان الدولار انخض بنسبة 15% ، وان سعر السلعة المستوردة سوف ينخفض بنفس النسبة. اي ان الطماطم المستوردة يفترض ان تباع بسعر يقل بمقدار 15% عن سعرها قبل ستة اشهر، بحيث اصبح انتاجها محليا غير مجد واقعا، مع الاخذ بنظر الاعتبار ارتفاع تكلفة انتاج بسبب ارتفاع اسعار الوقود وازمات الكهرباء غير المنتهية. لكن انخفاض سعر الطماطم ليس حقيقي، فالفرق تدفعه الدولة من عائدات تصدير النفط. فيا لسخرية الاقدار كيف يصبح النفط ومشتقاته عاملا في ازدياد همّ المنتجين، فمن جهة ازداد سعره عليهم ومن جهة اخرى قلل اسعار بضائعهم. فاي اقتصاد "صحي" هذا؟
لكننا نلمس ان اسعار معظم المنتجات القابلة للخزن لم يتغير بعد خفض الدولار عن سعرها قبل ذلك. بل ارتفعت اسعار بعض البضائع المستوردة لتبلغ اكثر من ضعف سعر المنشأ كما هو الحال مع الاسمنت مثلا. ويبدو ان السبب في ذلك انعدام ثقة التجار المستوردين في ثبات القيمة السوقية للدينار امام الدولار واحتمالية قيام الدولة برفع القيمة بشكل حاد مما يؤثر على رؤس اموالهم المقدرة بالدولار. فليس من الحكمة في شيء ان يجد المستثمر نفسه آخر العام خاسرا بفرق العملة عن اول العام رغم انه كان رابحا طوال السنة بمقاييس التجارة.
ولتوضيح ذلك، لنفترض ان تاجرا لديه رأس مال مقداره مليون دولار ويرغب في استيراد السمنت. فمن الطبيعي مثلا ان يفترض هامشا ربحيا مقداره 10% (هامش الربح في الواقع يعتمد على مقدار رأس المال المستثمر، ومقدار الطلب على البضاعة، والمنافسة التجارية لتوفيرها، اي قانون العرض والطلب). فاذا كان الدولار فقد 15% من قيمته امام الدينار خلال ستة اشهر، فان توقع انخفاض مماثل لا يكون امرا عسيرا. اي ان هذا التاجر ربما يتوقع ان يخسر 30% من رأس ماله (بالدولار) خلال العام، فاذا اضفنا هامش الربح الذ كان يتوقعه اصلا، فلن يكون مبالغا اذا وضع هامش ربح مقداره 40%. وبالتالي فان سعر البضاعة في السوق المحلية ارتفع بمثل هذه النسبة. طبعا الامر يشمل التجارة الداخلية ايضا طالما انها مقدرة بالدولار هي الاخرى. اما عامل المنافسة بين التجار المستوردين فلن يكون له تأثير كبير، اذ انهم جميعا يواجهون نفس الظروف من ناحية احتمالية انخفاض سعر صرف الدولار. ستكون منافستهم منحصرة فقط في تقديرهم لهذا الانخفاض.
اما الحديث عن ظاهرة "الدولرة" فلا يعدو ان يكون عاطفيا او مثاليا لا يمت الى الواقع بصلة. فقد حلّ الدولار الامريكي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مرتبة العملة الاولى المعتمدة عالميا نظرا لقوة الاقتصاد الامريكي بالمقارنة مع اقصاديات الدول الصناعية الغربية الاخرى. وعلى هذا فالامر ليس متعلقا بالعراق او بالدينار، حتى يمكن وقف، او الحد من التعامل بالدولار. واذا كان بالامكان ان نجعل للدينار موقعا عالميا او اقليميا مميزا، ففي اقل تقدير يجب ان لا يربط بالدولار عن طريق التسعير المبتسر، او السيطرة الحكومية على اسعار الصرف. ومن الجدير بالذكر ان سعر صرف العملة المحلية امام الدولار وغيره من العملات الاجنبية لا يعكس قوة اقتصاد البلد. فالدينار الكويتي يعادل اكثر من ثلاث دولارات، بينما يبلغ سعر الدولار 3.75 ريالا سعوديا، مع ان اقتصاد كلا البلدين يُعد قويا (نتيجة واردات الثروة النفطية واستخدامها في الاستثمارات طويلة الامد).
اذن من المستفيد من رفع قيمة الدينار؟ اذا كان الجواب هم طبقة الموظفين وذوي الدخل المحدود، فسوف يكون ذلك تجريدا وتعسفا. فهؤلاء يمثلون الشريحة الاستهلاكية الاكبر في السوق، وبالتالي فان تشجيعهم على الاستهلاك سوف يقلل من القدرة على تحقيق موزانة تجارية بين الواردات والصادرات. وفي ظروف مثل التي يمر بها العراق، يبدو ان الافضل ان تعمل الدولة على عكس العملية لتصب في مصلحة الصادرات (الامر الذي لا يبدو ان الدولة توليه اي اهتمام يذكر).
اذكر ان العملة اليابانية (الين) ارتفع سعر صرفها امام العملات الاخرى فجأة اواسط التسعينات. وقد بلغ سعر الصرف قرابة الضعف امام الدولار آنذاك. وقد يبدو ذلك جيدا، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة للحكومة اليابانية التي تعتمد في عائدتها على تصدير المنتجات الصناعية الرخيصة نسبيا. ومع انخفاض سعر الدولار سوف ترتفع اسعار تلك المنتجات مما يقلل من قدرتها على المنافسة عالميا. وقد عمدت المصارف الحكومية على طرح كميات هائلة من الين للتداول لخفض قيمته واعادته على القيمة السابقة لتحقيق استقرار في سوق الاعمال وميزان الاستيراد – التصدير. طبعا لم تعمل الحكومة اليابانية على تحديد سعر الصرف، بل اتبعت نظام السوق في العرض والطلب، واستخدام احتياطي النقد لديها الذي لم يأت من تصدير ثروة طبيعية.
من جانب آخر، يدّعي المسؤولون الحكوميون ان الدافع لرفع سعر الدينار مقابل الدولار يكمن في ارتفاع معدل التضخم، ويحاولون اقناعنا ان التضخم سوف يزول او يقل باتباع هذا الاجراء. غير انني اعتقد ان ذلك مجرد تبرير، اذ ان التضخم هو ناتج طبيعي لانحراف الميزان التجاري نحو الاستيراد وخروج العملة الصعبة بدلا من دخولها عن طريق التصدير. وبالتالي فان كمية المعروض من العملة الصعبة يكون اقل من الطلب مما يرفع سعرها كأي بضاعة اخرى. واذا ارادت الدولة ان تحد من التضخم، فيجب ان ترعى عملية اصلاح اقتصادي شاملة تتضمن تشجيع الانتاج المحلي وتخفيض الفائدة على القروض المصرفية، واستغلال القدرات البشرية لاحداث نهضة زراعية وصناعية كبرى. ومن الواضح ان هذه الاجراءات معقدة وشائكة وتتطلب الكثير من الجهد والتنظيم والتطوير، بعكس قرار بسيط بتحويل جزء من واردات النفط لشراء الدولار وبيعه لاحقا بسعر اقل، للايحاء بان الدولة قد حدّت من التضخم، محققة بذلك انجازا اعجازيا!
وحتى على هذا الفرض، ما هي الضمانات ان واردات النفط ستكون كما هو متوقع؟ اذا نحينا جانبا عنصري التخريب والفساد الاداري في ادارة هذه الثروة الوطنية، اليس واردا ان يحدث انخفاض كبير في سعر بيع برميل النفط، بحيث يقل عن التوقعات الدنيا؟ فماذا سيحدث عندذاك؟ اذا عجزت الدولة عن دعم الدينار، متيحة لدورة السوق ان تأخذ مجراها، فلاريب ان سعر الدولار سوف يشهد تصاعدا صاروخيا، مسببا تضخما نقديا قد يكون من الصعب السيطرة عليه بسبب العامل النفسي للغلاء، والرغبة في الاقتناء خوفا من تصاعد محتمل في الاسعار.
وعلى كل حال قد يكون وجود نسبة مئوية بسيطة من التضخم سنويا امرا حميدا، حيث يدفع بالمواطن الى الاستثمار في السوق المحلية لتنمية المدخرات بدلا من الاقفال عليها في الخزنات باعتبار انه اذا لم يكن هناك تضخم فان قيمتها تزداد مع الزمن حتى مع عدم تشغيلها. وهذا هو الامر مع الدولار نفسه، حيث نشهد تراجعه امام عملات اخرى سنة بعد سنة، دون ان نرى تحركا جديا من الحكومة الامريكية لوقف هذا التراجع (بالاضافة الى عوامل محلية ودولية اخرى تخدم الادارة الامريكية في وضع الدولار "الضعيف").
اننا لا ندعو هنا الى رفع يد الدولة كليا في هذه المرحلة، ولكننا لا نرى اية فائدة من تدخلها المباشر لصالح الدينار. ونحن ندرك ان الحكومة الحالية ورثت اقتصادا منهكا وديونا دولية طائلة. لكننا نعتقد في الوقت ذاته ان بامكان الدولة ان تتبع اجراءات على المديين المتوسط والبعيد من اجل تحقيق نهضة اقتصادية كفيلة بتحسين وضع العملة ليس من ناحية سعر صرفها فحسب، وانما من ناحية الطلب عليها ايضا. سيكون من المشوق ان نرى يوما نستورد فيه بضائعنا، من دول الجوار على الاقل، بعملتنا الوطنية، لانهم يقبلون التعامل بها. سيكون ذلك افضل بكثير من ان يُعادل الدولار بالف دينار بينما يكون سعر البضائع المستوردة هو نفسه او اكثر من سعرها حينما كان الدولار بالف وخمسمائة او الفين دينار عراقي.

