Monday, October 10, 2005

ثلثا ثلاث محافظات وعدالة التصويت

لاشك ان النقاش حول آلية التصويت على مشروع الدستور الدائم، وكيفية الموافقة عليه او رفضه، قد اتخذ مسارا غير متوقع بالمرة، اذا اخذنا بنظر الاعتبار وضوح النص الذي يحدد تلك الالية في قانون ادارة الدولة المؤقت، المادة الحادية والستون، الفقرة (ج): "يكون الاستفتاء العام ناجحا، ومسودة الدستور مصادقا عليها، عند موافقة اكثرية الناخبين في العراق، واذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات او اكثر." فقد اتخذت الجمعية الوطنية على عاتقها تفسير هذه الفقرة، وفعلت ذلك بشكل مثير للجدل. وتطور النقاش ليصل الى المواطن العادي، الذي بدأ يتساءل كيف يمكن لعدة اشخاص منفردين ان يقفوا بوجه رغبة الملايين، فيعيقوا الموافقة على الدستور، بل ويسقطوه ومعه الحكومة والبرلمان، ويعيدوا العملية السياسية الى بدايتها؟ والواقع ان هذا مجرد افتراض لا اساس له، مبني على نظرية حسابية متطرفة.
ولنبدأ من خوض الجمعية مسؤولية تفسير قانون ادارة الدولة. ذلك ان تفسير القوانين، والقانون الاساس، والدستور خصوصا يقع على عاتق جهة متخصصة تسمى (المحكمة الاتحادية العليا)، كما ورد في المادة 44 (ج): "اذا قررت المحكمة العليا الاتحادية ان قانونا او نظاما او تعليمات او اجراء جرى الطعن فيه انه غير متفق مع هذا القانون فيعتبر ملغيا." وهذه المحكمة كان يجب انشاؤها مع تشكيل الحكومة كما تنص المادة 39 (ج): "يقوم مجلس الرئاسة، كما هو مفصل في الباب السادس، بتعيين رئيس واعضاء المحكمة العليا، بناء على توصية من مجلس القضاء الاعلى." ولكن اهمل ذلك بالطبع نظرا للظروف التوافقية التي اوصلت القيادة الحالية الى سدة الحكم. ويبدو ان لا احد يريد ان تكون هناك سلطة لمراقبة دستورية القوانين، فبعض تلك القوانين ليست فقط غير شرعية، وانما هي ايضا لفائدة حصرية بمن يصدرها. على ان الجمعية الوطنية اضطلعت بمهمة الخصم والحكم، وقررت تفسير الفقرة المشار اليها. وفعلت ذلك بطريقة غريبة، رغم وجود العديد من الخبراء القانونيين، والفقهاء، واللغويين، واصحاب العلم والفهم. فقد اباحت تفسير الكلمة ذاتها بطريقتين رغم ورودهما في نص واحد ومورد واحد. فقد اصدرت قرارها باعتبار معنى مصطلح (اكثرية الناخبين) بانهم المصوتين، بينما استنتجت ان مصطلح (ثلثا الناخبين) يدل على المسجلين. وفي رأيي فان هذا القرار، مهما حسنت نيته، هو من اسوأ قرارات الجمعية الوطنية (المنتخبة)، وسيسجل كنقطة سوداء في تاريخها، وهي التي قدمت الشهيد تلو الاخر في خدمة العملية السياسية والديمقراطية، والتي يتحمل اعضاؤها وزرا كبيرا، وضغطا هائلا. ولعلي اتلمس العذر لهؤلاء الذين صوتوا لصالح هذا القرار العجيب بانهم انما ارادوا ان يضمنوا عدم سقوط مسودة الدستور في الاستفتاء القادم، ودفع العملية السياسية والديمقراطية خطوة للامام. ولكن هذا العذر لا يعدو ان يكون تجسيدا آخر لمقولة (الغاية تبرر الوسيلة) المرفوضة قطعا وشرعا. فحتى الارهابيين يبررون افعالهم الشنيعة بانهم يسعون لغرض نبيل هو تحرير العراق. وقد يكون القانون مجحفا، لكن على القاضي ان يحكم به، وان شاء الاحتجاج فعليه ان يدفع الغرامة من جيبه!!
وهكذا جاء تدخل الامم المتحدة في الوقت المناسب ليضع الامور في نصابها الصحيح. فقد اعلنت الامم المتحدة ان تفسير الجمعية الوطنية لقانون الانتخابات لا يتماشى مع المعايير الدولية، وهو ما ارغم الجمعية على العودة عن قرارها، وتفسير كلمة الناخبين على انها (المصوتين) في كلا مورديها، وكما هو واضح اصلا. فلا يعقل او يتصور ان يكون هناك ناخب ما يحسب له حسابا ويعد له صوتا، سلبا او ايجابا، ما لم يكن ذلك الناخب مشاركا فعليا في عملية التصويت. ولم نسمع في انتخابات او استفتاءات جرت في اي مكان في العالم، ونسبت نتائجها الى مجمل السكان المؤهلين للتصويت، او من سجل اسمه في سجل الناخبين. فنتائج الانتخابات يجب ان تكون منسوبة الى المشاركين فيها، ولا يمكن ان يعطى صوت لمن لم يشارك فيها. ولولا تدخل الامم المتحدة لما تراجعت الجمعية عن قرارها المؤسف مهما كانت النتائج. وفي حال استمر العمل بذلك القرار، فقد كان ذلك كفيلا بان يقاطع الناخبون من العرب السنة الاستفتاء، بعد ان حرموا من آخر فرصة لقول رأيهم. ولو حصلت الموافقة على الدستور حسب هذا السيناريو، لكان ذلك بمثابة اعلان لتقسيم البلاد، وربما لحرب اهلية. ويبدو ان ما يجعل الجمعية قلقة بشأن سقوط مشروع الدستور في الاستفتاء هو حق النقض الممنوح الى ثلاثة محافظات، والذي يتيح لثلثي اي عدد من المشاركين في الاستفتاء ان يقفوا بوجه الدستور ويمنعوا الموافقة عليه. وقد افترض البعض انه اذا اشترك ثلاثة افراد في ثلاثة محافظات فقط في هذا الاستفتاء، وصوت اثنين منهم في كل محافظة بـ(لا)، فستتحقق نسبة الثلثين الكافية لاسقاط الدستور. اي ان ستة افراد فقط يمكن ان يرفضوا الدستور وتكون ارادتهم مقابل ارادة (الملايين) في المحافظات الاخرى. وهذا افتراض لحالة متطرفة يصعب تصورها. وبالمقابل، يمكن تصور حالة متطرفة اخرى، وهي ان يشترك اثنان فقط من كل محافظة ليقولوا (نعم) مقابل (الملايين) من المحافظات الثلاثة التي ربما صوتت بـ(لا) بنسبة (65%) وهي غير كافية لاسقاط الدستور. وبالتالي ستكون رغبة عشرون او ثلاثون فردا مقابل رغبة الملايين! ومن الجدير بالذكر، ان افتراض الحالات المتطرفة وارد في كل الحالات المماثلة. فتعديل الدستور الامريكي مثلا يتطلب موافقة ثلاثة ارباع الولايات على التعديل في استفتاء عام. وهذا يعني ان اتفاق ثلاثة عشرة ولاية (ربع الولايات) على رفضه (بالاغلبية البسيطة) سيعطل هذا التعديل. فاذا اشترك شخصان فقط من تلك الولايات وصوتا بالرفض، فستكون ارادة بضعة اشخاص مقابل (الملايين) من الموافقين!
وبالعودة الى حالتنا، فان الاكثر احتمالا هو اشتراك بضعة الاف من كل من المحافظات (المضطربة)، ويصوتوا بـ(لا) للدستور، وبالتالي يمكن ان يوقفوا مشروع الدستور حتى ولو صوت باقي العراق باجمعه بالموافقة. ولكن السؤال هنا، لماذا يشترك بضعة الاف فقط من تلك المحافظات، بينما يشترك الملايين من المحافظات الاخرى؟ هل لانهم غير راغبين، ام لانهم غير قادرين؟ نحن نعلم انهم راغبين بدلالة ارسالهم ممثلين الى لجنة صياغة الدستور. وهم لم يقاطعوا الانتخابات السابقة لانهم لا يؤمنون بالانتخابات، بل لانهم لم يكونوا قادرين على المشاركة فيها، وبعد ان صُمّتْ الآذان عن طلبهم بتأجيلها لحين تسوية الامور الأمنية في محافظاتهم.
اذن فان معظم ابناء المحافظات التي تشهد اختراقات امنية لن يتمكنوا من المشاركة في الاستفتاء، بسبب سيطرة الارهابيين والمسلحين عليها، وضعف سيطرة الدولة، بل وغيابها عن تلك الاماكن. وبدلا من محاولة منع حتى هؤلاء القلة من التعبير عن رأيهم، كان الاجدى ان يصار الى العمل الجدي لاحلال الامن في تلك المناطق. واذا لم يكن ذلك ممكنا في الوقت الراهن، فيمكن ان تؤخر العملية السياسية لحين الوصول الى تلك الحالة. لقد ادعى من رفض تأجيل الانتخابات السابقة، حسب طلب ممثلي تلك المحافظات، ان التقدم بالعملية السياسية هو ما سيؤدي الى احلال الامن.. الامر الذي لم يتحقق البتة. بل على العكس، زادت الاوضاع سوءا في مناطق كثيرة من العراق، وخصوصا في المحافظات الغربية. ولم تفلح العمليات التي قامت بها القوات المتعددة الجنسيات مع الجيش العراق، من اجل تطويق الارهاب، في تحقيق تقدم نوعي. وجزء من هذا الفشل يعود الى الاصرار على اجراء الانتخابات، وما ادى اليه ذلك من مقاطعة، ومن فترة انتقالية لتغيير الحكومة، ومن تشكيل حكومة بدأت من الصفر، رافضة ما حققته الحكومة السابقة.
وهكذا، فان نوعا من العدالة يتم تحقيقه الان. ربما لن يستطيع الكثير من اهالي المنطقة الغربية في العراق من المشاركة في الاستفتاء، كما لم يستطيعوا ان يشاركوا في الانتخابات، وكما أهْمِل دورهم في اللجنة الدستورية. ولكن دورهم في رسم مستقبل البلاد سوف يكون رائدا، وسيتحملون مسؤولية كاملة عما سيجري لاحقا. فاذا اقرت مسودة الدستور، فهم اذا يوافقون عليه، طالما انهم لم يستعملوا حق النقض الممنوح لهم. واذا رفضت تلك المسودة، فان ذلك يكون تتويجا لتاريخ من الرفض من الجهة المقابلة.