Tuesday, July 03, 2007

خواطر امام محطة لتعبئة الوقود

في احد صباحات حزيران القائضة، قررت ان اذهب بسيارتي الى محطة تعبئة الوقود لكي اعيد ملأ الخزان الذي شارف على استنفاد محتواه. وقفت في الطابور منتظرا، مرة اشعل سيجارة، وتارة ابتاع قنينة مشروبات غازية، لكن الطابور لا يبدو انه يتحرك. واخيرا عزمت على قضاء الوقت بشيء استمتع به اكثر. سوف اكتب مقالا في خاطري، لانني لا استطيع فعل ذلك من دون لوحة مفاتيح وشاشة وهاجة. طبعا سيكون المقال نتيجة لتأثري بوضع شاذ: الوقوف لساعات طويلة امام محطة التعبئة طلبا لبضعة غالونات من البنزين. اقول ان الوضع شاذ، لاني لا اعرف بلدا آخر يكون فيه وقود السيارة بمثل هذه الاهمية بحيث يصبح شغل الناس الشاغل على مدى عدة اعوام. وطالما قلت انه همّ الناس فقد نقلت مقالي الى مستوى اعلى: كفاءة الاداء الحكومي.
خطر لي ان ابدأ مقالي بعبارة ذات وقع مؤثر في النفس مثل: "يمكن اعتبار مؤشر خزان الوقود في سيارتك، مؤشرا على نجاح الحكومة او فشلها"، لكنني سرعان ما ثنيت نفسي عن ذلك، لان الحكومة قد تكون ناجحة في توفير بعض الخدمات الاساسية، او فاشلة في البعض الاخر. فلا يمكن ان نقيس قدرتها على فعل شيء او عدمه على انه مقياس لكفائتها ككل. لكنني لم اتستطع مقاومة اخذ مثل هذا المقياس بعين الاعتبار، لانه في الحقيقة اساسي لدرجة ان معظم الخدمات متعلقة بشكل مباشر او غير مباشر بتوفير الوقود. وبدأت افكر في مقياس آخر يكون له نفس الوقع، فخطرت لي عبارة: "ان نجاح الحكومة مرتبط بقدرتها على توفير الكهرباء، نصف الوقت على الاقل". وبدا لي ذلك منصفا، حيث ان الكهرباء، شأنها شأن وقود السيارات، يمثل عصب الحياة الحديثة، وذلك غني عن البيان. ولكني مرة اخرى ثنيت نفسي عن مثل هذه المسلمات. اذ لا يُعقل ان تعلق قدرة الحكومة، ذات النيف وثلاثين وزيرا، باكملها على امكانية بعض وزاراتها على تقديم الخدمات الضرورية، حتى وان كانت هذه الخدمات اساسية بدرجة يستحيل تصور الحياة بدونها. وهكذا رحت افكر في عبارات اكثر شمولية: "ان نجاح الحكومة مرتبط بقدرة مفاصلها الخدمية على تسيير عجلة الحياة اليومية". فالخدمات الصحية والبلدية والتعليمية، فضلا عن الطاقة والاتصالات، هي ما يهم المواطن بشكل مباشر وتؤثر في راحته ورزقه وتخطيطه لمستقبله.
ولكن مرة اخرى بدت هذه الفكرة قاصرة طالما انها اهملت اهم عامل يؤثر في حياة الناس ويقض مضجعهم، فعزمت على ابتداع عبارة اخرى تقول: "ان اداء الحكومة يقاس بقدرتها على حماية مواطنيها من اي اعتداء داخلي او خارجي". هذا مذهل، فان استطاعت الحكومة توفير الامن فان مقياس ادائها سيكون –لا شك- مرتفعا. لقد وقعت اخيرا على تعميم جيد. لكنه ليس جيدا بما فيه الكفاية ليتصدر المقال، فالناقد سوف يتصدى له بالقول: "لا يمكن قياس اداء الحكومة بالامن، اذ انها جاءت في ظل ظروف امنية خاصة، ولذلك يتطلب الامر وقتا وجهدا لكي تتمكن من ان تـُقارن بالحكومات العادية". وهذا –للاسف- كلام منطقي، ولا اجد له ردا.
"كلما قلّ فساد الدوائر الحكومية، كلما ازدادت كفاءة الدولة في توطيد اركانها وفرض سلطتها واحلال مبدأ سيادة القانون". لابد ان هذه العبارة تشكل تعميما افضل من سابقه طالما كان الخرق الامني يعود بالدرجة الاساس الى فساد اداري ضمن وزارات الدولة، وضمن مفاصلها الامنية تحديدا. لكنه مرة اخرى مردود بان الفساد الاداري ثقافة تربينا عليها وليس من سبيل الى التخلص منها في هذا الجيل. ونحن –واقعا- لا نعمل شيئا لنحارب هذا الوباء، فكيف نعتبره مقياس اداء اي حكومة؟
وتركت الافكار تنسال الى خاطري، حتى قدحت لي عبارة جديدة، اتصور انها ستغطي كل شيء، وستكون حل جميع المعادلات: "قدرة الحكومة وادائها متعلقة اساسا بامكانية تحقيق توافق سياسي يرضي، بدرجة مقبولة، جميع الاطراف ذات العلاقة". اليس هذا استنتاج معقول؟ اليست المشكلة (سياسية) وليست (امنية) كما يتردد بين الحين والحين؟ اذن يجب ضبط المؤشر الان على هذا الاداء، لنرَ كيف ستكون قراءته. اقترح ان تتصور عزيزي القاريء مؤشرا مشابها لذلك الموجود على لوحة القيادة في سيارتك، بالذات مؤشر خزان الوقود. هناك علامة تشير الى وضع الخزان الممتليء، وثانية الى وضع الخزان نصف ممتليء، واخرى بخط احمر تحثـّك على اعادة تعبئة الخزان. يوجد ايضا مصباح احمر ينذرك بان الخزان يكاد يكون فارغا تماما. والان عزيزي القاريء، اين تضع مؤشر اداء الحكومة سياسيا؟ لو كان جميع اعضاء مجلس النواب يحضرون جلساته (لا يقاطعون ولا يتغيبون)، ولو كان مجلس الوزراء مكتمل عدد الوزراء، لكان بامكاننا ان نضع المؤشر على ممتليء. ولو استغرق اشغال المقاعد الفارغة في مجلس الوزراء شهرا او شهرين فقط، لكان وضع المؤشر على نصف ممتليء منصفا. غير انه طالما كان لكل حزب او كتلة سياسية وزارة ما، علاوة على حصته من البرلمان، بحيث ان من غير الممكن عمليا تغيير وزير بسبب عدم الكفاءة، او اعتقال آخر بسبب تهم تتعلق بالارهاب، فلايمكن ان يكون المؤشر الا في مكان قريب من وضع الحث على اعادة تعبئة الخزان.
اعرف انك ربما ستقول: يجب ان يضيء المصباح الان. ولكني حقيقة لا اعتقد ان هذا المصباح سيضيء يوما. فقد اضطررت هذا الصباح الى ان انقل القمامة بسيارتي الشخصية مسافة لا بأس بها حتى اجد موقع ملائم لرميها، خارج المدينة. وحينما اصيبت زوجتي بوعكة صحية طارئة قبل ايام مما استدعى نقلها قبيل الفجر الى المستشفى، اكتشفت ان الطبيب هناك يعطي وصفة واحدة لكل المراجعين. وسوف تكون محظوظا ان وجدت حتى هذا العلاج البسيط الشامل في صيدلية المستشفى. ان صحة زوجتي مهمة جدا، ليس فقط لانها راعية البيت، ولكن ايضا لانها من يقوم بمهام تدريس الاولاد الذين يذهبون الى المدرسة ويعودون منها دون ان يتعلموا شيئا. معذرة، ربما تعلموا شيئا، مثل القول: اريد بطاقة شحن لهاتفي المحمول، التي لم نكن نعرف عنها شيئا عندما كنا بمثل عمرهم. فخدمة الاتصالات الارضية كانت اكثر من كافية.
نعم، توقفت معظم مصانعنا عن الانتاج لشحة الكهرباء والوقود، واصبحت اسعار سيارات الاجرة باهضة، وتمثل شريكا في راتب الموظف واجرة العامل، المضطرين الى الذهاب يوميا الى اعمالهم، متجولين بين عبوات ناسفة ومفخخات، ان لم تتوقف وسيلة النقل التي تحملهم بضعة ساعات عند نقطة تفتيش بسبب اشتباكات مع مسلحين. وصحيح ايضا اننا اصبحنا نستورد معظم احتياجنا من الخضر والفواكه من دول الجوار، رغم اننا بلد زراعي منذ قديم الزمان، قبل ان نتحول الى بلد نفطي فاقدا لمشتقاته معظم ايام السنة. كما لا يمكن انكار اننا لم نكن يوما بلد صناعي حقيقي حتى نفقد مثل هذه الصفة بسبب عدم قدرة الحكومة على توفير الكهرباء والوقود.
نظرت الى مقياس خزان الوقود وانا اقف في طابور الانتظار امام محطة التعبئة وهالني ان ارى المصباح وقد اضاء. يا للهول، ان لم اتمكن من مليء خزان الوقود هذا اليوم، فكيف ساعود بسيارتي الى البيت حيث ستقف في مرآبه الى يقضي الله امرا كان مفعولا؟ وفكرت من جديد ان الفكرة الاولى التي قدحت في بالي ربما تكون الاصح: "يمكن اعتبار مؤشر خزان الوقود في سيارتك، مؤشرا على نجاح الحكومة او فشله". هذا هو الحال على الصعيد الشخصي على الاقل. فان نجحت في رفع مستوى مؤشر خزان الوقود في سيارتي هذا اليوم، فساعتبر هذا اليوم ناجحا، على خلاف العادة. وان لم انجح، فهو فشل آخر.

Wednesday, April 11, 2007

دعوة لمنع نهب أموال الشعب العراقي

نشرت وسائل اعلام عراقية قبل ايام نص مشروع القانون المعروض على مجلس النواب والخاص بحقوق وامتيازات رئيس ونواب وأعضاء مجلس النواب. وقد أعطى هذا القانون المقترح من الحقوق والامتيازات لـ(ممثلي الشعب) وأسرهم وحماياتهم ما يثير العجب العجاب، ويثير السؤال فيما إذا كانت القضية لا تعدو أن تكون (كذبة نيسان) ولكن بعد أسبوع من موعدها. لكننا لا نستطيع حتى ان نذهب إلى هذا الافتراض، لان مجلس النواب لم يعودنا على المزاح، بل على العكس من ذلك، كان أعضاؤه في غاية الجد كلما حانت لهم طلة على شاشة فضائية. كما إن هذا المجلس، وريث الجمعية الوطنية السابقة، خليق بان ينتهج نهجها، ويحتسب لأعضائه امتيازات لا تقل عما احتسبت. الم ينل أعضاء الجمعية الوطنية راتبا تقاعديا لا يقل عن ستة ملايين دينار مدى الحياة لخدمة فعلية لم تتجاوز العشرة أشهر؟ الم تنفق تلك الجمعية على أعضائها من خزينة الدولة المليارات من الدنانير تحت مسميات شتى مثل (تحسين الوضع الاجتماعي للأعضاء) في الوقت الذي تزداد المعاناة اليومية لإفراد الشعب، سواء المُعسر منهم أو المُيّسر؟ وحينها قلنا جمعية جاءت في غفلة من الزمن وسيأتي خير منها. لكن مجلس النواب كان (خير) خلف لـ(خير) سلف. وما كان في الأمس يدور في الخفاء تسترا أصبح اليوم على رؤوس الأشهاد. وربّ قائل وما الضير في تعويض مادي، مهما كان كبيرا، لمن نذر حياته في خدمة الشعب. وذلك قول حق، سوى أن هذا المنطق يجب أن يتعدى ليشمل كل من (نذر) حياته. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الشرطي الذي يقف في نقطة التفتيش دون أن يعلم متى ستنفجر عليه سيارة مفخخة. ومنهم العسكري الذي يقتحم أوكار الإرهاب غير مبال بحياته في سبيل تخليص الأمة من هذه الآفة. ومنهم الصحفي الذي لا يدري متى يُدرج على قائمة التصفيات لان ما يوثـّق قد لا يعجب (بعضهم). ومنهم الموظف في دائرة خدمية أو إنتاجية والذي يواظب على دوامه رغم التهديد اليومي في الطريق من عبوات ناسفة واشتباكات ومداهمات وما إلى ذلك. نعم، حتى الكاسب في متجره والعامل في مصنعه، والطالب في مدرسته، والأستاذ في جامعته، بل حتى ربات البيوت في مهاجعهن يمضين اليوم في تربية الأولاد وتهيئة المنازل غير عالمات متى ستقطعهن إربا قذائف صاروخية زاغت عن أهدافها، أو لربما أصابت أهدافها بالفعل. فهل يحق لأعضاء مجلس النواب امتيازات تزيد على امتيازات الشهداء، من الأساتذة المغدورين، الذين امضوا حياتهم في التعليم والتعلم من اجل وطن أكثر علما؟ وهل يحق لهم أن ينالوا أكثر من الذين اختطفوا وذبحوا والقوا إلى المزابل لأنهم من هذه الطائفة أو تلك؟ هل نعطي الأعضاء المحترمين أكثر مما نعطي الشهداء؟ أليس هؤلاء الشهداء هم من وضعهم تحت تلك القبة وأجلسهم على هذه الكراسي؟ فكيف نجعلهم تحت أقدامهم، ونوافق على تبجيلهم وكأنهم لا سابق لهم، ولن يتكرروا على مدى الدهور؟ حسبي الله. لكن واضع الشريعة –جلت قدرته– غير غافل عما يعلمون. وقد قال قارون: "إنما أوتيته على علم عندي" حينما رآى انه امتلك كنوزا "ما إن مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولي القوة". وهذه دلالة على شعور الانسان بالتمايز فقط لأنه امتلك مفتاح لسلطة أو مال. فما كان من قارون إلا أن "خسف الله به وبداره الأرض". "فما بال هؤلاء القوم لا يفقهون حديثا". حسبي الله، عليه توكلت واليه أنيب. أما وقد توكلت على الله، فهذه دعوة لأبناء هذا الوطن الأبي وان كان جريحا، العزيز وان كان مستباحا. هذه دعوة لمن ضحى بدمه وحياته، وخرج خائفا يترقب يوم الانتخابات ليعلن رفض الخنوع للظلم، وليسمح لشمس الحرية أن تبزغ. هذه دعوة للأحرار أبناء الرافدين أن يهبوا فيحموا مالهم ورزقهم، ويمنعوا النهب العلني لمقدراتهم، وان يمارسوا الديمقراطية كما عُرفت أول مرة، من خلال التصويت الفردي على كل قرار أو قانون، لا أن يركنوا إلى مجلس انتخبوه فقط. هذا المجلس الذي يعجز عن مناقشة مشكلة اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، ناهيك عن حل المعضلات الأمنية والسياسية، قد بدأ بالتخلي عن مشروعيته الشعبية منذ أن بدأ يفكر في أضيق الحدود، في المصلحة الشخصية ضمن نطاق العضو وأسرته ومن أسعفه الحظ فكان في حرسه الشخصي. أوجه دعوتي هذه راجيا أن يساندها –سلميا– المثقفون والسياسيون والأساتذة والصحفيون فضلا عن عامة الشعب الكريم. مساندة تكون بالقلم والفكر، وبالنقاش والحوار، لا بالمظاهرات الصاخبة، أو ألأعمال العشوائية والعنيفة. نحن شعب حضارة وقانون منذ القدم، وعلينا أن نلتزم مبادئ حضارتنا قبل أن ننحدر إلى أفعال هوجاء لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي رأيي فان أول شيء يتوجب فعله هو أن ندعو إلى تعديل الدستور بما يمنع مجلس النواب من الانفراد في القرار، طالما أنه اثبت أنه قد يفعل خلافا لما يريد الشعب الذي انتخبه. يجب إضافة مادة تفصيلة إلى الدستورتحدد بالضبط ما لا يستطيع الجسم التشريعي فعله، وبالمثل الجسمين التنفيذي والقضائي، بدون استفتاء شعبي. ومثل هذه العودة إلى الشعب –لاشك– أمر صحي تعيد إلى الناخب دوره في التشريع، وتمنع المُنتخب من الاستحواذ على هذا الدور. ثم علينا بعد ذلك أن نخضع كل مسؤول في الدولة إلى المساءلة، ليس فقط من يقعون تحت طائلة القانون، بل أيضا من يُشرعون هذا القانون. يجب أن يكون لدينا نظاما محكما للشفافية يضمن أن يُسئل كل عضو في مجلس النواب –مثلا– عن سبب تصويته على أي مشروع قانون سواء كان معه أم ضده. إن أعضاء مجلس النواب ليسوا وكلاء الشعب بل نوابه. ومن حق الشعب –صاحب السيادة– أن يعلم كيف ولماذا يتم وضع التشريعات، ومن يستفيد منها، كما إن من واجب النائب أن يشرح لمن أنابه كل ما لـَبـِس عليه، وان يقدم له كل ما يحتاجه لكي يضعه في الصورة الحقيقية.
وأخيرا، أنا أدعو أن تكون جميع جلسات مجلس النواب –بدون استثناء– علنية، وان اقتضى الأمر تعديل الدستور لضمن ذلك. إذ لا يمكنني التفكير بأي سبب لجعل الجلسات مغلقة أو سرية إلا أن يكون لحجب المعلومات عن الشعب. وحتى الاحتجاج بالوضع الأمني ليس كافيا، إذ أن المجلس إنما يناقش قضايا عامة، وليس إجراءات محددة كالخطط الأمنية او التدابير العسكرية وما سواها، والتي يُخشى تسربها فتفشل وتنهار. وقبل أن أدعكم بسلام، أشير إلى انه في إحدى الدول الديمقراطية ينص القانون على أن راتب عضو المجلس يعادل دولار واحد فقط، إقرارا بأنه يستحق راتب لخدماته، غير انه يجب أن لا يثري على حساب المال العام (وهي بالمناسبة إحدى شروط الترشيح لمجلس النواب، إلا أنها وردت بصيغة الماضي!)

Wednesday, November 29, 2006

من يدفع الثمن.. وعن ماذا؟

في التاسع عشر من تشرين الثاني، وفي الساعة السابعة صباحا تحديدا، انفجرت سيارة ميني باص نوع كيا مفخخة محملة بكمية هائلة من المتفجرات في ساحة تجمع العمال الرئيسة بمنطقة باب الحسين في مدينة الحلة. تسبب الانفجار في استشهاد 26 شخصا وجرح ما يزيد على اربعين آخرين. وتفيد الرواية الرسمية بان انتحاريا (من جنسية عربية-غير عراقية) قد اقترب من العمال طالبا تشغيل عدد منهم، فما كان من هؤلاء المساكين الا ان تهافتوا عليه راجين اختيارهم للعمل في ذلك اليوم ليقوم الانتحاري بتفجير نفسه والعمال المتجمعين حوله موقعا اكبر عدد ممكن من الضحايا.
غير ان روايات اخرى قدمها شهود تفيد بان الشخص لم يكن انتحاريا، وانما هو عراقي عمل على تجميعهم في مكان واحد مؤملا اياهم بفرصة العمل، ثم انسحب متذرعا باه سيجلب معدات يحتاجها في العمل وحينما ابتعد بما فيه الكفاية فجّر السيارة لتقتل او تصيب جميع العمال الذين تجمعوا حولها.
وعلى كلا الاحتمالين، فان بصمات القاعدة تظهر واضحة على هذه العملية، التي تصنف تحت القتل الجماعي الطائفي لمصلحة الجهاد في سبيل الله وتحرير الارض من الاحتلال الامريكي. وهي تشير بوضوح الى امكانية تغلغل عناصر القاعدة الى اي مكان في العراق، وتنفيذ العملية تلو الاخرى، بنفس الاسلوب تقريبا. اذ لا يعقل ان تستهدف مناطق تجمع العمال المرة تلو الاخرى، طوال الاعوام الثلاثة الماضية، بنفس السيناريو دائما: شخص غامض يأتي ويطلب العمال، يتجمع الضحايا، تنفجر السيارة او العبوة. فاما ان يكون الناس طيبون الى درجة البلاهة، او ان هناك عاملا مهما لم يتم أخذه في الحسبان. وقد حدث ان احتجت الى تشغيل عدد من العمال ذات مرة، وقد رأيت كيف تجمعوا حولي راجين تشغيلهم، ولكني لم استطع ان اوقف سيارتي بسهولة وسطهم، فقد طـُلب مني الابتعاد بها، تحسبا لاي احتمال.. كما انني لم ابدُ لهم كمن يفكر في الانتحار او يدبر عملية لقتلهم. لقد كانوا واعين تماما لمن يتكلمون آخذين الحركات والسكنات في الاعتبار.
لم يتسن لي ان اقابل جرحى الحادث، او شهود عيان مباشرة، رغم محاولتي ذلك. ولا ادعي هنا ان ما اكتبه هو تحقيق صحفي قائم على افادات من ذوي العلاقة. بل انني اسعى الى فهم قصة اقرأها باستمرار عن عمليات تستهدف المدنيين، خصوصا التجمعات البشرية، مثل الاسواق ومجالس العزاء و(مساطر) العمال. وفي كل مرة نسمع بوقوع مثل هذا الحادث الاجرامي تتواتر الروايات بان الانتحاري او قادح الصاعق قد استطاع التغلغل بسهولة نسبية وسط هذا التجمع، الذي يبدو منفعلا لا دور له في تلك الاحداث.
نعم، يتوافر لدى المنفذين عنصر المفاجأة، وبالتالي قد لا يتاح للضحايا الوقت الكافي لادراك ما يجري فضلا عن اتخاذ اجراء ما لوقفه او الحد من أثره. لكن ذلك لا يعني، للاسف، الا ان المنفذين لديهم القدرة الكاملة على تحقيق مثل تلك المفاجأة. وتلك القدرة لا تمثل خرقا امنيا فحسب، بل هي خرق اجتماعي واقتصادي وثقافي فضلا عن الاختراق السياسي، الذي يمكن عده سبب كل تلك الويلات. اذ لو كان المجتمع واعيا بحق، لما وجد المتسللون تربة صالحة لغرس نبتتهم المسمومة. فمنذ سقوط الطاغية كان معظم الجدل الاجتماعي ضمن تركيبة المجتمع العراقي ينصب على نظرية (المظلومية السابقة) والمسؤولية عنها بدلا من التوجه نحو الفرص الجديدة في العدالة الاجتماعية، التي هي في الواقع اقتصاص عادل للحيف والجور الذي عانى منه معظم الشعب العراقي بكافة اطيافه. وقد تسبب تركيز التفكير على (المظلومية) في زيادة الاستقطاب الطائفي والعرقي على اساس تحميل الاخرين مسؤولية ما جرى. لم تكن تصفية الحسابات تجري وفق اصول قانونية وعبر منافذ رسمية، بل سُمح ضمنا بالاقتصاص الفردي، مما اضعف سلطة الدولة، وافرغ الدوائر الامنية والقضائية من مسؤوليتها المباشرة.
وحينما فشلت الدولة في فرض هيبتها بمنع التصرف الفردي والتصدي له، بل وغض النظر عن تلك الممارسات، تداعت سلطتها على الشؤون الاخرى. فمن المضحك ان تسجن مرتشيا، سرق بضع ملايين من الدنانير (او الدولارات-لا فرق) وتترك قتلة يجوبون الشوارع و(يطبقون) القانون بايديهم، ان شئت. وما دام القتل جائزا تحت مسميات معينة، فهو جائز تحت كل المسميات. لو وقع عليك حيف في وقت ما، واتيح لك الاقتصاص فماذا تفعل؟ اجريت لقاءا صحفيا بعد سقوط النظام مع احد ضحاياه وقد تم قطع لسانه. ووجهت اليه ذلك السؤال، فاجاب: "سابحث عن المخبر الامني في المنطقة التي كنت اسكنها والذي قام بالتبليغ عني حينما تكلمت بالسوء عن وحشية النظام البائد، مما ادى الى الحكم بقطع لساني". لقد كان ذلك المخبر سببا في المزيد من المصائب للعديد من الناس الذين ربما لا يتاح لنا التحدث اليهم. ولكن كيف سنعلم انه بالفعل هو من قام بذلك؟ وما هو دور الاخرين الذي ساهموا في ايقاع الضرر على الضحية هنا؟ وماذا بشأن القانون نفسه الذي سنه نظام صدام والقاضي بقطع اللسان لمن يتكلم بالسوء عنه؟ لقد توانت المحاكم اولا، ومن قم القوات الامنية، عن اتخاذ اجراءات لتقديم المتهمين الى العدالة. وفيما عدا صدام نفسه وبضعة من اعوانه قدموا للمحاكمة في قضيتي الدجيل والانفال، لم نسمع عن محاكما اخرى على اي مستوى.
ان الفشل في بسط سلطة الدولة هو في الحقيقة اعلان صريح عن غيابها وفتح الباب لذوي المصالح الخاصة، مهما تكن عقائدهم وانتماءاتهم في الحلول محلها. وساعد التطاحن السياسي على اشاعة وتغذية الاصطفاف الطائفي، مستفيدا حينا من الهواجس الجمعية لدى الشرائح المختلفة للشعب العراق، ومسببا في الواقع تلك الهواجس احيانا اخرى. وفي ظل الانهيار الكامل لكافة مرافق هذه الدولة الهزيلة، فليس من المستغرب ان تعلن القاعدة قيام امارتها، وارسال رسائل تحذيرية لمناوئيها. وطالما ان العراق يمتلك طبيعة جغرافية مختلفة تماما عن افغانستان، فمن غير المعقول ان يتحول الى مأوى للقاعدة فقط لان لديها بعض الاتباع في البلاد. ومن المعلوم ان الطبيعة الجبلية في شمال العراق، والتي يمكن ان تساعد القاعدة على التخفي بين الكهوف والوديان كما هو الحال في افغانستان، لم تستقطب القاعدة اليها بسبب افتقاد عنصري الاسناد الاجتماعي والثقافي الضروريين لاخفاء نشاطات منظمة مثل القاعدة. هناك صمت عن ما يجري في بعض المدن العراقية على مختلف المستويات الرسمية وغير الرسمية، ناتج عن صمت عما جرى ويجري في مدن اخرى تحت عنوان المظلومية.
انفجرت السيارة المفخخة وسط تجمع العمال، هذه هي الحقيقة الوحيدة التي نعلمها. نحن نجهل ما اذا كان التفجير انتحاريا، او عن بعد. نجهل كيف دخلت السيارة وكيف توقفت هناك. نجهل الحوار الذي دار قبيل وقوع الحدث. وجهلنا ليس بسبب غياب الشهود وفقدان الوقائع، وانما بسبب غياب وعينا. وما لم نستحضر الوعي مرة اخرى، ونحكم العقل والقانون، فلا يعلم الا الله الهاوية السحيقة التي سننجر اليها. ومن اكثر الحقائق مرارة، ان المظلومين جروا على انفسهم المزيد من الظلم باتخاذهم سواعدهم اداة للقانون، وتدميرهم الدولة التي لو تأنوا في بنائها، لانصفتهم ايما انصاف.