Thursday, October 06, 2005

الحدس.. موهبة الصحفي ومسؤوليته

لعل آخر ما يتوقعه أي صحفي هو ان يحوز عمله على الرضا التام من قبل الأطراف التي يتناولها في بحثه وتحليله، في سعيه الدائم إلى إظهار الحقيقة. بل انه في الواقع مشغول بتوقع من سيثيره أو يستفزه هذا العمل، وطبيعة رد الفعل الناتجة، أكثر من تفكيره في الإطراء أو الثناء على ما يسعى لتقديمه. وفي كثير من الأحيان يكون هذا الصحفي (أو الصحفية) غير قادر أصلا على التعرف على العواقب نظرا لتشعب الحالة السياسية وتضاربها في بلد يُعد حديث العهد بالديمقراطية والحرية. وبالتالي فان حساباته قد لا تكون فقط في تجنب نقد جهة ما بسبب احتمالية الرد العنيف أو المدمر أحيانا، بل في تجنب نقد الكل، واستعمال الجمل المفتوحة، والإشارة إلى الأحداث بطريقة تقبل التأويل على أكثر من وجه.
ومما يدعو للعجب ان الصحفيين لا يجدون مشقة في نقد أداء الدولة، ولا يتوقعون التعرض للأذى والمساءلة نتيجة لذلك، ولكنهم نادرا ما يتعرضون لنقد الأحزاب السياسية والكتل والجماعات التي تشكل هذه الدولة. وهم يتناولون الخبر أحيانا بحيث يرضي القاريء العادي وغير المطلع في المقام الاول، ويغضون النظر عن ذكر بعض الحقائق التي قد تصدمه. كما يروج بعضهم بطريقة ببغائية لبعض الأفكار والطروحات باعتبارها تأكيدا للنتائج التي يشير إليها فحوى الخبر دون ان يكون لذلك أساس.
ان مهنة الصحافة، خلافا للمهن الأخرى، تتطلب مستوى وعي عالٍ بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي علاوة على معرفة دقيقة بالتغييرات التاريخية، في المدى القريب على الأقل، وكذلك معرفة تفصيلية بمسيرة الأحداث خلال المرحلة الراهنة. والصحفي الجيد يراد له، علاوة على امتلاكه حسا استباقيا للحدث، ان يقوم بأكثر من دور في وقت واحد. فهو يجب ان يكون ناقلا أمينا للخبر الآني، كما ان عليه ان يضعه في السياق التاريخي، وسلسلة المسببات والنتائج، إن أمكن، لمساعد المتلقي على الفهم. وقد لا يكون مطلوبا من الصحفي أن يقدم تحليلا دقيقا وشاملا لمفاد الخبر، ولكنه يجب ان يهيئ الأرضية له على الأقل.
في الصحافة الغربية، وبدرجة اقل في مثيلاتها العربية، يجب ان يجيب مضمون الخبر الصحفي عن ستة أسئلة هي: ماذا، ومن، وكيف، ومتى، وأين، ولماذا. وبهذه الإجابات يستطيع المتلقي فهم الخبر بطريقة واضحة تزيل الغموض عنه. وهي كذلك تنقل الخبر من مجرد إشاعة تتردد على السن البسطاء إلى مادة صحفية تأخذ حيزا في المناقشة العلمية، وتسجل موقفا للتاريخ. على سبيل المثال إذا أراد الصحفي ان يغطي مؤتمرا يناقش قضية ما، فستكون الإجابات المطلوبة كالآتي:
ماذا: مؤتمر عن دور منظمات المجتمع المدني في الدستور.
من: نظم من قبل منظمة كذا.
كيف: ثلاثة عروض تقديمية، لأستاذ جامعة ورئيس منظمة مجتمع مدني وعضو مجلس محلي، الحضور من الناشطين وأعضاء منظمات المجتمع المدني ومن المهتمين بالعملية الديمقراطية. (هل جرت مناقشات جانبية؟ ما هي، وما هو تعليق المحاضرين، وما هو الجو العام؟)
متى وأين: في التاريخ الفلاني في الساعة الفلانية على القاعة الفلانية
لماذا: يذكر ان منظمة كذا سبق وان أقامت العديد من المؤتمرات حول دور منظمات المجتمع المدني في العملية الديمقراطية. ويأتي انعقاد هذا المؤتمر في ظل المطاحنات السياسية الراهنة حول إقرار الدستور، ويلاحظ إهمال أو إغفال دور منظمات المجتمع المدني في هذه العملية المصيرية على الرغم من انها الوحيدة القادرة على التكلم بلغة المواطن العادي كونها غير تابعة إلى أحزاب سياسية...
على ان هناك أشياء أخرى تكميلية، وهي تتأتى بالإجابة عن الأسئلة التي تطرح ضمنا، مثل: وماذا سيحصل بعد ذلك؟ وما الفائدة؟...الخ. وبالطبع قد لا يستطيع الصحفي الإجابة على هذه الأسئلة، ولكنه يستطيع الإشارة إليها، كما في مثالنا أعلاه، كطروحات للمناقشين، واستشراف إجاباتهم عنها. وإذا ما تعذر على الصحفي ان يحصل على معلومة ما، فعليه ان يذكر ذلك للقاريء بأمانة. فان لم يستطع ان يعلم من نظم المؤتمر على وجه التحديد، كأن تعمد الجهة المنظمة إلى إخفاء نفسها، فعليه ان يورد جملة مثل: "ولم يتسن لنا معرفة الجهة التي رعت هذا المؤتمر، رغم ان الشعارات المرفوعة تشير إلى منظمة كذا...". ولكنه قد يكون له حدس في ذلك بناء على شواهد معينة، فيمكن له أن يستعمل مثل عبارة: "ومن المعلوم أن هذه المنظمة تميل إلى التيار الفلاني، وهي سبق وان نظمت مثل هذه المؤتمرات في نفس المكان وباستدعاء نفس المحاضرين...".
وقد يحتج البعض على استعمال (التخمين) في إيراد الخبر. ونحن لا ندعو إلى ذلك على سبيل الإطلاق. بيد ان الصحفي الجيد، والمتتبع لمسيرة الأحداث، والذي يمتلك خبرة وافية في العمل الصحفي، يحتاج إلى توفير دلالات وإشارات تساعد المتلقي في فهم الخبر واستيعابه، ولكنه يجب ان يوضح ان هذه الدلالات والإشارات صادرة عنه، وهي ليست حقائق. ويجب التشديد على ان استعمال الحدس هو آخر الأمور التي يتم اللجوء إليها، وهو إنما يورد لتوضيح نقص في معلومات الخبر ويترك القاريء حرية إملاؤها بما يوافق أو يخالف حدس الصحفي، الذي لابد له ان يتمتع بموهبة الحدس قبل ان يستحق هذه التسمية.
على أننا نجد في المقابل مجموعة غير قليلة من الصحفيين باتت تستعمل الحدس كمرجعية أولى وتفرض استنتاجاتها بدون التصريح بذلك، وتفترض ان الأمور تسير حسب تخمين الصحفي نفسه أكثر من الحقائق الموضوعية التي صنعت الخبر ذاته. وهؤلاء هم في العادة من المرتبطين حزبيا أو الذين يشعرون بالولاء لجهة أو طائفة أو كتلة ما. وهم يفترضون ان عليهم، طالما كانوا ناقلين للأخبار، ان يضعوها في قالب يتضمن رأيهم، أو رأي من يقدم لهم الدعم، بحيث يصاغ الخبر موافقا لتوجهات تلك الجهات.
ان طريقة الأخبار الموجهة لاقت رواجا، على المدى القريب، في الصحافة العراقية. وذلك ليس اعتمادا على حسن أداء هذه الصحافة، وإنما لكون المتلقي غير مؤهل بما فيه الكفاية للحكم على طبيعة المادة التي توفرها تلك الصحافة. ومن طبيعة الإنسان انه يميل إلى تصديق ما يوافق توجهاته، ويسارع إلى تكذيب ما يخالفها. ولكن الحقيقة البسيطة ان البشر ليسوا كاملين، وأنهم يرتكبون أخطاء. ولذلك يجب على الصحفي الملتزم بعد ان يجيب على الأسئلة المذكورة أنفا، إن أراد أن يحلل الخبر ضمن قناعاته، أن يذكر بشكل أمين طبيعة تلك القناعات كأن يستخدم صيغة الغائب في طرح تلك الأفكار معززة بملاحظات عن أرضية حامليها، فيقول: "يشار ان بعض المنتقدين، من ذوي الأفكار الليبرالية، رفضوا إطلاق الوصف الفلاني على منظمة كذا...".
ولتدليل على مثل هذه الأخبار الموجهة، سأورد مثالا من احد المواقع الالكترونية العراقية. حيث نشر هذا الموقع خبرا مفاده ان مظاهرة كبيرة خرجت في مدينة عراقية، مقابل مبنى المحافظة، تطالب بإقالة المحافظ نظرا لسوء الخدمات، وان المتظاهرين اصدموا مع قوات الشرطة، وحدث إطلاق نار بين الجانبين قبل ان تتفرق المظاهرة. وبعد التدقيق في الخبر، وجدنا ان آخر مظاهرة حدثت في تلك المدنية كانت قبل اسبوعين أو ثلاثة من تاريخ نشر هذا الخبر. وهي لم تكن كبيرة إذا شارك فيها بضع عشرات فقط، وأنها لم تكن احتجاجا على سوء الخدمات وإنما احتجاجا على حل فوج المغاوير الذي لم تعترف به وزارة الداخلية. ولم يطالب المتظاهرون بإقالة المحافظة، بل باعادتهم إلى الخدمة. ولم يحدث تصادم، ولكن أطلقت بعض العيارات في الهواء تحذيرا لأحد المندسين الذي لوح ببندقيته. وما دفعني إلى التأكد من صحة الخبر، هو افتقاره إلى الإجابات عن (من ومتى)، لأجد ان الخبر أجاب بصورة خاطئة عن (ماذا وكيف ولماذا). وكانت إجابة (أين) فقط هي الصحيحة: مقابل مبنى المحافظة. ويبدو ان الموقع الالكتروني بخبره هذا إنما أراد حدوث مظاهرة أمام مبنى المحافظة ليبني عليها خبره كما يحلو له.
وإذا كان حبل الكذب قصيرا، فهو في الصحافة، للأسف، أطول قليلا. ونظرا لان البلد لم يصل بعد إلى مرحلة تسويق الخبر كسلعة، وبالتالي يترك للعرض والطلب تحديد الغث من السمين، فان مسؤولية الصحفي عن هذه المرحلة لا تقل عن مسؤولية السياسي، ذلك انه بإهماله الحقيقة، أو تحويره لها، إنما يشوش على الرأي العام ويؤخر التطور الحتمي للديمقراطية. ونحن نعلم ان السياسيين يتمسكون بالديمقراطية حينما يكونون خارج السلطة، ولكنهم يمنحوها اقل اعتبار حينما يصبحون فيها. فالديمقراطية ليست فقط انتخابات، وإنما مجموعة من الآليات التي تضمن التزام الكل بها. ومن هذا الكل، جزء مهم يستطيع ان يساعد على إنجاز البناء بسرعة، كما يمكن له عرقلته، ذلك هو الصحفي.

Thursday, September 22, 2005

آلية تعديل الدستور وجدلية الارنب والغزال

يقول المثل العراقي الدارج: "تريد ارنب خذ ارنب، تريد غزال خذ ارنب". ولعل الدستور المقترح من قبل الجمعية الوطنية بالصيغة التي تم الاعلان عنها عبر وسائل الاعلام، هو احد مصاديق هذا المثل الشعبي. فرغم ان هذه الوثيقة احتوت على مواد متميزة تضمن حقوق الانسان وتؤسس لديمقراطية حرة في منطقة قلما تمتعت بها، الا ان هناك نصوصا واحكاما ربما فرضتها طبيعة المرحلة الراهنة، والمداولات السياسية بين الاطراف المتجاذبة، وحتى الضغوطات الخارجية، سواء من الولايات المتحدة او حلفائها، او من قبل الامم المتحدة التي يفترض ان تكون راعية العملية الديمقراطية برمتها.
وليس من المتوقع ان تخرج نصوص الدستور كاملة لا يشوبها نقص، حتى لو تسنى للجنة الدستورية الوقت الكافي. ذلك ان عمل الانسان قلما يقترب من الكمال، وهو الكائن الضعيف الذي يشعر بعجزه في كل حين. فما بالك وقد كتب الدستور في فترة قياسية لم تتعد اشهر قليلة، شابتها الكثير من المجادلات والمهاترات السياسية، وغاب عنها دور التكنوقراط الذين كان يمكن ان يشذبوا بعضا من الاسفاف الوارد في النصوص، كما يمكن ان يقترحوا اساليبا براغماتية للتعامل مع القضايا الخلافية. على كل حال اصبح لدينا (دستور)، واصبحت الكرة في ملعبنا. فالحكم النهائي هو التصويت الشعبي على قبول تلك الويقة او رفضها. ويجد المثقفون انفسهم في حرج لم يكونوا يتوقعوا ان يوضعوا فيه. فهم في الوقت الذي ينتقدون نصوصا وموادا في الدستور المقترح، فانهم لا يدعون الى رفضه ككل. وليس هناك آلية للتعديل ضمن السقف الزمني المتاح لحين الاستفتاء العام في 15 تشرين اول المقبل. انهم يشعرون ان اقرار الدستور هو امر ضروري لدفع العملية السياسية في العراق، ويدركون ان رفض الدستور قد يعني ادخال العراق في دوامة الفوضى السياسية، وربما يمهد لحرب اهلية –لاسمح الله-. وهكذا فهم يقبلون باحلى الامرّين، ويأملون ان يصار الى تعديل المواد التي تقض مضجعهم مستقبلا.
وقد فطن كاتبوا هذا الدستور الى هذا الامر، فجعلوا من عملية التعديل امرا غاية في الصعوبة، حسبما تشير الى ذلك المادة 136، التي تتعامل مع كيفية تعديل الدستور:
"اولا: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين او لخمس اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور.
ثانيا: لايجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول من الدستور، الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام.
ثالثا: لايجوز تعديل المواد الاخرى غير المنصوص عليها في البند ثانيا من هذه المادة الا بعد موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام.
رابعا: لايجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور بما ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لاتكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة اغلبية سكانه باستفتاء عام.
خامسا: يعد التعديل نافذا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية."
فتعديل الدستور يبدأ اما بجميع اعضاء السلطة التنفيذية او بنسبة عشرين في المئة من مجلس النواب. وهذا يعني ان الاقليات التي تشكل اقل من هذه النسبة لن يتسنى لها ابدا ان تقترح تعديلا للدستور الا اذا عقدت تحالفا سياسيا مع جهة ثانية، وبالتالي فانها ستلجأ الى تقديم تنازلات او الموافقة على شروط مجحفة مقابل اقتراح تعديل الدستور. واذا كان لابد ان يوافق مجلس النواب على التعديل باغلبية الثلثين، فلماذا لا يكون هذا التعديل مقترحا بسيطا يمرر كأي مقترح اخر داخل المجلس؟
لكن هذا الامر يهون الى جانب ما تضمنته الفقرة (ثانيا) من المادة 136، والتي تفرق بين ابواب الدستور من ناحية التعديل، فتفرض شروطا اضافية للباب الاول، تكاد تكون تعجيزية. والواقع ان هذه الفقرة كتبت بصيغة مبهمة وغير واضحة. فما المقصود من: "الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين"، هل هو السقف الزمني لاقتراح التعديل، أي لايمكن تعديل الباب الاول الا بعد ثماني سنوات من اقرار هذا الدستور؟ ام ان المقصود موافقة مجلسي النواب في كلا دورتيه المتعاقبتين، فيجري طرح التعديل في المجلس النيابي القادم وتحصل الموافقة عليه، ثم يعاد طرحه في المجلس الذي يليه لتحصل الموافقة عليه ثم يطرح للاستفتاء العام؟ غير ان النص لا يشير الى صيغة التثنية في: " وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه"، اذ لم يقل (مجلسي النواب) او (مجلس النواب في كل منهما)، مما يحملنا على الاعتقاد ان المقصود هو منع التغيير في الباب الاول للدستور لمدة ثماني سنوات على الاقل.
والباب الاول يتكون من ثلاثة عشرة مادة، حددت الاولى منها شكل نظام الحكم بجمهوري النيابي الاتحادي (الفدرالي)، والثانية علاقة التشريع بالدين الاسلامي ومباديء الديمقراطية وحقوق الانسان. والمادتين الثالثة والرابعة اشارتا الى طبيعة القوميات العرقية والطوائف في العراق، والمساواة بين اللغتين العربية والكردية رسميا، فيما تحدثت المادتين الخامسة والسادسة عن سيادة القانون وتداول السلطة سليما. اما المادة السابعة فقد جمعت بين تحريم الفكر التكفيري والعنصري ومحاربة الارهاب، معتبرة ان حزب البعث هو احد هذه المؤسسات التي تحرض وتروج للارهاب. ولكنها اوجبت على الدولة ان تعمل على منع ان تكون اراضي العراق مقرا للنشاطات الارهابية، خصوصا مع ما تلزم به المادة التالية (الثامنة) الدولة العراقية من حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالمعاهدات الدولية. اما المادة التاسعة فقد اناطت الاشراف على القوات المسلحة واجهزة الامن والمخابرات بالسلطات المدنية، وتمثيل مكونات الشعب العراقي بشكل (متوازن) ضمن هذه الاجهزة، كما حظرت تشيكل مليشيات مسلحة خارج اطار القوات المسلحة، والزمت العراق بالاتفاقيات الدولية لحظر انتشار اسلحة الدمار الشامل. المادة العاشرة تحدثت عن العتبات المقدسة ككيانات دينية وحضارية يجب على الدولة ان تصونها، وان تضمن حرية ممارسة الشعائر فيها. المادة 11 حددت بغداد عاصمة للعراق والمادتين 12 و13 تحدثتا عن علم العراق وشعاره ونشيده الوطني، والعطل الرسمية والدينية وكون هذا الدستور هو القانون الاسمى الذي لا يجوز ان تصدر القوانين، سواء اتحادية او محلية الا متوافقة معه.
من هذا الاستعراض السريع لتلك لمواد الباب الاول، نجد ان معظم القضايا الخلافية قد وردت فيه، وهي الفدرالية، وعلاقة الدين بالدولة، وعلاقة العراق بالامة العربية، ودور حزب البعث، كما ثبتت المحاصصة الطائفية في الاجهزة الامنية. وهي امور لابد ان لجنة كتابة الدستور ارادت ان تتأكد من عدم تغييرها لفترة طويلة نسبيا من الزمن حتى يتاح لها ان ترسخ في التطبيق العملي ويصبح من غير الواقعي تعديلها او الغاؤها. وهذا امر غريب، فكيف يتم تثبيت امور لم يتم التفاوض بشأنها اكثر من بضعة اشهر؟ مع الاخذ بنظر الاعتبار ان تلك المفاوضات لم تكن متوازنة طالما كان احد اطرافها مغيبا او متغيبا عن التمثيل البرلماني. واذ لم تحصل الصيغة التوافقية التي ينبغي ان يمرر بها الدستور، فلا يجوز ان توضع عراقيل خاصة في وجه تعديله، سيما اذا كانت هذه العراقيل مخصصة بالقضايا الخلافية.
لكن التعديل في الابواب الاخرى ليس سهلا باي حال. فهو يقتضي موافقة ثلثي مجلس النواب، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية. ولست ادري ما الذي يخشاه واضعوا الدستور من التعديل ليجعلوه بهذه الصعوبة، اذ من المعروف انه قد يكون من العسير الحصول على اغلبية الثلثين في اي حال. وكان يمكن ان يكتفى بالاغلبية البسيطة، طالما ان القرار في النهاية هو قرار الشعب عبر الاستفتاء. والواقع ان صيغة الاستفتاء هي عودة بالديمقراطية الى الاصول، حيث انه من الناحية النظرية يمكن ان يمارس الشعب حقه بشكل مباشر في كل القضايا الحساسة والمصيرية من خلال التصويت على قبول او رفض قانون او تشريع ما. ولكن هذه الممارسة بطيئة ومكلفة جدا، لذلك يصار الى التمثيل البرلماني للشعب. على ان التحول الى البرلمان لا يعني ان له ميزة على الشعب، فيبقى قرار الشعب هو الحكم النهائي. على ان واضعو هذه الفقرة ذهبوا اكثر من ذلك، فرهنوا موافقة الشعب، ومن قبلها اغلبية ثلثي مجلس النواب، بمصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة ايام. فماذا الذي يحدث ان رفض الرئيس التعديل؟ هل يكون فردا مقابل الشعب وبرلمانه؟ فاذا احتج بان هذه المصادقة بروتوكولية، وان الرئيس لا يملك صلاحية الرفض، قلت ان ذلك لا يظهر من خلال النص. ولو كان كذلك، لقيل مثلا "وعلى الرئيس المصادقة على النتائج خلال سبعة ايام" فتصبح فرضا عليه (او عليها)، لا تخييرا.
وعلى كل حال فان الفقرة (رابعا) من المادة 136 قد اتخذت جانب الصواب بمنع التعديل في الصلاحيات الاتحادية بما ينتقص من صلاحيات الاقاليم، وهذا مبدأ يتماشى كليا مع الفدرالية واللامركزية. الا ان المشكلة ان الفدرالية نفسها هي محط خلاف، واذا اريد تعديل الدستور لحذفها او تعديلها، فستكون هذه الفقرة من اكبر العوائق.
اننا لا ندعو الى آلية بسيطة في تعديل الدستور، لاننا ندرك ان ذلك سيؤدي الى عدم الاستقرار الدستوري من خلال التعديلات المستمرة عليه. ولكننا في نفس الوقت نعجب لجعل التعديل بهذه الصعوبة، وهو الدستور الاول الذي تعيه الذاكرة العراقية. وكان الاجدر ان تفرض صيغة لتعديله مشابهة لصيغة اقراره، وهي الواردة في الفقرة (ج) من المادة 61 من قانون ادارة الدولة المؤقت والتي تنص : " يكون الاستفتاء العام ناجحا، ومسودة الدستور مصادقا عليها، عند موافقة اكثرية الناخبين في العراق، واذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات او اكثر"، مع استبدال كلمة (مسودة) بكلمة (تعديل). حيث ان هذه الصيغة تضمن حصول الاغلبية على حقها في اقرار التعديل، كما انها تتيح للاقليات ان تحتج او تعترض على التعديل اذا كانت من شأنه ان يلحق ضررا بمصالحها.
كما يمكن ان يتولى مجلس النواب هذه العملية برمتها، بالطريقة التي حددها قانون ادارة الدولة لتعديله، والواردة في المادة الثالثة (أ): "ولا يجوز تعديل هذا القانون الا بأكثرية ثلاثة ارباع اعضاء الجمعية الوطنية، وإجماع مجلس الرئاسة..."، وباضافة مجلس الوزراء ان شئت. وربما كان هذا هو الخيار الافضل في الوقت الراهن، طالما كان اجراء الاستفتاء امرا غاية في الصعوبة، وينطوي على مخاطر امنية، تقلل من فرص المشاركة الجماهيرية الواسعة. كما ان شعبنا لازال حديث العهد بالديمقراطية، ويتأثر بالاعلام بشكل مبالغ فيه، وبالتالي يمكن استغلاله لتحقيق طموحات مرحلية لبعض السياسيين، دون الالتفات الى المصلحة الوطنية العليا.