Thursday, May 18, 2006

مشروع قانون لتنظيم المرور وحركة السيارات في العراق

كثر الحديث عن الاخطاء الجسيمة التي رافقت عملية غزو العراق ربيع 2003، والتي اسقطت نظامه السياسي المتهافت اصلا، بدون ان يكون هناك خطة حقيقية وواضحة لمرحلة ما بعد الغزو. والحديث يدور عادة حول القرارات السياسية الحاسمة التي اتخذتها سلطات الاحتلال، سواء بغطاء من الامم المتحدة او بدونه، دون الرجوع الى الشعب العراقي وممثليه، او بالاكتفاء بنصيحة منفردة من هذا او ذاك واعتباره ممثلا لهذا الشعب ومجسدا لمصيره. تلك القرارات اثرت بشكل مباشر على مسيرة الاحداث فيما يلي من الزمن واصبحت محور الحركة السياسية في العراق حتى بعد تشكيل الحكومة المؤقتة والحكومة الانتقالية. حتى ان مفردات مثل (اجتثاث البعث) دخلت صميم الدستور الدائم الذي اقره الشعب العراقي في خريف 2005، رغم كونه في الاصل قرارا اصدره الحاكم المدني الامريكي دون استشارة رسمية من احد، ودون انتظار لتشكيل مجلس الحكم لاقراره على الاقل.
ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة تلك القرارت السياسية، بل لبحث قرار آخر أثر في الحياة الاقتصادية بشكل مباشر، كما انعكس على نواح حياتية واجتماعية شتى في حياة المواطنين. ذلك هو الغاء التعرفة الكمركية والسماح بالاستيراد بدون شروط تذكر. وادى ذلك الى اغراق الاسواق بالملايين من الاجهزة الكهربائية التي كانت قبل ذلك باشهر قليلة تبدو صعبة المنال للكثير من ابناء هذا الشعب. وقد يكون ذلك سببا رئيسا لزيادة الطلب على الكهرباء وبالتالي زيادة ساعات القطع المبرمج، والتي وصلت ارقاما قياسية. ولكن اسوأ ما حدث نتيجة للمساح بالاستيراد العشوائي هو دخول مئات الالاف من السيارات المستعملة والتي اغرقت الشوارع والميادين، وسببت زحام سير لا يطاق في جميع المدن العراقية، كما انها تسببت في ازمة وقود غير مسبوقة، وسهلت الى حد كبير العمليات المسلحة ضد قوات التحالف والقوات الامنية العراقية، اضافة الى استخدامها في التفجيرات الانتحارية وعن بعد كقنبلة متحركة.
واذا كان من غير المجدي الان تعداد المساويء التي نتجت عن هذا القرار، شأنه شأن القرارات الاخرى، فالاولى العمل على تصحيح ما ترتب عنه ومحاولة اعادة الامور الى نصابها. ويجب اولا ان نقر ان هناك على كل حال بعض المنافع والتي حسنت بشكل ملحوظ حياة المواطنين بشكل عام. فالمواطن العادي لم يكن يحلم، تحت سطوة النظام السابق، بان يركب او يقود سيارات غربية المنشأ وبطرازات حديثة تتوفر على رفاهية ومتانة كبيرتين. لكن لم تكن جميع السيارات التي ادخلت بعد سقوط النظام السابق تمتلك مواصفات فنية عالية، ولم يكن معظمها بعمر يقل عن 5 سنوات. انها كانت نظريا خارج الخدمة او بحاجة مستمرة للصيانة. وبالمقارنة مع ما كان يتوفر لدى عامة الشعب من مركبات عمرها يتجاوز الـ15 او 20 عاما، لم تبدُ تلك مشكلة حقيقية.
وعلى هذا الاساس يمكن حصر المشلكة في ثلاثة نقاط:
ـ1ـ ازدياد الضغط على الطرقات العامة وبالتالي حصول حالات زحام خانقة، تسببت بتأخير وسائط النقل عموما في تأدية خدماتها، كما خلقت حالة من الفوضى، خصوصا في الشوارع الرئيسة والتقاطعات.
ـ2ـ ازدياد استهلاك الوقود بشكل كبير، بحيث باتت محطات التكرير غير قادرة على توفير متطلبات السوق المحلية، مع الاخذ بنظر الاعتبار تهالك هذه المحطات وتعرضها والمنشآت النفطية الاخرى الى التخريب بشكل مستمر. وتحول العراق، البلد الذي يمتلك ثاني احتياطي نفطي عالمي، الى دولة مستوردة للمنتجات النفطية. كذلك ازداد الضغط على محطات التزويد بالوقود القديمة اصلا، وغير النظامية في معظم الاحيان. ان منظر طابور السيارات التي تنتظر لساعات طويلة قرب محطة الوقود اصبح جزءا من المشهد العراقي بعد الحرب.
ـ3ـ استعمال السيارات في العمليات الارهابية والتخريبية، وبالاخص كمفخخات يصعب السيطرة عليها، او اقتفاء اثرها.
ان هذه النقاط الثلاثة تمثل في نفس الوقت ثلاثة اوجه للمشكلة، اجتماعي واقتصادي وامني. وبالتأكيد هناك اوجه اخرى لم نتطرق اليها كالمشكلة الثقافية المتمثلة بنشوء عادات غير صحية رافقت الفوضى التي تسببت بها كثرة السيارات بما لا يستطيع البلد ان يحتمل. كذلك المشكلة القانونية في احتواء هذه السيارات والتعامل معها، واخضاعها لنظام صارم يحد من هذه الفوضى ويشحذ الجانب الحسن فيها وهو تقديم الخدمة الصحيحة للمواطن.
ولكننا نعتقد ان غياب القانون عن هذه المشكلة كان هو السبب الاول فيها، وبالتالي فالدور الاساس سيكون للقانون للخروج منها. وان على واضعي القانون ان يستفيدوا من واقع المشكلة بابعادها الاجتماعية والاقتصادية والامنية للخروج بصيغ وحلول عملية دون الحد من الحريات العامة او التسبب في الحاق ضرر بالغ بهذه الفئة او تلك. ومثل هذه الموازنة هي على الدوام صعبة، لكنها ضرورية.
واذا كان الاقتصاد هو العنصر الدافع في حياة الناس، كما هو اساس رسم السياسات المحلية والعالمية، فان العامل الاقتصادي في اية مشكلة يجب ان يأخذ الصادرة في اصدار تشريع يستهدف تنظيم حركة هذه السيارات. وفي الظرف الراهن، حيث يستورد العراق المشتقات النفطية بقيمة ما يقارب 20% من وارده النفطي فان الضرر الاقتصادي بالدولة بالغ الاثر. فاذا اضفنا هذه النسبة الى ما تتحمله الدولة اصلا من رواتب لموظفين غير منتجين، ولدعم المواد الغذائية الاساسية، واصلاح الاضرار التي يتسبب بها التخريب المستمر نتيجة الوضع الامني غير المستقر، اذا جمعنا كل هذه الامور لحصل لدينا اقتصاد ضعيف وغير قادر الى تحقيق اية تنمية او ارتقاء حقيقي في حياة الشعب.
اذا لحل هذه المشكلة يمكن ان تتحرك الدولة مباشرة نحو سببها. فطالما كانت الزيادة الكبيرة في اعداد السيارات امر غير مرغوب، وتم تشخيصة آنفا على اساس انه اصل المشكلة، فعلى الدولة ان تباشر باجراء الخفض الضروري كآتي:
ـ1ـ شراء السيارات من المواطنين والتصرف بها، اما كأدوات احتياطية لما يتبقى منها، او بتحويلها الى خردة واستخدامها في صناعات اخرى. يمكن ان تدفع بدلات نقدية مغرية لدفع المواطنين للتخلي عن سياراتهم، وقد يسبب ذلك ضغطا هائلا على ميزانية الدولة في المدى القريب، ولكنه ذو جدوى كبيرة على المدى البعيد. في الواقع، تقوم الدولة الان باستيراد الوقود وبيعه في المحطات بسعر يمثل ربع او خمس سعر التكلفة. فاذا اعتبرنا ان هناك مليون سيارة تتزود اسبوعيا بالوقود، وان معدل الدعم الذي تحصل كل سيارة هو 50 دولار، فمن الواضح ان الدولة تتحمل 50 مليون دولار اسبوعيا لهذا القطاع. وبالمقابل يمكن اعتبار سعر 5000 دولار هو سعر جيد لكثير من انواع السيارات التي تسير على الطرقات الان، فهذا يعني امكانية شراء 10000 سيارة اسبوعيا، او التخلص من مليون سيارة في ظرف ثلاثة الى اربعة اشهر فقط!
ـ2ـ من الواضح ان تحويل الدعم لاسعار الوقود مباشرة لغرض شراء هذه السيارات سوف يؤدي الى رفع اسعار الوقود بشكل لا يستطيع السوق المحلي استيعابه. لذلك ينبغي التدرج في ذلك ووضعه في اطار زمني محدد. ليس من الضرورة ان ينجز ذلك خلال اشهر قليلة، فمن الممكن ان يتم خلال جدول زمني يمتد لسنتين او ثلاثة. ومع هذا التطبيق المتدرج، فان خفض عدد السيارات يؤدي الى تقليل الطلب على الوقود وبالتالي امكانية توفيره من الناتج المحلي وتقليل الاستيراد. لذلك قد لا يكون من الضروري رفع اسعار الوقود بشكل يرهق كاهل المواطن. كما ان تقليل المعروض من المركبات سيعمل على رفع اسعار تلك المركاب ومن ثم تقليل الرغبة و/او القدرة على شرائها مما يحد من حركتها في المحصلة النهائية.
ـ3ـ يمكن المباشرة بشراء المركبات القديمة التي يتجاوز عمرها 15 سنة، بضمنها المركبات التي كانت تسير على الطرقات قبل تغيير النظام. ويمكن ان يوضع جدولا سعريا يتناسب مع حالة المركبة وعمرها الزمني.
ـ4ـ ينبغي اصدار قوانين او تعليمات، او على الاقل تفعيل الموجود منها فعلا، لتحديد شروط المتانة والامان التي يتوجب توفرها في اية مركبة تسير في الشارع. ان مثل هذه التنظيمات لا يقتصر دورها على الحد من حركة السيارات وتقليل الزحام، ولكنها تساهم في توفير خدمات افضل للمواطنين، خصوصا في ما يتعلق بوسائط النقل العامة، وكذلك الحفاظ على البيئة من ناحية ان الكثير منها لا تتوفر فيه التقنيات الحديثة في حرق الوقود او ان محركاتها متهالكة وتنتج الكثير من الغازات الضارة بالبيئة.
ـ5ـ وضع خطة محكمة لاحلال مركبات النقل العام الحديثة محل القديمة منها، والتشجيع على ارتيادها بدلا من المركبات الخاصة. فمن اهم الاسباب التي تدعو المواطن الى استقلال مركبته الخاصة هو عدم توفر وسائط نقل عام فعالة قادرة على توفير الخدمات خلال وقت معقول وبمستوى جيد من الراحة اثناء التنقل.
ـ6ـ من الاجراءات الاخرى فرض ضرائب على السيارات الخاصة، وتحديد اماكن توقفها داخل المدن، ووضع اليات محكمة لتسجيل قيودها ونقل ملكيتها بما يطور القدرة على التعقب في حالة حصول خرق امني. كذلك تحديد عدد السيارات التي يحق للفرد او العائلة ان تتملكها، بالاضافة الى التشدد في منح اجازات قيادة المركبات ومتابعة المخالفين.
ـ7ـ واخيرا، فان امتلاك مركبة حق طبيعي لكل مواطن ضمن شروط ومواصفات محددة. يجب ان تسعى الدولة لتطوير الطرق والشوارع والساحات العامة المخصصة لوقوف المركبات، وكذلك فتح المزيد من منافذ توزيع المشتقات النفطية لتقليل الزخم عليها.
نحن ندرك ان هذه الاجراءات تتطلب وضعا اكثر استقرارا من الناحيتين الامنية والسياسية من الوضع الحالي. ولكننا نعتقد ايضا انه من الضروري المبادرة لاتخاذ بعض الاجراءات لحل هذه المشكلة التي، كما اوضحا سلفا، تسبب المزيد من الخرق الامني، وترهق المواطن في معيشته اليومية. كما ان تولي الدولة مسؤولياتها في هذا الوقت بالذات يساعد كثيرا في حفظ هيبتها وقدرتها على فرض النظام، الذين يمثلان اول بادرة لتحقيق الامن.

Sunday, March 26, 2006

قراءة في رؤية الجعفري للعراق

نشرت صحيفة الشرق الاوسط اللندنية، نقلا عن صيحفة واشنطن بوست الامريكية، مقالا كتبه الدكتور ابراهيم الجعفري يتحدث فيه باقتضاب عن مسيرة حكومته ورؤيته المستقبلية للمرحلة القادمة. وقد اعتبر ان انتخابات كانون الاول الماضي هي بمثابة "شهادة شجاعة شعبه [العراق] الذي رفض الخضوع لأي ديكتاتور أو إرهابي"، وهذا امر صحيح تماما، لكنه لم يلبث ان يستدرك قائلا: "... تشرفت بتسمية الائتلاف العراقي الموحد لي كي أقود أول حكومة منتخبة ديمقراطيا لكل الفترة المقررة." معتبرا ان ترشيحه من قبل الائتلاف يجعله في موقع القيادة بشكل نهائي، اذ لم يعرج على ذكر مجلس النواب، الذي عليه ان يمضي هذا الترشيح. ومع الاخذ بنظر الاعتبار ان تأخر تشكيل الحكومة لغاية الان انما كان بسبب اصراره على الترشيح لهذا المنصب، مقابل معارضة واسعة داخل وخارج الائتلاف، بما يشكل اغلبية برلمانية يعتد بها، فاننا نعتقد ان الجعفري لم يتعرف على كلمة "ديكتاتور" بعد، او انه لا يريد ان يتعرف بها.
وهو على صواب تماما حينما يقر بان "الحرب على الارهاب لا يمكن الانتصار فيها بالأساليب العسكرية فقط"، ولكننا لم نلمس الا جهودا ضئيلة بذلت من قبله لاحتواء الاطراف المسلحة، خصوصا في المناطق الغربية. وارتجاله في مؤتمر القاهرة، ووضعه للخطوط الحمراء في وجه الاطراف التي حضرت للحوار ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة، ليس الا دليل على عدم رغبته الجدية في قبول الاخر الذي يختلف معه. واذا كان قد سعى لان يحصل العرب السنة على "خمس المقاعد الوزارية"، فانه قد احتكر لنفسه من يمثل العرب السنة، واختار هؤلاء الشخوص بما يضمن ولاءهم له اكثر من الكفاءة الشخصية، او تحقيقا لرغبة من يفترض بهم ان يمثلوهم.
والحديث عن "اقصاء" مجموعة مقتدى الصدر من مجلس الحكم، هو محض تناقض. فهذه المجموعة بهذا التعريف لم تكن موجودة او معروفة كمجموعة سياسية لها جذور او حتى منهج ديمقراطي عند تأسيس مجلس الحكم. والغريب ان السيد الجعفري الذي لا تغيب كلمة التاريخ عن خطبه الرنانة، لا يعطي اي اهتمام للتاريخ القريب الذي عايشه الشعب كله، ولم يصبح بعد بحاجة الى كثير من التمحيص والتحقيق. وهو يُشرع بشكل ضمني تشكيل "جيش المهدي" على اساس حرمان تلك المجموعة من الدخول في مجلس الحكم. ولست ادري كيف يمكن لرئيس وزراء، واجه خلال العام الماضي حركات تمرد وعصيان ولا يزال، ان يفكر بهذه الطريقة. اليس معنى ما يقول ان من لم يحصل على مكان في العملية السياسية فعليه ان يحمل السلاح في وجه الدولة ليرغمها على القبول به؟ اما التصحيح الذي يتحدث عنه فهو ليس من فعله. فتيار الصدر كان ضمن قائمة الائتلاف التي جاءت به رئيسا للوزراء، ولم يكن هو من جاء بهم الى العملية السياسية. ولكنه ربما قصد تقربه الى هذا التيار في فترة حكومته، ضمن خطته في البقاء على سدة الحكم، بعد ان خمن انه لن يستطيع الاستمرار بمساعدة الحلفاء السابقين، فبادر الى عقد تحالفات جديدة، مع اطراف لها سيطرة مسلحة على الشارع، لفرضه على المنصب فرضا ان اقتضى الامر.
اما ادعاءه ان مجموعة الصدر لم تهاجم "أيا من وحدات قوات الائتلاف"، فهو اما جهل او افتراء. وكلاهما لا يليق بمن لازال يمسك بزمام الامور في العراق. وما عليه سوى ان يستمع الى الاخبار، كأي مواطن آخر، ليدرك ان تلك المجموعة تهاجم بشكل دوري قوات الائتلاف، بالاضافة الى المليشيات الاخرى التي وجدت بيئة صالحة للنمو في ظل تراخي حكومته العتيدة. ولست ادري من الذي اصدم مع القوات البريطانية في البصرة قبل اشهر، ومن الذي احرق ما يقرب من الف مقر لقوات بدر والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بعد الاشتباه بان احدهم احرق مكتبه في النجف؟
واذا كان من اطر الديمقراطية اظهار بعض الشفافية، فان الجعفري لا يجد غضاضة في الحديث عن "انتكاسات" خلال فترة حكمه. ومع ذلك فانه تحدث عن واحدة فقط: "اكتشاف تعذيب السجناء في سجن تابع لوزارة الداخلية في تشرين الثاني"، ولكنه كان (حازما) تجاه "هذه الأفعال الشنيعة"، اذ قام بتشكيل "لجنة تحقيق تضم مسؤولين سنة فقط وأنتظر نتائج عملها"، فكم يا ترى سيستغرق عمل هذه اللجنة؟ لقد مضى لحد الان ما يزيد على خمسة اشهر دون ان تتوصل الى شيء، او تعلم رئيس الوزراء بنتيجة ما تعمل حسب ما يدعي. وربما ستظهر نتائج عملها بعد تغيير الوزراء والمسؤولين عن تلك الافعال، وعندئذ لا يهم ان تحملت الحكومة، التي حصلت في عهدها تلك الممارسات الشائنة، بعضا من المسؤولية. على ان حكومة الجعفري واجهت انتكاسات اكبر حتى من فضيحة معتقل الجادرية، فمن كارثة جسر الائمة الذي اثبت عدم قدرة الدولة على تنظيم ابسط الشؤون اليومية، الى تفجير اضرحة الائمة في سامراء والذي يعد دليلا على غياب سلطة الدولة في مناطق يفترض ان تكون موجودة فيها بقوة. ان تسيب القوات الامنية العراقية خلال عهد الجعفري، وطغيان المليشيات عليها، هو اكبر اخفاق في اداء حكومته. ولم يكن الجعفري قادرا على تشخيص هذا القصور، لانه امضى فترته وهو يعد لبقائه للفترة الدائمة. فبدلا من ان يكتسب شعبية من خلال عمله وادائه، سعى الى الحصول على تلك الشعبية عن طريق الترويج الدعائي، وبالاعتماد على الرموز الدينية لفرضه على الناخب باستخدام الهالات القدسية، والمخاوف الدنيوية والاخروية.
ومن بين جميع الانتكاسات التي واجهتها حكومته، فان الجعفري خص قضية تعذيب المعتقلين بالمزيد من التحليل. وطرح رؤيته لـ" الحل البعيد المدى لهذه المشكلة متعدد الوجوه"، من تدريب قوات الامن، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، "وفوق ذلك يجب على المليشيات التي قاتلت نظام صدام ان تندمج بالكامل مع قوات الأمن العراقية". وهذا اعتراف واضح بمسؤولية تلك المليشيات عن هذه الانتهاكات. بيد انه يلتمس لها العذر لتبرير افعالها طالما انها "قاتلت ضد نظام صدام". ولكننا لا نجد اي معنى لـ "تعزيز النظام القضائي في البلاد" ضمن هذا السياق، فمثل هذا التعزيز مطلوب دائما في اي نظام ديمقراطي حر. وليس لذلك من دلالة سوى ان مثل هذا التوجه اهملته حكومته عن عمد فيما سبق، مما ادى الى حصول هذه الانتهاكات.
ونحن نشارك الجفعري في ان "التحدي الكبير الآخر الذي تواجهه حكومتي فيتمثل في انعاش الاقتصاد"، ولكنه خلال فترة حكمه لم يفعل الكثير من اجل هذا الانعاش، واحتجاجه بـ"تقليص الدعم الحكومي للبنزين" كاحد التغييرات الصارمة التي بدأتها حكومته، ليس سوى مناورة مفضوحة. فالقرار كما يعلم الجميع كان بضغط من صندوق النقد الدولي للموافقة على تسوية الديون المتأخرة. والحكومة ناورت في تطبيقه، وادعت وجود بنزين محلي يباع بسعر مخفض، وآخر مستورد يباع بسعر اعلى. ولكن الواقع ان المحلي لم يكن اكثر من 5% من الاستهلاك العام. وهو في الوقت الذي ينحي باللائمة على " سياسات البعث الاشتراكية، التي جعلت الملايين يعتمدون على هبات الحكومة"، لا يجد ان قرار حكومته بتحويل العائدات الناتجة عن تقليل الدعم الى ما يقرب من مليون عائلة متماشيا كليا مع ذلك التوجه "الاشتراكي"، حيث ان هذا الرقم يعادل حوالي 20% من نفوس العراق. وبالتالي فان مراهنته تكمن في رفع "رأس المال السياسي" وليس في تحقيق تنمية شاملة تتيح "اقامة حماية للناس الاقل امتيازا"، من خلال توزيع الهبات والمنح. وحديثه عن "المقاولات والمشاريع" هو مجرد تعميم ليس فيه خطة واضحة، ويكشف عن جهل في ادارة الاقتصاد عن طريق تجريده الى مفردات بسيطة.
اما وعده بـ"ضمان واقع عراق ديمقراطي ليبرالي آمن، ليكون منارة للشرق الأوسط"، فهي رؤية متطابقة مع رؤية الادارة الامريكية، لخطب ودها في هذه المرحلة فيما يبدو. وليس خافيا ان تلك الاماني التي اعتبرها الجعفري "موضوع ايمان" لم تعد قابلة للتحقيق ضمن افق محدد. وهو يناور مرة ثانية حينما يأمل في "شرق اوسط آمن ومستقر وخال من الأسلحة النووية"، لارسال رسالة للادارة الامريكية بانه يدعم الجهود التي تبذلها في منع ايران من التسلح النووي. وهو يأمل، كما هو حال العراقيين جميعا، بـ"إلحاق الهزيمة بالإرهابيين بسلاح قوامه تصميم العراقيين" ولكنه غير واثق من هذه المهمة لانه لازال يحتاج الى "دعم القوات المتعددة الجنسيات". ولو انه اعطى المزيد من الثقة للقوات العراقية لكان برنامجه اقرب الى القبول. نحن ندرك ان دعم القوات المتعددة الجنسيات لا يمكن التخلي عنه في المدى المنظور، ولكننا كنا نأمل ان يرى الجعفري دور هذه القوات في تناقص مقابل مزيد من السيطرة الامنية للقوات العراقية، بما يساعد على انهاء الوجود الاجنبي في العراق.
نحن نتفق مع الجعفري بان "الطريق الممتد امامنا سيكون عسيرا"، ولكننا لا نرى ان الجعفري، حسب هذه الرؤية هو الشخص الامثل لقيادة العراق. فهو يتصرف كسياسي ينشد المنصب، ويفعل ما يتطلب منه للحفاظ عليه. وفي هذه المرحلة، فان من يقود العراق يجب ان يتحلى باكثر من ذلك، فالمناورات السياسية اضرت بالبلد فيما مضى اكثر مما اضر به وقع الارهاب، وتأخر التنمية الاقتصادية، وتردي الخدمات. وكل ذلك حقق خلال ولاية الجعفري اعلى معدلاته منذ سقوط الصنم.

Sunday, March 05, 2006

الحكومة العراقية ليست احجار دومينو

وصف احد السياسيين العراقيين مؤخرا صيغة تشكيل الحكومة العراقية بانها متعلقة بعضها ببعض بشكل يجعل سقوط احدها سببا في سقوط الاخريات على التوالي كما لو كانت احجار دومينو. وأوضح ان الترابط قائم على اساس ان اختيار رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان يجب ان يتم ضمن اتفاقية سياسية واحدة لضمان مرورها بشكل سلس امام البرلمان. والواقع ان هذا الوصف اقرب الى الصفقة منه الى تطبيق ديمقراطي لبنود الدستور الذي امضاه الشعب، والذي يجب ان يكون المرجع الوحيد للكيفيات والصيغ التي تشكل بها الحكومة بكافة فروعها ومستوياتها.
واول مؤسسات الحكومة هو مجلس النواب، والذي قضت المادة (53) من الدستور بان على رئيس الجمهورية ان يدعوه للانعقاد "بمرسوم جمهوري خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة، وتعقد الجلسة برئاسة اكبر الاعضاء سناً لانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ولايجوز التمديد اكثر من المدة المذكورة آنفاً." وبما ان هذه المصادقة قد حصلت فعلا يوم 10 شباط 2006، فمن الواضح ان التأخير الحاصل الان هو مخالفة صريحة للدستور، اذ يجب ان لا يتأخر انعقاد البرلمان عن يوم 25 شباط. وقد يتذرع البعض بان هذا التأخير سببه الوضع الامني غير المستقر، او الاعتداء على الاضرحة المقدسة في سامراء، او ما تلاها من شغب يهدد بفتنة طائفية. ولكن هذه الاعذار ليست كافية لمخالفة الدستور، ناهيك عن كونها مجرد غطاء لتبرير التأخير الحاصل اصلا نتيجة عدم توصل القوائم الرئيسة الفائزة في الانتخابات على صيغ توفيقية وتوزيع المناصب بينها. واذا اعتبرنا ان الشغب والخلل الامني يُراد منه اصلا تعطيل المسيرة الديمقراطية واجهاضها، فمن الواجب المبادرة الى عقد هذا الاجتماع الاول فورا ليكون بمثابة رد وتحدي لتلك المحاولات. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو لماذا يجب ان يُعد كل شيء خارج مطبخ البرلمان، وما هي الحكمة في جلب اتفاقات جاهزة للتصويت الفوري في البرلمان؟ لماذا لا ينعقد البرلمان ويبدأ بمناقشة تلك الامور تحت قبته، وعلى مرأى ومسمع من العراقيين كافة؟ نعم قد يكون من المفيد وجود نوع من الاتفاق على المباديء الاساسية، او الخطوط العامة لتشكيل الحكومة، من اجل عدم هدر الوقت في مناقشات عقيمة داخل البرلمان، ولكن هل من الضروري ان تـُعقد كافة الاتفاقات مسبقا؟ ومن يضمن ان تلك الاتفاقات سوف تكون في صالح المواطن، طالما انها ليست مُعلنة، ولا دور لممثلي الشعب في البرلمان في اعدادها ومناقشتها ومن ثم تمريرها؟ فاذا قيل ان دورهم يكمن في المناقشات السابقة لتشكيل الحكومة، وبالتالي فانهم يقررون نيابة الشعب ويأخذون دورهم كاملا، قلنا ان تلك المناقشات تدور بين الاحزاب والقوائم، وليست بين النواب وان كانوا مشتركين فيها. بمعنى ان النواب لا يمثلون مجمل الشعب وانما يمثلون احزابهم، هذا اذا كان جميع هؤلاء مشتركين في المناقشات. واغلب الظن ان هناك نسبة محدودة فقط منهم لديها صلاحية التفاوض مع الاخرين، وعقد الاتفاقيات معهم باسم بقية النواب ضمن القائمة.
واستنادا الدستور يجب ان ينتخب مجلس النواب في اول جلسة له "رئيساً، ثم نائباً أول ونائباً ثانيا بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس بالانتخاب السري المباشر." حسب نص المادة (54). والاغلبية المطلقة هي نصف عدد المقاعد زائد واحد بغض النظر عن عدد الحاضرين. اي يجب ان يحصل المرشحون لمنصب رئيس مجلس النواب ونوابه على 138 صوت، كل على حدة. وبالحسابات الانتخابية لا تمتلك ايا من القوائم تلك الاغلبية منفردة. وهنا ظهر مبدأ التحالف مع القوائم الاخرى لضمان تصويتها لصالح مرشح ما. ولكن هذا التصويت لن يتم على اساس كفاءة المرشحين او برنامجهم وانما على اساس اتفاق مسبق اشبه ما يكون بالمحاصصة، التي يصرح الجميع برفضها!
فاذا تم ذلك، فان على مجلس النواب ان ينتقل الى المرحلة الثانية وهي انتخاب رئيس الجمهورية. فحسب المادة (67): "اولا: ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية باغلبية ثلثي عدد اعضائه. ثانيا: اذا لم يحصل اي من المرشحين على الاغلبية المطلوبة فيتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على اعلى الاصوات ويعلن رئيساً من يحصل على اكثرية الاصوات في الاقتراع الثاني." ان صياغة بندي تلك المادة بهذا الشكل جعل من ثانيهما بمثابة الغاء لاولهما، وهو ضعف واضح، شمل الكثير من مواد هذا الدستور نتيجة التسرع في اعداده، وهي من الاشياء التي يجب على البرلمان مراجعتها وتمحيصها. لكن الاحكام الانتقالية اوردت مادة اخرى عدها البعض ناسخة لهذه المادة، وهي المادة 134 وتنص: "اولا: يحل تعبير (مجلس الرئاسة) محل تعبير (رئيس الجمهورية) اينما ورد في هذا الدستور ويعاد العمل بالاحكام الخاصة برئيس الجمهورية بعد دورة واحدة لاحقة لنفاذ هذا الدستور. ثانيا: أ- ينتخب مجلس النواب رئيسا للدولة ونائبين له يؤلفون مجلسا يسمى (مجلس الرئاسة) يتم انتخابه بقائمة واحدة وباغلبية الثلثين...". فقد جرى تفسير هذه المادة على اساس انها تنسخ المادة (67) وتؤجل فعاليتها للدورة التالية. ولكن لا المادة (134) ولا غيرها اشارت مباشرة الى هذا النسخ والتأجيل. بل انها اشارت صراحة الى ما يتم استبداله هو تعبير (رئيس الجمهورية) فحسب. اي ان المادة (67) لا زالت سارية، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الرئيس له نائبان وينتخبون جميعا ضمن قائمة واحدة. فاذا كان المادة (134) قد حددت ان انتخاب مجلس الرئاسة يجب ان يحصل على ثلثي اصوات مجلس النواب، فانها لم تحدد الاجراءات التي يتم اتخاذها في حالة تعذر الحصول على تلك النسبة، عكس المادة (67) والتي اعطت حلا لتلك الحالة. وفي الحقيقة فان المادة (67) رغم تحديدات المادة (134) هي اخص وبالتالي اولى بالعمل فيها طالما كان الاولى العمل بالاخص قبل الاعم. وعلى هذا فان انتخاب مجلس الرئاسة قد يتم حتى بدون الحصول اغلبية مطلقة (138 صوت برلماني)، استنادا الى "اغلبية الاصوات في الاقتراع الثاني" التي ذكرتها المادة (67)، والذي يمكن ان يكون اي عدد من الاصوات يحصل عليه المرشح الفائز شرط ان يزيد على المرشح الاخر ولو بصوت واحد.
ورغم ان ما يشاع الان ويجري التركيز عليه هو ان اكبر معضلة تواجه البرلمان هي في انتخاب مجلس الرئاسة، الا انني اعتقد بناءا على ما تقدم ان اهون الشروط قد احيطت بهذه العملية نتيجة ضعف النص القانوني. على ان هذا الضعف لا يجعله غير قانوني، بل على العكس من ذلك تماما. فاي نص ورد ضمن الدستور هو قانوني ولكن يجب ان يفسر بالشكل الذي يدل عليه، وليس بالشكل الذي نريده له.
ويعتبر انتخاب رئيس الوزراء المهمة الاصعب لمجلس النواب، حيث انه في الواقع الشخصية الاكثر نفوذا والذي يمتلك اكثر الصلاحيات التنفيذية. وتنص المادة (74) على "اولا: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية." وهنا نلاحظ ان تعبير "مرشح الكتلة النيابة الاكثر عددا" لا يعني القائمة التي فازت باكبر عدد من الاصوات، وانما القوائم التي تأتلف ضمن كتلة نيابية واحدة، اي ان منصب رئيس الوزراء ليس بالضرورة حصة قائمة الائتلاف العراقي الموحد، ما لم تتحالف مع قائمة او قوائم اخرى للحصول على النسبة الاكبر من الاصوات، او على الاقل على الاغلبية المطلقة. وذلك يعني نظريا ان ممن الممكن ان تتحالف جميع (او معظم) القوائم الاخرى لتشكل كتلة نيابية تفوق في عدد اصواتها كتلة الائتلاف. وعند حصول ذلك، يمكن ان يكون رئيس الوزراء من خارج الائتلاف رغم كونها تحوز على اكبر حصة من المقاعد البرلمانية.
كما ان المادة (74) اوردت جدولا زمنيا محددا لكيفية انتخاب رئيس الوزراء وما يترتب عليه فعلـُه ضمن هذا الجدول. فالبند ثانيا ينص على: "يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية اعضاء وزارته خلال مدة اقصاها ثلاثون يوما من تاريخ التكليف". فاذا اخفق في تشكيل الوزارة خلال تلك المدة فالبند ثالثا يقتضي: " يكلف رئيس الجمهورية مرشحا جديدا لرئاسة مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما". ثم يتوجب على رئيس مجلس الوزراء المكلف ان "يعرض اسماء اعضاء وزارته، والمنهاج الوزاري، على مجلس النواب، ويعد حائزا ثقته عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري، بالاغلبية المطلقة" حسب البند رابعا. واخير فان البند خامسا يمنح رئيس الجمهورية صلاحية "تكليف مرشح آخر لتأليف الوزارة خلال خمسة عشر يوما في حالة عدم نيل الوزارة الثقة." ويبدو ان الغاية من هذا الجدول الزمني اعطاء الفرصة للمفاوضات بين القوائم للاتفاق على رئيس الوزراء (بعد 15 يوم من اختيار رئيس الجمهورية)، ثم اعطاء وقتا لرئيس الوزراء المكلف لتشكيل وزراته (خلال 30 يوم). فاذا فشل في نيل ثقة مجلس النواب فان على الرئيس ان يختار غيره ضمن 15 يوم اخرى. اي ان تشكيل الوزارة قد يستغرق 45 يوما، او 90 يوما في حالة فشل المرشح الاول. ومن الواضح ان تلك الفترة كافية لمثل هذا الاجراء، خصوصا وانها ستأتي بعد فترة تزيد على الشهر من اعلان النتائج المصادق عليها، اذ يتوجب اختيار رئيس البرلمان ومجلس الرئاسة قبلها.
ان افتراض ان الاتفاقات يجب ان تكون سابقة على انعقاد جلسات البرلمان هو امر غير منطقي، ويأخذ المسيرة الديمقراطية الى منزلقات وطرق جانبية تزيد من حالة الارباك التي يعاني منها البلد. والانكى من ذلك ان هناك توافقا بين القوائم على تأخير انعقاد البرلمان، فذلك يدل بوضوح على غياب الرغبة بالالتزام بنصوص دستورية وقانونية مرجعية من قبل جميع الاطراف، وبالتالي احلال مصالح حزبية محل تلك النصوص واجراء تفسيرات مبتسرة والتعلل بالواقع الامني الذي تسبب فيه غياب الالتزام بتلك النصوص والالتفاف عليها اكثر من كونه سببا لذلك الالتفاف وعدم الالتزام.
ان تشكيل الحكومة في ظل دولة القانون والمؤسسات لا يكون حسب نظرية الدومينو، لان ذلك سيكون حجر عثرة في ادائها طالما ان اطرافها معتمدة في تكوينها واستمرارها على بعضها البعض. وستكون هذه الطريقة في تأسيس الحكومة سببا في غض النظر عن انحرافات بعض اطراف السلطة، او عدم القدرة على محاسبتها. واخيرا فان الخوف من التساقط المتسلسل سيلغي دور المعارضة البرلمانية والحكومية وسيجعل الجميع متفقين على جميع الامور بغض النظر عن صوابها وتحقيقها للمصلحة العامة.