Tuesday, September 06, 2005

الدين والدولة في الدستور المقترح

بعد طول انتظار، وتمديد يتلوه آخر، ومفاوضات شاقة لا يبدو أنها كانت متكافئة، قدمت المسودة النهائية للدستور المقترح إلى الجمعية الوطنية. ورغم ان ذلك في مقاييس الزمن يعتبر إنجازا يستحق الثناء والعرفان، إلا ان الوثيقة التي قدمت لا يمكن ان توصف بالكمال، ولا حتى بالانسجام، لا من حيث المبادىء التي تضمنتها ولا الصياغات التي عبرت عنها.
ودائما سيكون عذر الزمن القصير تعليلا لبعض الأخطاء على اختلاف تأثيرها. ولكن كيف يمكن تدارك هذه الأخطاء عند عرضها على الشعب العراقي للاستفتاء؟ هل هناك آلية مراجعة طيلة فترة الشهر والنصف المتبقية؟ هل ان النقد الذي سيلي هذه السطور سيجد آذانا صاغية؟ لست ادري، ولكنني، طالما أني لم أشارك في وضع المسودة، أجد نفسي ملزما في طرح وجهة نظري.
ولا أريد في هذه العجالة ان اسرد البنود الكثيرة التي اختلف معها، ولكن رأيت ان ابحث واحدة من أكثر المسائل عقدية، والتي نالت نصيبا كثيرا من التفاوض، والحديث العام والخاص. تلك هي دور الدين في الدولة، والتي تحدثت عنها المادة الثانية، بما نصه:
"أولا- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع :
أ- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.
ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانياً- يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية. "
وأكاد أرى مجلسا للنواب يستعمل هذه المادة في تبرير أي قرار يصدره. وسيعمل كل حزب، وطائفة، وكتلة على ان يكون مشروع القرار الذي يقدمه مستندا إلى تلك المادة، بغض النظر عن كون تلك الكتلة أو الحزب متدينة أو علمانية، متطرفة أو اشتراكية، مؤمنة أو لا أدرية. والسبب واضح وجلي، أوليس القانون يجب ان لا يعارض الشريعة؟ أوليس القانون يجب ان لا يعارض الديمقراطية؟ فكيف يمكن ان يلتقيا؟
بادىء ذي بدء، لنعود إلى تعريف الديمقراطية كما أصبح متعارفا بشكل واسع: حكومة تمثل الشعب تعمل من اجل الشعب تنتخب من الشعب. وهذا يعني ان الشعب هو مصدر السلطات وهو الحكم النهائي عن طريق صندوق الاقتراع. ان الشعوب لا تصنع القوانين، ولكنها تتفاعل معها. والقانون الذي يسنه أي مجلس ممثل للشعب يجد مناصرين ومعارضين. وفي النهاية تتحكم الأغلبية. والأغلبية تعني أغلبية نواب البرلمان المنتخب بشكل عادل وشرعي، وليست أغلبية الطوائف التي تشكل نسيج المجتمعات. فلا يمكن -مثلا- إصدار قانون في برلمان المملكة المتحدة من شأنه ان يلحق أذى بالغا في أقلية عرقية أو اثنية، رغم انه قد يخدم مصلحة الأغلبية العددية المسيحية في تلك الدولة. ولا اقصد هنا مسألة حرية العقيدة والعبادة، فهي مكفولة في كل دساتير العالم، بل مسائل أخرى مثل الإقامة والعمل وما سواها.
والملاحظ ان لجنة صياغة الدستور استعملت الألفاظ (ثوابت أحكام الإسلام)، وليس (الشريعة الإسلامية) في محاولة لنفي استناد التشريع ككل على تلك الشريعة. والحقيقة ان هذه المفارقة اللغوية لا تنطلي على المتبصر، فالشريعة هي بالتأكيد مجموع ثوابت أحكام الإسلام. وليس هناك أشياء يفتي بها رجال الدين، ولا تعتبر من ثوابت الإسلام، والا كيف يطلب رجل الدين العمل بفتواه ان لم يتعبرها حكما ثابتا؟
من ناحية أخرى، يمكن ان يكون القانون متعارضا مع الشريعة الإسلامية، بطريقتين: مرة بسنه وأخرى بعدم سنه. لنفترض جدلا ان الشريعة الإسلامية واحدة، وهي ليست كذلك بحكم تعدد المذاهب، ولكن لنفترض حالات اتفقت عليها جميع المذاهب، فكيف سيتم الحكم على قانون مقترح انه موافق أو غير موافق للشريعة؟ إذا تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بمشروع قانون يمنع تصرفا معينا لوجود نص شرعي يحرمه، فهذا متوافق مع الشريعة تماما. ولكن هناك احتمال ان يسقط القانون لعدم حصوله على الأغلبية المطلوبة، فهل يعد عدم إصداره مخالفا للشريعة، وبالتالي مخالفا للدستور؟ وطالما كان النص المقدس غير قابل للجدل، فستكون الحجة حاضرة دائما لدى المتطرفين الذي سيدعون ان عدم إصدار القانون استنادا إلى هذا النص سيكون تعطيلا له، وبالتالي تعطيل للشريعة الإسلامية، ومن ثم انتهاكا للدستور. نعم، ان النص الدستوري يفترض الإيجاب، أي ان يكون هناك قانون صادر فعلا، وليس مشروعا ساقطا، ولكن المحتجون قد يجيبون بان النية في تطبيق الشريعة الإسلامية، بضمان عدم خرقها. وتعطيل النص المقدس سيكون خرقا واضحا لهذه الشريعة المحمية دستوريا.
أما إذا صدر هذا القانون المستند إلى الشريعة والنص المقدس، فلربما يحتج البعض بأنه مخالف لمبادىء الديمقراطية، وانتهاك للحرية الشخصية، إذا كان إتيان الفعل المشار إليه في أماكن خاصة، كالبيوت والنوادي التي يتفق روادها على أساليب وأفعال معينة ترضيهم هم دون باقي أفراد المجتمع، سيما إذا كانت هذه الأفعال مقبولة لدى بعض أفراد المجتمع خارج الأمكنة الخاصة أيضا. فكيف الخروج من هذا التناقض الذي تضمنه الدستور؟
مما لاشك فيه ان هناك نقاط التقاء كثيرة بين الشرائع عموما، والشريعة إسلامية خصوصا، مع مبادىء الديمقراطية. ولكن لا احد يدعى حصول انطباق كامل بينهما. فهناك تشريعات إسلامية لا تتوافق مع الديمقراطية، مثل الاسترقاق. وهناك حقوق اكتسبت من خلال تطبيق حرفي للديمقراطية تتعارض جوهريا مع مبادىء جميع الأديان مثل زواج المثليين. ومع ذلك، فان الشريعة الإسلامية تتميز بأنها دينامية، أي ان لها القدرة على مجاراة التطور الحاصل عبر الزمن. وكذلك يقال عن الديمقراطية أنها (رحلة وليست هدفا). وسرعة تطور أيا منهما تعتمد على الطبيعة الاجتماعية ورسوخ العادات والتقاليد الشعبية، كما تعتمد على الانفتاح على المجتمعات الأخرى والتواصل الثقافي الناتج بالضرورة عن التواصل الاقتصادي والسياسي. وهذا التفاضل قد يقود إلى مجابهة حتمية بين المجتمع ومعتقداته، وينعكس على عملية صنع القرار الذي يجب ان يتوافق –بالتعريف- مع الدستور.
على ان هناك الكثير من الخلافات بين المذاهب الإسلامية مما يجعل إصدار أي قانون عرضة للقول بأنه مخالف للشريعة في نظر بعضها وان كان موافقا لها في رأي البعض الآخر. فهل سنلجأ إلى إصدار قوانين تعمل على فئة معينة دون أخرى؟ وحتى لو فعلنا ذلك، كيف سنطبق تلك القوانين مع وجود أفراد منحدرين من كلا الفئتين؟
ان الديمقراطية، التي تتمثل في انتخابات عامة توصل من يثق به الشعب إلى البرلمان، يجب ان تكون هي الحكم الوحيد. إذ ان الناس عادة ينتخبون من يعتقدون انه الأصلح لتمثيلهم، والتعبير عن أفكارهم وطموحاتهم، ويدافع عن مصالحهم. فان كانت مصلحة الناخبين في قانون معين، فهو حتما يجب ان لا يصدم مع قناعاتهم الراسخة، أو عقيدتهم الدينية، أو توجهاتهم القومية. وإذا كان الناس متدينين فلن يرضوا بقانون يضرب دينهم عرض الحائط، وهم سيحتجون وسيفعلون كل ما يستطيعون لمنع صدوره، ولا يزال لديهم خيار صندوق الاقتراع لاختيار ممثلين آخرين بدلا عن الذين فرضوا عليهم ذلك القانون فيما سبق.
والديمقراطية تعني أيضا ان النواب المنتخبين يجب ان يكونوا قريبين من الشعب يستمعون له ويتناصحون معه، وهو ما يضمن عدم انفراد النواب بالقرار، بل عليهم الرجوع باستمرار إلى الشعب، من خلال ندوات الحوار المباشر، أو الاستماع إلى وجهات النظر التي تعلن عن طريق وسائل الإعلام، أو حتى من خلال تمكين الناس العاديين من المراسلة بالطرق التقليدية مع هؤلاء النواب. ومثل هذا التواصل كفيل ان يعرف النائب بما يتوجب عليه فعله. ولن يكون عليه ان يصوت لمشروع قرار، أو ان يتقدم بمشروع قرار بناء على دستورية هذا القانون، ولكن بناء على ما سمعه من أفراد الشعب الذي يمثله، أليسوا هم مصدر السلطات؟
على ان المغزى من إقحام الشريعة في نصوص الدستور ليس خفيا. فالانتخابات التي جاءت بأعضاء الجمعية الوطنية الحالية إنما بنيت أصلا على أساس ديني، واستعملت فيها الرموز الدينية كأدوات للدعاية الانتخابية. كما ان كثير من أعضاء الجمعية الحالية، وخصوصا القياديين الذي عملوا في مجلس الحكم السابق، سرعان ما انتقدوا قانون إدارة الدولة لعدم تضمنه فقرة تشير إلى دور الدين في الدولة. وهم الآن يواجهون ما انتقدوه، فان لم يشيروا إلى ذلك الدور، فسوف يتم تعريتهم، وإظهارهم كانتهازيين، يلعبون بعواطف الشعب من اجل مصالحهم السياسية الشخصية. ورغم ان الدولة الدينية لم تكن مطلبا حتى لأكثر الأحزاب الدينية تطرفا، إلا ان الدستور بتضمنه عبارة استناد القانون إلى الشريعة سوف يحقق لها جزءا مهما من طموحاتها غير المعلنة، ويدفعها خطوة إلى الأمام. فمن يدري، كيف سيكون شكل التعديل الأول بعد إقرار الدستور. ربما سيكون بحذف الفقرتين ب وج من المادة الثانية، ليصبح صدور كل قانون متجانسا كليا مع الشريعة، وتصبح الشريعة الإسلامية –وحدها- مصدرا للتشريع.