Friday, December 23, 2005

استراتيجية الدعاية الانتخابية لقائمة الائتلاف العراقي الموحد

يعتقد الكثيرون ان سر فوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد الساحق في الانتخابات البرلمانية الاخيرة يعود الى حصول تلك القائمة على رضا المرجع الديني اية الله العظمى السيد علي السيستاني ومباركته لها، وبالتالي التأثير على مقلديه، وهم اغلبية الطائفة الشيعية، ودفعهم للتصويت لتلك القائمة كواجب ديني، تبرأ ذمتهم بأدائه. والواقع ان هذه الرؤية هي تسطيح للمسألة، وتبسيط مفرط لطبيعة الدعاية الانتخابية لتلك القائمة، التي حققت بتطيبيقها لاستراتيجية مدروسة نجاحا منقطع النظير، ليس على مستوى العراق فحسب، بل بالمقارنة مع أية انتخابات حرة تجرى في أية دولة في العالم.
ويمكن النظر لهذه الانتخابات على أنها امتداد للانتخابات التي سبقتها، والتي أجريت في الثلاثين من كانون الثاني 2005، وتأكيد لنتائج الاستفتاء في الخامس عشر من تشرين الاول. فقد كانت نتائج الانتخابات الاولى، وطبيعة توزيع المقاعد البرلمانية، وبالتالي الحقائب الوزارية، بموجب الاستحقاق الانتخابي قد شكلت خللا في فهم طبيعة الاداء الحكومي على المستويين التشريعي والتنفيذي، خصوصا مع غياب التمثيل البرلماني السني. نعم، كانت هناك محاولات لضم ممثلي المحافظات الغربية في الحكومة، وفي لجنة كتابة الدستور، ولكنها لم تحصل على التأييد الكامل من احزاب وتنظيمات تلك المحافظات، فضلا عن مرجعياتها الدينية. والمحك الاكثر خطورة كان في النزاع حول الدستور، ورفض الاعضاء السنة (المعينين) لمسودة الدستور، وتهديدهم باسقاطه في الاستفتاء عن طريق استخدام حق النقض الذي تتمتع به أية ثلاثة محافظات اذا رفض ثلثاها تلك المسودة. فقد برزت الى السطح تيارات الطائفية والمذهبية بشكل واضح، ووضعت جميع اطياف العراق العرقية والدينية امام امتحان "ان نكون او لا نكون"، بينما ابتعدت الاحزاب العلمانية عن الساحة واكتفت بدور المتفرج، بانتظار فشل الاحزاب الدينية، او ممثلي الطوائف، في خوض غمار التجربة، او خروجها منهكة وغير قادرة على الدخول بنفس القوة في الاستحقاق التالي.
ولكن قائمة الائتلاف اثبتت انها قادرة على دخول المعترك من جديد، واستثمار النجاح المحدود المتحقق في اقرار الدستور لصالحها. واكتسبت زخما معنويا من تصوير الخلاف حول الدستور على انه خلاف مذهبي او طائفي يمتد الى نزاع حول السلطة والثروات الطبيعية. وكان اعتراض ممثلو السنة على بعض بنود الدستور اداة مهمة بيد قائمة الائتلاف للدعوة الى مساندة المذهب والطائفة، وبالتالي خططت استراتيجية الدعاية الانتخابية على هذا الاساس. ولم يكن للاداء الحكومي الضعيف، ولا للاتهامات بالفساد الاداري، والفضائح التي تكشفت في المعتقلات اي دور في تلك الدعاية، لا نفيا ولا تبريرا. فقد قامت تلك الاستراتيجية على التركيز على الهدف البعيد للمواطن، وهو حماية الطائفة، اكثر من مخاطبتها للهدف الاقرب وهو تشكيل حكومة توفر الامن والرفاهية للشعب.
تتألف الدعاية او الحملة الانتخابية لاي كيان سياسي بشكل عام من ثلاثة مراحل: الاولى الاعلان عن وجود الكيان، والثانية إشعار الناخبين بانهم موجودون لدى الكيان، والثالثة تتمثل في توطيد الثقة بين الكيان والناخب. وكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث يجب تنجز ضمن فترة زمنية محددة، ووفق قواعد وأطر مدروسة مسبقا. والادارة الجيدة لتلك الحملة تضمن ان لا يكون للحدث الآني، او المفاجآت، تأثير كبير على مجريات اللعبة الانتخابية. واذا راجعنا الدعاية الانتخابية لمجمل الكيانيات السياسية خلال الانتخابات الماضية، لوجدناها اما تقع ضمن المرحلة الاولى، او انها تكافح لتجتاز المرحلة الثانية. فالغالبية العظمى من تلك الكيانات اكتفت بالملصقات واللافتات والدعاية المتلفزة المقتضبة. بيد ان المطلوب لحمل الناخب على التصويت لكيان سياسي معين ان يجتاز ذلك الكيان المرحلة الثالثة ضمن الاطار الزمني المحدد سلفا.
ولكن قائمتي الائتلاف والتحالف الكرستاني، استثناء من الكيانات السياسية الاخرى، استطاعتا ان تعبرا هذه المرحلة بنجاح، بدلالة النتائج الكبيرة التي حققها كل منهما. وبالنسبة لقائمة التحالف الكردستاني فان الامرغير مستغرب، نظرا لوحدة الاكراد عموما تحت هذه القائمة. اما فيما يخص قائمة الائتلاف، فلابد من وقفة تأمل في الاستراتيجة التي اتبعتها لتحقيق ذلك التقدم المذهل.
وتلك الاستراتيجية اتبعت ببساطة نهج المراحل الثلاثة المشار اليه آنفا. فقد استغرقت وقتا يسيرا للاعلان عن وجودها من خلال الملصقات واللافتات وغير ذلك. ولكنها اخذت وقتا اطول في استيعاب الناخبين، وخاضت عملية شاقة بصبر ودأب. فقد كان عليها اولا ان توضح طبيعة الاخفاقات الحكومية خلال الفترة التي تولت فيها زمام السلطة. كما كان عليها ان تهديء من روع المواطنين الذين يساورهم القلق حيال مستقبل العراق ووحدته في حال تسنمت هذه القائمة السلطة من جديد. وكان الهجوم خير وسيلة للدفاع. فبدأ التراشق الكلامي بالتصاعد، وعمد الائتلاف الى اظهار عيوب منافسيهم، او تضخيمها. وسعت تلك القائمة الى القاء التبعة في كل اخفاق تقريبا الى مرحلة سابقة، او الى التهديد الامني وسطوة الارهاب. لقد كان هذا السجال يدور عبر الشاشات، ولكنه كان يجد من يروج له في الشارع والمقهى والمسجد والدائرة الحكومية، وفي البيوت.
وهنا لابد من الاشارة الى تواجد مكاتب فعالة في معظم المحافظات للاحزاب الرئيسة في تلك القائمة، مقابل مكاتب ضعيفة او غير فعالة، او انعدامها على الاطلاق، للاحزاب الاخرى. وهذه مسألة في غاية الاهمية، طالما ان احتواء المواطن (الناخب)، وجعله يدرك بانه موجود لدى الكيان، يتطلب احتكاكا وتواصلا مباشرا ومستمرا. كما ان تلك المكاتب توفر طريقة شديدة التأثير في الدعاية الانتخابية من خلال استخدام الاشخاص انفسهم في الدعوة للكيان بدلا من الاعتماد على الوسائل التقنية، من اذاعة وتلفزيون وصحف وملصقات وغيرها. فقد يكون هناك تأثير للدعاية بطريق التلفزيون مثلا، ولكنها تصلح فقط لاجتياز المرحلة الاولى، مرحلة التعريف بالكيان. ولخوض المرحلة الثانية لابد من تواجد قريب من المواطن، ومن توجيه الحديث من فرد الى فرد اذا اقتضى الامر. ان الناخبين قد يصوتون للكيان الذي شاهدوا صورته في التلفزيون، او قرأوا لافتة تدلل عليه، ولكن اربعة اضعاف هؤلاء يصوتون للكيان الذي نصحهم به اصدقاؤهم الموثوقون، كما تظهر احدى الدراسات التخصصية.
من جهة اخرى فان هذا القرب من الناخبين يمكن من ممارسة الدعاية السلبية بشكل واسع، ولكنه لا يترك أثرا يقتفى في حالة الشكوى من هذا التصرف. فمن السهل تصدير اشاعة بين الناس حول امر ما حتى مع غياب الدليل، ولن يكون ممكنا عمليا اثبات من اصدرها. بينما سيكون من الصعب الحديث بشكل رسمي عن اية طعونات بالكيانات الاخرى دون توفر ادلة دامغة. ولكن المواطنين العاديون عادة لا يلاحظون الفرق، ويتناقلون الخبر والاشاعة بنفس القدر من الاهتمام والتصديق، اذا تواترت ا بما فيه الكفاية.
وفي الدعاية الانتخابية، شأنها شأن كل الفعاليات السياسية الاخرى، كل شيء جائز ما لم يمنع بقانون صريح. وقد يكون توجيه الخطاب الديني لحث الناخبين بالتصويت لقائمة او كيان سياسي امرا غير مقبول لدى البعض، ولكنه غير ممنوع قانونا. فالنظام رقم 8 لسنة 2005 الذي اصدرته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، ينص على انه "لايجوز لاي كيان سياسي او ائتلاف ان يضمّن حملاته الانتخابية افكارا تدعو الى اثارة النعرات القومية او الدينية او الطائفية او القبلية او الاقليمية بين المواطنين"، وهذا لا يمنع من استخدام الخطاب الديني طالما انه لا يتجاوز الممنوعات المذكورة. ولا اجد ما يمنع الكيانات الاخرى من استخدام اساليب مماثلة، اذا كانت اقرب الى قلوب المواطنين. ولست ادعو الى تسييس الدين، ولكن الى خلق التوزان الضروري لعدم انفراد جهة او قائمة او كيان ب عقول وقلوب الناخبين.
لقد نجحت قائمة الائتلاف من خلال تحدثها الى كل ناخب على حدة في كسب الثقة لديهم، واجتياز المرحلة الثالثة حتى بدون الحاجة الى فتوى صريحة بالتصويت لتلك القائمة. والخطاب الديني الذي تميزت به دعاية تلك القائمة، لم يكن ليغير من توجهات الناخبين بشكل كبير لو ان بقية الكيانات توجهت بذات القدر من الاهتمام الى الناخب الفرد وسعت الى ضمه واشعاره باهميته لديها وبالتالي اكتسبت ثقته. فعندها لن يكون سهلا التحول عن دعم ذلك الكيان، حتى ولو داعب الكيانات الاخرى عقيدته الدينية او ولاءاته العشائرية او غير ذلك من الضغوطات التي تستخدم عادة للتأثير على الناخبين.