Tuesday, August 30, 2005

معضلة الامن بين العملية السياسية والفساد الاداري

يتميز العراق في الوقت الراهن بوضع فريد. فهو بلد محتل، ولكن بموافقة الامم المتحدة، وبطلب من حكومته المنتخبة شرعيا. ومع ان هناك من يعارض الوجود الاجنبي فيه، الا ان القوات المتعددة الجنسيات التي تجوب اراضيه ليست هي الهدف الرئيس للعمليات المسلحة. والهجمات الانتحارية شبه اليومية التي اتخذت من واقع الاحتلال ذريعة، اصبحت تطال مجموعة واسعة من الاهداف خارج نطاق القوات المحتلة، وان اتخذت تلك العمليات اسم الجهاد.
وفي ظل هذه الظروف المعقدة، يقبع الشعب خلف حاجز الخوف من المجهول، يجتر ابناؤه احزان الماضي، ولا يأملون كثيرا في المستقبل. ويعبر البعض عن خيبة الامل، بينما يحاول البعض الاخر تبرير النتائج بمسببات قديمة من سطوة النظام البائد، او بمؤامرة امبرالية ضد منطقة او طائفة او غير ذلك من الاساطير التي تنسي الهمّ الحاضر، وتخفف من الشعور بالمسؤولية التي تقع على عاتق الفرد.
والواقع ان اي تغيير من نظام الى اخر لاشك ان يكون عملية صعبة. وهذا التغيير ليس قابل للتطبيق في يوم واحد، او في عام واحد، او في عقد واحد احيانا. وقد اثبتت التجارب العالمية السابقة ان الطريق نحو الديمقراطية معبد بالدم والعرق والدموع. وقد كان يمكن الاستفادة من تلك التجارب لتعزيز المسيرة الديمقراطية في العراق، ولكن ما حدث كان على العكس، مع اختلاط اجندات مختلفة في المشهد السياسي. فقد ساهمت اطراف كثيرة في تأخير العملية السياسية الصحية في الوقت الذي يرفعون شعارها.
ولنبدأ من تسليم السلطة في اواخر حزيران 2004، حيث كان من المفترض ان يؤدي الى تحسن في الوضع الامني، خصوصا وان الحكومة المعينة بالتوافق بين مجلس الحكم، والحاكم المدني الامريكي والامم المتحدة حصلت في بداية تشكيلها على دعم شعبي ودولي لا بأس به. الا ان طغيان التناحر السياسي شلّ هذه الحكومة. لقد اصبحت مغلولة بالاستحقاقات المرتقبة والمجدولة زمنيا، ومهمشة داخليا تحت عنوان الحكومة المؤقتة. وسارت تحت وابل من الانتقادات المباشرة لذوي النفوذ، والمدعومين خارجيا.
ورغم ان معالجة الخلل الامني هي مسألة فنية، لكنها تحولت الى قضية سياسية، بدءا بالعلاقة مع دول الجوار التي بدا واضحا تورطها المباشر وغير المباشر في تعميق وترسيخ الانفلات الامني في عموم البلد. وزاد في ضراوة هذا الانفلات تشابك او تقاطع المصالح الذاتية للاحزاب والتيارات المتواجدة في الساحة الداخلية. ان العصيان المدني هو تجرأ على سلطة الدولة بغض النظر عن من يقوم به.. ولكن حينما ارادت حكومة اياد علاوي التصدي له، واجهت معارضة قوية بدعوى المصالحة الوطنية واحتواء كافة التيارات. وحينما ينادي علاوي بالمصالحة، ويسعى لاحتواء تيارات اخرى يواجه بمعارضة من نوع اخر ترفض محاورة من (تلوثت ايديهم بدماء الشعب) وذلك وصف مطلق للبعثيين، ويتعرض الى حملات دعائية منسقة، تصفه بالمتعاطف مع البعثيين كونه بعثي اصلا! ولست ادري كيف توزن الامور، ولكن من المعقول افتراض ان دماء الشعب واحدة، سواء انتهكها اتباع صدام او معارضيهم.
على كل حال سارت الامور حسب المنهج المقرر، وجرت الانتخابات كما اريد لها وفاز بها من طبّل لها، وظن الشعب ان الحكومة التي تمخضت عنها ستكون مطلقة اليد في التعامل مع التمرد والهجمات العشوائية. بيد ان نيل المطالب ليس بالتمني، وكان تأخر تشيكل حكومة الجعفري اول اشارة الى الفشل الامني. فحينما يكون البلد مهددا فليس هناك وقت للمفاوضات والمساومات حول السلطة. لكن الطموح الشخصي لبعض الرموز السياسية كان اكبر من الشعور بالمحنة الوطنية. وكانت النتيجة ان الخلل الامني بدأ يستفحل ويتحول الى دولة ظل ليس لها معالم ظاهرة للعيان ولكن اثارها كانت مدمرة.
نعم، لم تكن الانتخابات هي الحل. ولن تكون كتابة الدستور واقراره حلا كذلك. فالمسألة ليست متعلقة بمن يكون في السلطة، ولكن بمن يستطيع التصدي للتمرد. واقرار الامن ليس متعلقا بمشاركة كل اطياف الشعب في القرار بقدر وجود رغبة خالصة في التضحية واحداث التغيير. ومعلوم ان التمرد مدعوم من بعض دول مجاورة للعراق بعضها على المستوى الحكومي-المخابراتي وبعضها على المستوى الشعبي، على اختلاف الاهداف بينهما. ويتطلب مواجهة مثل هذه الائتلافات سلطة وطنية حازمة تعمل على توحيد الشعب وصهره في بوتقة واحدة بدلا من تفريقه باستخدام المحاصصات الطائفية والعرقية.
وقديما قيل اذا كان رب الدار...، ولعل هذا هو الوضع اليوم في العراق. فقد انعكس الفساد السياسي على اداء الدولة واوجد فسادا اداريا غير مسبوق. ومن العجب ان وزيرا في الحكومة الحالية، وقد كان نائبا لرئيس الوزراء في الحكومة السابقة، يتحدث في مؤتمر عالمي للدول المانحة للعراق عن الفساد الاداري كونه العائق الاول في اعمار العراق، فما الذي اتخذته الدولة لمكافحته؟ اننا نقر ان التصدي للفساد الاداري هو من اصعب الامور.. ولكن هناك حالات فاضحة وواضحة. نحن لا نتحدث عن شرطي يأخذ رشوة لغض النظر عن مخالفة مرورية. نحن نتحدث عن صهاريج منتجات نفطية تهرب خارج العراق بدل ان تسلك طريقها الى منافذ التوزيع. ونتحدث عن مقاولة جسر تمنح بدون عروض الى مقاول سبق وان سجن بتهمة الفساد الاداري في عهد دولة صدام التي خلنا انها فاسدة حتى النخاع.
وبالعودة الى الملف الامني، فماذا يجب على الدولة ان تفعل؟ لا ادعي انني خبير في مكافحة الارهاب، او ان لي باعا في مقارعة العصيان. ولكن يمكن على الاقل اتخاذ خطوط دفاعية تمنع الهجمات او تقلل من ضراوتها، لحين شن الهجوم المضاد. ولست اقصد المتاريس وما اشبه ذلك، بل التحصين الدفاعي اللوجستي. ويمكن رسم خطة بناء على اسلوب الهجمات او هدفها. فقد يكون صعبا منع السيارات المفخخة من استهداف اماكن عشوائية، خصوصا اذا قادها انتحاري. ولكن تعرض مطار المثنى بشكل دوري الى عملية انتحارية بحزام ناسف امر محير، اذ انه بالتأكيد يمكن التصدي له. وقد يكون صعبا منع المسلحين من التجوال في شوارع بغداد، ولكن نجاحهم المرة تلو الاخرى في اصطياد مسؤولي الدولة والسفراء واعضاء المجالس وغيرهم، بالقتل والاختطاف دون ان يتركوا أي اثر هو امر يدعو للرثاء.
ولابد ان العراق قد شهد اكثر من الف عملية مسلحة، ضد قوات التحالف والشرطة والجيش، وضد العديد من الاهداف المدنية التي تطول قائمتها. والسؤال هنا، كم من هذه العمليات جرى التحقيق فيها؟ هل شخصت عائدية السيارات المفخخة؟ هل حددت جنسيات واعمار وملامح الانتحاريين؟ هل تم التحقيق في مصادر تسريب المعلومات من داخل الاجهزة الامنية؟ هل تم حصر اماكن تواجد المشبوهين ومراقبتها؟ وغير ذلك من الاسئلة التي نستطيع من خلالها تتبع بعض الخيوط وجمع الادلة للتعرف على الفاعلين او من يسندهم.
لقد هاجم تسعة عشر انتحاريا برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، وتم التعرف عليهم جميعا، كما تم التعرف على انتحاريي انفاق لندن. وهذا هو الحال في السعودية والكويت ومصر والباكستان وتركيا، وفي اماكن كثيرة اخرى تعرضت لهجمات ارهابية. وفي كل منها كان لابد من وجود دليل او اثر يقود للفاعلين، وبدراسة الادلة المتوافرة يمكن على الاقل التوصل لجنسية المهاجم ولجهة الدعم، مما يؤدي الى تقليل احتمالية الهجوم مرة ثانية.
ان الاعتراف بوجود الفساد الاداري ليس كافيا. يجب اتخاذ خطوات فورية للحد منه، لان تأثيره لا يقع فقط ضمن تخريب الاقتصاد الوطني، بل يتعداه الى تغذية وادامة الشبكات الارهابية التي تعمل في العراق. تلك الشبكات قد تكون حرة الى درجة انها اصبحت تشكل قاعدة عالمية لتصدير الارهاب. كما يجب المبادرة في التوقع لما يمكن ان يحصل بناءا على سيناريوهات سابقة. واغلاق الطرق الدائمي ونقاط التفتيش الثابتة ليست هي الحل. يجب ان تنبذ القوات الامنية كسلها، وتخف الى الحد من تباطؤها في التعامل مع الحدث. فاذا كانت المشكلة في التجهيزات، فتجب المبادرة الى توفيرها فورا. اما مشكلة التدريب، وهي التي طالما تعذرت بها القوات متعددة الجنسيات، فلابد من وجود بعض الوحدات في القوات الامنية قد تلقت تدريبا جيدا، واستطاعت ان تكسب خبرة جيدة خلال العامين المنصرمين. فيمكن الاستفادة من هذه الوحدات بنشرها في الوحدات الاقل تدريبا للاسراع في جهوزيتها ورفع مستوى ادائها. وفي النهاية فلكي نصل الى عراق امن، يجب ان يشعر كل مواطن ان هذا هو هدف الدولة، وهذا هو ما تجهد اجهزته الامنية للقيام به، وبالتالي يندفع للتعاون معها، ويتفاعل بالشكل الذي يحوله الى مساهم رئيس في اقرار الامن.

Wednesday, July 20, 2005

تطور الديمقراطية: نموذج من اجتماعات مجلس محافظة

في السادس من حزيران 2004، وقبل يومين فقط من تسليم السلطة، وقع تفجير ارهابي بسيارة مفخخة رُكنت في شارع اربعين وسط مدينة الحلة، عند اذان المغرب حيث كان الشارع يعج بالمارة واصحاب المحال التجارية مما اوقع العشرات من الشهداء والجرحى بين رجال ونساء واطفال كانوا يظنون انهم آمنين. وما زاد الكارثة ترويعا ان التفجير وقع في منطقة تخلو من أي تواجد لقوات امريكية او قوات امن عراقية، وهي الاماكن التي كانت تستهدف عادة لحين حصول هذا الاعتداء الاثيم.
وفي ذلك الحين، كنت بحكم عملي مقربا من مجلس محافظة بابل السابق بصفة مستشار، اعمل في مجال دعم الحكم المحلي. وكنت اتولى مساعدة المجلس في اعداد المقترحات وجدول الاعمال وادارة الاجتماعات الدورية والتنسيق مع السلطة التنفيذية على مستوى المحافظة او على المستوى الوطني. وقد حظيت باحترام بالغ للدور الذي لعبته، وللخدمات التي قدمتها، مما حدا بالمجلس الى السماح لي بحضور جميع الاجتماعات، حتى اكثرها حساسية. ولم يكن غريبا ان يطلب الى الحديث او التدخل لحل نزاع ما استنادا الى النظام الداخلي او قانون ادارة الدولة المؤقت او التشريعات الناف ذ ة.
ومن موقعي هذا، فكرت في ان اعرض مشروع مقترح على المجلس، يتعلق بالتفجير الارهابي سالف الذكر، من جهة لاتخاذ اجراء ما تجاه ضحايا الحادث، وارسال رسالة تحدٍ للارهاب، ومن جهة ثانية لتقوية دور المجلس في التعامل مع المستجدات الانية وكيفية صناعة القرارت والعمل على تنفيذها. ومن الواضح ان أي قرار يصدر عن المجلس يتعلق بهذا الحادث سوف يلقى ترحابا واسعا، ولا شك ان الجميع سيكونون متعاونين في تنفيذه. فلا احد في النهاية يريد ان يظهر كمعارض لمحاربة الارهاب باي صورة.
وكان ان اعددت مسودة لمشروع قرار يصدر عن المجلس يتضمن النقاط التالية:
1- اطلاق تسمية (الفداء) على الشارع تخليدا للشهداء الذين قدموا انفسهم فداءا للوطن.
2- العمل على تطوير منطقة التفجير، مع اقامة نصب تذكاري لضحايا الحادث. ولتمويل المشروع يمكن الاستفادة من ميزانية المجلس، والمحافظة والدوائر التابعة لها، والحكومة المركزية متمثلة بالوزارت المختصة، اضافة الى جمع التبرعات ومشاركة الجهات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني بما يتاح لها.
3- تشكيل لجنة تتولى تنفيذ هذا القرار، ومن مهامها استحصال التمويل اللازم من الجهات المذكورة اعلاه، وما تراه مناسبا.
واخذت على عاتقي عرض هذه المسودة على كل عضو من اعضاء مجلس المحافظة، وشرح الابعاد التي ينطوي عليها، ومناقشته بشأن التعديلات المقترحة من اجل تطوير المقترح. واستطعت الحصول على موافقة وتوقيع 37 عضوا من الاعضاء الاربعين الذين يشكلون المجلس. والثلاثة الباقين لم يكونوا غير موافقين، ولكني ببساطة لم استطع الوصول اليهم الى حين موعد الاجتماع التالي.
وادرج المقترح على جدول اعمال الاجتماع الدوري التالي. وتوقعت ان يعرض ويمرر بسلاسة نظرا للاجماع الذي حصل عليه مسبقا، ولكن حدث ما لم اكن اتوقعه. ففي بداية كل اجتماع توجد فقرة في جدول الاعمال تتضمن موافقة المجلس على جدول الاعمال. والغاية من ذلك اتاحة الفرصة امام الاعضاء الذين لديهم اقتراحات ساخنة لطرحها، او تعديل الجدول لظرف طارئ يستوجب تقصير فترة الاجتماع، وما الى ذلك. وقبل هذا الاجتماع كانت هذه فقرة روتينية يصوت المجلس عليها عادة بدون تغيير. ولكن في هذه المرة انبرى عدد من الاعضاء الى تقديم مقترحات كثيرة وطلبوا ادراجها في بداية الاجتماع لكونها (ساخنة) ولم يكن ايا منها كذلك. لكن المجلس صوت في النهاية على التعديل، جاعلا مقترحي في ذيل جدول الاعمال على اعتبار انه ليس في حاجة الى المناقشة اصلا.
وناقش المجلس المقترحات الواحد تلو الاخر واطال الاعضاء النقاش، ونفد وقت الاجتماع دون ان يصل الدور الى المقترح المنشود، ورفعت الجلسة على هذا الواقع. فعتبت على رئيس المجلس قائلا: كنت اعتقد ان شهداء شارع اربعين يستحقون اكثر من ذلك من مجلس المحافظة. فوعدني ان تتم مناقشة هذا الاقتراح في بداية الاجتماع القادم ولن يسمح بتأخيره معتذرا انه لم ينتبه اليه. وصبرت الى الاسبوع التالي، راجيا ان تتم الموافقة على المشروع ليثبت المجلس انه يهتم لمجريات الاحداث في المحافظة.
وجاء الاسبوع التالي، وعرض مشروع القرار على الاعضاء مع تعليق رئيس المجلس: اعتقد اننا لسنا في حاجة الى مناقشة هذا المقترح، فقد وقـّعت عليه الاغلبية الساحقة من اعضاء المجلس، ولذلك ساطلب التصويت. فقاطعة احد الاعضاء، وهو يحب الحديث في كل شيء، طالبا ان يسمح بالمناقشة، لاجراء بعض التعديلات على الاقل. فوافق رئيس المجلس وطلب اليه تلاوة التعديل. وكان التعديل يتعلق بالاسم المقترح، حيث انه ادعى ان هناك بعض رجال الدين قد قرروا اطلاق اسم (الاعتصام) على شارع اربعين تيمنا باعتصام شهير استمر فترة اسبوعين احتجاجا على المحافظ الاسبق والذي ادى الى تنحيته عن منصبه، مما عدّ نصرا يجب تخليده. فقال احد الاعضاء المعتدلين ان الشارع يتكون من نصفين، وتتوسطه ساحة، وان الاعتصام وقع في احد النصفين بينما وقع التفجير في نصفه الثاني، فلا بأس من اطلاق التسميتين على نصفي الشارع ارضاء للجميع.
وتحدث عضو اخر يحسب على التيار الاسلامي المتشدد قائلا: لماذا نقوم ببناء نصب لعشرة او عشرين من الشهداء، وننسى الافا من الشهداء في المقابر الجماعية؟ اذا كان لنا ان نخلد ذكرى احد من الشهداء فالاولى ان نبدأ بشهداء المقابر الجماعية. وقالت عضوة ناشطة في مجال حقوق الانسان ان العراقيين قدموا شهداءهم قبل المقابر الجماعية بزمن طويل وباعداد تفوقها كثرة ووحشية، وذلك في حملات الاعتقالات والاعدامات التي قام بها النظام السابق خلال السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، ولذلك فهم الاولى بالتخليد، والاجدر بهذا النصب التذكاري.
ورغبة من احد الاعضاء المعتدلين، وهو في سلك القضاء، في ان يوجه الحديث باتجاه تفعيل المقترح لا الجدل حوله، فقد بين للاعضاء الاخرين ان المقترح يخص ضحايا شارع اربعين، وان عليهم ان يقدموا مقترحات اخرى اذا كانوا يفكرون بالضحايا الاخرين لظلم النظام السابق. وقال ان ما علينا التفكير به هو شكل اللجنة التي يجب ان تعمل على تنفيذ هذا القرار في حال صدوره. وطالب ان يضاف اسمي شخصيا الى تلك اللجنة نظرا الى انني سعيت منذ البداية في اعداد وانضاج القرار.
وكان لهذا التعديل وقع الصاعقة على احد الاعضاء، الذي كان يزهو بنفسه على الدوام ويصرح بمناسبة وبغير مناسبة انه يشرف المجلس، وان مكانه هو اسمى من ذلك بكثير. فانبرى فجأة الى الحديث بعد ان التزم الصمت طوال المناقشات الماضية. وقال: لا ادري كيف تفكرون، ولكن الا تعتقدون ان اقامة النصب هي من الاشياء الموروثة عن النظام السابق، والذي كان يسارع الى اقامة الجداريات والنصب لتمجيد شخص القائد الضرورة. وانتم مع ذلك تقلدون ذلك النظام في اجبار الناس على التبرع مما يثقل من كاهلهم وهم في احوج ما يكون الى ما يسد رمقهم. ثم، كيف تقترحون ان تشكلوا لجنة تضم اعضاء من خارج المجلس؟
وواضح ان هذا العضو، لم يكن فقط راغبا في عدم ادراج اسمي ضمن اللجنة، ولكن ايضا في نسف المشروع من اساسه وعدم تمريره. فبين له رئيس المجلس ان اللجنة ليست دائمية، ولذلك يمكن ان تضم اعضاء من خارج المجلس حسب النظام الداخلي، وتلا عليه الفقرة التي تثبت ذلك. ولكن صاحبنا استمر في الجدال واستخدم كل ما يمكن ان يجبر الاخرين على (الاقتناع)، من عدم اتاحة الفرصة لهم بالحديث، ورفع الصوت عاليا، وحتى التهجم عليهم. واضطر رئيس المجلس الى تذكيره بانه احد الاعضاء الموقعين على المقترح، فاجاب ان التوقيع لا يعني الموافقة على المقترح، وانما الموافقة على مناقشته. وكان هذا ابتكار عجيب في النظم البرلمانية، وربما سيفيد اي عضو راغب في التنصل من مقترحه طالما ان تقديمه للمقترح لا يعني انه موافق عليه!!
وفي محاولة اخرى لتسوية الوضع، اقترح احد الاعضاء، وهو متدين الا انه براغماتي، ان تحذف فقرة جمع التبرعات، وان يوجه كتاب الى كلية الفنون الجميلة لاعداد هذا النُصب التذكاري، وان تتولى ادارة المحافظة، والمحافظ الاشراف على التنفيذ، مما يلغي دور اللجنة، وبالتالي فلا داعي لها.
على كل حال استمر الجدل لساعات طوال حول نفس الاشياء التي تحدثنا عنها، واجهضت كل محاولة للتصويت، بدعوى ان المجلس بحاجة الى المزيد من النقاشات. ولم يطلب احد مني التدخل من اجل توضيح لاصل المقترح. واخيرا وجه احد الاعضاء، وهو يحظى باحترام واسع، رصاصة الرحمة الى القرار. فانتصب واقفا ليتحدث بصوت قوي جهوري حرص على ان يصل الى جميع اركان قاعة الاجتماع، قائلا: ان الشارع تمت تمسيته من قبل المرجعية الشريفة، ونحن هنا نهدر الوقت في هذه المناقشات التافهة. لذلك اقترح ان تقوم كلية الفنون الجميلة بوضع نصب في منطقة التفجير، ويطلق على النصب اسم (الفداء)، ودعى الى التصويت على ذلك، فوافق المجلس بالاجماع.
ولكن حتى هذا الكتاب لم يوجه الى الكلية المعنية، ولم تبلغ ادارة المحافظة بهذا القرار وحفظ في ارشيف المجلس، شأنه شأن العشرات من القرارات الاخرى. واعتذر الجميع مني بعد الاجتماع بانهم لم يقصدوا اسقاط المشروع، ولكنهم مسؤولون عن قراراتهم وعليهم تبريرها بالشكل الصحيح. والمصيبة ان هذا هو بالضبط ما كنت ارمي اليه في نهاية الامر.
لقد ترددت طول عام تقريبا في نشر تلك التفاصيل عن هذا الاجتماع والقرار الهزيلين، خوفا من تفسير ذلك على انه طعن في الظهر، وانني انما انشره لان المجلس انحل الان ولن يناني منه شيئا. والواقع انني لازلت اكن الاحترام لجميع اعضاءه، والذين انتخب بعضهم للدورة الحالية، ولست في صدد الطعن بما قدموه للمحافظة، فمما لاشك فيه ان المجلس قدم اكثر ما يستطيع ضمن المتاح له. ولكني وجدت ما اوردته هنا مثالا على مسيرة الديمقراطية في بلدنا وآلية تطورها. والادهى ان اداء معظم مجالس المحافظات كان على هذه الشاكلة، وليس بافضل منها المجلس الوطني المؤقت، ومن ثم الجمعية الوطنية.
ان المجالس التشريعية هي المكان الملائم لاتخاذ قرار ما بشأن قضية ما. وهي ليست ساحة للنقاشات ولتصفية الحاسابات الشخصية او الحزبية. والمجلس يراد له ان يكون كائنا عضويا، بمعنى ان يسعى ككل في انضاج القرار ليصل الى مرحلة التنفيذ، وان النقاشات يجب ان تنصب في تطوير المقترح لا في اسقاطه، او افراغه من مضمونه. فلن يجني الناخبون شيئا من النقاش الطويل، خصوصا اذا لم يفض الى اصدار قرار يتعامل مع الوضع. وعليّ ان اقول كذلك انني نادرا ما لمست مثل هذا التوجه في المجالس على اختلاف مستوياتها. وفي الفترة السابقة للانتخابات، كانت الصفة الحزبية هي الطاغية، وهناك مركزية شديدة لاشخاص بعينهم. وليس بمستغرب اقامة التحالفات، ولكنها كانت في بعض الاحيان فجة، وضد مصلحة المواطن. لقد كنت اطمح الى ان ارى مجلس محافظة قوي يقف ندا للحكومة المركزية، ولكني انتهيت الى مجلس محافظة ضعيف ومشتت. وتلك خيبة امل، ولكن احسب ان الديمقراطية ستشهد الكثير من خيبات الامل المماثلة. والشيء المهم ان تلك المجالس تكتسب الخبرة، وان كانت ابطأ مما كنا نصبو.