Wednesday, December 21, 2005

مشروع قانون لإيجار العقارات التجارية والصناعية

في خضم العملية السياسية المتأزمة حينا والمنفرجة أحيانا أخرى، وفي ظل ظروف أمنية معقدة قلّ مثيلها في تاريخ العراق الحديث، ربما لا يُعدّ الحديث عن قانون لإيجار العقارات بنوعيها السكنية والتجارية أمرا ذا بال. والواقع ان الجمعية الوطنية، وان أنجزت احد أهم واجباتها وهو الدستور، إلا إنها أهملت بشكل واضح واجبات أخرى تتصل بصلب عملها كمؤسسة تشريعية، ذلك هو إقرار القوانين التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، فضلا عن وضع الضوابط والتعليمات التي تكفل تطبيق هذه القوانين بشكل سلس وسليم.
وفي الحقيقة فان ما يهم المواطن العادي بالدرجة الأولى هو تلك القوانين والأنظمة المتعلقة بها، كونها تضع الأساس المادي للتعامل بين أفراد المجتمع ضمن إطار يتفق عليه الجميع، وتهيئ الظرف المناسب للاستثمار التجاري، وتمنع الاستغلال والانتهازية من التغلغل إلى نفوس بعض الأفراد الذين لا يردعهم عن تحقيق مآربهم على حساب الآخرين سوى قانون حازم يضع النقاط على الحروف. ومن ناحية أخرى فان تشريع القوانين هو استجابة لحاجات المجتمع من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، وان تعلق بعض هذه القوانين بالنواحي السياسية والثقافية والأمنية بطبيعة الحال.
ان استغراق البلاد في عملية سياسية طويلة وشائكة يجب ان لا يمنع التفكير في مشاريع لاستصدار قوانين تمس حياة المواطنين ومصدر رزقهم، وتهيئ الأرضية للنمو الاقتصادي المتوقع من بلد الثروات المتعددة. وإذا كانت الجمعية الوطنية الحالية غير قادرة عمليا على مثل هذه التشريعات بسبب طبيعة توزيع المقاعد البرلمانية وسيادة مبدأ المحاصصة، علاوة على غياب ممثلي محافظات غرب العراق، فقد يكون من المناسب البدء بالتحضير لمثل هذه المشاريع لمجلس النواب القادم الذي قد يكون أكثر تمثيلا، واقل تعلقا بالمشروع السياسي.
ولا يخفى ان من أهم عوامل التباطؤ الاقتصادي في الوقت الراهن هو غياب التشريع الواضح الذي يرسم الإطار القانوني لعلاقة مالكي العقارات بمستأجريها، إثر قيام النظام السابق برفع اليد عن هذه المعاملة، وتركها حرة تـُحدد صُوريّا بين طرفيها، وعمليا عن طريق طرفها الأكثر قوة وهو مالك العقار. وفي الواقع ان تلك العلاقة كانت تحكمها قبل ذلك الإجراء الحكومي تنظيمات وقوانين وضعت القوة القانونية بيد المستأجر، الذي كان بمجرد توقيعه عقد الإيجار يصبح المالك الفعلي لذلك العقار مقابل بدل الإيجار غير القابل للزيادة قانونا. وقد أرادت الدولة ظاهريا –آنذاك- ان تعيد التوازن إلى هذه العلاقة غير المتكافئة بإلغائها العقارات التجارية والصناعية من قائمة العقارات التي لا تسمع المحاكم دعاوى إخلائها، شأنها في ذلك شأن العقارات السكنية، ولكن الاستثناء بقي بالنسبة لتلك الأخيرة. والحق ان هذا الإجراء ساعد في ازدياد العقارات التجارية المعروضة للإيجار، وشجع بناء المزيد منها ولفترة محدودة، ولكن على حساب ارتفاع بدلات الإيجار بشكل مضطرد وعدم خضوعها إلى ضوابط سوى تقدير أصحاب تلك العقارات، واضطرار المستأجرين إلى القبول بأي قيمة للإيجار –مهما تكن مجحفة- وإلا تعرضوا لفقدان مصدر رزقهم. وقد تكون هناك أسباب أخرى حملت الدولة على رفع الحماية عن المستأجر تتعلق بتحقيق ضربة تجارية كبرى للمتنفذين في تلك الدولة والذين اشتروا عقارات كثيرة بثمن بخس قبل صدور التشريع ثم ارتفعت أسعارها أضعافا مضاعفة بعد صدوره ودخوله حيز التنفيذ.
ونحن إذ نعتقد ان إعطاء المستأجر كامل الحق في التصرف هو أمر غير عادل، فإننا في الوقت ذاته لا نجد عدلا في إعطاء هذا الحق لمالك العقار وحده. وقد أثبتت التجربة الواقعية ان كثيرا من مالكي العقارات قد تصرفوا بشكل غير منصف مع المستأجرين الذين شغلوا تلك العقارات لفترات طويلة. وحتى الذين أعطوا بدلات إيجار مقاربة لمستواها السوقي لم يسلموا من التهديد بالطرد أو الإخلاء، واضطروا إلى زيادة تلك البدلات المرة بعد الأخرى، أو إخلاء محالهم التجارية ومصانعهم ومخازنهم وما شابه. وأدى ذلك إلى أضرار فادحة على مستوى الاقتصاد الفردي واقتصاد الأسرة، وصولا إلى الاقتصاد الوطني. ان انخفاض عدد العقارات الصناعية المشغولة تحديدا قد الحق بالتأكيد ضررا بالغا بالاقتصاد الوطني، نتيجة قلة المعروض من المنتجات المحلية والاستعاضة عنها بالمستورد، وما يترتب على ذلك من خروج للعملة الصعبة وارتفاع أسعار النقل التجاري وضياع الخبرات المحلية وإهدار المواد الأولية المحلية أو تصديرها بأثمان زهيدة.
وبناء على ذلك، يجب التفكير أولا بالمصلحة الوطنية العليا المتمثلة في تشجيع الصناعة والاستثمار الصناعي، والتجارة الداخلية، وتحريك مفاصل الاقتصاد الحر ضمن الضوابط العادلة لأطراف المعاملات كافة، ومنها معاملات الإيجار. كما يجب وضع البدائل المناسبة لضمان عدم وقوع احد طرفي المعاملة تحت الضغط المجحف، أو الشعور بغياب الخيارات التي تدفعه إلى الرضوخ أو الانصراف عن المشروع برمته. ونشير هنا إلى ان البلد يشهد حالة من الاستقرار المالي من ناحية ثبوت سعر صرف الدينار مقابل العملة الصعبة، مقارنة بفترة ما قبل السقوط التي تميزت بتدهور مستمر لسعر الدينار مقابل العملات العالمية. ومثل هذا الاستقرار كان يمكن ان يكون كفيلا بتحقيق استقرار في الأسعار بشكل عام. غير ان الأسعار السوقية ظلت في حالة من التصاعد لأسباب كثيرة، منها عدم الاستقرار الأمني، والطفرة التي شهدتها رواتب الموظفين، وانخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي، وعودة المهاجرين وما شكل ذلك من ازدياد الطلب على البضائع، ونشوء طبقة المقاولين والتجار الجدد الذين حولوا أموالهم وودائعهم من العملة الصعبة إلى خارج البلاد بدلا من استثمارها داخله خوفا على حياتهم وأسرهم. كذلك تسببت العودة المفاجئة للمغتربين، وظهور رساميل كبيرة بيد طبقات كانت متوسطة، في ازدياد الطلب على العقارات والأراضي وبالتالي ارتفاع اسعارها بشكل خيالي وخلال مدة قصيرة يعجز السوق المحلي عن استيعابها. ونتيجة لذلك ارتفعت معدلات بدلات الإيجار التجاري، تحقيقا لمبدأ الاستثمار العقاري الذي يعتمد أساسا على قيمة العقار في تحديد مقدار عائداته. وبالمقابل أدت زيادة معدلات بدلات الإيجار إلى ارتفاع أسعار البضائع بجميع صنوفها، ودفع المستهلك جزءا من هذا الفرق، ودفعت الطبقة الوسطى المُشغلة لهذه العقارات الجزء الآخر.
وأخيرا فان غياب النظام الضريبي قد ساهم هو الآخر في إطلاق يد مالكي العقارات، بالإضافة إلى الفساد الإداري والرشوة والمحسوبية في غير واحد من مفاصل الدولة، مما جعلها عاجزة عن التصدي للجشع والاستغلال التجاري، وشلّ دورها الرقابي سواء على العلاقات بين المالكين والمستأجرين، أو على مجمل العملية الاقتصادية المحلية.
ان محاولة استصدار تشريع لتحديد هذه العلاقة الحيوية، وتنظيم شؤون العقارات وكيفية وظروف استغلالها ستواجه حتما ما ذكرناه من عوائق، يضاف إليها ضعف الوعي القانوني وعدم الثقة بالدولة الموروث عن الحقبة السابقة، والذي ساهمت الدولة في وضعها الراهن على ترسيخه بإهمالها وانشغالها بالعملية السياسية كأولوية أولى. لذلك يجب التخطيط مسبقا لنشر وعي قانوني، والعمل على تعميق الثقة بالدولة وبإجراءاتها من خلال إشراك المواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مناقشة مشاريع القوانين عموما، وعدم الانفراد باتخاذ القرار باعتبار مجلس النواب منتخباً وممثلاً للشعب. فالشفافية الحكومية مبدأ واجب التطبيق حتى بالنسبة للحكومات المنتخبة، لضمان بقائها قريبة من حاجات وآمال وتطلعات الشعب.
وإذا كان لنا ان نضع مسودة لمشروع هذا القانون، فجري بنا السعي استنادا إلى المعطيات أعلاه، الى ان يكون كما يلي:
ـ1ـ ان هذا القانون هو من اجل تحديد شكل العلاقة بين مستأجر ومؤجر العقار وهو المرجع الوحيد في حل الخلافات الناجمة عن العقد المبرم بموجبه، كما انه الأساس الوحيد لإجراء عقود الإيجار (التجارية والصناعية).
ـ2ـ تشرف الدولة على تطبيق هذا القانون عن طريق هيئة متخصصة تشكل من قبل السلطة التنفيذية المناسبة، وترسل الهيئة ممثليات لها في المحافظات على شكل لجان تنفيذية. ولهذه الممثليات والهيئة ذاتها صلاحيات البت في الخلافات ضمن اختصاصاتها، ويمكن لها الإحالة إلى المحاكم المختصة في حالات التعسف، كما يمكن استئناف قراراتها أمام المحاكم المدنية. وتكون قرارات المحاكم المختصة نهائية وملزمة لطرفي الدعوة وللهيئة وممثلياتها على حد سواء.
ـ3ـ تشكل الهيئة والممثليات لجاناً فنية تعمل على ترسيم مراكز المدن والاقضية والنواحي حسب القيمة السوقية لعقاراتها، وتعتمد سلما من خمس درجات (أو أكثر) في تحديد القيمة للعقارات التجارية:
أ) عقار درجة أولى في وسط المدنية ب) عقار درجة ثانية في وسط المدينة ج) عقار درجة أولى في الضواحي د) عقار درجة ثانية في الضواحي هـ) عقار في منطقة سكنية. كما تعتمد سلما من ثلاث درجات (أو أكثر) للعقارات الصناعية: أ) عقار درجة أولى في منطقة صناعية ب) عقار درجة ثانية في منطقة صناعية ج) عقار في منطقة غير صناعية.
ويعتمد تحديد الدرجة على كون العقار مطلا على شارع تجاري، ومقدار كثافة المرور الراجل والآلي، وسهولة وصول وسائل النقل بأحجامها المختلفة.
ـ4ـ تقوم الهيئة وممثلياتها بإعداد جداول للقيمة التقديرية لبدلات الإيجار اعتمادا على تصنيف العقار (الوارد في الفقرة (3))، إضافة إلى المعايير التالية:
أ) حالة العقار العمرانية وعمره الزمني.
ب) مساحة العقار الكلية، حيث تضاف فوارق نسبية لكل متر مربع تزيد عن الحد الأدنى للمساحة (حيث يحتاج إلى تشريع مستقل).
ج) عرض واجهة العقار، حيث تضاف فوارق نسبية عن كل متر طول يزيد على الحد الأدنى للواجهة (بما يحتاج إلى تشريع مستقل).
د) كون المحل المستأجر في الطابق الأرضي، أو الطوابق العليا أو الدنيا، حيث يخفض من القيمة التقديرية بنسبة مماثلة لارتفاع العقار أو انخفاضه عن مستوى الأرض. ان هذه النسبة ليست ثابتة وتعتمد على التسهيلات المتوفرة في المباني، كالمصاعد والسلالم الواسعة وما أشبه، فكلما زادت التسهيلات قلت نسبة التخفيض، وبالعكس.
هـ) مدة العقد، حيث تكون قيمة بدل الإيجار اقل كلما كانت المدة أطول، على ان يمنح المالك إعفاء ضريبيا مماثلا لهذا التخفيض (يحتاج إلى تشريع مستقل).
و) يجب ان تخضع جميع العقود إلى الإجراءات الضريبية، ويعتمد نظام ضريبي تصاعدي نسبة إلى قيم بدلات الإيجار كلاً على حدة، ويعتمد مبدأ التشجيع على قبول بدلات إيجار اقل من القيمة التقديرية مقابل إعفاءات ضريبية (يحتاج إلى تشريع مستقل).
ز) أية ضوابط أخرى محلية.
ـ5ـ إصدار تشريعات مناسبة لتنظيم شؤون العقارات في الأسواق الحرة، والمناطق السياحية والأثرية، وللاستثمارات الأجنبية، وللمشاريع الكبرى والمتوسطة، وكيفية استغلال الموارد المتاحة من مياه وطاقة ضمن حدود العقار أو ما يحيط به.
ـ6ـ تعمل الدولة على تشجيع بناء المجمعات التجارية من خلال القروض العقارية الميسرة. كما تأخذ على عاتقها تنظيم المدن لإنشاء أسواق بديلة لتخفيف الضغط عن الأسواق التقليدية، وإنشاء المناطق الصناعية، وبناء المجمعات التجارية والصناعية الصغيرة وتأجيرها بمستويات تقل بشكل واضح عن مستويات الإيجار السائدة لخلق الموازن العملي واستيعاب الفائض. كما يجب مراعاة عدم الإجحاف بمالكي العقارات بتدخل الدولة، أو تحويل الدولة إلى المالك الفعلي للعقارات التجارية والصناعية من خلال التوسع المفرط في هذا الإجراء.
ـ7ـ يطبق هذا القانون على العقارات التي سبق ان تم تأجيرها واستغلالها. وتعدّ كل معاملة سابقة باطلة قانونا، ولكن يمكن جدولة التطبيق خلال فترة زمنية مناسبة.
ـ8ـ يجب ان يضمن عدم تعديل هذا القانون أو إلغاءه قبل فترة مناسبة من دخوله حيز التنفيذ. كما يجب ان يكون التعديل بطريقة تضمن مشاركة النقابات المهنية، وغرف التجارة والصناعة، والشرائح الاجتماعية التي يشملها.
ـ9ـ يمكن اعتماد مبدأ الاستفتاء الشعبي لإقرار هذا القانون، وتعديله لاحقا، على ان يقرّ أو يعدل في مجلس النواب أولا.
ان هذا المشروع ليس إلا نتاج حالة تأمل يمكن أن تغنى من قبل المختصين بالقانون. كما انه يتطلب تشريعات قانونية أخرى قد تتعدى حدود الملكية العقارية والمعاملات بشأنها، ليتناول تحقيق تنمية اقتصادية شاملة وإشراك الدولة في تفاصيل هذه المعاملات. وقد يؤدي تدخل الدولة هذا إلى نشوء بيروقراطية إدارية معرقلة لمسيرة التنمية، ولكنها في الوقت نفسه ستكون، إذا أحسن بناؤها وتنظيمها، موازنا منطقيا لحماية أرباب المصالح والمستهلكين على حد سواء.