Monday, June 27, 2005

عام على تسليم السلطة: قرارات مصيرية مؤجلة

في اواخر حزيران 2006 تمر الذكرى السنوية الاولى لتسليم السلطة في العراق من قبل الحاكم المدني السابق بول برايمر. ويجدر بنا اجراء مراجعة عامة للمشهد العراقي خلال تلك السنة الحافلة بالاحداث، وانعكاساتها على حياة ومستقبل الشعب العراقي. ورغم اننا ندرك ان مثل هذه المراجعة لا يمكن ان تحصر في مقال واحد، الا اننا نحاول هنا ان نجد خطوطا عريضة لاتجاهات الاحداث، ونتوقف عند بعض الاحباطات التي حصلت، ونستشف منها الحلول المتاحة او الممكنة في قادم الايام.
وبدءا علينا ان نسلم بان مسيرة الاحداث خلال العمليات السياسية المتتالية لم تكن وليدة اللحظة، او طارئة خلال ازمان مختلفة بشكل عفوي.. بل ان تلك الاحداث تشكلت في سلسلة متعاقبة ومتوالية من السبب والنتيجة، ثم النتيجة للنتيجة وهكذا. وربما كان السبب الاول والمحرك للعمليات السياسية التالية، هو اسقاط النظام السابق بدون خطة واضحة لاحلال سلطة وطنية بديلة. ونذكر ان رغبة الولايات المتحدة الاصلية لم تكن اطلاقا متجسدة في الحكم المباشر للعراق.. بل ان الساسة الامريكيون عملوا خلال الفترة السابقة للحرب على ايجاد سلطة وحكومة منفى من خلال مؤتمرات لندن واربيل وبيروت. وكان يفترض ان يفضي مؤتمر الناصرية الى تشكيل هذه الحكومة. ولو قدر لهذا الامر ان يحصل، فمما لاشك فيه ان العملية السياسية كانت ستتخذ منحى اخر. وقد كشفت الخلافات في هذا المؤتمر، ثم في مؤتمر بغداد بعد ذلك بشهر، ان الرغبة في الاستيلاء على السلطة كانت هاجسا كبيرا لدى الساسة العائدين من الغربة، يحدوهم طموح اكبر حتى من شعاراتهم التي رفعوها خلال العشرات من السنين.
وهكذا حدث اول تغير رئيسي في السياسة الامريكية، وهو الحكم المباشر للعراق من قبل حاكم مدني، على ان يساعده مجلس (استشاري) سمي فيما بعد بمجلس الحكم. ودوليا، عملت الولايات المتحدة على تثبيت شرعية سلطتها كدولة احتلال، مع التأكيد على (سيادة) مجلس الحكم. ولقد لاحت هنا بادرة طيبة لتولي العراقيين شؤونهم، لولا اهتمام اعضاء مجلس الحكم بمستقبلهم السياسي اكثر من الرغبة في الحصول على الاستقلال.. فلقد اعتقدوا ان الاستقلال هو امر حتمي، وهو حاصل ان عاجلا ام اجلا، بينما مواقعهم غير مؤكدة. وسرى الاعتقاد ان مجلس الحكم غير قادر على تولي شؤون البلاد بسبب (غطرسة وسيطرة) الحاكم المدني. والواقع ان مجلس الحكم اعتزل مبكرا، لا خوفا من الحاكم المدني، ولكن لان اعضاءه لم يكونوا مستعدين للتضحية بما حصلوا عليه في حال حاولوا مواجهة هذا الحاكم.
ان حكم اية دولة يجب ان يكون بموجب الدستور.. وفي حالة العراق بعد انهيار نظامه السابق، انعدم أي وجود لدستور او قانون اعلى يحكم العمليات السياسية. وبقدر ما يمكن لهذا الامر ان يكون سيئا في بيئات اخرى، فانني ارى انه كان يمكن ان يكون عنصرا داعما للعملية السياسية في العراق. ذلك ان مجلس الحكم لم يكن بلا صلاحيات كما اشير اليه، اذ لم يكن هناك أي معنى للصلاحيات طالما انها غير مكتوبة او موثقة. لقد كان بامكان مجلس الحكم ان يتولى شؤون البلاد رغم انف الحاكم المدني، الذي عليه ان يقر ان المجلس لا يتجاوز اية صلاحية منصوص عليها. وهكذا تحول هذا المجلس الى متفرج لا حول له ولا قوة. ولم يستطع ان يقدم اكثر من قانون ادارة الدولة حسب الاجندة الامريكية التي كانت – مع الاسف- اكثر توفيقا في النظر الى الشأن العراقي من مجلس الحكم. ومن سخرية القدر ان معظم رموز مجلس الحكم (السابق) سيتولون شؤون البلد في ما يلي من الزمن.
ولكن العملية السياسية رافقتها المسألة الامنية، بعد ان اخذ الوضع الامني بالتردي شيئا فشيئا، دون ان يستطيع الحاكم المدني، او مجلس الحكم ان يحد منه، خصوصا بعد ان انعكس الفساد السياسي على الادارة، من تحويل الوزارات الى مؤسسات حزبية، وتثبيت مبدأ المحاصصة، وتفاقم الحالة الاقتصادية سوءا، رغم التحسن الكبير الذي شهده المواطن خلال الاشهر الاولى من الغزو/التحرير. فادرك الامريكيون انهم لن يستطيعوا ان يستمروا في حكم العراق دون ان يتسببوا في المزيد من الخراب، سواء بسبب جهلهم بالطبيعة الاجتماعية والثقافية لهذا البلد، او لكون مجرد وجود حاكم اجنبي يعد عذرا لازدياد العمليات المسلحة التي تستهدف هذا الوجود. كما انهم رغبوا في اظهار تطور ما في الساحة السياسية لاثبات صوابهم في تلك الحرب، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الامريكية. فجاء قرار تسليم السلطة املا في ان يكون منعطفا مهما في مسيرة الاحداث، وان يفضي الى استقرار سياسي يتبعه سلسلة من المحطات في مسيرة مكتملة بدءا من الانتخابات الى صياغة الدستور ثم الانتخابات بموجب هذا الدستور المصادق عليه شعبيا.
على كل حال، تشكلت الحكومة التي تولت زمام الامور بالتوافق بين الحاكم المدني واعضاء مجلس الحكم. وكان يمكن ان تكون تلك الخطوة مفتاح الحل لو ان حكومة الدكتور اياد علاوي اتخذت القرار الاهم، وان كان الاصعب. لقد اريد لهذه الحكومة ان تكون حكومة حقيقية لتستطيع ان تنجز ما اخفق فيه مجلس الحكم والحاكم المدني، الا وهو احلال الامن في ربوع العراق. ومعلوم ان تحقيق الامن لا يتم الا بمساعدة القوات المتعددة الجنسيات. ولكن مساعدة هذه القوات لا يجب ان تكون هي الجهود الوحيدة التي تبذل في هذا الاتجاه، وانما ينبغي اعطاء قوات الامن الوطنية الفرصة لاثبات وجودها، وتحميلها المسؤولية، والا فما الفائدة من وجود حكومة وطنية اذا لم تكن تتحكم في العملية الامنية؟
لقد كان امام حكومة علاوي خيار صعب ولكنه ضروري. كان عليه ان يطلب من القوات المتعددة الجنسيات ان تلازم قواعدها، ولا تتحرك الا بطلب من حكومته. وبذلك يحمّل قوات الامن الوطنية مسؤوليتها، ويضعها امام واجباتها، مهما كانت النتائج. وفي النهاية فان المتعددة الجنسيات يمكن استدعاؤها عند الضرورة. نعم، سيكون هناك عنصر للمجازفة بالاعتماد على قوات غير مكتملة او مدربة بالشكل الكافي، ولكن ما تم انجازه لحد تلك الفترة كان ينبغي ان يكون كافيا، والا فما الداعي اصلا الى تسليم السلطة؟ لقد فشل علاوي في اتخاذ هذا القرار بسبب عدم ثقته بقواته الامنية، واستمر الوضع في التردي لان تلك القوات فقدت ثقتها بنفسها نتيجة لذلك، وبات كل شيء رهن التدخل الامريكي.. ورضخ الجميع للامر الواقع.
ان الدعوة التي وجهها المرجع الديني الاعلى للشيعة باجراء الانتخابات وجدت صدى واسعا، ليس فقط بين اتباعه من الطائفة الشيعية، ولكن ايضا من القوى الوطنية والاحزاب السياسية، علاوة على الاكراد وفئة غير يسيرة من الطائفة السنية. وحتى من عارض اجراء الانتخابات لم يفعل ذلك لعدم قناعته بها، ولكن لشكه في نجاحها ضمن التوقيتات التي رسمت لها. وعلى كل حال، فان الغالبية العظمى من الشعب العراقي اعتقدت ان تلك الانتخابات ستكون المفتاح لحل المشاكل المتفاقمة على كل الصعد الامنية والاقتصادية والاجتماعية. بينما وجدتها الولايات المتحدة فرصة مناسبة لاثبات، مرة اخرى، صواب تدخلها في العراق، وبادرة ديمقراطية غير مسبوقة في المنطقة عموما.
ورغم ان الانتخابات في الثلاثين من كانون الثاني كانت حدثا مهما، الا ان المتتبعين والمحللين السياسييين لم يتوقعوا ان تحدث تغييرا جذريا. فمن تم انتخابهم هم نفس الشخوص الذين تحكموا بالعملية السياسية منذ البداية. ومرة اخرى قفزت العملية السياسية الى الصدارة، مع اهمال ولا مبالاة غريبين بالشؤون الاكثر اهمية للمواطن العادي، ولا ادل على ذلك من استغراق تشكيل الحكومة الجديدة فترة ثلاثة اشهر، في وضع امني بالغ السوء، ناهيك عن الفساد الاداري والانهيار الاقتصادي، التي عصفت بالمواطن وجعلته في دوامة العنف والفقر وفقدان الامل.. وتحسر الكثيرون على ايام النظام السابق، كما هو شأن العراقيين بعد كل تحول.
وبمرور عام على تسليم السلطة، تولت حكومتين مختلفتين حكم العراق، دون ان يحدث أي تغيير يذكر في معالجة الخلل الامني، او في أي من النواحي الحياتية الاخرى للشعب. ورغم ان ثانيتهما كانت منتخبة ديمقراطيا، الا انها لم تستطع ان تتجاوز الخطوط التي رسمتها لها اولهما. وحينما ارادت ان تحدث تغييرا عمدت الى الهياكل الادارية في الدولة، من محافظين ومدراء شرطة ومسؤولين اخرين، فاقالت وفصلت وعزلت، دون ان يكون لهذه التغييرات اثر ملموس في تحسين الاوضاع عموما. ومن جديد فان نفس الخيار يقف امام حكومة الجعفري، عليها ان تثق بالقوات الامنية الوطنية، وتحملها مسؤوليتها.. وان تطلب من القوات المتعددة الجنسيات ان تبدأ بالانسحاب الى قواعدها، بموجب خطة مفصلة ومتفق عليها. واذا فشلت تلك الحكومة في اتخاذ هذا الاجراء فلن يكون هناك اي تغيير حقيقي الى ان تأتي حكومة تقوم به.

Thursday, June 02, 2005

الدعم الحكومي للمواد الأساسية: تدمير للاقتصاد وتأخير للتنمية

من بين الكثير من الأوضاع الشاذة التي أصبحت قاعدة في العراق على يد النظام السابق تبرز مسألة الدعم الحكومي للمواد الأساسية التي تمس حياة المواطن، وبالذات المواد الغذائية. فقد درجت الدولة على توزيع المواد الغذائية والأدوية والملابس والأدوات الاحتياطية للسيارات وغيرها بأقل من أسعارها الحقيقية تحت طائلة الدعم الحكومي معتبرة ذلك إنجازا وتسهيلا لحياة المواطن.
وفي الحقيقة فان هذا الدعم لم يسهل حياة المواطن، بل جعلها أكثر صعوبة. فقد أصبح احتكار الدولة لقطاع التجارة، علاوة على القطاعات الأخرى، سلاحا فعالا للسيطرة على حياة المواطنين بشكل مباشر، وقتلت روح المبادرة الفردية والتنافس الحر، العاملان الرئيسان في تطوير الاقتصاد الوطني، وإقامته على أسس متينة تستطيع أن تساير الحركة الاقتصادية العالمية.
وحينما وجدت الدولة أنها ستعرقل الحركة الاقتصادية باستمرارها في تقديم الدعم، فتحت الباب أمام كمية محدودة ومنتقاة من التجار لممارسة عمليات الاستيراد والتصدير، وان كان تحت إشراف الدولة أيضا. وخلق استمرار تقديم الدعم المادي للبضائع الأساسية مع وجود بضائع تجارية حالة من الازدواجية التي لم يستطع الشعب أبدا أن يفهمها. وكانت النتيجة أن غالبية الشعب العراقي اعتقد بفشل نظام الاقتصاد الحر، لما شهده من ممارسات غير شرعية ولا إنسانية من الكثير من التجار الذين كانوا في الحقيقة ربائب للنظام نفسه.
ولما جاء الحصار الاقتصادي في التسعينات كأحد نتائج السياسة المتهورة لهذا النظام، ابتدع فكرة البطاقة التموينية التي تعطي حصة لكل فرد من مجموعة محدودة من المواد الأساسية. ثم أصبحت تستغل سياسيا للضغط على فئات معينة من الشعب، والتهديد بقطعها، وتخفيض محتوياتها دون إيجاد البديل المناسب. ومع الإبقاء على مستوى الدخل الفردي متدنيا إلى ابعد حد، وغياب الحركة التجارية الفعالة، وتأخر الصناعة والزراعة بشكل مأساوي، لم يعد أمام المواطن البسيط سوى الاعتماد على هذه البطاقة التي تبقيه حيا، ولكن لا تقدم له أي شيء يليق بامكانات بلد ثري.
لقد صرف النظام البائد أموالا طائلة في دعم البطاقة التموينية بدل أن يوفر فرص العمل، ويرفع الحالة المعاشية للمواطنين.. ومن المفجع أن جزءا كبيرا من تلك الأموال كان يذهب كمصاريف إدارية، ورشاوى، وعقود وهمية، وشراء ذمم وتصرفات كثيرة غير شرعية، خصوصا بعد أن تبنتها الأمم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء، أو النفط مقابل الولاء إن شئت.
واليوم وبعد تحرر العراق من قبضة ذلك النظام الفاسد، يجدر بنا مراجعة وضع الدعم الحكومي، سواء للبطاقة التموينية أو للأشياء الأخرى التي تقدمها الدولة، كالوقود والخدمات البلدية والماء والكهرباء.. فهي تستنزف ثروة البلد في قضايا استهلاكية بدل أن توجه تلك الثروة لبناء قاعدة اقتصادية متينة تحسن وضع الفرد وتوفر فرص العمل لشريحة واسعة من المواطنين. صحيح أن إيقاف التوزيع المجاني لمفردات البطاقة التموينية سوف يؤثر سلبا على بعض المواطنين العاجزين عن توفير ابسط مستلزمات المعيشة الكريمة، إلا أن ذلك يمكن تلافيه أو الحد منه بشكل كبير، بإيجاد نظام مدروس للضمان الاجتماعي للطبقة المعوزة، أو العاجزة عن العمل. سيما وان معظم دوائر الدولة لا تعمل الآن إلا بجزء بسيط من إمكانياتها، نظرا للظروف الأمنية ولطغيان العملية السياسية على كل ما سواها. يجب البدء بالتفكير حول كيفية رفع العراق إلى مستوى الأمم الناضجة، التي تعتمد شعوبها على جهودها الذاتية في كسب قوتها، وليس على اقتناء مستلزماتها الحياتية بشكل آلي. ولا شك أن إيقاف الدعم الحكومي سيسبب ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية، والمواد الأخرى بشكل كبير، ولكنه قد لا يكون أمرا سيئا كما يبدو. فقد قال لي احد المحللين الاقتصاديين إن ارتفاع الأسعار دلالة على قوة الاقتصاد، إذا رافقه ارتفاع في القدرة الشرائية.. ونلاحظ في هذا المقام أن الدول ذات الاقتصاد القوي كاليابان والولايات المتحدة وألمانيا والأمارات العربية المتحدة وغيرها تكون ذات مستوى أسعار أعلى من غيرها.. وبالتالي تستقطب رؤوس الأموال وتشجع التجارة وتزيد الاقتصاد قوة إلى قوته. وليس معنى ذلك أن كل ارتفاع للأسعار هو أمر جيد، فالارتفاع الناتج عن شحة المعروض هو أمر بالغ السوء. وتلك نقطة مهمة، فيجب قبل اتخاذ الإجراء الحاسم بوقف الدعم الحكومي التأكد من أن المعروض يزيد على الطلب المحلي لفترة مناسبة، مما يمنع الارتفاع الجنوني للأسعار.
ومن ناحية أخرى، فان المواطن سيسعى إلى استغلال البضاعة أو الخدمة التي يدفع تكلفتها الحقيقية بالشكل الامثل، ويرشد في استهلاك الطاقة، مما سيقلل الهدر المستمر للثروة الوطنية منذ عقود من الزمن. ويمكن أن يؤدي استقرار السوق المحلية بأسعار موازية للأسعار العالمية إلى زيادة الثقة بالاستثمار المحلي دون خوف من نكسة تسببها الدولة بتدخل غير محسوب في إدارة الدفة الاقتصادية.
إن استمرار الدعم الحكومي هو هدر لمقدرات البلد، وتأخير لعجلة التنمية، كما انه يكبح الحركة التجارية ويقيد الصناعة والزراعة بشكل كبير. ورغم أن هذا القرار لن يكون سهلا على أية قيادة، كما إن فهمه سيكون غاية في الصعوبة لمعظم أفراد الشعب، لكن اتخاذه سيكون خطوة تاريخية مهمة في رسم مستقبل العراق وبناء اقتصاده بشكل حضاري ومنفتح، بحيث لا تسيطر عليه الدولة فيصبح أداة للقهر والاستبداد من جديد.

Sunday, May 29, 2005

الإرهاب: فعلٌ في غياب اليقين

من الأمور التي باتت شائكة وصعبة إلى حد كبير موضوعة تعريف معنى المقاومة في مقابل مصطلح الإرهاب الذي يزداد استخدامه بشكل كبير. وهذا التعريف الذي يحاول إيجاده المسؤولون الحكوميون، على اختلاف مستوياتهم، من خلال المؤتمرات والندوات واللقاءات الثنائية أو العامة، يصدم دائما بحجر الرغبة الشخصية أو الذاتية أو المصلحة الضيقة لأحزاب السلطة الحاكمة، أو حتى أحزاب المعارضة التي تروم الحصول على السلطة في ما يلي من الزمن. يضاف إليه مساهمة وسائل الأعلام في طريقة عرض المواضيع المتصلة، وإطلاق الأوصاف تبعا لأجندتها وسياستها، أو بالأحرى سياسة مموليها.
والأمر لا يقل صعوبة لدى المثقفين والمفكرين الذين يسعون إلى فصل معنى الفعل الواحد إلى معنيين، متناقضين ظاهريا، باختلاف الظروف التي تحيط الفعل، والنتائج التي تتمخض عنه، أو المرجوة من إتيانه. وقد واجه أفلاطون مثل هذا التناقض في دعوته للعمل الصالح. فمتى يُعد فعلٌ ما صالحا، ونفسه قد يُعد غير صالح في أحيان أخرى؟ فالقتل –استنادا إلى أفلاطون- أمر سيء وخطيئة كبرى، لكنه قد يُعد فضيلة إذا ما وجّه إلى الأعداء، أو المجرمين قصاصا لما ارتكبوه من أفعال شنيعة. وإذا كان فعل القتل في الحالين واحد، وأثره واحد، فلماذا يُعد قتل الأعداء فضيلة؟ تترتب هنا عدة مسائل لجعل هذا الفعل صالحا (أو جائزا إن شئت)، أولها أن يكون العدو محاربا، مضمرا الأذى لنا، وان يكون غير اعزل حين تعرضه للقتل، كما انه يجب أن لا تكون هناك وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا بالقضاء على هذا المحارب الذي يسعى للقضاء علينا. وهذه المعطيات تشكل ما يعرف بـ"الحرب العادلة".
وبالمقابل، يجب أن يحصل المجرمون على محاكمة عادلة، وان يتم إثبات جرمهم بما لا يدع مجالا للشك بأنهم ارتكبوا تلك الأفعال التي تستوجب سلبهم حياتهم. ومع ذلك فقد ارتكب القضاء، ونحسب أن سيرتكب في المستقبل، أخطاءا تجعل المرء يتساءل عن جدوى إعدام أي شخص يحتمل ولو بنسبة ضئيلة براءته، أو كون مسؤوليته جزئية عن الفعل الإجرامي المتهم به. ليس في نيتي الدعوة إلى رفع عقوبة الإعدام، ولست مناقشا ذلك في هذا المقام. ولكنني وددت أن أشير إلى معضلات كبرى واجهت البشرية منذ أطلت برأسها على هذا الكوكب.
إذا هاجمك احدهم منزلك بغية السرقة، ولم يكن من وسيلة لدفع هذا الأمر إلا بقتله، فلن تجد من يلومك لقيامك بهذا الفعل. وإذا هاجم لص مزرعتك لقطف بعض الفاكهة، فلن يكون لك الحق بقتله، خصوصا إذا ما ولى دبره هاربا. ولكن إذا قامت عصابة منظمة بمهاجمة المزرعة بغية سلب المحاصيل، جاز لك قتلهم جميعا إن استطعت. ورغم أن النتيجة واحدة في الحالتين الأخيرتين، إلا إن مبرراتهما مختلفة. فالسرقة من اجل سد الرمق، أمر يدعو للرثاء والشفقة على الفاعل أكثر منه إلى تجريمه. ولكن السطو على المنزل، يعد مفسدة وتجاوز على الحرمات.. وشبيه به تآمر العصابة لقطع الرزق.
وعلى هذا فانك بطل إذا قـُتلت شهيدا دفاعا عن بيتك أو مزرعتك في القتال مع العصابة التي هاجمتك. وهنا يأتي تعريف آخر علينا تحديده بدقة، تعريف الشهيد. لاشك إن من يموت من اجل المباديء السامية هو شهيد، وان من يقاتل الشر فيهلك دونه هو شهيد. ولكن كيف يمكن إثبات أن من نقاتلهم هم فعلا (أشرار)، وان المباديء التي ندعو إليها هي فعلا (سامية)؟ وهل وصل أي إنسان –إلا من أراد له الله ذلك بالبينة المعجزة- إلى يقين يوما؟ إذا كان يمكن أن يُترك لص المنزل يهرب، فهل يجب قتله، مع احتمال عودته؟ كيف لي أن اعرف انه سيهرب، أو انه لن يعود؟ إن قتله ينهي المسألة، ولكن إبقاؤه يجعلها مفتوحة باستمرار.
إن جمع هذه المفردات الثلاثة في مقام واحد قد يظهر حجم المعضلة التي نواجه:
مقاومة + شهادة + إرهاب
فرياضيا يجب أن تكون هناك نتيجة ما لهذا الجمع، فماذا عساها تكون؟ هناك ثلاث فرضيات، الأولى: مقاومة + شهادة = إرهاب
الثانية: مقاومة = شهادة + إرهاب
الثالثة: شهادة = مقاومة + إرهاب
ولكنها جميعا خاطئة باعتبار احتوائها على النقيضين: المقاومة والإرهاب
لنجعل المعادلة بإضافة المعطيات السابقة كالتالي:
مقاومة (لابد منها) = شهادة
مقاومة (لا جدوى منها) = إرهاب
فالمقاومة موجودة في الحالتين، ولكن التناقض يتضح في معنيي الشهادة والإرهاب، ويقود إلى نتيجة سطحية:
الشهادة = الإرهاب
ذلك أن كلا من (لابد منها) و(لا جدوى منها) لا يمكن إثباته مطلقا.
لقد كان مثالنا عن حالة تعرضنا لاعتداء، لكن الأمر مختلف إذا شعرنا أننا ضحية، وأن علينا المبادرة لرد الاعتداء أو منع اعتداء متوقع، وهو ما يعرف بـ(الجهاد). والجهاد في الحقيقة صورة عن المقاومة تتخذ وضعا ايجابيا، أي يمكن أن يحل محلها في المعادلات لتصبح:
جهاد = مقاومة = شهادة
دون الحاجة إلى تمييز بين من هو لابد منه، وما لا جدوى منه. والواضح أننا سنصل إلى نفس النتيجة السطحية بالإحلال:
جهاد = إرهاب
إن هذا التحليل الرياضي مبسط جدا. ولكن الموضوع أكثر تعقيدا، والنتائج ليست دائما بهذا الوضوح. غير أن احتمالا بسيطا بان يكون ذلك صحيحا، يقودنا إلى مفتاح لحل المعضلة. فإذا لم يكن لديك اليقين الكامل (ولا نحسب انه متوفر لأحد)، فلن تستطيع بان تصف عملك بالمقاومة (أو الجهاد)، وتضحيتك بالشهادة.. خصوصا إذا نجم عن فعلك إزهاق أرواح، وتدمير ممتلكات، وتعطيل لمسيرة الحياة. فإذا كنت تروم الشهادة لذاتها، فلربما لن تحصل عليها أبدا. فالشهادة نتيجة لفعل واجب في لحظة معينة، ولم تكن أبدا مطلوبة لذاتها، لا دينا، ولا عرفا.
إن من يهاجم جمعا ما (لأي سبب كان) مفجرا نفسه فيهم، إنما هو إرهابي، بغض النظر عن أية نتائج محتملة لفعله. فإذا أعلنت القوات المحتلة (أية قوات في أي مكان في العالم) أنها ستنهي احتلالها غدا، تحت وطأة العمليات الانتحارية (أو الجهادية)، فان تلك العمليات ليست بطولية، ومن قاموا بها ليسوا شهداء. فقد قاموا بالتصرف منفردين، وقرروا قتل آخرين، بالإضافة إلى أنفسهم استنادا إلى قناعة غير يقينية.. وما بني على الباطل، فهو باطل شرعا وقانونا، ولا يعتد به.
إن غياب اليقين عن أفعال الإنسان أمر مألوف، فأنت تسعى من اجل اكتساب الرزق، مع إيمانك بان الرزق مكفول لجميع الدواب (التي ينتمي إليها الإنسان). وأنت تتأمل في الخلق، وتجادل في عظمة الخالق.. ولو كنت على يقين تام لما احتجت إلى أية مجادلة. وبنو البشر يحيكون المؤامرات آناء الليل وأطراف النهار، وينهش بعضهم بعضا، وان كانوا متدينين ورعين يرجون الدار الآخرة. فلو كان لأحد أن يكون على يقين تام، لتوقف عن مخالطة الناس، ولأعتزل في صومعة يرجو أن تصيبه رحمة ربه، فان رزقه فليبقيه حيا، وإلا فليقربه منه.
فكيف، والحال هذا، يجزم أي إنسان بـ(يقين) يصل حد إنهاء حياته من اجل قضية ما؟ إذا تواجه جيشان فان احتمال الموت في المعركة يكون كبيرا، ولكنه ليس محتما. وفي الواقع إن احتمالية الموت ربما تكون متعاكسة مع درجة الإيمان التي يتمتع بها الجنود في تلك المعركة، فكلما ازداد إيمانهم كلما تعاظمت فرصة نصرهم، وبالتالي نجاتهم. وربما تفانى بعضهم غير مبال بحياته في القتال، أو ربما عرض نفسه للقتل عمدا من اجل إحراز هذا النصر، لكنه لا يُعد عملا إرهابيا، ففرص الجميع متساوية، والوضع افلاطوني بحت: العدل في قتل الأعداء في ساحة المعركة، دون القتل المطلق.
لقد تطورت وسائل القتال، وباتت المواجهات في كثير من الأحيان مواجهات تقنية أكثر منها عقائدية. وقد ينشأ إحباط لدى الفريق الأضعف تقنيا، يدفعه إلى التصرف بطريقة مغايرة لطبيعة الإنسان، التي تأمره بالحفاظ على النفس، وبالتالي يحقق تقدما على العدو. ولكن تفكير الإنسان قد تطور أيضا، وصار أكثر وعيا ومسؤولية. وقد أثبتت وقائع التاريخ الحديث أن القوة اقل أهمية من السياسة، وان التعاضد الاجتماعي أهم وسيلة للخلاص. فإذا كنا نريد النصر على (العدو)، فعلينا أن نطور فكرنا ليلحق بفكره (أو يسبقه) قبل أن ننصب أنفسنا شراكا، دون أن نعلم على وجه اليقين خاتمة ما نفعل، وما إذا كانت أفعالنا مجرد عبث غير مستند إلى حقيقة جوهرية.