Thursday, December 08, 2005

المنافسة محصورة بين قائمة الائتلاف العراقي الموحد والقائمة الوطنية العراقية

المدى-لجنة البحوث والدراسات
تشير الأجواء العامة في أنحاء العراق كافة الى أن يوم الخامس عشر من كانون الأول الجاري سيشهد واحداً من أهم الأحداث السياسية في تاريخه المعاصر، حيث من المتوقع أن يتوجه قرابة خمسة عشر مليون ناخب الى صناديق الاقتراع في عموم البلد للإدلاء بأصواتهم في ثالثة ممارسة ديمقراطية خلال عام واحد، وهذا بمقاسات سياقات الديمقراطية السائدة في المنطقة، يعد إنجازاً بحد ذاته، وبغض النظر عن النتائج فأنها تأسيس وترسيخ لتقاليد ومناهج قد غيبت قسراً سنين طوالاً.
وتواصلا مع الحدث، أجرت لجنة البحوث والدراسات في مكتب (المدى) بمحافظة بابل استطلاعاً للرأي على أساس علمي مدروس، لمعرفة توجهات الناخبين، وعمق الوعي الانتخابي الذي تجسد من خلال الممارسات الانتخابية في الفترة المنصرمة. واستخدمت نموذج استبيان مكوناً من ستة أسئلة، إضافة الى بعض البيانات الشخصية، بدون ذكر الاسم، لاستخدامها في تحليل الإجابات المختلفة وتبيّن تأثير عوامل مثل الجنس والسكن والعمر على طبيعة اختيارات أفراد العينة المختارة عشوائياً. حيث تم توزيع 460 استمارة استبيان في أنحاء محافظة بابل، بشطريها الحضري والريفي. وقد شابت عملية توزيع الاستمارات مجازفة غير هينة في الوصول إلى مناطق توصف بالساخنة. وشمل الاستبيان مدن الحلة والمحاويل وناحية الإمام والقاسم والمسيب والسدة والمدحتية والنيل والكفل والهاشمية والطليعة وأبو غرق، علاوة على الكثير من القرى المحيطة بهذه المدن. وقد تم إعداد قاعدة بيانات حاسوبية لإدخال البيانات وتحليلها، ولاستخراج النتائج بأكثر دقة ممكنة.
وبلغ عدد أفراد العينة 460، وكان عدد الذكور 330 والإناث 130، توزعوا بين 172 من سكنة مدينة الحلة و288 من سكنة الاقضية والنواحي والقرى التابعة لمحافظة بابل.
الأغلبية الساحقة ترغب بالمشاركة في الانتخابات
يبدأ الاستبيان بسؤال حول رغبة المستطلعة آراؤهم بالمشاركة في الانتخابات المقبلة. ويبدو أن خيار المشاركة في الانتخابات يطغى على معظم التوجهات، فقد بلغت نسبة الراغبين بالمشاركة 96.7%، بينما لم تتعد نسبة مقاطعي الانتخابات 3.3%. ومن دلالات النتائج التي أظهرها الاستبيان أن هنالك توجهاً عاماً قوياً لدعم العملية السياسية الجارية في البلد من خلال الإسهام الفاعل في عملية الاقتراع. وهو ما يعكس التطور النوعي في الممارسات الديمقراطية، وانحسار نزعة المقاطعة. الا ان المشاركة قد لا تصل الى هذه النسبة العالية بسبب معوقات كثيرة يفرضها الوضع الاستثنائي، والظروف التي تتحكم بالحالات الفردية يوم الانتخاب.
التنافس محتدم بين الائتلاف والقائمة الوطنية
أظهرت نتائج الاستبيان أن التنافس يكاد ينحصر بين قائمة الائتلاف العراقي الموحد برئاسة عبد العزيز الحكيم والقائمة الوطنية العراقية برئاسة د. أياد علاوي. وحصلت قائمة الائتلاف على النسبة الأكبر من الأصوات وتبلغ 46.1% من مجموع أفراد العينة، تلتها القائمة الوطنية بنسبة 24.6%، بينما تنافست باقي القوائم ضمن نسبة 15.5% فقط، برغم أنها في غالبيتها محلية، وكان من المتوقع أن تحصل على دائرة تأييد أوسع. ومن الجدير بالذكر أن القانون الانتخابي يحتم على القائمة الحصول على ما لا يقل عن نسبة محددة قبل إمكانية ضمها الى مجلس النواب، وتبلغ هذه النسبة بمحافظة بابل 9% لان عدد المقاعد المخصصة للمحافظة 11 مقعداً.
ومن الملاحظات اللافتة للنظر التي تجلت في الاستبيان أن نسبة الإناث الراغبة في التصويت للقائمة الوطنية تزيد على نسبة الذكور (28.5% مقابل 23%)، بينما جاءت النسب متساوية تقريباً بين الإناث والذكور الراغبين بالتصويت لقائمة الائتلاف (46.2% مقابل 46.1%). غير أن النتائج عكست تقدم سكنة الاقضية والنواحي والقرى الراغبين بالتصويت لقائمة الائتلاف بنسبة كبيرة على نظرائهم من سكنة مركز المحافظة (53.3% مقابل 37.5%) وينطبق الأمر على المصوتين للقائمة الوطنية ولكن بنسبة أقل (26.3% مقابل 23.8%). ويبدو أن سكنة المركز يتوجهون صوب القوائم الأخرى أكثر من سكنة خارج المركز (25% مقابل 10.9%)، وهذا ناجم عن مشاركة واسعة لقوائم مركز المحافظة.
يظهر تحليل الاستبيان استناداً للفئات العمرية أن أغلب المصوتين الذين تقع أعمارهم بين 30-39 سنة يميلون باتجاه قائمة الائتلاف بنسبة 53.3% في حين أن المصوتين للقائمة الوطنية بلغت ذروتهم في الفئة العمرية بين 50-59 سنة وبنسبة 28%، والملاحظ أن مصوتي القائمة الوطنية تزداد نسبتهم بتقدم العمر، وهو انعكاس لتباين تطلعات مختلف الفئات العمرية.
البرنامج السياسي والواجب الديني
وعند تحليل إجابات أفراد العينة على السؤال الوارد في استمارة الاستبيان: ما هو الأساس الذي تعتمده في التصويت؟، ظهر أن نسبة 51.1% تعتمد البرنامج السياسي في تحديد خيارها، ونسبة 30.8% تعتقد أن التصويت واجب ديني للقائمة التي ترغبها، فيما كانت نسبة 13.7% تروم التصويت دعماً لرئيس القائمة، ولم تحض الأسباب العشائرية الا بنسبة ضئيلة بلغت 1.1%، برغم أن عدد المشاركين من خارج مركز المحافظة يقارب ضعف عدد المشاركين من المركز، مما يدلل على أن التأثير العشائري في محافظة بابل لا يشهد رواجاً بين الناخبين خلافا للرأي السائد بهذا الشأن.
أن نسبة المصوتين لقائمة الائتلاف بوصفه واجباً دينياً 58% بينما كانت نسبة المصوتين للقائمة الوطنية اعتماداً على البرنامج السياسي 76.1%. وقد انعكس دعم رئيس القائمة الوطنية بنسبة 19.5% مقابل 1.9% فقط صوتوا لرئيس قائمة الائتلاف، وظهور هذه النتائج بتلك الصيغة يجسد استقطابات الرأي العام موزعا بين التيار الإسلامي والتيار الليبرالي، وتشابها مع ما أفرزته نتائج الانتخابات السابقة، وفيها دلالات على أن هذا الاستقطاب سيبقى في الساحة السياسية العراقية للفترات القادمة.
ومن المفارقات الطريفة أن هناك خمسة أفراد من العينة، يشكلون نسبة 4.5% من الذين صوتوا للقائمة الوطنية اتخذوا قرارهم بالتصويت لها كونه واجباً دينياً، رغم غياب الخطاب الديني في الدعاية الانتخابية لهذه القائمة المعروفة بالتوجه العلماني. والأرجح أنها سقطات من قبل هؤلاء الأفراد لا تعبر بدقة عن وجهات نظرهم.
تفاؤل عام بمرحلة ما بعد الانتخابات
وتضمن نموذج الاستبيان مجموعة من الأسئلة حول ما يمكن أن تسهم فيه الانتخابات. وقد أظهرت النتائج أن معظم أفراد العينة متفائلون بان الانتخابات ستساهم في تحسين الوضع الأمني (85.2%)، وتحسين الخدمات (77.4%)، ودفع عملية إعادة الإعمار (74.8%)، وحل مشاكل البطالة والضمان الاجتماعي (72.8%).
معرفة محدودة بالمرشحين
آخر أسئلة الاستبيان يدور حول مدى معرفة الناخبين بمرشحي القوائم المتنافسة، واتيحت لأفراد العينة الاختيار من بين ثلاثة خيارات تدلل على حجم تلك المعرفة. وقد بيّن 24.8% من أفراد العينة الراغبين بالتصويت، والذين اتخذوا قرارهم بالتصويت لقائمة معينة، أنهم لا يعرفون سوى رئيس الكيان الذي سيصوتون له. وأفادت أغلبية هذه الفئة (52.2%) بأنهم يعرفون بعضا من مرشحي قائمتهم المفضلة، بينما ادعت 9.1% أنها تعرف جميع المرشحين. ولا نجد هذه النتائج غريبة بالنظر للوضع الأمني غير المستقر، والذي يحول دون إعلان أسماء المرشحين بشكل واسع، ولقصر الفترة الزمنية المتاحة للدعاية الانتخابية. والظاهر أن اغلب الناخبين يثقون باختيارات رؤساء القوائم لبقية المرشحين.
وتجدر الإشارة الى أن نتائج هذا الاستبيان لا يمكن أن تطبق على عموم العراق، بسبب اختلاف التوجهات العامة بين منطقة واخرى، ولكن هذه النتائج يمكن ان تعبر - عموما- عن الرأي العام في مناطق وسط وشرق العراق، وربما جنوبه أيضا. من جهة ثانية، فان التصويت الفعلي في الانتخابات القادمة قد يختلف نسبيا عن نتائج هذا الاستبيان، سيما وجود نسبة كبيرة من المترددين، الذين يمكن أن يصوتوا لصالح قوائم غير رئيسة، وبالتالي تتغير موازين القوى. ومن المعروف ان الناخب في مرحلة يكون عرضة للتأثيرات المختلفة، ويكون للاحداث اليومية في الاسبوع او الايام القليلة التي تسبق يوم الانتخابات تأثير مباشر على قراره.