Monday, April 18, 2005

انحراف الديمقراطية: مناقشات سرية للجمعية الوطنية

انعقدت الجلسة الخامسة للجمعية الوطنية قبل فترة، وناقشت نظامها الداخلي دون اقراره في نفس الجلسة.. لتتحول مسألة النظام الداخلي فيما يلي من الزمن الى قضية تأخذ حيزها من الوقت والمناقشات كأي قضية اخرى اعترضت الجمعية، سواء قبل انعقادها او بعده. ويبدو ان الطابع السياسي الذي سيسم المرحلة القادمة من عمل الجمعية هو: ناقش وناقش ثم ناقش. على ان المناقشات، رغم اهميتها، الا انها في الواقع ليست صلب عمل الجمعية الوطنية كمجلس تشريعي.
المطلوب من اي مجلس تشريعي هو اتخاذ قرار، وهذا هو مقياس نجاح اعمال ذلك المجلس. فليست النقاشات امرا سيئا، ولكن الاقتصار عليها سيكون امرا بالغ السوء. فرجل الشارع، وربة البيت، والعامل في مصنعه، والموظف في مكتبه.. وكافة شرائح المجتمع الاخرى، يمكنها ان تناقش القضايا التي تثار في الساحة السياسية، وهو الحال ايضا في القضايا الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن للناس العاديين اقتراح حلول للمشاكل، وايجاد اليات للعمل على كافة المجالات تقريبا، في كثير من الاحيان. الا ان عضو البرلمان يتمتع بميزة اضافية. فهو لديه القدرة على اتخاذ قرار يضع هذه الحلول او الاليات المقترحة موضع التنفيذ.
وهكذا، فان اتخاذ القرار هو ما يؤدي الى حلول انية او بعيدة الامد للمشاكل التي يعاني منعا بعض او كل افراد الشعب. ومقياس عمل الجمعية الوطنية، كما اسلفنا، هو كمية القرارات التي اتخذتها. فاذا اجتمعت الجمعية خمس مرات، واتخذت عشرة قرارات فذلك قد يعد دليل صحة. اما اذا اجتمعت عشرات المرات دون قدرة على اتخاذ قرارات، فماذا الذي سيستفيد منه الشعب؟ سينتقل النقاش من الجميعة الى الشارع، وسيتخذ طابعا حزبيا توجيهيا في بعض الاحيان، او استخدام اطراف سياسية داخل الجمعية لضغوطات مصطنعة في الشارع، من المظاهرات والتحشيد الاعلامي الدعائي (البروباغاندا). ثم ما يلبث المجلس ان يتحول الى اداة لتنفيذ سياسيات جهة متنفذة فيه باغراقه بالعشرات من القضايا الخلافية للتمويه على قضية اساسية، ويمرر القانون اخيرا في غفلة من النواب، الذين تعبوا من المناقشة، ورضخوا للضغوط التي تصوروها، او صورت لهم.
واللافت من اجتماع الجمعية الخامس قيام رئيس الجمعية بتحويل الجلسة العلنية الى جلسة سرية اثناء انعقادها، وطلب من وسائل الاعلام المغادرة. وقد نوهت احدى فقرات النظام الداخلي الذي لم يكن قد اعتمد بعد، على حق الجمعية في الانعقاد سرا، وفي هذه الحالة يطلب عدم حضور وسائل الاعلام، او حتى موظفي الجمعية ويناط بنواب رئيس الجمعية مسوؤلية اعداد المحاضر وماسواها. وهذا امر غريب، فما الداعي في اي حال الى اجتماع الجميعة سريا؟ اذا كان الاجتماع هو لمناقشة امر ما، مهما يكن مهما او حرجا، فلماذا يعزل الشعب عنه، وكيف سنعرف اذا كان القرار الذي سيتخذ بناء مثل هذه الجلسات سيكون مبررا بشكل كاف؟ ولكن هل ستعلن نتائج هذا الاجتماع (السري) والقرارات المتمخضة عنه اصلا؟
في الديمقراطيات العالمية الرائدة، تعرف نوعان من الاجتماعات، الاجتماعات العلنية التي تكون متاحة لوسائل الاعلام والشعب فور حصولها. والاجتماعات المغلقة، تلك التي يطلب من وسائل الاعلام عدم نقلها، ولكن تعلن نتائجها فورا، وتعلن محاضر اجتماعتها بعد حين من الزمن، يوم او اسبوع او شهر.. ولكن ليس هناك مصطلح (اجتماع سري). وغالبا ما تكون الاجتماعات المغلقة لرفع الضغط الآني عن الاعضاء الذين يشعرون بعدم التمكن من اتخاذ موقف نتيجة لحملة سياسية تقاد ضدهم. وليس المقصود منها ان تناقش قضايا حساسة لا يجدر بالشعب، او حتى اقرب المقربين، المشاركة فيها. فكل مناقشة هي عامة.. وهي تبدأ من الشعب لتصل الى قبة البرلمان.. المكان الصحيح لاتخاذ اجراء بصددها. ويخيل اليّ ان الاجتماعات السرية هي اول وسيلة لعزل الشعب عن القرار بدواعي حساسية الموقف، والعذر الشائع المستخدم في هذه الحالات هو الموقف الامني الحرج.
ومع ذلك، فليست الجمعية الوطنية، كمجلس نيابي ممثل للشعب، هي من يخرق اولى قواعد الشفافية الحكومية. فعملها الرقابي يتضمن ان تطالب السلطة التنفيذية بكشف اوراقها ومساءلتها عن الامور التي يبدو انها لا تسير بشكل حسن، وبيان الاجراءات التي تتخذها الحكومة لمعالجة مشاكل ما، والخطوات التي تتخذها من اجل تنفيذ قرارات الجمعية. وكل هذه الامور تنصب في مقولة الشفافية الحكومية. فكيف ستكون السلطة التنفيذية شفافة اذا لم تكن السلطة التشريعية كذلك؟
وربما يعتقد بعض اعضاء الجمعية الوطنية انهم متميزون عن باقي الشعب، كونهم يطلعون على امور لا تتاح لبقية افراد الشعب. ولذلك فانهم ربما عليهم كتم هذه الامور للمصلحة العامة. وهذا خطأ فادح. فالمصلحة الوطنية العليا يقررها الشعب بنفسه، ويجب ان يحاط علما بكل شيء، الا اذا كان الاعلان عن بعض الحقائق يؤدي الى استفادة اطراف معادية للشعب منها وبالتالي تفويت الفرصة للتمكن منها. وهذه الامور تقرر من قبل السلطة التنفيذية عادة، وسيكون عليها ان تبرر سبب حجب الحقائق اذا ما تكشفت فيما يلي من الزمن. ولم يكن مطلوبا يوما ان تعلن اجتماعات مجلس الوزراء او اية سلطة تنفيذية اخرى، لا في العراق ولا في اي بلد من بلدان العالم.
ان من اهم مبادي الديمقراطية مبدأ الشفافية الحكومية، وهو ما نتوقعه من السلطة التنفيذية، والتي ستكون لاول مرة منتخبة في العراق. اما ان نفتقده في المجلس التشريعي المنتخب فتلك انتكاسة اخرى للديمقراطية. ويجب رفض اية صيغة للاجتماعات السرية، فما يصلح ان يطلع عليه 275 عضو، يصلح ان يطلع عليه خمس وعشرون مليون نسمة. ويجب شطب هذه الكلمة من نظام الجميعة الوطنية الداخلي، واحلال مصلطح الاجتماع المغلق بديلا عنها، على ان تعلن محاضر الجلسة المغلقة في وقت لاحق، ويكون جدول اعمال الاجتماع معلوما ومعلنا مسبقا، حتى يتاح للشعب الاطلاع عليه وتقييم اداء هذا المجلس.
واخيرا، فان صيغة الاجتماعات السرية (وحتى المغلقة) لم ترد في قانون ادارة الدولة، بل حددت المادة الثالثة والثلاثون (أ): "تكون اجتماعات الجمعية الوطنية علنية وتسجل محاضر اجتماعاتها وتنشر، ويسجل تصويت كل عضو من اعضاء الجمعية الوطنية ويعلن ذلك، وتتخذ القرارات في الجمعية الوطنية بالاغلبية البسيطة، الا اذا نص هذا القانون على غير ذلك." ومن الواضح ان المقصود بـ"هذا القانون" هو (قانون ادارة الدولة) وان الاستثناء هو بشأن التصويت على انتخاب مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء واعادة القانون الذي نقضه مجلس الرئاسة وماشابه، وليس المقصود استثناء علنيّة الاجتماعات او تسجيل محاضرها ونشرها.

Wednesday, April 06, 2005

فدرالية ام حكم ذاتي: مسألة امام الدستور الدائم

حينما اصدر مجلس الحكم السابق قانون ادارة الدولة المؤقت، انتقل العراق لاول مرة منذ عقود الى دولة الدستور والقانون. وكان هذا التحول هو الابرز بين العديد من التحولات الديمقراطية التي شهدها منذ انهيار النظام الشمولي تحت مطرقة الحرب الامريكية ضد الارهاب. وقد حمل هذا الدستور الانتقالي لمحات فريدة شكلت انتقالة بالقانون الدستوري في العراق، وان تضمن بعض السلبيات. وقد يكون ذلك مفيدا، حيث ان المناقشات بشأن الدستور، والتي يفترض ان تشغل الحيز الاكبر خلال الفترة القادمة، لابد ان تنطلق من هذين الامرين: محاسن ومساويء قانون ادارة الدولة الانتقالي.
وقد اقر هذا القانون الاساسي مبدأ الفدرالية، او النظام الاتحادي، على اساس "الحقائق الجغرافية والتاريخية". ولعل تفسير هذه العبارة يمر عبر مضائق التحديد (العرقي) لنوع الفدرالية. ورغم ان المادة الرابعة، التي حددت هذا المبدأ، قد وضحت ان هذا النظام لا يقوم على اساس "الأصل أو العرق أو الاثنية أو القومية أو المذهب"، الا ان الحقائق الجغرافية في العراق، ببساطة، تحدد تجمعات عرقية او اثنية او قومية او مذهبية. ولعل هذا التناقض هو الذي يجعل الموقف الشعبي من الفدرالية متناقضا كذلك.
فالبعض يرى ان الفدرالية تفضي الى التقسيم، على اعتبار انها تفصل مكونات الشعب العراقي الرئيسة بعضها عن بعض مما سيؤدي في خاتمة المطاف الى انشاء دويلات عرقية ومذهبية تحطم وحدة العراق وتمحو هذا الاسم من قائمة الدول. على ان هناك اخرون يعتقدون ان الفدرالية خيار الشعب العراقي للبقاء تحت خيمة الوطن الواحد طالما اختارت فئاته طواعية ان تبقى فيه مع توفير خصوصيات لاطيافه المتعددة ضمن اقاليمها دون ان يؤدي ذلك الى انفصالها عن الوطن الام. اذ يبقى المصير المشترك لكل هذه الاطياف والمصالح المتبادلة بينها هاجسها الدائم ودافعها الرئيس في السعي للمحافظة على الوحدة الوطنية.
على ان الفدرالية لم تكن يوما خيارا للحكم الذاتي، لطائفة او عرق او مذهب. فهي في الحقيقة مجرد ايجاد الية محلية في المناطق، تناظر وتوازن السلطة المركزية من اجل ضمان التمثيل العادل لسكان تلك المناطق والمطالبة بحقوقهم. ويبقى الاقليم خاضعا للحكومة المركزية ضمن صلاحيات تحدد في دستوره، الذي يحدد بالمقابل صلاحيات الحكومات المحلية. وهذا ما حدد بوضوح في قانون ادارة الدولة في العديد من المواد منها المادة الخامسة والعشرون التي حددت الصلاحيات الحصرية للحكومة المركزية، والمادة الثانية والخمسين وما بعدها والتي فصلت صلاحيات حكومات الاقليم.
ومن جهة اخرى، فان الدولة الفدرالية تكون مكونة من اثنين او اكثر من الاقاليم.. اذ لا معنى لان يكون احد الاقاليم فدراليا، بينما لا يكون غيره كذلك. اما الاقاليم التي تتمتع بالحكم الذاتي، فالامر ليس كذلك. فالحكومة المركزية عادة لا تتمتع بنفس السلطات الفدرالية، وتكون المنطقة ذات الحكم الذاتي مكونة من غالبية من عرق او طائفة ما، وهي مناطق ذات وضع خاص لا يشمل حالها جميع مناطق البلاد.
وفي مسيرة التاريخ، نجد الكثير من المناطق ذات الحكم الذاتي ربما تمردت لاحقا مطالبة بانفصالها. اذ غالبا ما تلتف الحكومات المركزية على وضع هذه الاقاليم وتمارس نوعا من التضييق وانتهاك المعاهدات التي بموجبها وضع هذا الحكم الذاتي موضع التنفيذ. او يحدث ان يسيطر بعض الطموحين على مقاليد الامور في هذه الاقاليم، حيث يدفعهم هذا الطموح الى الاستقلال على اختلاف الطرق المتبعة لتحقيق ذلك.
ومن المعروف ان المطالبة بالفدرالية في العراق جاءت بالدرجة الاولى من الاكراد العراقيين، الذين اعتبروها ضمانة ضد اضطهاد (العرب) لهم مجددا. وتنشأ المخاوف لدى (باقي العراقيين) من كون منطقة الاكراد قد تمتعت بالفعل بالحكم الذاتي طيلة عقود، وان كان صوريا احيانا، مما ميز هذه المنطقة بوضع خاص. ويزيد من الامر تعقيدا ان الاكراد لا يسعون الى تهدئة هذه المخاوف، الا لماما.. بالتصريحات التي يطلقها زعماؤهم بين حين واخر حول رغبتهم (الطوعية) للبقاء ضمن الخيمة الوطنية العراقية. بينما تشهد الوقائع على الرغبة الجادة في الانفصال، والتي من اوضحها الاستفتاء الذي اجري في اقليم كردستان بالتزامن مع الانتخابات الماضية، والذي تمخض عن رغبة غالبية الشعب الكردي في الانفصال. كما ان الاكراد لايخفون رغبتهم الشديدة في ضم كركوك الى منطقتهم ويطالبون بحصص من عائدات النفط، بل انهم يحتفظون بجيشهم الخاص ويرفضون تواجد الجيش الوطني على ارضهم!
ربما يدعي البعض ان هذه المطالبات هي مرحلية وناشئة عن اضطهاد الاكراد من قبل الحكومات (العربية) المركزية طوال عهود من الزمن، وهي لا تعدو كونها ردة فعل لا اكثر. الا ان هذا مردود بان من مارس الاضطهاد ضد الاكراد قد مارسه ضد غيرهم ايضا.. ولا تكاد تكون هناك فئة في الشعب العراقي لم ينالها نصيب من الظلم والجور والحيف، يناظر او ربما يفوق ما تعرض له الاكراد. وتلك الحكومات السالفة وان كان (عربية) الا ان افعالها ليست تلبية لشعارات او استحقاقات (عربية) او شعبية باي حال. على ان طبيعة النظام الجديد تختلف كليا عن جميع الانظمة الماضية التي تولت الحكم في العراق. فالنظام الديمقراطي يشتمل على اليات محكمة، تمنع سيطرة فئة ما على مقاليد الحكم، وبالتالي تعرض الفئات الاخرى الى اي نوع من الاضطهاد.
وفي الحقيقة، فاننا نجد اشارات سلبية من موقف الاكراد كما يبدو لنا من خلال وسائل الاعلام. فهم بحكم كونهم قد نالوا قسطا وافرا من الحرية قبل باقي اخوانهم العراقيين بعقد من الزمن، وقد تمكنوا من بناء ديمقراطيتهم الخاصة في تلك الفترة واختبروها وهذبوها من خلال الانتخابات الدورية. ولكنهم رغم ذلك، لا يبدون مهتمين جدا في نشر تلك الخبرة الى باقي العراق، بل ويتصرفون على عكس تلك المباديء الديمقراطية. ولا اجد مبررا لذلك سوى الرغبة في الانفصال، سواء الان او بعد حين.
اننا في مرحلة كتابة الدستور، ولذلك يجب ان نعي حقيقة اساسية: اذا كنا نسعى الى عراق فدرالي، فيجب ان تتواجد مناطق فدرالية دستورية، يكون اقليم كردستان احدها. او على الاقل تعامل جميع مناطق العراق ما عدا كردستان على انها اقليم مناظر. بمعنى ان يكون لها مجلس اقليم وحاكما للاقليم وصلاحيات دستورية لكليهما. اما اذا اذا اتجهت النية الى منح اقليم كردستان وضعا خاصا، فيجب ان يكون ذلك ضمن اتفاقية حكم ذاتي، لا كونها اقليما فدراليا. ويجب الانتباه الى ان اتفاقية للحكم الذاتي سوف تحرم الاكراد من حقهم في المشاركة في الحكومة الوطنية، مقابل حصولهم على قدر اكبر في ادارة شؤون منطقتهم. والحكم الذاتي ربما يكون نظاما موروثا عن حقبة سابقة، ولم تثبت التجارب العالمية تجاحه على نطاق واسع. فلا نجد مبررا لاعتماد هذا الاسلوب.. ولكننا نحذر من الخلط بين الفدرالية التي يمكن لها ان تكون بين اي تجمعات سكانية ذات مصالح مشتركة، وبين خصوصيات معينة وجدت تحت عنوان الحكم الذاتي.